حوارات مع جوليا كريستيفا: علاقتها مع زوجها وابنها (الحلقة1)
ترجمة: سعيد بوخليط

” لانتخيل إلى أي حد تتجلى صعوبة التماسك حينما تعيش امرأة مع زوج ليس كالآخرين،ولديها طفل يختلف عن الآخرين،ومهنة غير باقي المهن ،وبأن مختلف محاور الارتباط تلك وبقدر كونها ارتقاء فهي تمثل عائقا أيضا(مع أخذ بعين الاعتبار أن كل واحد منا لايشبه”الآخرين”)وتقوم على توازن”مغاير تماما”يصعب تخيل ذلك !”(كاترين كليمون،جوليا كريستيفا،الأنثوي والمقدس،ألبان ميشيل،2015 )
*صامويل دوك :أستعيد رواية الساموراي. النص الذي يقدم لنا أول جسر بين وجودكم الواقعي ثم المتخيَّل،سرد بين حياة خاصة ومتخيلة،حكاية،تتعلق بكم،وأنتم تتأرجحون بين الواقعي والمتخيَّل.إحدى المقاطع التي لامستني أكثر حينما تحدثتم عن فترة الحمل والأمومة.لحظة تشغل مكانا محوريا في أعمالكم الإكلينيكية ثم دفعتم الاختصاصيين و المحللين النفسانيين كي يطوروا تحديدا مفهوم الارتكاز الأمومي. مع ذلك بقيتم شيئا ما متحفظين كفاية بخصوص تجربتكم مع الحمل(1).هل حدث ذلك بعد عودتكم من الصين؟سؤال جد متطفل؟وكيف عاش فيليب تلك الحقبة المميزة جدا؟
: (1) “إذن حتى لو كانت الأم تجهل الجنين الذي ستمنحه الحياة،فإن جسدها يعلم ذلك سلفا.يشعر بصدمة: التطعيم المفترض أن ينمو بكِ،يبدأ في إضعافكِ (…). لم تعودي واحدة، بل أصبحتِ ثنائيا.حيوان، فيزياء، كيمياء: يكشف الآخر الذي تطويه على أنكِ آخر.غير بشرية،قاصرة،لكنكِ متسيِّدة.تواصل عيناكِ متابعة أطوار الأوبرا وأنتِ تهتزين معها على نحو مضطرب،مهووسة(تهيئ حفاظات الطفل،لباسه،عربته،السرير الصغير،إضافة إلى تدابير المهنة المعتادة)،لكنها لاتنظر وجهة أمَامِهما.تتقوس نظرتكِ نحو الداخل،لاترى شيئا،وتصير سمعا ولمسا،تغمركِ فقاعة من اللذة والجزع ولادراية بخصوص كيفية نهاية هذه المغامرة !يمثل الحمل الصيغة المعتاد للافتتان.أيضا،بالنسبة لأولغا “( رواية الساموراي، ص410 ).

* جوليا كريستيفا : نعم” يمثل الحَمْل الصيغة المعتادة للافتتان”،مثلما كتبتُ. هل كان تطورا لعلاقة غرامية،أو تعميقا لتحليلي النفسي السريري،أو حقيقة تستلهم تلك الأمهات الصينيات المتوهجات في ظل قوقعة الايديولوجية الشيوعية؟كنت في سن الثلاثين، بالتالي صارت رغبة إنجاب طفل مسألة أساسية، يتعذر كبحها بالنسبة لتلك”الطفلة الصغيرة”التي سكنتني وفضلت الكتب على الدمى،ثم هاهي منشغلة حاليا بعربة الأطفال…بعد حالتي إجهاض قاسيتين اتخذت قرارهما بالاتفاق مع فيليب،لأننا لم نكن متيقنين من رغبتنا في الإنجاب، ثم حدثت أخيرا لحظة الاتفاق.
*صامويل دوك :كيف جاءت ردّة فعل فيليب؟
*جوليا كريستيفا :لم يظهر تحمسا و لاتحفظا،كما الشأن بالنسبة لزواجنا.لأن سوليرز يقارب الوجود بجدية، تصور دأب منتقدوه بسببه على مؤاخذته .إذن تبادلنا أفكارا مؤثرة،أحاديث مختزلة،متحفظة وساخرة،في انتظار الحدث،نمرح مع الأطفال والشبان الذين يلعبون حولنا على رمال شاطئ لاكونش،بالقرب من منارة الحيتان.لقد حددتم بكيفية دقيقة الفقرة المعبرة عن الحالة ضمن صفحات رواية الساموراي.فقد حاولتُ ملامسة هذه الشخصية الفالتة مني،أو ”كريستيفا” أخرى.ترجمة حساسية متلاشية، فضلا عن كونها ملغِزة مثل اللاوعي الفرويدي،عند حدود الإحساس و البيولوجية.إعطاء أجساد وكلمات إلى هذه “الجوانب الغامضة” لدى الكائن الحي،غبطة طبيعية يتم رغم ذلك التفكير فيها،وقابلة كي تصير معقولة.اعتقدتُ دائما بالكشف عن هذا السر في النظرات الحالمة،وقد استدارت نحو الداخل،تماثيل العذراء لفترة النهضة الايطالية.تزودتُ بكاميرا ”سوبر8″،وشرعتُ في مسح الأهوار الفنية المالحة، أوثق بالصور للملح،الماء، الجياد، ثم لحظات غروب الشمس.هكذا وضبتُ فيلما قصيرا تناوبا بين هذا الانغماس الحالم وكذا”ومضات”مختارة تعود إلى لوحات ساندرو دي فيليبيني”العذارى والطفل”،الأول الذي غيَّر شكل الأيقونات البيزنطية إلى الفن التشكيلي الواقعي.ينبغي لهذه الصورة أن تمكث في زاوية ما ضمن معطيات أرشيفي.

جوليا كريستيفا

*صامويل دوك : لكنكم عملتم على تحليل هذه الحالة الخاصة جدا بين صفحات دراساتكم الإكلينيكية.
*جوليا كريستيفا : صحيح أواصل هذا السعي وفق أوبرا أخرى،أكثر صفاء،تلك المتعلق بالتحليل النفسي.أتخلص، خلال مراحل عديدة، من مفاهيم معتادة، في إطار هاجس تحويل مفهوم”الغريزة الأمومية”(توضيح سريع،ليست فرويدية،لكنها تنتمي إلى المجال الواسع للتعميم”السيكولوجي”).البيولوجيا والدلالة،العدوان والدعم :أقترح التفكير في عنف الحقارة،لكن أيضا زخم الاعتماد،كرافدي لتجربة الأمومة.سنعود بالتأكيد لهذا الجنون المؤسِّس،وتبعثره المكابِد،تسندهما الوظيفة الأبوية،وكذا انتقال اللغة.بالنسبة لتجربة معينة،تعتبر الأمومة صيغة واحدة !
* صامويل دوك : وأنتم،ما موقعكم ضمن مختلف ذلك؟
*جوليا كريستيفا : مثلما سمعتم.عزيزي صامويل،تعكس ذاتي فيلقا ! هي شيطانية، وفق تجليات عدة.لكني أحدثكم دائما عن “الأنا”.بمعنى عندما أتلفظ بمفهوم الاعتماد .فقد اختبرت قوة ذلك منذ الحمْل والوضع.تمت الولادة في ظروف جيدة،بمعنى مؤلمة،مع تخدير موضعي،ثم طفل جميل،التقطت صور،في غمرة فرحي وفيليب.لم يتمكن والداي من المجيء بسهولة إلى فرنسا،أما والدا فيليب فقد أفسحا المجال للثنائي الشاب كي يحتفل بالمولود الجديد،اختار فيليب بلا تردد اسم دافيد وقد أعجبني.دافيد المبتهج،اسم عائلته لأبيه،ابن فيليب المبتهج يضيف سوليرز، وكذا جوليا كريستيفا الزوجة السعيدة.على الفور،وعفويا دون تكلف، أبدى الأب اهتماما، تؤطِّره رِقّة استثنائية.لازلت أستحضر الصورة كما الآن،محتضنا دافيد، يتقمَّطه ويشدو له….طبعا ليس أغنية”على ضوء القمر”،بل موزارت،من خلال القطعة الموسيقية(يتنفس قلبي ليلا…)وكذا باخ(تمجيد الثالوث المقدس…)فيما بعد سجلناها على شريط،أظهر دافيد وهو طفل،شغفا بالاستماع إليه،يستظهرها عن ظهر قلب،ولازال ينشدها أحيانا صحبة أبيه :”أبي الذي أعشق”،يردد ذلك مع تطور سنه، بينما يبقي إليّ التمرد والشجارات وكذا تفاصيل اليومي.ستقولون،عزيزي صامويل،بأنها عقدة أوديب لاتشبه غيرها !.
*صامويل دوك :أنتم من صرحتم بذلك !
*جوليا كريستيفا :نفعل ذلك نحن الثلاثة والابتسامة لاتفارقنا،وضع نادر بالأحرى ، من خلال تلك الجوانب التراجيدية ل”العُقَد” التي استدل عليها الدكتور فرويد.الضحك بمثابة إمضاء من طرفنا نحن الثلاثة،رغم تيار التجارب التي اعترضت سبيلنا؛ إنه يؤشر على تقاسم و تبادل، الأحزان، التبريرات أو الانتقادات، ثم تخفيف وطأة ذلك وفق تواطؤ غير مخادعٍ،ولا أيضا صعوبات أو وضعيات. هكذا،استند الثلاثي السعيد على لازمة مفادها : “يتصف الرجال بالهشاشة في حين تشتغل النساء”.هكذا حاولت بدوري الظهور ضعيفة،أحيانا إذا بقي لي الوقت،لكن غالبا لاينجح الأمر. عندما كان دافيد صغيرا،اصطحبه فيليب لزيارة الكنائس الباريسية، ويستمعان إلى آلة الأرغن، وكذا أشرطة وأسطوانات موزارت، باخ، و فيفالدي…بدوري انتدبتني متاحف :اللوفر، فيرساي، قصر فولوفيكومت، وكذا قصور لالوار…عرف”برنامجي”نجاحا،لكن دافيد وجد أكثر تسلية الاستمرار في الذهاب صحبة أبيه.حين عودتهما،أضحى مألوفا تكرار اللازمة الغنائية أب/ابن،والتي لم تتوقف غاية الآن،مثلما ستلاحظون ذلك في روايتي”ساعة التوقيت المغتبطة”:”إننا صبايا غاسكونية/مقاتلين ومخادعين بلا حياء/ من كاربون كاستيلجالو/هكذا،نحن صبايا غاسكونية”.
*صامويل دوك :لكن حدثت مظاهر انشطار فُصامي فيما يتعلق بنمو ابنكم دافيد،دون تجليات واضحة،ثم أضحت الأمور أكثر تعقيد؟
*جوليا كريستيفا : خلال مرحلة الوضع،بادرنا إلى تشخيص مشاكل تتعلق بالوظائف الحركية.رغم فحوصات عميقة،جاءت النتائج سلبية،بالتالي لم نخضع لوصفات علاجية.فيما بعد،بدأت أعراض تفاقم حالات انشطار فُصامي وعلى مستوى التكامل الحركي/ النفسي. تابع دافيد مسارا دراسيا عاديا خلال مرحلة الحضانة،والمدرسة الابتدائية العمومية،ثم بعد ذلك المدارس المتخصصة.بعد علاجات مختلفة،ظل التشخيص المرضي غير دقيق :إحدى هذه الأمراض العصبية، المسماة”يتيمة”، تسببت له في غيبوبة مرات عدة. الحالة مستقرة آنيا،لكن مجاورة الموت،وسيف ديمقليس المسلط فوق رؤوسنا،تجعلنا نعيش حياة أخرى،ثمينة للغاية،وأكثر حساسية. معركة البقاء البطولية(مع التسطير على الكلمة)التي قادها دافيد بحيوية شديدة لم تؤدي فقط إلى لحم أواصر الرابطة بيننا،بل لقد غَيَّر معنى الوجود.يعني هذا البقاء بأن دافيد لم يتحمل فقط مجازفات مميتة،لكنه راكم من خلال ذلك طاقة زائدة، وقتالية، ثم ألفة قوية نحو آلام الآخرين وكذا تضامن عفوي يشحن والديه، وأصدقائه،ومحيطه كي يتجاوزوا بالمعنى الحرفي للكلمة،نحو خارج الذات : الحياة. لاأقف عند حدود تجميل الصعوبات،بل أقوم – صحبة المختصين المحيطين بنا- بالضروري حتى يقاوم بكيفية جيدة لحظات الألم تلك،والحزن والتساؤل.أنا لاأنتمي إلى فصيلة آباء هؤلاء الأطفال الذين يعانون إعاقة،ويرددون ادعاء مفاده بأنهم يعيشون البهجة و الرضى،نتيجة إيمانهم الكبير.لقد وضعني دافيد ضمن سياق زمن أفقي،وحاضر مستمر،و”آنٍ”يعمل البقاء داخله على إبراز باقي ممكنات الوجود مثل حالة وهمية ثانوية.
* صامويل دوك : ولد فيليب وترعرع خلال لحظة كنتم تؤسسون إبانها مرتكزات مشروعكم،مع كتابات”الشمس السوداء”،”قوى الرعب”،”حكايات الحب”،ثم الأجزاء الثلاثة حول العبقرية النسائية،وكذا مسار عالمي استثنائي.كيف استطعتم التوفيق بين تربية ابنكم دافيد،ولحظات التقاسم معه،العزيزة جدا على فؤادكم،ثم إبداعاتكم الأدبية وإنتاجكم الفكري؟
*جوليا كريستيفا :بفضل دعم معنوي من فيليب المنتبه دائما،وصاحب مودة لاتنضب،وكذا إخلاص والدة فيليب،التي أكدت لي منذ البداية، مايلي :”لن نغير هذا في أي شيء حياتكم المهنية.فأنا إلى جانبكم”.”آه ياكنزي الثمين”،هكذا خاطبتْ دافيد ثم سافرنا نحو نيويورك وتحديدا جامعة كولومبيا باعتباري أستاذة زائرة كي ألقي ضمن أنشطة قسم اللغة الفرنسية محاضرات دورة الخريف.تقاسمتْ طيلة شهر،صحبة فتاة استعنا بخدماتها،تناول مرطبات،وزيارة كاتدرائية القديس باتريك في الشارع الخامس،وفيليب يرقص بدافيد بين ذراعيه،في سطح الطابق الأخير من عمارة شقتنا،المتواجدة في الشارع الشرقي،تحيط بها ناطحات السحاب.أيضا،بفضل قوة فكر والداي حين استضافتهما لنا في مدينة صوفيا خلال العطل.هناك يمارس دافيد التزحلق صحبة جدِّه في منحدرات جبال فيتوشا، المغطاة بالثلج، الكتلة الجبلية القريبة من العاصمة؛ كما سبِحَا معا في المياه الدافئة لمنتجع بحري في جنوب البلاد؛ثم،حين قدومهما إلى باريس،أحبَّ والداي حلبات التزحلق بحدائق لوكسمبورغ،واشتريا كمية معينة من بالونات يقتنيها العابرون من باعة متجولين.
* صامويل دوك : لاشيء سوى ذكريات جميلة ولحظات عزيزة ! تستعيدونها بامتياز بين طيات المجهودات اليومية بغية مواجهة هذا التطور الصعب،التصدي للأمراض،الأزمات،ثم الدأب على طمأنة دافيد خلال فترات استشفائه.
*جوليا كريستيفا :التزم أعضاء الفرق الطبية والتعليمية بمصاحبة شخصية،حسب الطلب،وقد ساعدونا على تهيئ وتنظيم ماستقوم به الجمهورية فيما بعد على نحو أفضل للتفاعل حقا مع شخصيات في وضعية إعاقة. في هذا السياق،لا أشعر بأني أسديت مجهودات كبيرة.ربما لأن المجهود يستدعي مجهودا ثانيا وبأن الحب يحفز طاقات غير متوقعة؟بالتالي، حتى مع حاجتي إلى تسع ساعات من النوم،أكون مضطرة للاستيقاظ ليلا،قصد القيام ببعض المهام،ثم النوم ثانية.عندما أستعد لإرضاع دافيد، أتزيَّن وأرتدي بذلة نوم رائعة حين النظر إليها أو لمسها، كي أجعله سعيدا !لذلك لاأفهم امتعاض بعض الأمهات الشابات وقد أنهكن من طرف أطفالهن الرضع.لذلك،لستُ منهن.وحدها الشجاعة تكبح الشكوى،ثم حينما لايتعلق الأمر بالخجل من طفل لكَ يكابد الإعاقة،بل على العكس ضرورة الاضطلاع بالمسؤولية النضالية ضد”الجسم الطبي”أو الدولة.أعيش حياتي كأمٍّ، بجاذبية،وبالتأكيد لصالح التحليل النفسي،الذي استثمر في عملي. تستلهم قراءاتي، الكتابة، بل مرضاي أنفسهم بكيفية جديدة ماأعيشه مع دافيد.لقد تبيَّنت معه عوالم كانت بالنسبة إلي معتمة أو موصدة قبل ولادته.خلال أول حالة إغماء له في مستشفى سالبيتريير،أسهر،جالسة بجانب فراشه،أحدثه،وأسمعه الموسيقى التي يحبها.في غضون ذلك، وبين فينة وأخرى، أعود لقراءة حنا أرنت التي أرست مستويات اختلاف بين اليرقانة، الحياة الفيزيولوجية، ثم البيولوجية،تلك الحياة التي تروى، تتقاسم،إنها مثل سيرة ذاتية،الحياة وفق معنى. أحسستُ،أدركتُ،خلال تلك اللحظات بحضور مشترك، بأن دافيد نفسه يستعيد قواه من أجل الاهتداء إلى الاثنين : اليرقانة والبيولوجيا. ثم وجب من جهتي، توفير العناية اللازمة حتى يصل إلى المبتغى،على طريقته الخاصة.أبدا لم تظهر لي قبل ذلك”معجزة الحياة”على قدر من البساطة والبداهة،وقد تجردتْ من كل ورع،سوى بين زوايا تلك الغرفة في المستشفى وأنا أراقب نَفَس ابني،ويغمرني نَفَس ثورة حنا أرنت ضد البربرية. الحياة(البيولوجية)سعيدة بالضرورة حينما تعيد باستمرار البحث عن المعنى،الذي يشكل مأثما للتعاسة. ضمن سياق نفس الفكر، تصبح تلك الحياة الأكثر هشاشة وبساطة،سعادة قابلة للتشارك.بفضل دافيد،لم يعد الذي بصدد قوله لكم،مجرد بناء فلسفيا.أعتقد بأني استوعبتُ مفهوم” كوربوس ميستيكوم”(corpus mysticum) لدى كانط،الوحدة بين الحرية وأقصى مستوى التباين،والذي يفتقد بفظاظة للمغزى الدنيوي. تجلت سلفا تجربة الحياة باعتبارها فتحا جديدا منذ أولى أعمالي السابقة وتحديدا الجزء الأول من العبقرية النسائية لكنه لم يتبلور بوضوح سوى مع تجارب المستشفى.
*صامويل دوك :يبدو لي حينما تتحدثون عن دافيد،بأنكم تتحاوران معا في إطار حيوية متبادلة.
*جوليا كريستيفا : يدرك دافيد وضعيته بكيفية كبيرة ،ولايبدي تذمرا قط. وإن لزمت الإشارة سريعا، إلى كونه نادرا مايصادف صعوبة في العثور على طبيعة الكلمات المناسبة من أجل وصف غيبوبته وكذا حدود أخرى.يصف معاناته بأشعار موجزة و مقتضبة. يتمتع بموهبة سماعية مطلقة، يعشق موزارت و فيفالدي، مستلهما طبيعة هذا التذوق من أبيه. إنه عالمهما الخاص بهما،الذي استأثر بإعجابي.عطوفان جدا،في غاية التشدد بخصوص صداقتهما،خصلتان تجعلكَ فوضويا سياسيا.يبدي دافيد عنادا نحو والديه بقوة السخرية.هكذا تظل بعض تعابير طفولته غير قابلة للنسيان .مثلا “أبي مثل الله،يوجد لكننا لانراه كثيرا”و يفضل دافيد :”السيدة المرحة”بدل جوليا كريستيفا.ثم يثير انتباهي :”حاولي أن تختصري”،”إنكَ تسهبين في الكلام !”.
(يتبع)
*مصدر الحوار :
Julia Kristeva :Je me voyage ;Mémoires ;entretiens avec Samuel Dock ;Fayard ;2016 ;pp :147- 156.

شاهد أيضاً

بريد السماء الافتراضي: حوار مع الشاعرة اللبنانية “ناديا تويني”
أسعد الجبوري

كانت تمسكُ بنظارتها الشمسية،وتمشي على ضفاف نهر هادئ.لم يكن معها سوى قطة بفراء أسود وبعينين …

حوارات مع أديب الأطفال المبدع الكبير “طلال حسن” (6)

إشارة: بين وقت وآخر يتحفنا المبدع الكبير “طلال حسن” بنتاج إبداعي جديد في مجال أدب …

نعوم تشومسكي:التظاهرات في أمريكا، حرية التعبير، كورونا، ترامب، لولا دي سيلفا، جايير بولسونارو، مناخ الكرة الأرضية
ترجمة: سعيد بوخليط

تقديم : في حوار صدر يوم 23 يونيو،يتحدث نعوم تشومسكي عن : “القوة و الأهمية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *