ناطق خلوصي: محمود سعيد : نصف قرن مع الابداع

حين شرّفني الروائي الكبير محمود سعيد بزيارته لي في بيتي بصحبة الصديق القاص والناقد حسب الله يحيى ، في مساء السابع من آب الماضي ، أتاح لي فرصة التعرف عن كثب على  خصائص في شخصيته لعل أبرز ما يتمثل فيها طيبته وبساطته وتواضعه وانفتاحه على الآخرين الى الحد الذي يجعل من يراه لأول مرة يشعر كأنه يعرفه منذ زمن .
 لم يكن محمود سعيد معروفا ًفي العراق كروائي قبل روايته ” زنقة بن بركة ” التي كانت قد صدرت عام 1970 وفازت بجائزة أفضل رواية في العراق عام 1993 . كان قد بدأ النشر أوائل خمسينيات القرن الماضي إذ نشرت أول قصة له في جريدة ” فتى العرب ” الموصلية  عام 1954 وكان قد استخدم   ” مصطفى علي نعمان ” اسما ً مستعارا ً له . صدرت مجموعته القصصية الأولى  ” بورت سعيد وقصص أخرى ” عام 1957 وكتب رواية ” عاصفة في سوق راكد “عام 1961 وقدمها الى اتحاد الادباء قي العراق بهدف طبعها ضمن منشوراته  وتم تنضيدها وتصحيحها لكنها لم تصدر بسبب الظروف القاسية التي مر يها العراق في شباط 1963 . أما روايته ” الايقاع والهاجس ” فقد كتبها في عام 1968 .
 ولد محمود سعيد الطائي في الموصل عام 1939 وحصل على بكلوريوس في آداب اللغة العربية وعمل في التدريس زمنا ً . غادر العراق بسبب ما عاناه من مضايقات وملاحقات وكان قد اعتقل في الأعوام 1962 و 1963 و 1980 . عاش في المغرب والامارات العربية ثم سافر الى الولايات المتحدة حيث يعيش في شيكاغو منذ عام 1999 ويقوم بالقاء محاضرات في جامعة دي بول فيها الآن .
 يقول انه كتب مئات المقالات ونحو عشرين رواية ومجموعة قصصية منها ” قضية قديمة ” ( 1963 ) و” زنقة بن بركة ” ( 1970 ) و” أنا الذي رأى  ” ( 1980 ) و ” ثلاثية شيكاغو ” ( 2003 ) و ” الدنيا في أعين الملائكة ” ( 2006 ) و ” بنات يعقوب ” ( 2006 ) و´الشاحنة ” ( 2011 ) ثم ” نطـّة الضفدع ” التي طبعت في بيروت مؤخرا ً ولم تصلنا حتى الآن . 
 ترجمت رواينه ” أنا الذي رأى ” ( الصادرة عن دار الساقي في لندن ) الى الانكليزية ثم الى الايطالية ، واختيرت من بين أفضل خمسين رواية في العالم .
 وفضلا ً عن فوزه بحائزة أفضل رواية في العراق عن ” زنقة بن بركة ” فإنه فاز بجائزة نادي القصة  عن ” نهاية النهار ” عام 1996 ، وجائزة عن قصص الأطفال في أبو ظبي عام 1992 وكان قد فاز بجائزة في القصة القصيرة في العراق عام 1956 ، وفازت روايته ” الدنيا في أعين الملائكة ” بجائزة الملك فهد كأحسن كتاب مترجم الى الانكليزية . اختارته منظمة العفو الدولية مع 36 كاتبا ً على مستوى العالم لكتابة قصص فصيرة حول ميثاق حقوق الانسان في ذكرى صدوره الستين وصدرت المجموعة بالانكليزية عام 2006في لندن وأدنبرة ، ثم في كندا  على أن تترجم الى عشرين لغة كما يقول محمود سعيد .
   لقد اتيحت لي فرصة قراءة ثمانية من أفضل الأعمال الروائية لمحمود سعيد قلاحظت ان محنة المغترب العراقي تشكل ثيمة رئيسية في أغلب هذه الأعمال ترافقها ثيمة الجنس  التي تستأثر باهتمامه ببعدها الانساني وليس بهدف استفزاز الغرائز . ولعل في عيشه في بلدان منفتحة اجتماعيا ً مثل المغرب والولايات المتحدة الأمريكية ما أتاح له صراحة التعبير عن هذه الثيمة في العديد من رواياته .. لقد عاش الروائي شخصيا ً محنة الاغتراب القسري عن وطنه ومرّ بتجربة  قاسية فكان لابد من أن تجد طريقها الى ما يكتب فانعكس ذلك أول ما انعكس في روايته ” زنقة بن بركة “التي تمثلت فيها شخصية العراقي المغترب في شخصية ” سي الشرقي ” الذي هو محمود سعيد بكل مواصفاته . لقد عبّر الروائي من خلال هذه الشخصية عن صدق معاناته حين وجد نفسه مضطرا ً لمغادرة وطنه بحثا ً عن ملاذ آمن بعد أن حاصره الاضطهاد وأتعبته الملاحقات الأمنية فكان أن حط الرحال في المغرب التي استوحى أحداث روايته من بيئتها الاجتماعية والسياسية .وربطها ببيئة بلاده .
 وتجدد هذا التعبير عن معاناة المغترب العراقي في ” ثلاثية شيكاغو ” بأجزائها الثلاثة . فأبطال هذه الروايات ” عراقيون ضائعون أو مشردون أجبرتهم ظروف قاسية على الهرب من وطنهم على أمل أن يجدوا في الولايات المتحدة  الوطن البديل الذي يحقق أحلامهم في الحصول على ملاذ  آمن بعيدا ً عن قسوة الواقع العراقي الذي أنهكته الحروب وعمّقت جراحه ، لكنهم يكتشفون انهم كانوا على وهم فينغمسون في الجنس هربا ً من خيباتهم المتلاحقة . ” ( من مقالنا عن الثلاثية في ” الزمان ” عدد يوم 14 كانون التالي  2010 ) . ففي رواية ” حافة التيه ” ( وكان قد نشرها من قبل بعنوان ” الضالان ” عام 2003 وبرر لنا اعادة نشرها بالعنوان الجديد بأنها كانت قد تعرضت للحذف في طبعتها الأولى )، وجدنا ان بطلها عمر الذي يقف على عتبة الشيخوخة ( وفيه العديد من ملامح محمود سعيد الشخصية ) كان قد هرب من العراق الى الولايات المتحدة في أعقاب أحداث شباط 1963 . وفي الجزء الثاني الذي يحمل عنوان ” أسدورا ” تعرية للواقع العراقي أيام الحصار وقبل هروب شخصياتها من العراق ثم بعده مع التوقف عند ما واجهوه في الولايات المتحدة من متاعب .  أما  في ” زيطة وسعدان ” ( وهي الجزء الثالث من الثلاثية ) فيروي الكاتب حكاية أو محنة العراقي سعدان الذي كان لاجئا ً في مخيم رفحاء قبل وصوله الى الولايات المتحدة فوقع في شباك حسناء لعوب ضحكت عليه واستغلت سذاجته وغباءه واستخدمته أداة لتحقيق مآربها الشخصية التي لا علاقة لها به على الاطلاق .
وفي ” الشاحنة ” نلتقي بشخصية  العراقي حسين وهو على شاطىء البحر مغتربا ً في بلد هو غير بلده بعد أن ” غير اسمه ، فأصبح له اسم آخر ، جواز سفر آخر ، وطن آخر . هو الآن في مأمن ” بعد ان خاض مغامرات انتهت الأخيرة منها نهاية دموية . ويفيد خبر صحفي ان روايته الجديدة ” نطـّة الضفدع ” تتحدث عن قصة هرب شابين من الخدمة العسكرية من العراق الى سوريا ومنها الى لبنان فيعيشان العديد من الأحداث الى أن تنتهي تلك المغامرة بخيبة أمل كبيرة .
 ان محمود سعيد حميم في علاقاته مع أصدقائه ، دائم التواصل معهم . لقد تبادلت معه شخصيا ً عشرات الرسائل الالكترونية ، وهو شديد المتابعة لما ينشر في الصحف والمجلات العراقية والعربية والأجنبية وما ينشر عته بشكل خاص . ولا يتوانى في الرد على ما يجده يستحق ذلك . يقول الشاعر عواد ناصر في عمود كتبه في ” الف ياء الزمان ” ( عدد يوم 14 حزيران 2010 ) ردا ً على رسالة وصلته منه : ” أود أن أنوه بجملة الردود التي تردني دائما ً من هذا الروائي المبدع واتحفظ عن ايرادها لما تنطوي عليه من حميمية واستجابة رائعة وفورية ورغبة في التواصل وهو يمارس حقه بحرية في التمتع وامتاعنا معه ، بل وهو يمارس حرية الحق الذي لا يخشى صاحبه نعمة التلذذ بها على انها احد أوجه  مسؤولية الكاتب ” .
 وأجرى الصديق كرم نعمة حوارا ًمعه في ” ألف ياء الزمان ” ( عدد يوم 3 آذار 2011 يعترف سعيد فيه انه ضعيف في اختيار عناوين رواياته ويميل الى التغيير . وقال ردا ً على أحد أسئلة المحاور ” أنا لا أكتب أية رواية أو قصة قصيرة بدافع أدبي خالص . أنا أكتب أدبا ً ولا أفكر أن يصبح أدبا ً خالصا ً : الأدب الخالص يدعى أحيانا ً الأدب للأدب …. أنا لا أحب هذا النوع من الأدب . ما أكتبه تنطبق عليه صفة الأدب الواقعي . كل رواياتي انعكاس للواقع . أنا كاتب واقعي واسلوبي واقعي  “. وحين سأله محاوره كيف يكتب عن العراق وهو بعيد عنه قال : ” أنا بعيد عن العراق فعلا ً لكنني قريب منه بطرق أخرى . فبالإضافة الى الاطلاع على الأخبار ، أتصل كثيرا ً بعائلتي ، أصدقائي ، معارفي . لكن هناك سؤالا ً يتبادر الى الذهن : هل من الضروري أن يكتب انسان ما ، أي كاتب ، عن موقع معين إن لم يكن يعيش فيه ؟ ان الأدب الواقعي لا يعني صورة فوتوغرافية من الواقع قط بل هو ما يمكن أن يقنع القارىْ بأنه يرى الواقع في عين المؤلف ” .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| حيدر حسين سويري : الرؤى والاحلام من وجهة نظر اجتماعية .

   ينتقد الناس ظاهراً الشخص الذي يتصرف وفق ما يراه في أحلام المنام او اليقظة، …

| مهند النابلسي : **نكزات فيسبوكية طريفة .

*ليست ارضية” وفي الصميم/2019/2020/2021: كتابة ساخرة شيقة بلا أسماء وشخصيات أرضية بل كوكبية كونية! **واحد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.