ناهدات ديسمبر- – قصص قصيرة جدا للقاص السعودى حسن على البطران
قراءة: عبد الهادى الزعر

هكذا هى ق- ق- ج منذ ظهورها منتصف القرن الثامن عشر ولحد الساعة ارتضت ان تكون خارج الاطار – – الإطار الذى كبل معظم اجناس القص بضوابط مرهقة –

فالخطاب القصصى القصير حمال معانى وولاد دلالات ، يجدها القارىء النابه بين شقوق الالفاظ وثنايا المفردات رغم قلتها فانزياح اللفظة ومفراقتها توحى قرائتين معاً :

— قراءة يجسدها النص –

— قراءة يضطلع بها القارىء النموذجى

وقبل الابحار فى هذا الفن علينا استذكار خصيصة مفادها ان هذا الجنس القصصى عبارة عن بنيات مركبة شملت عدداً لامتناهياً من الدلالات والمعانى –

هى بمثابة فرشة واسعة الاطراف معنوياً بالرغم من قلة حجمها المكانى !

بمعنى اّخر ان أن صلاتٍ شتى تجمع المرسل مع المتلقى فتجعله يؤوّل المنجز معتمداً على مرجعيات وحمولات فكرية إستقاها سابقاً مهمتها الغوص والحفر بالعتبات النصية لتحديد المعنى –

فالنصوص القصيرة جداً لاتستقيم على دلالة محددة واحدة لكونها تناصات جمعت النفسى والاجتماعى والفكرى على صعيدٍ واحد –

اقرأ معى هذا النص بعنوان تفاح :

( وعدته تفاحاً اخضر ، ظل ينتظر- – حتى ذبلت الشجرة )

اشكالات لاحصر لها حاضرة مبثوثة على شكل اسطورة وخرافة وحكاية وإقصوصة ومأساة وملهاة ودراما كل ذلك ينضوى تحت يافطة ( علم السرد ) وهو علم كونى عاش مع الانسان عبر العصور كتابيا وشفهيا –

حين التعمق فى السيمائيات السردية تظهر لنا ثلاث مستويات مترابطة هى :

(الخطاب — السرد — الزمن ) ولا احب الخوض فيها لتكرارها ولكن البنيويون اهتموا بالكشف عن وظائف وافعال الانساق الكامنة فى مجريات الحكى كما جاء فى — مورفولجيا الخرافة 1928 — فلادمير بروب –

القصة القصيرة جدا لم تجىء اعتباطا بل هى ردة فعل بديل عن ا لسرديات الكبرى التى احتكرت سلطة تهمبش الاّخر –

فى المراحل السابقة اضحت القيم فى وسط الفوضى فأنبرى ادغار الن بو وبودلير والدأدائيين الى إعادة وانتاج القيم من جديد –

ولهذا فرضت ظروف العصر الراهن ومتطلباته الملحة ابتكار طريقة فى التعبيرتواكب حياة المجتمع المتسارعة فالانسان شغوف لمعرفة النهايات والنتائج وليس بمقدوره الانتظار الى الغد او بعده – – فوجدها فى القصة القصيرة جدا –

فرجينيا وولف حددت موقف هذا الجنس بقولها ( ان مستقبلها لامحالة صائر وسيدخل بين النثر خصائص من الشعر وهو راى ناتالى ساروت كذلك فى كتابها – الانفعالات –

وقصص حسن على البطران الموسومة ” ناهدات ديسمبر ” اربى عديدها على مائة وعشرين نصاً خلا اكثرها من الترهل وأتسم بالعمق الدلالى وأزدان بالتكثيف ووسعة بالخيال فى حشدٍ من التضاريس والامكنة والحالات الانسانية المتخيلة والواقعية تمثلت بالجمال –

نقرأ معاً هذا النص بعنوان — ساق —

( التفت ساقى وأصطدمت بساقها ، احدثت صوتا فولد صراخ انكشف الساق

نظرت الى – نحاشيت النظر الى ساقها حدث ثوران وأخمد بأمطارٍ سقطت من مكانٍ منخفض )

ما وراء السطورمعانى مستترة يخفيها القاص ويتكتم عليها ربما تكون حشد من حالات وإيحاءات ونصوص مقدسة ودوافع نفسية وأجتماعية عنت له فى ساعة الانشاء ، ومن الخطأ ان يعتبر هذا الجنس للمتعة فقط بالرغم من اختزاله وقصره –

مالمقصود بشعرية ق- ق- ج ؟

ق- ق- ج لا زالت محتدمة الأوار دراسيا بين المفاهيم الغربية والعربية بسبب تعريفاتها الكثيرة جدا ( فأرسطو 322 قبل الميلاد) أول من نعتها بالشعرية فى كتابه – فن الشعر- فهذه المفردة شاعت فى معظم المنهجيات النقدية ويقصد بها الدراسات القائمة على علم اللغة بما فيها الانساق الكامنة والمتوارية فهى شعرية نصية –

والشكلانيين الروس سموها ” الخصائص الذاتية ” بعيدة عن عوالم الاجتماع وعلم النفس وحتى البنيويون استخدموا وسائط اشارية ولم يخالفوا من سبقهم –

ان النص السردى القصير جدا ” حمال معانى وولاد دلالات ” ففى شقوق ألفاظه ومنعطفاتها تختبأ معانٍ ومعانٍ ( كما ذكرت فى اول حديثى )

ثم ان الحذف وعلامات الترقيم وانزياح المعنى والمفارقة اللغوية والمجاز والاستعارة عوامل إنجاح هذا النوع الادبى الجميل

ولم يكتب النجاح لقليلى الخبرة لممارستها ابداً فميدانها صعب المراس رغم صغر حجمه –

ق- ق- ج- نوع ادبى قائم بذاته يتميز بالاقتضاب مارسه الكثير من الادباء العرب كمحمود شقير وغسان كنفانى والطيب صالح وزكريا تامروظهر جيل اّخر اتسم بالدقة والموضوعية فى المغرب العربى والهلال الخصيب ومصر –

فالتقنيات النوعية مرتبطة بالقصر اولا كشرط اساس وكل نص هو بؤرة لوحدها ، وهناك فرق بين الشعر الذى يهيمن عليه الايقاع والسرد التى تهيمن عليه الحكائية فكاتب هذا النوع يتخلص من الاوصاف واسماء العلم والادوار ويضع متلقيه بالحدث المناط به فقط –

وصفها د- محمد مينو ( هى حدث خاطف لبوسه لغة شعرية مرهفة تزدان بالدهشة والمفاجئة فهى قص وامض يحول الشخصيات والاحداث والزمان والمكان الى مجرد اطياف )

بإختصار شديد ان هذا النوع من القص لايعتمد الشخصية بشكل فاعل فالراوى العليم يراقب ولا يتدخل – – فهو شاهد ليس إلا –

من خلال قرائتى لنصوص كثيرة تنشر فى منتديات التواصل الاجتماعى تحت يافطة ( قصة قصيرة جداً) وجدت اكثرها – حصرماً – لم تنضج بعد بسبب تعجل اصحابها بنشرها فهذا النوع لا يقبل الاستزادة ولا الاضافات يجب ان يولد صحيحاً معافى ساعة نشره –

يرتبط الوعى اللعوى للمنشأ بطريقة عيشه وسبل تفكيره فيكون شاخصاً فى نصوصه ؛ نحن فى العراق لم نرى الاستقرار والسكينة والدعة منذ ست عقودٍ مضت ورغم مأساتنا المتفردة وازماتنا المستمرة يواكب ويلاحق مثقفونا كل ما يطرأ من جديد على الساحة –

يتكون هذا القص من عنوان ومتن وقفلة – – والقفلة هى التلى تربك المتلقى ولا يشترط ان تكون جملة أو مفردة ربما تكون علامة ترقيم او نقط حذف او فضاء فارغ والقفلة بمعنى النهاية ( شبيهة بالخرجة ) –

تحياتى للقاص السعودى المائز حسن على البطران ، ومزيدا من الابداع والتألق –

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: حامد عبدالحسين حميدي…. فاعلية النقد.

*سمعت، ذات محاضرة لاستاذ هجر كتابة القصة القصيرة، التي كان مغرماً بها الى حد، لم …

محمد الماغوط: تراتيل المواجع على أرصفة المقاهي
إبراهيم مشارة

محمد الماغوط (سلمية ،حماه 1934/دمشق2006 ) ظاهرة شعرية حديثة بامتياز في الأدب العربي الحديث وهو …

نـجيــب طــلال: باب ما جاء في احتفالية النــضــال (02) !!

بــاب الــنـضـــال : وبناء على ما سبق قوله ؛ فالنضال أساسا وظيفة ذاتية تلقائية لا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *