رواية تذكار الجنرال مود
قراءة في ضوء التحليل النقدي للخطاب
علي كاظم داود

كيف يتشكل العالم الاجتماعي في الخطاب الروائي؟ وهل يمكن الإجابة عن ذلك إجرائياً من خلال التحليل النقدي للخطاب؟ هذا ما سنحاول الإجابة عنه من خلال هذا البحث، الذي اخترنا له أنموذجاً هو الخطاب الروائي الذي قدمته رواية (تذكار الجنرال مود)(1 ) للكاتب العراقي البصري ضياء جبيلي.
الخطاب الروائي بتعريف سعيد يقطين هو «الطريقة التي تقدم بها المادة الحكائية في الرواية»( ). وفي هذا التعريف يركز على الجانب الشكلاني، دون الالتفات لما يحمله مفهوم الخطاب من دلالات. صحيح أن الخطاب في أبسط تعريفاته يعني «المعالجة المنهجية لموضوع ما شفاهياً وكتابياً»( )، وهي تدعّم تعريف يقطين، غير أن التعريفات الأعمق للخطاب تذهب أبعد من ذلك بكثير، فيقول روجر فاولر مثلاً: «الخطاب كلام أو كتابة يُنظر إليه من منظور المعتقدات والقيم والمقولات التي يجسدها؛ فهذه المعتقدات والقيم تمثل الطريقة للنظر إلى الكون، تنظيم للتجربة أو عرضها (الايدولوجيا) بالمعنى المحايد غير الازدرائي. وأنماط الخطاب تحيل مختلف صور عرض التجربة رموزاً، ومصدر صور العرض هذه هو السياق الصريح الذي يرد الخطاب ضمنه»( ). فالخطاب الروائي من هذه الوجهة سيغدو ساحةً تلتقي فيها الجماليات وتقنيات السرد وطرق عرض الحكايات، مع العلاقات الاجتماعية، أو بتعبير هيجل: «مجالاً لصراع (بين شعر القلب، وبين نثر العلائق الاجتماعية ومصادفة الظروف الخارجية). وبذلك فإن الرواية تضطلع بوظيفة (ملحمة برجوازية) داخل (مجتمع منظم بطريقة نثرية) ، (مبتذلة) لأنها تسعى لأن تستعيد كليته وشعريته المفتقدتين»( ). فالشكل والمضمون واحد في الخطاب عموماً، وفي الخطاب الروائي كذلك، وهو بمثابة ظاهرة اجتماعية في ذات الوقت، فـ «هو اجتماعي في مجموع مجالات وجوده وعناصره»( ) بحسب رؤية باختين. ومن هذا الربط الذي يقدمه باختين يمكن بسط المنهج المتبع في هذا البحث، والمأخوذ من نورمان فيركلف، الذي يولي أهمية كبيرة لفاعلية الخطاب في بناء العالم الاجتماعي.
يرى فيركلف أن أي استعمال للغة هو حدث تواصلي ينطوي على ثلاثة أبعاد: البعد الأول: النصي، ولا يوجد خطاب دون أن يكون محمولاً في صورة من صور النص، وما يعنينا منها هنا الصورة الكتابية؛ لأن الرواية التي نتعامل معها هي بطبيعة الحال رواية مكتوبة. ويركز تحليل النص على السمات اللغوية والشكلية التي يتحقق بها خطاب الرواية. البعد الثاني: هو الممارسة الخطابية، والتي تشتمل على الكيفيات التي سار عليها المؤلف مستثمراً الخطابات والأجناس السابقة لإنتاج روايته. وكذلك الكيفيات التي اعتمدها المتلقين للرواية. أما البعد الثالث: فهو الممارسة الاجتماعية لخطاب الرواية ودوره في التغيّر والتغيير الاجتماعي( ).
يتعامل هذا المدخل مع الرواية لا بوصفها نصاً أدبياً وحسب، بل بوصفها خطاباً متأثراً بالسياق الاجتماعي ومؤثراً فيه كذلك.

الروائي ضياء الجبيلي

أولاً : البعد النصي
سنركز في البعد النصي على قصة (كريم عبد الواحد) حفيد (انقلاب)، والتي فضاؤها البصرة في عصرنا الحاضر، ويقوم صديقه بسرد قصته، ويشاركه بعض أحداثها، على شكل استرجاعات في رسائل متسلسلة، موجهة إلى (السيد قرش) الذي يتهمه بأنه قد افترس صديقه (كريم).
يخبرنا السارد أن (كريم عبد الواحد) كان فتىً غريب الأطوار «يأكل التراب والبلاستك ونشارة الخشب، … بمقدوره أن يضغط حجمه ليلج عبر الأنابيب الضيقة، ويبحث عمن يدخله في موسوعة غينيس للأرقام القياسية، إذ ما زال بوسعه كتم أنفاسه تحت الماء لأكثر من ثلث ساعة».
يبحر السارد في عوالم الأحياء الفقيرة بمدينة البصرة، خلال العقود الثلاثة الأخيرة من عمرها، محاولاً بذلك فهم الحياة من وجهة نظر الطبقات المسحوقة وتحليل الإشكاليات التي تعتري حياة سكان المناطق الشعبية، المُغيّبة في ذاكرة المجتمع والملغاة من اهتمام الحكومة ومسؤوليها، خصوصاً وأن هذه المدينة عاشت خلال هذه الحقبة تفاصيل يومية مُدمِّرة لثلاثة حروب، تركت بصمات واضحة على وجه المدينة وملامح سكانها، فضلاً عن حصار اقتصادي قاسٍ، تلاه فترة فساد ونهب للثروات، ما تزال مستمرة، وفي كل الأحوال كان الخاسر الوحيد هو المواطن البسيط.
ينتهي هذا المسار السردي باختفاء أو موت كريم عبد الواحد ميتة غريبة في منطقة نائية جنوب البصرة، بمدينة الفاو، وهو يبحث في حقيقة اسماك القرش التي قيل أنها تسللت من الخليج وأخذت بافتراس الصيادين.
ويبدو واضحاً أن لأسماك القرش دلالة رمزية، فهي تمثيل للفاسدين، قبل سقوط نظام صدام وبعده، وهم الذين يمتلكون السلطة والهيمنة في المجتمع، ويستضعفون الناس البسطاء، ويسلبونهم حقوقهم في الحياة. والبحث الذي يستهدف الكشف عن حقيقة هذه الوحوش المفترسة إنما يجسد فعل مقاومة ومناهضة لقيم الفساد وسلب الحقوق والتسلط، من أجل فرض أو اقتراح قيم جديدة تتمثل في قيم الإصلاح والعدالة والمساواة.

ثانياً: الممارسة الخطابية
1 – تُقدم رواية (تذكار الجنرال مود) من خلال خطاب مباشر، مُوجّه لمتلقٍ ماثلٍ للساردين، إذ نجد في كل فصلٍ من فصولها حكاية على لسان سارد مختلف، وتبدأ الكثير من فصول الرواية بتعبير (أروي لكم) أو ما يوازيه، مُوجّه إلى جماعة من المتلقين الضمنيين، هم القراء خارج المتن. وثمة مستوىً اعتمد خطاباً رسائلياً مُوجَّهاً إلى قرش، يتضح لاحقاً أنه تمثال القرش المعروف الذي كان ينتصب في إحدى ساحات مدينة البصرة وتمت إزالته لاحقاً، بعد عام 2003، وهو تمثيل رمزي للسلطة التي كانت ومازالت جاثمة على صدور العراقيين، كما أشرنا، وإن تغيرت صورها.
تميزت الرواية إذن بتعدد الأصوات وتفاعلها، وقد تجسدت بشكل واضح في حكاية الأشقاء السبعة، الذين عاشوا في قلعة عين الذهب، في زمان جلجامش، وقد افترس القرش ستة منهم، في أوقات متفاوتة، وفي ظروف غريبة. يتكفل الأشقاء، وهم: (موليسة، أورماخ، دامكينا، كايا، أورنينا، أدابا، ورقّو) بسرد قصصهم بالتناوب. وهذا يؤكد أن الخطاب لم يعد حكراً على أحد، وليس لسارد واحد فقط أن يهيمن على عالم الرواية الجديدة، فللجميع القدرة على التعبير عن ذاته وإبراز هويته والإدلاء برأيه، بصوته هو لا بتوسط سارد آخر، وهذا الأمر إذا ما عكسناه على السياق الاجتماعي نجد أنه قد تحقق بالفعل في العراق بعد أن كان حقاً مسلوباً.
2 – تستعير الرواية بعض عوالمها وأدواتها من عوالم ماركيز السردية، وتتناص في تفاصيل كثيرة معه، وبالخصوص روايته (مئة عام من العزلة) فهي تنحت شخصية خيالية تمر عليها وقائع عجيبة، كما هو الحال مع أورليانو، وتُذكّر أيضاً بتلك الفتاة التي تأكل التراب، ثم تختفي بشكل غريب، بأن تعرج إلى السماء، كاختفاء كريم عبد الواحد، وإن كان بطريقة أخرى. حتى القرار الذي صدر من كريم عبد الواحد بأن يصبح كاتباً، يوماً ما، جاء بعد أن قرأ رواية المسخ لكافكا، وهذا يذكر بماركيز أيضاً، الذي بدأ الكتابة بطريقة مشابهة. وتتأكد هذه الاستعارة التناصّيّة من علاقة الحكايات المتوازية ببعضها، ولعبها على الزمن بطريقة حاذقة. كل ذلك ربما ينبع من شدة تأثر الكاتب ضياء جبيلي بماركيز، في مجمل نتاجه الأدبي، وهو ما أكّده منذ البداية عنوان روايته الأولى (لعنة ماركيز).
تتناص الرواية كذلك مع حكايات كلكامش والمرويات السومرية القديمة، في حكايات الأشقاء السبعة، وكذلك قصص الاستعمار الانكليزي للعراق في مطلع القرن العشرين، في حكاية الجنرال مود.
هذا الشق الخطابي القائم على التناص يؤكد أن الرواية تستجيب لنصوص سابقة وتعيد تمثيلها وصوغها لكي تسهم في صناعة التاريخ والتغيير، واستباق روايات لاحقة ومحاولة تشكيلها. وهذا الطابع التاريخي في النص الروائي يمكّنه من القيام بالأدوار الكبرى في المجتمع بوصفه أداة من أدوات التغيير الاجتماعي والثقافي.

ثالثاً: الممارسة الاجتماعية: التغيّر
خطاب رواية (تذكار الجنرال مود) يأتي بعد التغيّر الأهم والمحطة المفصلية في تاريخ العراق الحديث، والمتمثل في إسقاط الحكم البعثي ونظام صدام حسين، وانتقال نظام الحكم من الدكتاتورية الرئاسية وسلطة الفرد والحزب الواحد، إلى التعددية الحزبية والنظام البرلماني والانتخاب من قبل المواطنين( ).
تجددت في هذه الحقبة الهواجس من الاستعمار، ولو بصورة حديثة، بعد دخول العراق تحت وطأة احتلال جديد، أو مجموعة احتلالات ظاهرة وخفية، تتراوح بين تواجد القوات الأمريكية على الأرض العراقية، أو تواجد المجاميع المسلحة وسيطرة كل منها على حيّز معين، وبين التحكم الخفي بالسياسة العراقية من قبل دول وقوى عديدة. بالإضافة إلى استمرار قوى الفساد بنهب الثروات وحرمان الناس منها. كل هذه الظروف الجديدة، التي بدأت باحتلال العراق، جاءت نتاجاً لحرب استعمارية، ذات أهداف اقتصادية إستراتيجية، أو من أجل فرض الهيمنة الأمريكية على العالم( ).
في هذه الحقبة الملتبسة تقيّض للأغلبية التي كانت صامتة ومقموعة ومغلوبة على أمرها طوال الحقب السابقة أن تتكلم، وان يُسمع صوتها، من خلال الانفجار الإعلامي الهائل الذي اجتاح العراق، فضائيات وإذاعات وصحف ووسائل تواصل اجتماعي، بالإضافة إلى كسر كل القيود – الرسمية الظاهرة على الأقل – على الطباعة والنشر والتعبير عن الرأي، وغيرها من القنوات التواصلية التي سمحت للجميع بالإدلاء بآرائهم والإعلان عن مطالبهم( ).
دخل العراق في هذه الحقبة – وما زال – في مرحلة تعدد الهويات، فبعد أن كانت هويته (قومية عربية ودينية إسلامية) في ما سبق، أصبح اليوم بلا هوية محددة، فهو عبارة عن خليط غير متجانس من الهويات المتصارعة حيناً والمتعايشة أحياناً. إذ إن «إسقاط السلطة بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية لم تجلب (يجلب) للمجتمع العراقي ثقافة غريبة في هيئة مفاهيم وقيم سياسية وأخلاقية فحسب، بل صنعت أيضاً نموذجها الثقافي الخاص الهجين، غير المألوف وطنياً. وهو نموذج تجميعي مركب تركيباً فجّاً يضم في ثناياه مساوئ الكثير من الإيديولوجيات القائمة والمنقرضة»( ).
كل هذه التغيّرات الكبيرة ظهرت من خلال تمثيلات كثيرة في الرواية العراقية الجديدة. الرواية التي استوعبت قضايا المجتمع وإشكالياته، بطرق وأساليب مختلفة، حتى ناءت بثقل اللحظة التاريخية الحرجة( ). وكان ضياء جبيلي واحداً من الروائيين الذين تجلت في كتاباتهم مشكلات المجتمع وقضاياه.
كانت الرواية العرقية خاضعة للسلطة ومنصهرة في خطابها، غير أنها بعد حدوث التغيّر في 2003 بدأت بطرح ومعالجة الموضوعات التي كانت غائبة أو مغيّبة أو مسكوتاً عنها، من قبيل موضوعات الهوية والتعددية الثقافية والأقليات والمشكلات الاجتماعية العميقة والواقع السياسي والتاريخ المغيّب أو المختلف فيه، وما إلى ذلك من موضوعات باتت مركزية اليوم في رواية ما بعد الحداثة العراقية.

الخاتمة:
يبدو في هذا البحث التحليلي أن الخطاب الروائي مكون من نسيج شديد الترابط، في أبعاده الثلاث، إذ لا يمكن للممارسة الخطابية أن تُؤدى إلا على شكل نص، وهو الرواية هنا، كما أن الممارسة الخطابية (نابعة ومتفاعلة وفاعلة) في الممارسة الاجتماعية. فالإعلاء من شأن أصوات الأفراد العاديين، من خلال صياغة خطاب تعددي، في مواجهة الخطاب الأحادي السلطوي، سيتجه بالخطاب نحو التفاوض وفرض قيم جديدة بديلة عن القيم السابقة التي كانت تحكم المجتمع العراقي.

هوامش:

( 1) صدرت عن دار وراقون للنشر، البصرة، 2014.
(2 ) تحليل الخطاب الروائي، سعيد يقطين، المركز الثقافي العربي، بيروت، ط3، 1997، ص7.
( 3) الخطاب، سارة ميلز، ترجمة عبد الوهاب علوب، المركز القومي للترجمة، القاهرة، ط1، 2016، ص13.
(4 ) المصدر السابق، ص17.
( 5) الخطاب الروائي، ميخائيل باختين، ترجمة محمد برادة، دار الفكر للدراسات، القاهرة، ط1، 1987، ص10.
(6 ) المصدر السابق، ص35.
( 7) ينظر: الخطاب والتغير الاجتماعي، نورمان فيركلف، ترجمة محمد عناني، المركز القومي للترجمة، القاهرة، ط1، 2015، ص16.
(8 ) ينظر: محطات مفصلية في عراق ما بعد 2003، إبراهيم عباس، الحوار المتمدن، 22/ 10/ 2005.
(9 ) ينظر: العراق والتحالف الغربي 1991-2003، عماد هادي الربيعي، دار زهران للنشر، عمّان، 2013، ص156. وكذلك: ماذا بعد سقوط بغداد – دراسة في أسرار الحرب الأمريكية وتداعياتها، محمد فرج، منشورات كتب عربية، ص8.
(10 ) ينظر: المادة 38 من الدستور العراقي الدائم 2005.
( 11) فوضى اللغة والبواعث النفسية للعنف الثقافي، سلام عبود، مجلة مسارات، العدد الثالث والرابع، 2008، ص136.
(12 ) ينظر: شوارع نيرودا – استراتيجيات الرواية العراقية بعد 2003 – أشكال السلطة وصور المثقف، غانم حميد الزبيدي، دار أمل الجديدة، دمشق، ط1، 2019، ص33

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: حامد عبدالحسين حميدي…. فاعلية النقد.

*سمعت، ذات محاضرة لاستاذ هجر كتابة القصة القصيرة، التي كان مغرماً بها الى حد، لم …

محمد الماغوط: تراتيل المواجع على أرصفة المقاهي
إبراهيم مشارة

محمد الماغوط (سلمية ،حماه 1934/دمشق2006 ) ظاهرة شعرية حديثة بامتياز في الأدب العربي الحديث وهو …

نـجيــب طــلال: باب ما جاء في احتفالية النــضــال (02) !!

بــاب الــنـضـــال : وبناء على ما سبق قوله ؛ فالنضال أساسا وظيفة ذاتية تلقائية لا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *