قيس كاظم الجنابي: مقالة السيرة والموضوع.. قراءة في كتاب (مقالات في الأدب والثقافة)

-1-
المقالة الأدبية فن نثري ، محدود الطول والموضوع ، تكتب بطريقة عفوية سريعة خالية من الكُلفة والرهق. وشرطها الأول أن تكون تعبيراً صادقاً عن شخصية الكاتب[ فن المقالة للنجم/ ص95]. والدكتور سعيد عدنان ممن يكتب المقالة الأدبية ، ويهتم بمن كتبها وينقدها على طريقته الخاصة، وقد سبق له وأن كتب كتاباً عن علي جواد الطاهر مقالياً(النقد المقالي)، وعن أدباء المقالة الأدبية بعنوان( أدب المقالة وأدباؤها)؛ ولكنه في كتابه ( مقالات في الأدب والثقافة) الصادر عن جامعة الكوفة سنة 2018م، لا يكتب نقداً عن فن المقالة، وإنما يمارس كتابتها مقتفياً خطى استاذه الطاهر، وهو يكتبها بطريقة كتابة المقالة الاستقصائية التي تحيط بالموضع من مختلف جوانبه.
لقد حاول الكاتب أن يمرّ ولو سريعاً من خلال نصوصه هذه على طبيعة المقالة وكيفية كتابتها ،وإن كان لا يميل الى التنظير لها ،واستحضار تاريخها، ولكنه يدلو بدلوه في ميدانها الواسع، بطريقة وئيدة ؛ فهو يقول عن علي الطنطاوي :” كتب المقالة وجوّد فيها” ،وعن توفيق يوسف عواد: ” وكانت المقالة ذات الفن قد عرفتها الصحافة منذ أواخر القرن التاسع عشر، وأوائل القرن العشرين ،وعرفت أساليب مختلفة”. [ص100].
كما يقول عن محمد حسين هيكل:” ان هيكل كاتب يقدّم المعنى على اللفظ؛ غير أن مقالته فصيحة، محكمة ، حسنة البناء، مطردة ، تبين عمّا تريد إبانة واضحة”.[ص186] وقال عن علي جواد الطاهر:” ومع النقد أو قبله ، كتب المقالة الأدبية؛ على شرطها الذي يجعل منها نوعاً من أنواع الأدب ،ويعيد لها مجدها الذي كانت عليه في زمن مجلة (الرسالة) وأعلام كتّبها ، سادة النثر العربي الحديث ،وله منها :(وراء الأفق الأدبي)،و( أساتذتي ومقالات أخرى)،و(الباب الضيق)،و(كلمات) وغيرها. وكلّها مما بني على الحق والخير والجمال، على نحو من الائتلاف والانسجام”.[ص 297].
ولكنه يضع استاذه الطاهر، في مقدمة من كتاب المقالة الأدبية ، فيحاول من خلاله التوغل في مجاهلها الخفية، فكتب عنه نحو خمس مقالات، كانت المقالة الأولى عنه بعنوان( علي جواد الطاهر.. وضوح الرؤية واتساق الموقف)، مشيراً الى ” أن وضوح الرؤية، واتساق الموقف، ركنان متينان في بناء استاذنا علي جواد الطاهر ،وقد صحبته عشرين سنة، يوماً على يوم ، من سنة 1979 حتى وفاته رحمه الله ، في سنة 1996م، فرأيت كيف تكون الرؤية واضحة ،وكيف يكون الموقف متسقاً ،وكيف ينسجم القول مع السلوك حتى يصبحا شيئاً واحداً”[ص142].
وأشعر بأن في هذا الكلام نوعاً من الضبابية، مغطاة بنوع من الوفاء والمجاملة، فهو لم يفسر لنا ماذا يريد بالاتساق هنا؟
وفي مقالة ثانية له عن الطاهر، عنوانها( علي جواد الطاهر.. معلماً) وهذه المقالة تنطبق على طبيعة الدرس الذي يقدمه الطاهر، وقد سمعت الراحل خالد علي مصطفى يقول عنه( كان الطاهر معلماً جيداً، ولم يكن ناقداً )؛ مشيراً الى أنه كان كاتب مقالة أدبية انطباعية جيدة. أما مقالته الثالثة عنه؛ فكانت بعنوان( علي جواد الطاهر … المحقق) وهو بلا شك كان كذلك ، صبوراً متقدماً.
-2-
غالب مقالات سعيد عدنان ، هكذا لأن المقالة فن ابداعي ولي دراسة وبحثاً، هي من نوع مقالة السيرة ،وهي المقالة التي تهتم بالعلاقة بين الذات والآخر، فهي بالتالي صورة حية لإنسان حي”[فن المقالة للنجم/ ص128]. وهي المقالة التي تتناول سيرة الشخصية بطريقة انطباعية، وهي متشابهة من حيث البناء ؛ فقد كتب مقالتين واحدة عن أمين نخلة والأخرى عن سامي مهدي ،كما تناول آخرين على هذا النحو.
في مقالته الأولى عن المعنونة ( أمين نخلة .. شاعر الكلم الخضل) يبدأ بسرد حياته الثقافية بطرية انشائية منمقة، فيجعل هيكل المقالة أقرب الى الهيكل الصحفي ( مقدمة، متن، خاتمة)، وفي الغالب تذوب المقدمة والخاتمة بالمتن، لتصبح ذات وحدة واحدة.
و في المقالة الثانية (أمين نخلة في أمرٍ عجب) تبدو مقالة السيرة أكثر وضوحاً حيث يبدأها بقوله:” أمين نخلة ، أديب ، كاتب ، شاعر، من سادة البيان العربي في القرن العشرين؛ يكتب فترقص الحروف على قلمه، وينشد الشعر فيملك الأسماع، ومفكِّرته الريفية نمط فريد من النثر العربي كلّه”[ص 213].
ولكننا حين نستعرض بعض مقالاته عنه، نجده لا يتزحزح قيد أنملة في رأيه، وموقفه منه ومن كتاباته، التي طرحها في مقالته الأولى عنه، حين يناقش مقالة لطه حسين بعنوان (رسالة الأمر والنهي) من كتابه ( مرآة الضمير الحديث)، فيتوصل الى أن استناد طه حسين الى أفكار ورسائل الجاحظ ، كانت لعبة منه يوهم القارئ بها ،وأن نخلة قد وقع في الفخ، ثم يختتم مقالته عنه بقوله:
” قال صاحبي وهو يضحك ؛ إنما هذا تفسير. أملاه عليك حبّك لأمين نخلة..؟
قلت : ربّما..!”[ص 216].
أما مقالته الرابعة عن الطاهر ، فكانت بعنوان (علي جواد الطاهر في الصحافة)، وقد نشأت المقالة الأدبية وترعرعت في ظل الصحافة وتحت جناحيها، فقد نشر الطاهر معظم كتبه المقالية بصفة مقالات متسلسلة في صفحات (الجمهورية)، و(الثورة)،و(ألف باء)، وترعرعت الصحافة المصرية تحت رعايتها، وشهدت أوج نموها وتطورها تحت ظل مجلتي( الرسالة)،و(الثقافة). أما مقالته الخامسة( علي جواد الطاهر.. في ذكراه العشرين) فهي استذكار طالب لإستاذه ، مشيراً الى أنه ” زاول النقد، فكتب عن الشعر، وعن القصة ،ووقف عند الجيد فيهما مشيداً ، معززاً ونبه على موضع الرداءة ؛ حتى بلغ رفيع المنزلة في ميدان النقد الأدبي ، يطلب رأيه ويُسمع قوله”[ص246].
وفي العموم مما لا ينكر أن الطاهر كاتب مقالة متميزة، ولكنه كان متأثراً بما كانت عليه المقالة في فرنسا، محاولاً ان يقتفي سيرة وكتابات الدكتور طه حسين ومقالاته ،وقد حملت بعض مقالاته عنوانات لمقالات طه حسين نفسه، وحتى كتاب الطاهر ( كلمات) هو عنوان لكتاب مقالي لطه حسين؛ وقد تفجرت موهبة الطاهر بالمقالة بعد أن رأى مقالات حسين مردان في كتابه ( مقالات) الصادر عام 1955م، ثم مقالات مردان في مجلة (ألف باء) والتي نشر بعضها في كتابه (الأزهار تورق داخل الصاعقة)، ولهذا تتبع سيرته وكتب عنه وجمع مقالاته؛ والطاهر في كل الأحوال ناقد انطباعي من الدرجة الرفيعة وغي ميال للتجديد، لهذا وظف قلمه ضد التيار البنيوي، وكأنه لا يعرف بأن لكل جيل توجهاته ، مهما اختلف عمن سبقه، أقول هذا وأنا لست بنيوياً، وقد قرأت كتاباً للدكتور قيس الخفاجي عن استاذه الطاهر ،عنوانه (الفكر النقدي) وهو أطروحة دكتوره فلم أجد فيه سطراً واحداً يدعمني استشهد به في كتابتي عن مقالات الطاهر بكتابي (المقالة الأدبية)، مما يؤكد هيمنة المقالة الأدبية على نقده، و هيمنة الطابع الانطباعي والمزاجي على نقده ومقالاته.
واذا كانت مقالة السيرة، قد استحوذت على مساحة كبيرة من الكتاب ، فإنّ مقالة الموضوع/ الفكرة استحوذت على المتبقي من مقالات كتاب الدكتور سعيد عدنان، ومن ذلك مقالتاه اللتان استهل بهما الكتاب عن (الشعر القديم)، وطبيعة مثل هاتين المقالتين، وكيفية كتابتهما تستند على عدة أبيات من الشعر، قديمه أو حديثه، كما فعل مع الفرزدق والرصافي والجواهري وبدوي الجبل وثلة من الشعراء، ويمكن أن نعمم ذلك على الشعراء الآخرين، والأدباء من غير الشعراء، فهو لا يبدأ حديثه عن الأبيات المختارة ،أو المنتقاة، مباشرة وإنما يمهد لها ، ثم يدخل في الموضوع، ويبدأ بتفسير فكرة / موضوع الأبيات تفسيراً يكون في غالب الأحيان انشائياً، يبحث فيه عن جمال اللغة ،ورقة الأسلوب ،وشاعرية الموقف، ومثل هذه الموضوعات ذات طبيعة مزاجية أو انطباعية؛ ففي مقالته ( من منحى القصص في شعر الفرزدق) تحدث أولاً عن أسلوب الفرزدق وقربه من الشعر العربي القديم، وربما مثل هذا الموضوع للناقد المتتبع لا يكفيه كتاب من حيث الدراسة والبحث ،وديوان الفرزدق خصب، وفيه من النقائض والصراعات والهجاء والمديح والفخر ما يوفر بحثاً في علاقة الحكاية بالقصيدة، وهو يشير اليه وهو يتأهب لذكر الأبيات السبعة له موضوع المقالة بالقول:” ولقد جرى الفرزدق في مورده هذا على النهج من القصّ ؛ فرسم معالم الحكاية ،ودسّ فيها عرقاً من الهجاء، وجعل الى جواره عرقاً من الفخر، وشرع يعبث بدليله”[ص18]. ولا بدّ له من أن نفرق بين الحكاية والقصة ، فنحن في القرن الواحد والعشرين، فقد كان العنوان عن المنحى القصصي وتحدث هنا عن الحكاية.
وفي مقالته( من بلاغة الاهداء) ثمة عودة الى مقالة الفكرة/ الموضوع، والاهداء هنا، يريد به ما يهديه الكاتب في مستهل كتابه ، ويعد نقد الاهداء والعنوان والأغلفة، من متطلبات النقد الظاهراتي الذي يهتم بظواهر الأشياء، والأعمال الأدبية، وفي العراق من النادر يجري تناول مثل هذا الموضوع الا في السنوات الأخيرة، وهيكل المقالة هذه يبدو واضحاً ،ومقصوداً فهو يقول في المقدمة التي ساقها ،وهي أربعة أسطر، و” إهداء الكتب شيء قديم لا يخلو منه عصر من عصور الأدب” [ص 276].
ثم ينساق مع الموضوع حتى يدخل في صلب المقالة، فيقول:” وكان من القدماء من يؤلف الكتاب ليلقي به وجهاً من وجوه الدولة بغية النوال فعل الشاعر اذ يلقى ممدوحه بقصيدته”[ص276]؛ فلما بلغ نهاية المقالة عاد الى ما استخدمه من الاثارة في افتراض وجود صاحب له يخاطبه، فيقول:
” قال صاحبي: ليت أهل القلم يُنزلون أنفسهم منازلها ويعرفون أقدارهم ؛ فلا يصبّوا الشراب في غير إنائه…!
قلت: تلك أمنية بعيدة…!”.[ص 279].
وهذه الخاتمة مستقاة من أسلوب الطاهر في كتابة، في افتراض وجود حوار مضمر بينه وبين المتلقي/ القارئ، أما القارئ المتخصص أو الاستقصائي ، فليس من شأن هذا الأمر التوغل في أعماق الفكرة ومدياتها المختلفة.

-3-
اذا كانت المقالة الأدبية فناً نثرياً يرتبط بالذات ،ويتشكل في ظل هواجسها ، وفيها الكثير من نزعات القصيدة في العلاقة بين الذات والنص، فإن الكاتب لا بدّ له أن يظهر صلته بالمتلقي ، وهي نضاحة تكشف عن صبواتها وصبوات كاتبها بسهولة، وهيكلها لا يؤثر في انسجامها وانسيابها وسيرها الوئيد . والكاتب يظهر انطباعاته عن الشخصيات والموضوعات والأفكار ، من غير لف و لا دوران ، والكاتب المحترف يكتب المقالة أسبوعياً ، فيبحث عن موضوع يغطي به هواجسه، كما كان الراحل مدني صالح يبحث عن ذلك بين طلابه فإذا تلقف الفكرة انزوى يكتبها وكأنه يقبض على حفنة من الرمل الحار، يريد أن يتخلص من عبء الاكتشاف. ووحدة المقالة ضرورية، فهي قطعة نثرية لا يريد لها كاتبها أن تكون على عدة قطعٍ؛ ولهذا يلجأ كاتب المقالة الى كتابة عدة مقالات عن موضوع واحد ، حتى لا تطول المقالة وتخرج عن اطارها المرسوم لها، وحتى لا تتشتت الفكرة، ويصبح القارئ في حيرة من أمره؛ فقد قال عن توفيق يوسف عواد (1911-1987م)، وكتابه (هوامش):” زادت مقالات الكتاب على مائتي مقالة، كل مقالة تستغرق صفحة واحدة لا تزيد عليها ، ينتظمها بناء واضح المعالم؛ يبدأ الكاتب بعنوان يجعله على رأس الخاطرة المصباح يضيء الدرب اليها، ثم يهبط منه فيشرع بجملة أو جملتين يفتتح بهما القول على نحو اللمحة الخاطفة ، ثم يبسط الحديث بجمل وجيزة ، تحيط بما يريد أن يُعرب عنه، وتنظر اليه من نواحيه كلّها”[ص101]. ولعل هذا النظام في كتابة المقالة كان أمام ناظريه وهو يكتب هذه المقالات؛ لهذا طاف بغالب الباحثين وكتاب المقالة فكتب عنهم مستلهماً أساليبهم وقدراتهم الثقافية بطريقة مقالية انطباعية جميلة.
ولا يمكن أن تكون المقالة متكاملة،أي مقالة ، ما لم تحتوِ على الجانب الذاتي ،وعلى شيء من الاستطراد ، لأنه ضروري لاستكمال الموضوع من كل جوانبه، وخصوصاً عندما يتعلق الأمر بمناقشة كتاب أو موقف ما أو شخصية ما، كما في مقالته ( عبدالعزيز المقالح في كتاب الأصدقاء)،لأن الاستطراد له تأثيره الكبير على القارئ ، يستخدمه الكاتب لإطالة المقالة ومن أجل التنويه الى أمر ما يراه يستحق الإطالة، وهو بالأساس قد يكون خارج موضوع المقالة، كما في قوله:” وكلّهم ، كل الأصدقاء الذين احتفى بهم، وأزجى لهم تحية المحبة ، كلهم ممن بدا له فيهم ما يبقى على الزمن من عناصر حية يلتقي منهم على شرط الالفة والمحبة ،وهما مصباحان مضيئان تعز الرؤية دونهما”.[ص54].
والاستطراد عنصر من عناصر كتابة الرسائل في النثر العربي القديم، وقد برع في الجاحظ ، بعقله الحجاجي المعروف ورؤاه المعتزلية ، وكان الطاهر يقتفيه في ذلك ؛ بينما يميل حسين مردان الى عدم الالتزام ،فأناه تطفح على السطح، وشعوره بالعظمة هو فوق كل اعتبار.
أما الانطباع ، فهو لصيق بالمقالة الأدبية، نقداً وكتابة، وفي المقالة الأدبية والانشائية والصحفية، وربما السياسية، وللإنطباع علاقة أحياناً بخاتمة المقالة الأدبية لدى، كما في المقالات: ( سامي مهدي في يحدث دائماً)،و( سامي مهدي في مختاراته )، و( محمود المسعدي والأدب الفلسفي)،و( جعفر الخليلي ..أديب رائد)،و( محمد حسين هيكل .. الناقد)،و(أين آثار المازني؟)،و( نادية العزاوي ورحابة الأفق الأدبي).

شاهد أيضاً

د. فالح نصيف الحجية الكيلاني: التعريف بمؤلفاتي المنشورة ورقيا والكترونيا
الكتاب السابع والعشرون: (الحرب و الايمـــــــــــــان) ديوان شعر– المجموعة الخامسة

يحتوي الديوان على القصائد التالية: الحرب والايمان – بغداد- ليلة الاسراء – رحمة الله – …

خصائص الرواية العراقية التجديدية:
قراءة في رواية انزوريكا للكاتب العراقي سعد الساعدي
بقلم الناقدة والشاعرة الليبية/ نعيمة عبد الحميد

تشهد الرواية العربية تغيرات وتطورات شأنها شأن أي نوع أدبي آخر تبعا للحداثة والمعاصرة التي …

محمد رمضان الجبور: صور المرأةفي الأمثال الشعبية في كتاب (هَمّ البنات للممات) للباحث والقاص هاني الهندي

من الكتب الصادرة حديثا عن دار هبة ناشرون وموزعون /عمان ، يقع الكتاب في مئة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *