ناطق خلوصي: دفاتر قديمة (الأخيرة).. حكاية رواية 

حرصت دارالشؤون الثقافية ودار المأمون على اختيار خبراء أكفاء مشهود لهم بالدقة والأمانة لإبداء الرأي فيما يقدم لهما من مخطوطات للنشر . لذلك اتسم ما صدر عنهما بالرصانة وحظي بالمقبولية على نطاق واسع   .

 كان من حسن حظي أن تختار مديرية  النشر في دار الشؤون الثقافية العامة  ناقدين كبيرين لإبداء الرأي بمخطوطتي روايتين كنت قد تقدمت بهما إليها في سنتين مختلفتين ، بهدف نشرهما . الناقدان الكبيران هما الدكتور علي جواد الطاهر والدكتور عبد الاله أحمد . على الرغم من أن الدكتور علي جواد الطاهر كأن أستاذاً  في الكلية التي كنت أدرس فيها وكنت أراه باستمرار لكنني كنت أتهيب من الاقتراب منه ، بخلاف الدكتور عبد الإله أحمد الذي كانت تربطني به علاقة ود متبادل . أختير ألأستاذ الدكتور علي جواد الطاهر خبيراً لإبداء الرأي في مخطوطة رواية “منزل السرور ” كنت أطمح في أن تشكّل الجزء الأول من ثلاثية  تتناول جوانب من تاريخ العراق الحديث لذلك كتبت على غلافها إلى جانب العنوان : ” بين خريف 1952 و ربيع 1953 ” .تقدمت بمخطوطة الرواية إلى دار الشؤون الثقافية العامة عام 1986 وكان السيد عمران الموسوي مديراً للنشر فيها . أجازها الدكتور الطاهر بتقرير كان وحده يكفيني لو لم تنشر الرواية .مما جاء في التقرير : ” الكتاب رواية قرأنها فرأيتها جيدة جديرة بالنشرعلى حساب الدار لما ابدى فيها كاتبها من مهارة  ولما عكست من صور عراقية اجتماعية وطنية حدثت أحداثها في العهد الملكي ” و ” الكاتب متمكن فنان رسم خطته وأحكم أجزاءها وشحنها بالمواقف الاجتماعية والنفسية والأخلاقية والوطنية من دون تكلف ….. ” وعن الملاحظات اللغوية التي أوردها يقول في تقريره انها ” لا تؤثر في مسيرة الرواية فنياً، ولا تدل على ضعف الكاتب لغوياً  ولعله أتى بكثير مما أتى ليبدو واقعياً وليقترب من لغة الحوار عند شخوصه ” وينتهي بتقريره إلى أن الرواية ” ناجحة فنياً وتؤرخ للعهد المباد في مرحلة من تاريخنا السياسي والاجتماعي ، وتدخل في نطاق الواقعية الانتقادية خاصة ، وعلى هذا فهي أهل للطبع على حساب دار الشؤو ن الثقافية  العامة ولا أراها تتناقض مع شرائط ما تطبعه الدار على نفقتها ” . وعلى الرغم من أن قرار الأستاذ الخبير صريح  في اجازة المخطوطة فإن السيد الموسوي رفض تمريرها وركنها على رف الاهمال ربما متعكزاً على جواب سؤاله الثاني الذي اعتذر الدكتور الطاهر الرد عليه حيث يقول : ” هذه قناعتي الشخصية أما الاجابة الدقيقة المسؤولة جداً عن السؤال الثاني من أسئلة كتابكم في ورقة ابداء الرأي فلا أحسبني مؤهلاً له كل التأهيل ” . ولعل السيد مدير النشر كان قد سأل عما إذا كانت الرواية تنسجم مع التوجهات السياسية للسلطة القائمة أنذاك ، لذلك أبقى الرواية بعد اجازتها على الرف لأكثر من سنتين ، حتى إذا ما تمت ازاحته وجيء بالأستاذ باسم حمودي بدلاً عنه ، أعيد النظر بالمخطوطات التي كان قد تم تعطيل  نشرها، فتمت إحالتها إلى خبراء آخرين وكانت مخطوطة روايتي من حصة الأستاذ القاص موسى كريدي الذي قال لي في حينها انه أجاز المخطوطة دون قراءتها لأنه وجد أن من غير اللائق أن يبدي رأياً في نص روائي سبق أن أجازه ناقد كبير مثل الدكتور علي جواد الطاهر ،

الراحل الكبير د. عبد الإله أحمد

فصدرت الرواية عام 1989 ونالت اعجاب الجواهري الكبيركما ورد في كتاب ” الليالي والكتب ”  للصديق صباح المندلاوي ،ووجدها القاص الرائد عبد المجيد لطفي تصلح لتحويلها إلى فلم أو مسلسل تلفزيوني وكتب عنها الدكتور صفاء خلوصي والسادة خضير عبد الأمير وعبد الجبار عباس وناجح المعموري  وجاسم عاصي وشكيب كاظم ، وأعدها الصديق شوقي كريم حسن في مسلسل لحساب اذاعة بغداد جاء في ثلاثين حلقة على ما أتذكر .

 في العام 2001 تقدمت إلى دار الشؤون الثقافية العامة بمخطوطة روايتي” أصداء الفجر ” لتشكّل الجزء الثاني من الثلاثية التي كنت أنوي نشرها وكتبت في عنوانها ( بين صيف 1953 وصيف 1958 ) وسرني أن تحال المخطوطة إلى الدكتور عبد الإله أحمد. قالت لي الأستاذة مديرة النشر في حينها أن الرواية أجيزت لكن لدى الأستاذ الخبير بعض الملاحظات بشأنها . قرأت تقرير الدكتور عبد الإله أحمد فوجدته يقول :” تشكل رواية ناطق خلوصي “أصداء الفجر” جزءاً ثانياً لرواية سبق للدار أن أصدرتها عام 1989 بعنوان ” منزل السرور ” ، وهي تتابع شخصيات الرواية السابقة  الرئيسة …..ان رواية ” أصداء الفجر ” تتناول حقبة تاريخية حافلة بالأحداث  في العراق ، أعقبت انتفاضة تشرين الثاني وانتهت بتفجر ثورة 14 تموز 1958. ولعل ذلك يكفي مبرراً للتوصية بنشر الرواية على نفقة الدار خاصة انها كتبت بقلم متمكن من الفن الروائي  ، ولغة قصصية مرنة لا تشوبها شائبة ، واعتمدت الوصف والتصوير في سرد أحداثها ، ألا انني أجد لمصلحة الرواية قبل دفعها للطبع في حالة موافقة لجنة النشر الموقرة على توصيتي بنشرها، أن يراجع القاص الرواية قبل هذا الطبع ، لتلافي بعض ما يمكن أن يؤخذ عليها من أوجه نقص أو قصور أو ملاحظات ….. ” . حين سحبت المخطوطة للإطلاع على ملاحظات الأستاذ الناقد وجدته حذف من الرواية فصلاً كاملاً وأعاد ترتيب الفهرست وفق ذلك ، وشطب على جمل ومقاطع وحذف عدة مفردات من فصول مختلفة . لم اعاتبه أو أعترض أو أطلب  إحالة المخطوطة إلى خبير آخر . فقد أدركت السبب الحقيقي لملاحظاته . فالفصل المحذوف يتناول موضوعاً حساساً كان يخشى من أن يتسبب بمشاكل لي وربما له أيضاً لو أنها كانت قد نشرت آنذاك ،وتأكد لي ذلك حين اقترح عليّ في الأشهر الأولى للإحتلال أن أعيد تقديم الرواية إلى دار الشؤون الثقافية على أن يجيز نشرها دون حذف ، لكنني اعتذرت عن ذلك . 

 

 

شاهد أيضاً

خالد جواد شبيل: خُلِقت جميلاً يا لبنان!

أول الكلام: أستميحك عذرا يا لبنان أن أحوّل حزني عليك وعلى بلدي العراق الى حالة …

بدء العد التنازلي لإطلاق لقاح كوفيد-19!
بوادر نهاية كابوس كورونا تلوح في الأفق
مولود بن زادي أقلام مهاجرة حرة – بريطانيا

منذ بداية تفشي كوفيد-19 في شهر ديسمبر/كانون الأول 2019 والعالم غارق في وحل كابوس مرعب …

عبد الرضا حمد جاسم: الراحل علي الوردي في ميزان: انتفاضة الحي

اعود في هذه والتاليات للبحث في طروحات الراحل الدكتور علي الوردي له الذكر العطر ونحن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *