غانم عزيز العقيدي: بعض الرجال لا يبكون (2)

دعوة مصعب للخدمة الألزامية

تولى مختار المحلّة تبليغ المشمولين بالخدمة الألزامية والمساقين معهم ممن استنفذوا اعذارهم بان علّق على باب داره قائمة بأسماء هم كما وردت له من دائرة التجنيد و قام كالعادة بابلاغ اهل المشمولين بوجوب حضورهم في الوقت التي حددته دائرة التجنيد وكان مصعب احدهم الذي تخلّف عن الألتحاق لمدة ثلاث سنوات سعيا الى اعفاءه بحجة المرض الذي لم يتمكن من اثباته رغم تشبثه.
لم ينشأ مصعب في كنف عائلة التزمته كأغلب شباب جيله, فقد نشأ في كنف والدته المعدمة بعد ان هجرها زوجها هي ومصعب وريا التي تصغره بسنتين,وقد عانت امه الأمرين من قساوة الحياة التي عاشتها وتحملتها بعد هروب زوجها وانتقال أختها الوحيدة ام صديق الى زاخو بناءً على رغبة زوجها العودة الى مدينته وأهله, بعد ان ترك العمل الشاق الذي كان يؤديه في الموصل كعامل انشاءات, ولم يترك زوج السيدة حمدية أم مصعب ما يمكنها به التغلب على صعوبة المعيشة وهي ام لصبي وصبية لامورد لهم,فأضطرت للعمل خادمة تنظيف في منازل الأغنياء بعيداً عن حينا كادةً من الصباح وحتى اذان المغرب كي توفر اللقمة لأبنها ولأبنتها ريا,معتمدة على عملها وعلى مايجود به عليها من تعمل لديهم من الحاجيات الفائضة لديهم والتي تناسب اولادها وبيتها من الملابس ومعدات الطبخ , متحملة المسؤولية بعد هجرها هي واولادها, ولم يكن الخائب مصعب سوى صبي متمرد ومتسيب وفد ترك الدراسة في المدرسة من الصف الخامس الأبتدائي بالرغم من توسلات امه عليه لمواصلة الدراسة ,إلا انها لم تستطع ذلك لشقاوته, وبقي متسكعاً في الشوارع تارة يعمل عامل جزار, ومرة موزع في سيارة الثلج, او حمالاً في عربة حديدية في السوق الكبير, إلا انه اغلب الأحيان كان يتمرد على عمله ويتركه ليعود الى الأزقة ويدور فيها مع الصائعين من جيله ومنهم ابن خالته صديق ومن هم اكبرمنه ايضاً.
لم يكن عمو زكي بقال المحلّةيعلم ما خط له القدر من احداث فاجأته عندما عاد الفجر كعادته بصينية القيمر الصباحية المعتادة والذي دأب ومنذ سنين عدة تحضيرها لزبائنه المعتادين على تناول فطورهم المميز من عنده ان يجد دكانه مفتوحة وقد كسرت اقفالها وسرقت نقوده وبعض حاجيات المحل الثمينة.
أُودع مصعب التوقيف في مخفر الشرطة بعد ان أكد احد العائدين من صلاة الفجر رؤيته وهو يخرج من دكان البقالة مسرعاً ويحمل بيديه حاجيات لم يتبينها الرجل في الظلام.
كان حديث الحي في اليوم الذي تلا السرقة وتوقيف مصعب هي الأ شارة الى شقاوة الولد وجموحه وتسيبه واهماله وعجز امه السيطرة عليه بعد ان هجرها ابوه وانشغالها بتوفير لقمة العيش بعد ذلك لأولادها.
تدخل بعض من عقلاء الحي لدى عمو زكي ,كي يتنازل عن الدعوة المقامة على مصعب لدى مركز الشرطة بغية الأفراج عنه بكفالة , بعد ان لجأت حمدية ام مصعب اليهم متوسلةً بالتدخل للأفراج عن ابنها, مبديةً استعدادها لتعويض العم زكي عمّا فقده جراء السرقة.
تمت تسوية الأمر بعد ذلك واطلق سراح مصعب من السجن بكفالة ضامن بعد أخذ بصماته.

عرف اهل الحي مصعب جيداً مبدين الحذر من التعامل معه أو الأحتكاك به بعد ان اشتد عوده واشتدت مشاكله , وكانت حمدية المسكينة هي دافع الثمن الأول لشقاوة هذا التعس, الذي لم يتوان عن ضربها وإهانتها والأستيلاء على نقودها وماتدخره, ولم ينفع تدخل العقلاء ونصحيتهم له بالعدول عن إهانه امه, التي شقيت ومابرحت تشقى لأجل معيشته .
مضت حياة مصعب في الوتيرة ذاتها التي خطاها منذ تسربه من المدرسة ليقع في طريق الضياع ,وان دخوله السجن وهو يافع لأول مرّة لم يكن ليردعه عن مواصلة شقاوته واستفزازه وتعديه على الآخرين, انه كان شريراً للفترة التي قضاها قبل سوقه الى الخدمة العسكريّة فقد دخل السجن أكثر من مرّة وكذلك المستشفى بعد أن يصاب بجراح بسبب شجاره المستمر مع الناس وتعديه.
سيق مصعب الى الخدمة العسكرية مرغما مع بقية المدعوين الذين تجمعت عوائلهم كالعادة في منطقة التجنيد حيث المكان الذي سيساقون منه الى مركز التدريب العسكري ليودعوا الحياة المدنية وينخرطوا في خدمة العلم المقدسة.
احتشدت جموع اهالي المجندين وجمع غفير من الناس مودعين كالعادة في كل دعوة المواليد التي تساق الى الخدمة العسكرية الألزامية وسط زغاريد النساء وتشجيع الرجال, وعادة مايسير الموكب من منطقة التجنيد القريبةمن مبنى بلدية الموصل بعد ان يقوم مسؤولو التجنيد بقراءة الأسماء وتوزيع دفاتر الخدمة العسكرية على المساقين مؤشر عليها سوقهم الى مركز التدريب وانخراطهم في الجيش العراقي الباسل,ويلقي عليهم مدير التجنيد العام كلمة الترحيب بهم في صفوف الجيش ويذكرهم بانتقالهم الى مرحلة الرجولة الحقة مودعين الحياة المدنية التي كانوا عليها ليحملوا شرف الدفاع عن الوطن وبناءه.ويوصيهم بالأنضباط والمواظبة على التدريب واطاعة الأوامر العسكرية حباً بالوطن, يعطي بعدها الأمر الى الضابط المشرف على مسير المكلفين بالمسيرة التي تبدأ كالعادة على انغام الموسيقى العسكرية الحماسية التي يعزفها الجوق الموسيقي العسكري المكلف بهذه المهمة وسط زغاريد النساء ويقوم البعض منهن بالقاء الجكليت على المساقين وبكاء البعض منهن ايضاً وتشجيع وحماس الرجال الذين تجمعوا لمشاهدة الموكب المنطلق الى مركز التدريب العسكري مشجعين و ملوحين بأيديهم للعسكريين الجدد.

لم تكن حمدية من ضمن المودعين لأولادهم وذلك لتحذيرها من قبل مصعب من الحضور, الا انها ظلت تذرف الدموع على أبنها رغم كل مساوئه.

عاد مصعب الى الحي قبل صلاة المغرب, وهو يحمل على ظهره كيس التجهيزات العسكرية التي استلمها بعد سوقه للخدمة, وعادة ماتكون هذه التجهيزات هي اللوازم التي يحتاجها الجندي اثناء خدمته في الجيش, وهي البدلة العسكرية الخاصة بالقيافة, وبدلة التدريب والقبعة والنطاق العسكري وحذاء العرض ,واشياء آخرى يحتاجها الجندي, وكان مصعب قد غطى رأسه الأقرع الحليق حلاقة الجيش الجائرة بقطعة من القماش التي لم تغط ام رأسه بالكامل, وقد لاحت اثار حلاقته واضحة للعيان رغم محاولته سترها,لم يلق مصعب التحية على تجمع الشباب الواقفين قبالة دكان العم زكي وانا معهم وكان متجهم الوجه غاضب وكأنه قد حكم بالسجن المؤبد,ونظر الينا نظرة ازدراء وكاننا كنا السبب في ما هو عليه. وهنا تورط قصي ابن زكي البقال قائلً له مازحاً:
لم تستطع الرفض هذه المرة كمافي كل مرة, انّها الحكومة انه العسكر الذي سيجعلك تمشي على السلك دون ان تتعثر.
رد مصعب بوقاحته المعهودة على قصي قائلاً:
أخرس ايها الصعلوك, انّ الخوف والجبن هو من سماتكم , اما الرجال مثلي فلا تهتم لصغائر الأمور كما تدعي, وهنا وضع مصعب الكيس على الأرض وتوجه الينا محاولاً ان يعتدي على قصي , لكن قصي كان أذكى واسرع منه فقام بضربه على وجهه عدة ضربات واحدة بعد الأخرى الأمر الذي حدا بمصعب الرجوع الى الخلف متعثراً بقوة بكيس التجهيزات ثمّ سقط على الأرض, وهنا تدخلت مجموعة الشباب وانا معهم لفض النزاع بالحيلولة دون عراكهم مرة اخرى لكن مصعب كان قد أخرج النطاق العسكري من الكيس وقام بضرب قصي على رأسه وعلى ظهره عدة مرات وأخذت الدماء تسيل من رأس قصي واستطعنا اخيراً ان نبعد هذا الشقي عن قصي.
تم اسعاف قصي بسرعة الى المستشفى, وتمت معالجته من الجروح التي أحدثها نطاق مصعب العسكري ,وتم تحرير محضر في مركز شرطة المستشفى حول الحادث ,كما تم رفع شكوى قانونية من قبل العم زكي على مصعب, وتم ايداعه الموقف ريثما يتم عرضه على الحاكم.
قرر الحاكم ايداع مصعب التوقيف, ونقله الى موقف الانضباط العسكري على اعتباره جندي في الجيش.غادر قصي المستشفى وهو بحالة حسنة, وكعادتها حمدية المبتلاة بابنها ومشاكله, اخذت بالتوسل والبكاء والالتماس من العم زكي واخرين كي يتنازل عن الشكوى خوفا على ابنها من ان يودع السجن.
تنازل ا لعم زكي مرة اخرى بتاثيرمن وجهاء الحي وتعاطفه مع حمدية عن الشكوى واطلق سراح مصعب من سجن الانضباط العسكري الذي دخله قبل ان يكمل يوما واحدا بالخدمة العسكرية, تنفيذا لأمر القاضي.
معمـــل الأيشمــــاغ

تم نصب مكائن الأيشماغ الجديدة التي تعاقد عيها العم سلام وفق نسق هندسي مدروس إستثمر بها المنصّب المساحة الصغيرة لأرض المعمل واعطى مجالاً للحركة والمناورة داخل وبين المكائن أخذاً بالحسبان عدم أعاقة الوصول الى قسم التكملة المتكون من الأحواض الحراريةالبخارية المعدّة لتنظيف القماش من الشوائب وقصره وتعديله ومن ثم صبغه بالأصباغ الأساسية وفق المتطلبات ومن ثم لفه على اطوال حسب الطلبات وعادة ما يكون الطول الواحد قياس 30 متر.
عمّت الفرحة العم سلام والعمّال بالتنصيب الجديد وهنأوا العم سلام الذي لم يتوان عن اقامة احتفالية بأقامة دعوة كريمة للغداء في المعمل معلناً انّه سيبدأ بتشغيل تجريبي للمعمل ريثما يستقر الأنتاج ونوّه بانه سيكلف بعض من عمّال المعمل على تشغيل المكائن الجديدة وسيلجأ الى تعيين عمال اضافيين بعد ان يستقر انتاج المعمل الجديد .واضاف قائلاً للعمال: ابتداءً من اليوم سيكون همام مسؤول مسؤولية مباشرة عن المعمل والانتاج والتشغيل وغير ذلك ويمكنكم من الان وصاعدا الرجوع اليه في طلباتكم واحتياجاتكم دون الرجوع الي.
كان تسليم العم سلام زمام الأمور لي والاشراف المباشر في المعمل مسؤوليةً كبيرةً الزمني بها وقررت ان اكون قدر المسؤلية التي حملني اياها خاصةً وانه قد اوضح لي اكثر من مرّة بانه سيحملني المسؤولية بعد ان بدأ يشعر بالتعب من العمل والمتابعة في المعمل بعد تلك المدة الطويلة التي قضاها وهو وسط المكائن والعمال ومشاكل الانتاج والأدارة وغيرها وانه يعاني من موجات الربو المهني الذي اصابه من غبار القطن عندما كان في قسم الغزل بمعمل النسيج الحكومي.
كان افتتاح معمل الأيشماغ فرصة ذهبية لحسّان الذي كنت قد وعدته بأني سأشغلّه على الماكنة متى ماسنحت الفرصة بذلك,فرح حسان بعد ان استلم عمله الجديد والذي طالما ظل يطالب به لكني لم اسلمه ماكنة من المكائن الجديدة بل اعطيته ماكنة ريّا التي تركت عملها على الماكنة بعد ان اخذت موافقتها للعمل معي وترك الماكنة , وكنت قد اطلعت العم سلام سابقاً على قراري الذي وافق عليه .
لم يعترض حسان على استلامه العمل بدلاً من ريّا الذي طالما كان يطالبني به وقد شرحت له سبب ذلك لكونه قد المّ بكيفية العمل على الماكنة القديمة نتيجةً للخبرة التي اكتسبها من طول المدة التي عمل فيها بالمعمل .
نتيجة للتوسع الحاصل بالمعمل تم تعيين بعض العاملين الجدد ممن لديهم خبرة في تشغيل مكائن الأنتاج الجديد ة كما تم تعيين عامل خدمة بديلا عن حسان.
بدات ريّا العمل معي في المكتب بعد التطورات الأخيرة في المعمل واستلمت مسؤولية فحص القماش التي كانت قد اطلعت على كيفية العمل به سابقاً عندما كانت تعمل على الماكنة وتأتي بقماشها الذي انجزته للفحص,لاأعرف السبب الذي فيه كنت اطيل فحص قماش ريا لكني كنت استمتع بوقوفها وهي تنتظرحتى افرغ من الفحص ولم الحظ انها تتضجر او ينتابها شعور بالملل من وقفتها, وكنت الجأ الى انهاء الفحص عندما يدخل احد العمال بإنتاجه او لعمل آخر, وفي احدى المرّات التي جلبت انتاجها وبعد ان وضعته على آلة الفحص تعمدت ان استدعيها لتقف الى جانبي بحجة عدم تجانس انتاجها لكنها بادرت قائلة :
اين عيوب المنتج يااستاذ همام ؟ إني لا آرى شيئاً مما تقول؟
وضعت يدي على قطعة القماش قائلاً:
هذه هي الا ترينها ؟
قالت: كلا .
قلت لها:
ضعي يدك هاهنا لتتلمسي المكان المنسل واشرت بيدي الى المكان الذي لم يكن منسلاً بالحقيقة لكني كنت اريدها ان تقترب مني أكثرفالصقت جسدي بها ثمّ وضعت يدها على المكان وهي تقول لاارى شيئاً يعيب القماش وهنا امسكت يدها ووضعتها على القماش وقمت اتلمسها بلطف وامررها قائلاً:
هنا وهنا وانا ملتصق بها فسحبت ريّا يدها من يدي وقد احمرّ وجهها قائلةً:
ليس هناك ما يعيب قماشي ثمّ خرجت مسرعة.
لاأدري لماذا وافقت ريّا وبلا تردد العمل معي في غرفة واحدة بعد الذي قمت فيه في آخر مرّة فحصت بها منتجها من القماش ,هل هي هروب من ضجيج المكائن وعملها المضني؟ ام رغبة في ان تكون الى جانبي.أو ربما تخطط لشيء ما؟
لم اعاود الكرّة مع ريّا مرّة آخرى, مع ان الرغبة كانت تساورني في أن أحتضنها واقبلها, لكني لاحظت ان ريّا تجاملني بتحبب, وتسعى الى أحاطتي بالأهتمام وهي تبدي أهتمامها بي بتنظيف مكتبي, واعداد الشاي والقهوة, وتحرص على ان نتاول غداءنا الذي تعده في بيتها سويةً اغلب المرات , بدات ريّا تتعايش مع الوضع الذي وضعها القدر فيه,وكانت تشعر بالحماية وهي معي ,.سارت الأمور بيني وبين ريّا اعتيادية,وكان العم سلام يسألني بين حين وآخر عنها وعن عملها بصورة خاصة, ويقوم بزيارتنا في المكتب أحياناً,وكان يرسل اليها بين فترة وآخرى لأمور تتعلق بمكتبه حسبما تخبرني عند عودتها.

كنت قد فكرت مراراً بان اتقدم لخطبة ريّا, لكن ما كان يدعوني ان اتراجع, هو اخوها مصعب وسمعته السيئة في الحي الذي نسكنه سويةً , وطواف امها اليومي على الابواب, لكن وبمرور الزمن ازداد تعلقي بها وانا اراها تبدواجمل من الهيأة التي كانت عليها في بداية عملها, وقد اشرق وجهها, واختفى شحوبها, وهي تتهادى امامي وكأنها يمامة وتسحرني ابتسامتها ونظراتها الساحرة , وقررت ان افاتح امي بذلك.
لم تتقبل امي الفكرة بتاتاً رافضة بشكل مطلق قائلةً:
لابد ان تكون قد فقدت عقلك, ماذا سيقول الناس عنك؟ هل نسيت اخاها سيء الذكر ومشاكله وتعاسته؟ وهل نسيت أمهّا حمدية ووقوفها على الأبواب تستعطي من هنا وهناك ؟ وهل نسيت انّ اباها قد هجرهم الى غير رجعة؟ ولااحد يعرف من هو وماهو؟ وهل لم يتبق من بنات الناس إلا ابنة حمدية؟
تركت التفكير في موضوع زواجي من ريّا نزولاً عند رغبة امي, مع اني لازلت ارغب في ذلك بقوة .

لم يهنأ العم سلام بفرحته باضافة خط الأنتاج الجديد كثيراً ذلك الصيف , ولم يهنأ كذلك بعشاء سمك الشبوط المشوي الذي يحبه والذي كانت تعدّه له زوجته, وكان القدر قد خبأ له مفاجأة مفجعة ,عندما اخبروه بالهاتف انّ زوجته قد اصيبت بحروق ونقلت الى المستشفى بسيارة احد الجيران مع اثنتين من نساء الحي, وان الأ طفائية في طريقها الى بيته الذي شبت به النيران .
لم يعد العم سلام يعرف مايفعله وقد كان وقع الخبر عليه وقوع المصيبة وهي فعلاً كذلك عندما استدعاني لمرافقته وهو يبكي وكأنّه طفل لمرافقته والذهاب الى بيته لمتابعة اطفاء الحريق قائلاً انه سيذهب الى المستشفى لرؤوية زوجته وملازمتها بعد ان اوصاني وهو يبكي بالتصرف بمطلق الصلاحية ,لم اعهد العم سلام بالحالة التي رأيته فيها ذلك اليوم وهو منهار تماما, وانّه ليس بالقوة التي كنت أعتقدها, وقد بدا لي خائفاً ومضطرباً وقلقاً, وهو في حيرة من امره لا يعرف كيف يواجه المشكلة التي المت به ولم يكن يتوقعها ابداً.
هدأت من روع العم سلام و شجعته على ان يتماسك , وان الرجال لابد ان يتحملوا ويواجهوا المشاكل والحوادث الطارئة التي تلم بهم بشجاعة وتروي ,كي يحسنوا التصرف, اجهش العم سلام بالبكاء مرّة ً اخرى قائلاً: انّها فاجعة وفاجعة كبيرة ليس بأستطاعتي تحملّها .
وصلت الى بيت العم سلام , وكان رجال الأطفاء الذين حضروا على عجل بعد الأتصال بهم عن طريق الجيران, قد قاموا بإخماد النيران التي لم تكن قد تسربت الى انحاء البيت بعد وكانت محصورة في المطبخ وغرفة الطعام المجاورة.
حضرت الشرطة الجنائية وباشرت التحري بطرقها الجنائية الخاصة بعد ان انتهى رجال الأطفاء من اخماد النيران, وقد رجح النقيب الشاب سبب الحريق وفق الدلائل الأولى الى اشتعال فرن الطباخ المعبأ بالغاز المتسرب, والذي يبدو انه قد ترك مفتوحا سهواً مما ادى الى اشتعال النيران بلهبة قوية, علقت بثياب السيدة صاحبة البيت وادى الى اصابتها بحروق , ومما يؤكد الدليل هو وجود صينية ملأى بالسمك المتفحم وقطع من الثوب الذي كانت ترتديه وقد تجعدت لأحتوائها على نسبة كبيرة من البولستر.
كان العم سلام يحدثني كثيراعن الأكل وهو يتفنن بالطريقة التي تعده فيها زوجته ,وكان يحب أكل المشاوي كالكباب والتكة والكبد مع الحساء , كما كان مولع بأكلة سمك الشبوط المشوي التي تعده له زوجته في الفرن وانّه يتناوله بين الحين والآخر وفي المناسبات وتحدث عن ان سمك الشبوط يعطي الرجل طاقة اضافية اضافةً الى لذته.
انهيت انا وحسان وعلى مدى اسبوعين بعد وفاة السيدة زوجة العم سلام اصلاح ماخلّفه الحريق في المطبخ وغرفة الطعام بالأستعانة بالعمال ذوي الأختصاص كما تمّ تنظيف البيت من آثار الحريق.
أخذ العم سلامة بعد مضي مدة على وفاة زوجته ,يعود الى وضعه الطبيعي شيئاً فشيئاً, وعاد الى مزاولة العمل في المعمل ولكنه نادراً ما كان يدور في المعمل او يتابع الأنتاج كما كان وقد أوكل مهمة ذلك اليّ.

الدعوة الى خدمة الأحتياط

دعت وزارة الدفاع المجندين من خريجي الكليات المشمولين بخدمة الضباط الاحتياط الدورة 25 للالتحاق بكلية الضباط الآحتياط خلال مدة اسبوع من تاريخ اذاعة الاعلان.

هيأت نفسي للألتحاق في الكلية ,وقمت قبل اليوم الذي سألتحق فيه بزيارة توديع الى المعمل وبدأت بالعم سلام الذي بدا لي ضجراً من مغادرتي المعمل وهو الذي كان يعتمد عليّ في كل صغيرة وكبيرة. طمأنت العم سلام ووعدته اني سأكون الى جانبه في المعمل في كل اجازة قائلاً : انها مدة ليست بالطويلة وهي ستة أشهرسترى كيف ستمضي بالسرعة واعود لأقف الى جانبك, وأضفت قائلاً:
يمكنك ايضاً الأعتماد على ريّا التي أصبحت ملّمة بكل العمل الذي كنت أقوم به وهي فتاة مؤدبة وذكية ومطيعة.
دخلت اخيرا غرفتي لأودع ريّأ وكنت موقناً انّها ضجرة من تركي المعمل وفراقها وانها تحس بالألم , قلت لريّا:
لم يعد هناك وقت لأن نبقى سويةً كما كنا وانه يعز عليً كثيراً ان افارقك لمدة طويلة ولكن الأمور ليست بيدي حتى اقررولابد لي ان أستجيب لذلك,أُدعِ لي بالسلامة.
كانت ريّا مضطربة وقد تلعثمت قبل ان تتكلم قائلةً:
حبيبي انًي سأفتقدك كثيراً وسأشعر بالغربة بعد رحيلك, ادعو لك بالسلامة والعودة اليً سريعاً, نظرت الى عينيها فرأيتها قد اغرورقت بالدموع فقمت لمصافحتها ,فأنتصبت واقفة ومدت يدها لمصافحتي فأمسكت يدها وقبلتها ثمّ جذبتها اليّ برفق واحتضنتها مستجيبة وغرقنا في قبلة طويلة وآخرى وآخرى ثمّ ابعدتني برفق قائلة: حاذر ان يدخل علينا أحد.
قلت لريّا والحشرجة في فمي :
حبيبتي انتظريني سأتزوجك في اقرب وقت ومتى سنحت الفرصة بذلك.
خرجت من غرفتي وانالا أكاد استقيم في سيري متوجهاً الى باب المعمل يعتصرني الألم الممزوج بالنشوة التي احتضنت فيها ريّا مراجعاً ما قالته بأني سأ فتقدك ولم تقل اننا سنفتقدك .
ودعت امي التي بكت بحرارة وقبلتها قائلاً :
اني سأكون بخير لا تقلقي علّي وعدلت عن ان اصارحها بقراري الزواج من ريا بالرغم من اعتراضها سابقاً.
التحقت بالكلية بعد اجراءات التسجيل الروتينية, ارسلت الى ميدان الرياضة لغرض اختبار اللياقة البدنية ,وتم اختباري مع مجموعة من المجندين على ركض المسافات القصيرة ورمي الرمح والقفزة الثلاثية والقفز العالي والعريض ومن ثم ركض الضاحية ,واجتزت ذلك الاختبار بنجاح .
في اليوم الثاني للاختبار, تم اصطحابنا الى المسبح الاولمبي, وقد القى فينا مسؤول التدريب محاضرة عن كيفية القفز من القفاز, وكان المسبح بقفازين, احدهما عالي, والاخراقل ارتفاعاً
وطلب منا القفز من القفاز العالي لأمتحان الشجاعة. وقد قال مسؤول التدريب في محاضرته :
انت ان لم تكن تجيد السباحة فيتوجب عليك القفز الى المسبح, وسيقوم مدربو ا السباحة باخراجك بواسطة الأنابيب المطاطية, لم اكن اجيد السباحة, لكني لم اتردد في القفز من ذلك العلو الى داخل المسبح, حيث نزلت بجسمي الى القعر ثمّ عدت للطفو الى الأعلى مضطرباً لاادري ماافعل, عندها رمى عليّ احد المدربين الأ نبوب المطاطي, وبعد ان امسكت به استطعت الوصول الى حافة المسبح, ومن ثمّ الخروج ,واذكر في وقتها ان أحد الأخوان ظلّ واقفاً على القفاز يرفض ان يقفز عندما دفعه احد المدربين الى القعر وسط ضحك الجميع.
بعد الأنتهاء من عملية أختبار اللياقة والفحص الطبي, تم تحديد يوم الألتحاق بالكلية
أجتمع الضابط المسؤول عن الدورة بالمجندين مرحباّ بنا ومعتبرنا ضيوف لدى الكلية مدة الدورة, التي ستسغرق ستة اشهر يمنح بعدها المتخرج رتبة ملازم مجند بالجيش العراقي, وسيتم التدريب الذي سيشرف عليه هيئة ضباط الكلية اولاً, على البندقية التي يتخللها محاضرات من مجموعة من المتخصصين في العلوم العسكرية والنفسية وغيرها يوزع بعدها المجندون كل حسب صنفه.
بعد ان وزعنا الى قاعات الكلية التي تحتوي على الأسرّة المخصصة لمبيت المجندين ,حدد لنا عريف الفصيل ساعة النهوض حينما نسمع بوق النهوض وعلينا ان ننهض بمدة لاتتجاوز الخمس دقائق, ليأتي بعدها الملازم مهدي امر الفصيل الثاني الذي كنت من تلاميذه الى قاعة النوم في الساعة الخامسة والنصف صباحا للتفتيش الصباحي المعتاد فيصطف طلبة الفصيل امام اسرتهم بوقفة الاستعداد وهم بملابس النوم الموحدة التي وزعت علينا من ضمن التجهيزات ثم يصدر اوامره بالبدء بارتداء الملابس العسكرية ,والاستعداد للتعداد الصباحي باقل من عشرة دقائق, حليقي اللحى وملمعي الاحذية بعد تعديل اسرة المنام فينهمك كل طالب في تسوية فراشه ثم تلميع حذائه, وبعدها الذهاب الى الحمامات المشتركة لحلق اللحى ويعود بعدها الطالب مسرعا الى خزانة ملابسه التي يتوجب عليه صف كل شيء فيها بعناية.
يصدر امر الفصيل الأمرلعريف الفصيل بالمسير,ويبدأ العريف باعطاء الأمر بالمسيرالى الأمام وفق نسق واحد مرفوع الرأس والصدر بارز الى الأمام مع رفع الرجل الى الأعلى ومد اليدين على طولها , ثم الأيعاز الثاني بالدوران الى الخلف بضرب الرجل بقوة على الأرض ثم الأستدارة بقدم اليسار اولا ومن ثم استئناف المسير بالأتجاه المعاكس , تستمر هذه الممارسة الصباحية لدقائق معدودة بعدها يتم قراءة الأرقام المخصصة لكل مجند فيعلن عن حضوره بصوت عالي بقول حاضر.بعدها يأمر آمر الفصيل بالتفرق لتناول الفطار ولمدة ثلاثين دقيقة, يذهب مجند من كل حضيرة او رهط وعادة ما يكون من ثمانية اشخاص الى المطبخ لجلب الفطورمن شوربة العدس او الماش والشاي مع الصمون العسكري الذي لازلت اتذوق طعمه ونكهته حتى اللحظة. نعود بعد الأفطارالى تبادل الحديث فيما بيننا. بعد انتهاء مدة الأفطار.

الساعة الآن السابعة صباحاً, تصطف الفصائل جميعها في نسق حسب ترتيب السرايا, حيث تكون فصائل السرية الأولى في المقدمة يتبعها الثانية والثالثة والرابعة ثم يتم تقديم الموجود الصباحي وفق عرض عسكري بديع, ويبدأ امر الكلية بالأيعاز بالفصائل بالمسير ويسير الطلبة في خطوة عسكرية واحدة ومع كل فصيل عريفه وتعزف موسيقى الكلية التي تتقدم الطابور لحن المسيرة مع الطبل, وتستمر هذه الفعالية لمدة خمسة عشر الى عشرين دقيقة ومن ثم تتوزع الفصائل بساحة التدريب الكبيرة الى المكانات المخصصة لها للتدريب على البندقية وتفكيكها وتركيبها وطرق الرمي وكيفية الطعن وغيرها من الأساليب القتالية في حالتي الدفاع والهجوم.
يعود بعدها الطلبة لفترة استراحة لمدة ساعة كاملة لتناول الأفطار الرئيسي بعد التدريب,يجلس الطلبة في المطعم الخاص حول الموائد ينتظرون الأوامر اليهم بتناول الطعام ويجلس ضباط الكلية بدورهم وسط طلبتهم ويتناول الجميع الأفطارالممتاز المراعى فيه توفر العناصر الغذائية المفيدة للجسم وتتالف من بيضتين وجبن وعسل نحل او مربى ولبن وشاي وفي زاوية من زوايا المطبخ مائدة وضعت عليها انواع الفواكه من التفاح والعنب والرمان والبرتقال والموز يتناولها الطالب بعد الأفطار. وفي غرفة ملحقة يجلس اثنان من الأطباء مع معاونيهم ,يفحصون المجندين الذين يترددون على الأطباء لأخذ علاج معين كل حسب حاجته ,و وفي بعض الحالات , يرسل المجند الى المستشفى العسكري فيما إذا تطلبت حالته ذلك .
تبدأ المحاضرات الدراسية عادة بعد الحادية عشرة, ويلقيها علينا كبارالأساتذة الجامعيين وكبار الضباط وتتناول الحرب النفسية والدفاع المدني والطرق التعبوية والخرائط والمدن والمساحة والمعارك الأستراتيجية والأسعاف الفوري وحرب المدن وحرب العصابات وغيرها من متطلبات الدراسة.
تتخلل عمليات التدريب والدراسة النظرية العاب سويدية لمدة يومان في الاسبوع تبدأ بعد الساعة الثالثة من بعد الظهر.
عند المغرب يعلن البوقجي انتهاء يوم آخر في الكلية ويتولى آمر الحرس وحراسه إنزال العلم الذي نقف جميعاً باحترام, اجلالاً للعلم حتي ينتهى الحراس من انزاله.
ماتبقى من الوقت هو خاص للطلبة في مشاهدة التلفزيون او القراءة او تبادل الحديث مع الزملاء حتى موعد تناول العشاء في الساعة الثامنة.
مضت ايامنا في هذه الكلية على الوتيرة ذاتها حتى موعد الرمي الحقيقي ثم توزع الطلبة بعد ذلك الى مدارس التدريب كل حسب اختصاصه كالمدفعية والدروع والهندسة والنقل والمشاة وغيرها من صنوف الجيش العراقي الباسل.
تمت دعوتنا بعد إقتراب موعد انتهاء الدورة البالغة ستة اشهر, الى الألتحاق مجدداً من مدارس التدريب الى كلية الأحتياط, لغرض اقامة حفل التخرج من الكلية بعد اعدادنا للألتحاق كضباط مجندين بالجيش العراقي كل حسب تخصصه.
اجتمع فينا كبار ضباط الكلية, وقدموا التهاني لنا بمناسبة انتهاء الدورة واجتيازها بنجاح, وتمنوا لنا الموفقية في العمل في وحداتنا وابلغنا الضابط المسؤول عن موعد حفل التخرج واعطانا بعض التعليمات التي سنؤديها في ساحة العرض, واوصانا بوجوب الضبط واطاعة الأوامر بشدة لأحتمال حضور السيد احمد حسن البكر رئيس الجمهورية أو من يمثله لرعاية الأحتفال.
تم اصطفافنا حسب التعليمات في الساحة الكبيرة في الكلية المخصصة لحفل التخرج, وقد حضر ممثل عن رئاسة الجمهورية , ومعه كبار الضباط وعميد الكلية ومدير الدائرة القانونية المناط به قراءة المرسوم الجمهوري الخاص بالخريجين في وزارة الدفاع وضباط الكلية.
بدأ الأحتفال بعزف موسيقى الجيش السلام الجمهوري ,ثمّ تليت آيات من القرآن الكريم ,ثمّ كلمة عميد الكليّة التي اشتملت اولاّ على الترحيب بممثل رئاسة الجمهورية, والضيوف واشاد السيد امرالكلية بخريجي الدورة وجديتهم والتزامهم وقدم بعد ذلك التهاني للخريجين, بعد قدّم امر الكلية السيد مدير الدائرة القانونية في وزارة الدفاع لتلاوة المرسوم الجمهوري الخاص بمنح الخريجين رتبة ملازم ثاني مجند في الجيش العراقي , بعدها قام الخريجين بايعاز من مدير الكلية بان يقوم كل خريج بتلبيس رتبة الملازم الى زميله الذي يقف الى جانبه وسط التصفيق والهتاف بحياة الجيش العراقي.
قبل انتهاء حفل التخرج اذاع ضابط التوجيه خبراً بان السيد رئيس الجمهورية, قد قرر منح كل ملازم متخرج اكرامية مبلغ عشرة دنانير, وسيقوم امراء الفصائل بتوزيع كتب تنسيب كل ضابط مع المبلغ بعد الغداء , كان وقع الخبر مفرحاً علينا نحن المتخرجين ,وقد دعانا ضابط التوجيه الى الوليمة المقامة على شرفنا بالمناسبة من قبل آمر الكلية في الساحة المخصصة لذلك .
كانت مناسبة رائعة ووليمة بديعة ودسمة, مكونة من عدد كبير من الخرفان المحشية بالرز , واللوز ,والكشمش والمسماة بالقوزي , وقد وضع في كل جفنة كبيرة خروف باكمله وقف على كل صينية خمسة ضباط.
عند استلامي كتابي المنسب به الى احد الوية المشاة ضمن اختصاصي, لم اكن اعرف مكان اللواء, وكان لزاماً عليّ ان اتوجه الى احدى الوحدات العسكرية المختصة بذلك , لكن احد زملائي من خريجي مدرسة الدروع أخبرني :بانه يعرف مكان اللواء, لأن الكتيبة التي كان متدرباً فيها والتي نسب اليها تقع في منصورية الجبل ضمن محافظة ديالى يعسكر اللواءالذي نسبت اليه الى جانبها .
استقلينا السيارة انا وملازم باسم للألتحاق بوحدتينا وبعد الوصول الى مكان كتيبة المدرعات , رحب بنا السيد مساعد الآمر وهو برتبة رائد وقد كنت قد قدمت نفسي للرائد وفق السياق العسكري , رحب بي مرة آخرى قائلاً :
لقد رحل لوائك المنسب اليه يوم أمس الى الشمال, وطلب مني المبيت عندهم والمغادرة في الصباح, وقد تأسف ملازم باسم كثيراً وطلب مني كذلك البقاء والأستراحة ,إلا اني اعتذرت وكانت الحركات العسكرية في الشمال قد استؤنفت آنذاك بعد توقف لمدة سنوات لعدم الأتفاق بين الحكومة والحركة الكردية المسلحة على تطبيق بنود بيان 11اذار.
اوصلني ملازم باسم الى الشارع الرئيسي مودعاً ومتمنيا لي الموفقية وسلامة الوصول, كان الشارع الرئيسي القديم الى بغداد بممر واحد للسيارات ذهاباً وايابا, وكان السواق يتوخون الحذر اثناء السياقة خوفاً من حوادث الطرق . وبعد وقوفي لمدة طويلة في الشارع العام دون الحصول على سيارة تقلني الى بغداد جاءت سيارة بيك اب من نوع زوك روسي يسوقها رجل متوسط في العمر والى جانبه شاب, توقفت السيارة عندما لوحت له بالوقوف وبعد تبادل التحية سالته ان كان باستطاعته ان يقلني الى بغداد, نظر الي السائق مستغربا وقوفي في هذا المكان وفي الظلام وفاتني ان اذكر انه قد حلّ الليل وانا بالأنتظاروانا باللباس العسكري وسالني:
لماذا لاتنتظر سيارات الخطوط ؟ قلت:
اني واقف منذ زمن ولم تقف لي سيارة يبدو انها تاتي كاملة الحمل ولهذا لم تتوقف.
قال السائق:
اننا ذاهبان الى بغداد لكن ليس قبل ان نعرج على هذه القرية القريبة لتحميل ثور لأخذه ولامانع لدينا في ان ترافقنا مع الإمتنان اذا وافقت على الذهاب معنا الى القرية وأوعدك اننا لن نتأخر اكثر من عشرة دقائق.
لم اجد بداً سوى الموافقة على العرض ورافقت السائق والشاب بغية الوصول الى بغداد, توجهنا الى الشارع بعد ان تم تحميل الثور من القرية بسهولة, كان الشارع كما اسلفت ذو ممر واحد ولم يكن مضاءً ويعتمد السواق في طريقهم على مصابيح سياراتهم اثناء السير.
سألني السائق: عن وجهتي وعن اهلي كما سالته: انا ايضا وتبادلنا الحديث الذي عادة مايتبادله المسافرون قتلاً للوقت.
لم تكن سيارة الزوك مثل بقية السيارات العادية التي لها ماكنة في مقدمتها ومن ثم ياتي الجام الأ مامي للسيارة بل كانت ماكنة السيارة تحت مقعد السائق والى جانبه وان جام السيارة الأمامي يقع مباشرة على الشارع حيث ترى وانت راكب في القمارة العالية نوعا ماعن السيارات العادية الشارع امامك مباشرةً,لم نعرف في لحظة ماحدث ونحن نتبادل الحديث لكني سمعت صوت جام السيارة وهو يتكسر وان هناك رأس حصان في القمارة بيني وبين الشاب الذي بجانبي وصوت يصدرمنه برش برش.
اوقف السائق السيارة بسرعة ثمّ تحسسنا اجسامنا فكانت سلامات والحمد لله ثمّ نزلنا من السيارة بعد ان اوقفها السائق جانباً لنتبين ماحدث على ضوء مصابيح السيارة عندمارأينا ان هناك عربة خشبية مسطحة مربوطة بالحصان قد اصطدمت بنا وكانت تسير با لأتجاه المعاكس لسيرنا وبدون ضوء ولم يرها سائقنا , فتشنا عن سائق العربة فلم نجد ثمّ سمعنا بعدئذ صوت سائق العربة مرميا على مسافة تبعد عدة امتار عن مكان الحادث ممداً وهو يشكو آلامه آخ يابا آخ يمّا تفحصناه انا والسائق بعد ان اجلسناه و تبين انه سليم ولم يصب بأ ذى لكن رائحة الخمر تفوح منه و وجدت في طيات ثيابه زجاجة خمر شارفت على الأنتهاء,قلت له :
ايها المجنون ماذا لو اصيب احد منا باذى توفي او جرح او انكسر؟ هل ستظن انك ستسلم منها ايها السكير العفن ؟ قال :
لاتغلط انا ابو كريمة : انا ابو كريمة انا من العشيرة الفلانية ,والله سأدفعك الثمن غالياً جداً فاستشطت غضباّ من ردّه ,وصفعته صفعةً قويةً على وجهه وللحقيقة اقول انها اول وآخر صفعة أوجها لأحد فقام بالصراخ والبكاء . عندها قمنا انا والسائق بتطيب خاطره ثمّ اركبناه عربته بعد ان وضعناه في الأ تجاه الصحيح وسألته ان كان باستطاعته السير بوعيه الى قريته فاجاب بالأيجاب ثمّ قمت بأخراج مبلغ العشرة دنانير وأعطيتها اياه لندمي على صفعه. لاأدري بعدها ان كان ابو كريمة قد وصل مبتغاه ام ضيعه الخمر؟ لم تكن بداية موفقة لكنه قدري.
وصلت بغداد في وقت متاخر ينتابني الندم على عدم مبيتي في كتيبة الدروع مع ملازم باسم,
وترددت كثيرا بين ان استمر بالسفر او ابقى في بغداد الى الصباح ومن ثم اتخذت قراري بالمبيت في بغداد بعد العناء الذي لقيته في سفرتي بذهابي وايابي .
كان كراج بعقوبة يقع في بغداد الجديدة حيث بيت الحاج محمود الذي يقع قريبا منه وبقيت متردداً بين ان أذهب الى فندق حسيب في منطقة النهر قرب شارع الرشيد الذي تعودت النزول فيه عند مجيئي الى بغداد مع العم سلام اولوحدي , او التوجه الى بيت الحاج محمود, كانت الساعة تشير الى العاشرة مساءً, اتخذت قراري بالذهاب الى بيت الحاج محمود لأني كنت أشعر بالتعب الشديد واستسهلت كوني قريب من بيت الحاج .
لااريد ان اذكر تفاصيل الحفاوة التي استقبلوني فيها بيت الحاج محمود, لكنّ قراري بالذهاب الى هناك ,كان صائباً , لم أر جميل في البيت وعندما سألت عنه الحاج محمود ؟قال : انّه لازال خارج البيت.
في الصباح الباكر خرجت من بيت الحاج متسللاً دون أحدث أي جلبة متوخياً الحذر بعدم إيقاظ أصحاب البيت .
استلمت مكاني كآمر فصيل في السرية الأولى من فوج المشاة القتالي الذي نسبت اليه تواً, وكان اللواء الذي تنسبت اليه له سمعة جيدة وباع طويل في معارك المشاة منذ أعوام وقد شارك في معارك عديدة خرج منها ظافراً.
قامت القيادة العسكرية بتشكيل عدة الوية مشاة احتياطية بعد الأضطرابات التي صاحبت تطبيق بيان أذار من قبل الحكومة.
بعد شهرين من التحاقي بذلك اللواء تم نقلي الى احد افواج الأحتياط المشكلة حديثاً, وكان الفوج بطور التكوين, وقد التحق به آمر الفوج وهوبرتبة عقيد من صنف الدروع, وبعض الضباط من تشكيلات أخرى مختلفة ومتعددة الأختصاصات ,كما تم نقل وجبات من الجنود الأحتياط من مواليد 1948 والمكلفين من مواليد 1957كما تم نقل وجبات اخرى من ضباط الصف المشاة واصناف المخابرة والأعاشة والنقل, وكلّف ضابط الأعاشة مع نائب الضابط المختص بتجهيز الفوج بالمعدات اللازمة كالخيم والمستلزمات الأخرى التي يحتاجها الفوج, من الأسلحة, و الملابس, و ادوات الحفر, واكياس الجنفاص المعدة لملئها بالتراب لغرض التحصينات الدفاعية ,كما التحق بالفوج بطرية مدفعية, ورعيل مدرعات, وبعض المخابرين ومختصي ازالة الألغام الأرضية من كتيبة الهندسة.
القى امر الفوج كلمة بالضباط والجنود, مستهلاً كلمته بالترحيب بالتجمع التشكيلي للفوج من ضباط ومراتب وجنود قائلاً:
اننا وعلى بركة الله قد اكملنا التحضيرات اللازمة لأعداد فوجنا ضمن الأفواج الأخرى في الجيش العراقي الباسل, وان واجبنا الآن هو استلام الأوامر من القيادة العليا للقيام بأية مهمة تسند الينا قتالية او مساندة ,وعليكم من الآن الأ.ستعداد التام لذلك.
تحرك الفوج بناء على الأوامر العسكرية الى منطقة جسر مندان في ناحية العشائر السبعة.
توزعت السرايا في اتجاهات عدة ضمن محور المنطقة تمهيدا لمهمة قتالية لم نعرف ماهيتها في الحقيقة, واسندت الي آمرية الفصيل الأداري في سرية المقر المرابطة مع الامرية وفق السياق العسكري, والتي من واجبها تقديم الخدمات اللوجستية لمتطلبات الفوج.
تحرك الفوج بناءً على توجيهات الحركات العسكرية الى منطقة عقرة التي كانت تحت سيطرة الحكومة بمؤازرة قوة من مغاوير الفرقة الرابعة و القوات الكردية المساندة للحكومة.
لم تكتمل التعزيزات التي طلبها آمر الفوج, من سيارات نقل الجنود, والأرزاق الجافة, بغية توزيعها على الجنود . اضطر آمر الفوج بان يرافق كل دبابة حضيرة من جنود الفوج, واوعز لهم بالركوب في حلقة حول حوض الدبابة في مهمة صعبة للغاية, كان الهدف هو التقدم لتحرير جبال باكرما ن وان تتولى آمرية الفوج التقدم باتجاه الجبال عبر الطريق المؤدي الى منطقة مريبا المحاذي لسفوح الجبال في الوقت الذي كانت فيه قوة من مغاوير الجيش العراقي مع قوة من الاكراد الموالين والمسماة بالفرسان تتقدم باعالي الجبال للسيطرة على المنطقة مع التنسيق المستمر مع فوجنا المساند للعملية.
بدأ التحرك مع غياب الشمس , وكانت مفرزة من كتيبة الهندسة قد تولت مهمة الكشف على الألغام المزروعة, وهي تتقدم ببطء وقد استطاعت الكشف عن عدد قليل من الألغام, التي قام الفنيون من الكتيبة بتفجيرها بعد التوقف عدة مرات لفترات طويلة. كان منظر الجنود وهم على تلك الحالة معلقين حول حوض الدبابات في وضع غير طبيعي لكنها العسكرية وضوابطها وضروراتها التي لايمكن ان تناقش عندما يتعلق الامر بالتنفيذ.
لم نجد خلال تقدمنا اية مقاومة, ولم نسمع بالمقابل اية اطلاقة نارية من أعالي الجبال ,حيث تتقدم قوات المغاوير مع القوات الكردية الموالية للحكومة. ومع شروق الشمس توقفت القطعات العسكرية لأمور تطلبها الموقف, وصدرت الاوامر الى السرايا ان تنتشر في محيط المكان مع الحيطة والحذر تحسبا لاي طارىء .لم تصل الارزاق الجافة الى الجنود الذين لم يتناولوا أي شيء من طعام منذ ظهر الامس, لكن امر الفوج قال: بان السيارات الخاصة بنقل الجنود سوف تصل بين ساعة واخرى مع الارزاق, مؤكدا على الجميع بانهم عسكر, وواجبهم اطاعة الاوامر متى تطلب منهم ذلك وقال مخاطبا الجنود:
ان العسكرية هي شرف الرجال الذين من واجبهم حماية الوطن مهما كلف الثمن, وان عليهم تقع مسؤلية امنه والدفاع عنه من المتربصين,وانتم اليوم اثبتم انكم ابطال بتحملكم المصاعب التي واجهتكم ايها الشرفاءالبواسل.
وصلت التعزيزات من السيارات والارزاق الجافة والطرية ايضاً, وتهلل وجه الجنود بالفرحة بعد معاناتهم من الجوع والتعب والبرد ,وقد قضوا تلك الليلة التي لاتنسى وهم واقفين على حوض الدبابات في موقف صعب للغاية لايكاد أحد منهم يستطيع ان يحرك قدمه.
لم يلق رتلنا العسكري اية مقاومة ولم تثار طلقة واحدة اثناء التقدم في اليوم الأول وقد قطعت القطعات تقدما مهماً وصولاً الى القرب من منطقة الهدف.
تحرك الرتل مرة ثانية بعد ان اعطيت الأوامر بالتقدم لأحتلال الهدف وهو السيطرة على السلسلة الجبلية الممتدة من عقرة الى منطقة لااذكر اسمها تماما لكنها تمثل نهاية الهدف وهي مضيق يقع بين جبلين , تنفس الجنود الصعداء بعد انتقالهم للركوب في السيارات بعد ان امضوا ليلتهم الفائتة بالبرد والتعب والخوف من الإنزلاق من على ظهر الدبابات.

وصلنا الهدف الساعة السادسة صباحاً وقد اكتشفت المفرزة الهندسية الخاصة بمعالحة الألغام ثلاثة الغام للدبابات مزروعة على الطريق الذي يسلكه الرتل وهو طريق ترابي
وتمكنت من رفعها بعد توقف الرتل عدة مرات.
توقفنا عند حافة المضيق بعد ان تم اشعارنا بالوصول الى منطقة الهدف عندما اطلق المتقدمون من المغاويراطلاقات تنوير تعبيرا عن انتهاء التقدم واحتلال الهدف دون اية مقاومة.
توزعت السرايا حسب توجيهات امرالرتل في السهل وتهللت وجوه الجنود بالفرحة بعد ليلتين من التعب ونصب المطبخ المتقدم وبوشر باعداد الطعام ضمن استراحة مؤقته بانتظار الأوامر من جديد
بعد ساعتين من الاستراحة صدرت الاوامر الى فوجنا بالانتشارعلى الفور فوق قمم الجبال التي سيتركها المغاوير والقوات الكردية الموالية.
حسب أوامر الحركات العسكرية ,أصدر آمر الفوج تعليماته بانتشار السرايا على القمم, وابقى على مقر الفوج وسرية المقرالتي كنت من منتسبيها بالبقاء بالسهل لأدارة الفوج, واناطة واجبات الدعم اللوجستي للسرايا الأربعة التي ستتسلق الجبال, كان قسم من جنود الفوج الاحتياط سبق له ان خدم في شمال العراق , وقد اكتسب الخبرة التي ساعدت الى حد كبيربتسهيل عملية الوصول الى المناطق المقرر اشغالها من قبل السرايا, الجميع كان في حركة دؤوبة لتسريع عملية اخذ المواقع والأستقرار فيها خوفاً من الطوارىء تنفيذاً للأوامر.
الجبال التي تمت السيطرة عليها تسمى بسلسلة جبال باكرمان وهي جبال شاهقة تشرف على منطقة وادي نهلة ومنطقة بارزان ومن الجانب الآخرتشرف على القرى التابعة لناحيتي بعشيقة وبرده رش او العشائر السبعة ومنطقة مريبا.

شاهد أيضاً

مروان ياسين الدليمي: اكتشاف الحب: اوراق من مدونتي الشخصية (ج/21 – الأخير)

ليس هذيانا لدينا اسباب عديدة تدفعنا لان نتمسك بالحياة،حتى وإن كان الامل ضعيفا في امتلاكنا …

أُغْنِيَةُ الحُبُّ الإِلَهِيّ
فاضل البياتي
السويد

في الدُنيا ضُروبٌ وروائِعٌ مِنَ الحُبِّ شَتَّى ويَظلُّ الحُبُّ الإِلَهِيُّ أعظَمُ وأروعُ وأَبْقَى وليسَ هُناكَ …

~ المراعي الجديدة ~
محمد الناصر شيخاوي/ تونس

صَبِيحَةَ كُلَّ يَوْمٍ نَجْلِسُ مَعًا نَتَنَاوَلُ حَلِيبًا وَ خُبْزًا بِالزُّبْدَةِ وَ الْعَسَلْ وَ عَصِيرًا مِنَ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *