العربي الحميدي: ما موقع شعر د. محمد حلمي الريشة وسط الحداثة الشعرية؟

صفة التفرد

يقول الدكتور قاسم البرسيم عن التفرد في الصورة الصوتية في شعر السياب؛ يعد هذا الكتاب (وأضع سطرا تحت كلمة) أول محاولة نقدية ، تسعى للكشف عن الظاهرة الشعرية الصوتية التي تفرد بها السياب من بين الشعراء المعاصرين، حيث لم يتوقف عند توظيف التركيب الصوتي بشكل جوهري في بنائه الشعري ، بل استثمره إلى أبعد حد ممكن . عندما حاول رسم صوره الشعرية منه، وبذلك حول مسار الصورة الشعرية من المتخيل المرئي في الشعر إلى الصورة السمعية ، التي تسمع فيها ملامح الصورة قبل ان نراها ونتخيلها بالعين…
ويكشف هذا الكتاب أيضا، إن البناء الصوتي في شعر السياب، لم يكن مظهرا سطحيا أو طارئا، ولم يكن زخرفا بلاغيا، بل كان عنصرا جوهريا في بناء القصيدة، وعاملا جماليا مضافا، وركنا أساسيا في موسيقاها وإيقاعها، وتفاعله مع المسار الدلالي لها.
(دكتوراه في علم الأصوات النطقي والفزيائي والسمعي)
هل التفرد متاح لأي أديب، خاصة للشاعر بالسهولة التي قد يعتقد القارئ أو الناقد؟
إذا تفرد الشاعر السياب كمبدع على المستوى الأفقي للغة و في إنتاج نمط جديد للشعر الحر الذي فتح به البوابة الكبرى للحداثة الشعرية العربية المعاصرة مع بناء لغوي بظواهر شعرية لم يوظفها شاعر قبله في الشعر.
قال الشاعر الفرنسي آرثر رامبو Arthur Rimbaud “إن شارل بودلير لهو أمير الشعراء.. إنه إله حقيقي للشعر”.
هل يصح أن يقال:
تفرد شاعر بسمائه فأحرج سائر الطيور؟
كيف لشاعر أن يحرج سائر الشعراء إذا كانت كتاباته إبداعا في ما هو متداول من نمط شعري أو نثري مع الإثراء والإثارة؟
في علم المنطق أو ما يسمى بعلم الميزان لا يمكن لأي مبدع كان أن يكون متفردا في ميدانه إلا إذا خلق شيئا غير عادي من شيء أصبح عاديا في دنيا الإبداع..

كمتخصص في (تكنولوجيا المعلومات – Information Technology).
كثيرا ما أتساءل هل بمقدور دارس العلوم التقنية أن يتذوق الأدب أكثر من دارسه أو على الأقل في مستوى دارسه؟ وهل له القدرة علي تفكيك النص الأدبي أكان (شعرا أو نثرا) وسبر خبايا تركيبته؟

الاحظ في ما اقرأه من نصوص نقدية في الغالب ما تكون ميالة إلى المدح، والإطناب في توظيف اللغة الشاعرية أكثر من التحليلية لتظهر المهارة اللغوية لتغطية ضعفها التحليلي. وفي أخرى تخونها العواطف فتسقط في شرك التطرف في تحليل النص أو نقده، وذلك بتزكية بعض الأدباء. وهذا مؤسف جدا، لأنه لا يساعد على تهيئة الأرضية الصالحة للخلق (بمعنى التفرد) في العالم العربي.
إن قراءتي لبعض الدواوين لا أعتبرها نقدا بل محاولة فهم هندسة بناء وتطور النص الأدبي العربي مقارنة مع آخر عربي أو نص عالمي.
(وأكد مرة أخري إنني لا أرتدي عباءة الناقد الذكي العارف).
فقط أعتمد على الطرق التقنية لفك رموز وشفرة النص الإبداعي.
إن النص النقدي إذا كان عاجزا عن فك شفرة النص الإبداعي فهو مجرد لغو وحشو بالمفهوم التقني. لا زالت في عالمنا العربي ظاهرة سيطرة البلاغة اللغوية في النص النقدي محل التحليل العلمي المركز مسيطرة، هل هي حالة مرضية أم صحية “رغم تحفظي على صحية” فلأمر يبقى بيد أهل الاختصاص.
لتوضيح هذه النقطة تعمدت في هذا الجزء إقحام مقولة لجورج ألفريد ليون سارتون George Alfred Leon Sarton الحائز على شهادة الدكتوراهَ الفلسفية في الرياضياتِ والذي تكلم عن فضل العرب على الفكر الإنساني.
يقول سارطون زعيم المذهب الإنساني: ” إن القصد الصحيح الذي يرمي إليه الإنسان هو أن يخلق قيما معنوية كالجمال والعدل والحق”.
هل النصوص عند الشعراء والمبدعين والنقاد تسير في هذا الاتجاه أم لا؟
ما هو موقع د. الشاعر محمد حلمي الريشة في وسط سيل هذه الحداثة الجارفة؟
يقول د. حلمي الريشة:
أردت أن أكون ابن زمني وعصري، حتى لقد أصبح هاجسي فيما بعد: أن أكون شاعرا محدثا. وهكذا بدأ بحثي عن الحداثة؟ اكتشفت أنها سراب ،…، ليست الحداثة خارج أنفسنا، بل هي في دواخلنا.
هل الشاعر محمد حلمي الريشة يأهل نفسه لإيجاد هوية شعرية جديدة خاصة به؟
إنها أحلام اليقظة عند د. حلمي الريشة لها نحوها الخاص، الذي تنتجه من وحي التداعيات اللفظية والنحوية للكلمات والتعابير، قد يكون ذلك اعتقادا منه إن اللغة هي وحدها مجال المتغيرات وليس الثوابت. فتتحول الكلمات في نصوصه إلى مادة عضوية بدل من أن تظل كقلعة مرصوصة البنية. بالمفهوم الكلاسيكي.

وهنا أنشد الحقيقة لا غير كما أراها دون توجيه القراءة لغاية أو هدف. وهذا المقصد ناتج لأسباب موضوعية. لأن كل شاعر يعتبر مجمعا أو خزانا لعدة نماذج من التراكمات قد تتلاقى و قد تتنافر في ما بينها. وليس بغريب أن تتأرجح (الإبداعات) بين نيران “التناقضات المنطقية” في صدر الشاعر الذي يعيش أفراحه، وأتراحه، ويعيش همومه التي هي هموم الأخر. إنه يحيي مجموعة عوالم، مؤلفة من عدة عناصر متداخلة تنشأ كصور داخل عالم حقيقي وأخرى تخيلي. لمكونات كل عالم أبعاده الخاصة، وهذه الصور تنجم في سياقات سردية ذات بعد رمزي. تلعب عوامل عدة في عملية انتقاء الشاعر لمفردات النص الشعري منها
• الموهبة الشعرية
• درجة الحساسية في اختيار المفردات
• قدرة معجمه اللغوي
إنها بلاغة جديدة أو ما اصطلح عليها بالأليغوريا. وهذا النوع قد يكون منعدم (مع التحفظ) في الشعر العربي الحديث أي في شعرية القصيدة. هذا النوع من الإبداع قلة من تدرك دلالاته في القصيدة. لكن لا يكفي فهم القصيدة خارج الديوان أو العمل الشعري ككل. لأن السياقات تختلف من مستوى إلى آخر في القصيدة والديوان إلى الأعمال الكاملة.

العربي الحميدي

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: حامد عبدالحسين حميدي…. فاعلية النقد.

*سمعت، ذات محاضرة لاستاذ هجر كتابة القصة القصيرة، التي كان مغرماً بها الى حد، لم …

محمد الماغوط: تراتيل المواجع على أرصفة المقاهي
إبراهيم مشارة

محمد الماغوط (سلمية ،حماه 1934/دمشق2006 ) ظاهرة شعرية حديثة بامتياز في الأدب العربي الحديث وهو …

نـجيــب طــلال: باب ما جاء في احتفالية النــضــال (02) !!

بــاب الــنـضـــال : وبناء على ما سبق قوله ؛ فالنضال أساسا وظيفة ذاتية تلقائية لا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *