أحمد الكناني: مارستانات المدينة العريقة

المارستان هو المصحة او المستشفى ، تحورت في الاستعمال وانتقلت من الممارسة او المعالجة للشي الى المارستان ، وحتى اليوم يقال الطبيب الممارس او بالانگليزية : General practice وتؤدي ذات المعنى العربي .
هذا المعنى تجده في معجم المعاني الالكتروني : مارس الشخص الشئ عالجه و زاوله .
وهناك من اصحاب المعاجم كالمعجم الوسيط مثلا ارجعها الى اصلها الفارسي فهي معرّبة من بيمارستان ، و بيمار هو المريض بالفارسية و استان مكان ومحل المريض .
الجواهري في الصحاح اثبت انها معرَبة عن الفارسية وذكر ان المارستان هو بيت المرضى وانه معرب عن ابن السكيت .
وسواء كانت الكلمة عربية او معرّبة فالمعنى المستعمل اليوم هو المستشفى ولم تعد كلمة المارستان موجودة اصلا ، والتداخل اللفظي والنصي بين اللغات والثقافات هو سبب كل تلك التداخلات .
ما دعاني الى التعرض الى اصل اشتقاق الكلمة رغم عدم توفر المناسبة لذلك ، فالمقال الصحفي لا يتحمل النقاش في اصل الأشياء، الذي دعاني هو : ان كلمة المارستان وجمعها المارستانات عريقة جدا والمصادر البالغة في القدم تستخدمها بكثرة حتى دخلت في كتب الفقه والحديث ايضا ، والسبب غير معروف كيف استعيرت هذه الكلمة من الفارسية الى العربية ، وما يدريك لعل كثرتهم في حكومة العباسيين ومن قبلهم الامويين هو السبب في الاستعمال اللفظي ، او استقدام الحكماء والاطباء من الهند والسند هو سبب آخر .
ولعل من الطريف ان اذكر مناسبة تداعي المعاني بين المارستانات والمدينة العريقة وما نحن فيه ، هو المثل القائل : “ لو ضامك الضيم تذكر ايام عرسك“. اذ تجد نفسك غارقا في البوم الصور وصفنات ايام شهر العسل .
البوم صوري هو تاريخ التمدن لجرحي زيدان ، ولا اعرف سر هذا الرجل ، كلما ضاقت بي الارض اسمع قصيدته الخالدة هذه ليلتي او ارجع لتاريخ تمدنه لاسترجع ما صنعه الاجداد وما آلت بنا الايام والى اين نحن ذاهبون .
يرجع جرحي زيدان في فصل تاريخ الطب عند العرب الفضل في التقدم الحضاري الى المدينة العريقة بغداد السلام والى المارستانات التي أنشأها الخلفاء العباسيين وما تمتعت به من خصائص وامكانات طبية وخدمية ما يبهر الالباب ويطيب نفوس الاحباب .
لكن الفضل اولا واخرا يعود الى ابقراط الذي كتب في الطب تخصصا من دون شوائب الفلسفة والحكمة وهو اول من كتب … وترجمت كتبه من اليونانية الى العربية زمن الدولة العباسية والتي انتشرت بها المارستانات ومنها الى بقيم الاقاليم ، حتى يذكر ان هذا الحكيم العظيم عمل بالقرب من داره بستان وكان له موضعا مفردا للمرضى وجعل له خدما يقومون بمساواتهم ولم يسبقه احد من العالمين ، انتشار أفكاره في بغداد كان لها بالغ الأثر في تجسيدها على ارض الواقع من قبل الخلفاء الذين تعاقبوا على حكومة بغداد .
رغم ان المدونات التاريخية ترجع المارستانات ومعرفتها عند العرب الى حكومة الامويين ايام الوليد بن عبد الملك سنة ٨٨ للهجرة حيث بنى المارستان وجعل فيه الأطباء واجرى فيها مرتبات للعاملين ، وامر بحجر المجذومين لئلا يخرجوا، واجرى عليهم الارزاق وكذلك على العميان .
وقبل ذلك الخيمة التي كان يقيمها النبي في غزواته لمداواة الجرحى وانتشر اسم رُفيدة كاول ممرضة متخصصة ، كان ذلك بعد معركة الخندق .
زيدان في هذا الفصل يستعرض سردا تاريخيا لمارستانات بغداد، لكن الملفت في هذا العرض المارستان العضدي الذي انشي بامر الخليفة عضد الدولة سنة ٣٧٨ض للهجرة على طرف الجسر في الجانب الغربي من بغداد ، حيث كان يقيم فيه اربعة وعشرين طبيبا فيهم الجراحون والكمالون المجبرون ، وكان في غاية النظام يعالج فيها المرضى على اختلاف طوائفهم ونحلهم.
ولكل مرض قاعة يطوف عليها طبيب خاص ..
ينقل زيدان عن معجم الأطباء ان هذا المارستان فاق سائر المارستانات .. واخذت في تقليده بقية المدن ..
الغريب في الامر ان ابن خلكان في تراجم الحكماء يقول : كان في بغداد مارستان نقال يحملونه على جمال او بغال ، يحمله اربعون جملا يستصحبه العسكر حيثما توجهوا ..
الخدمات الطبية وتوافر الأطباء المختصين جعل من بغداد المدينة العريقة من اكثر المدن شهرة في هذا المجال حتى صار يضرب بها المثل ويتغنى بها الشعراء ، فهذا الشاعر الصوفي المتأله بل هو اعظم شعراء الصوفية على الاطلاق كما وصفه ينولد نيكلسون ينشد الابيات الجميلة ، ويصف نفسه ورهطه في معالجة ارواح الناس كالاطباء والحكماء القادمين من بغداد لمعالجة ابدانهم .
مولانا جلال الدين الرومي في الغزليات يقول :

حكماء واطباء جئنا من بغداد
نشتري هموم المرضى

حكيمم طبيبيم ز بغداد رسيديم
بسى عليتان را ز غم بازخريديم

اقول لبغدادَ هل من العدل والانصاف ان يختنق أعز أبناءك ولا يجدوا هواءاً يتنفسونه ليفارقوا الحياة في اعظم مأساة تراجيدية يشهدها العراق ، لتهرع دول الجوار في ارسال قناني الاوكسجين لانقاذ ما يمكن انقاذه من الارواح .
ومن المفارقات المؤلمة في حكومة المعتوهين الجاثمين على صدر العراق ان ينفقوا آلاف الدولارات من اموال الشعب لشراء الغازات الخانقة ليكتموا اصوات الشباب الثائر ويقفوا منتشين لاستراق سماع آخر زهيق لاحمد راضي واخوته ويدونوا خيباتهم بلغة صفراء ستضل تطاردهم اينما رحلوا .
ينشر احد المعتوهين تعليقاً على وفاة احمد راضي انه غير راض عنه لانه سرق تيشرت رقم 8 من فلاح حسن وانه مات تاركاً مذهب اهل البيت … سيلعنك التاريخ ايها البائس لعناً وبيلاً لانك تركت انسانيتك بل وحيوانيتك واضحيت كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ۚ وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ.

شاهد أيضاً

خالد جواد شبيل: خُلِقت جميلاً يا لبنان!

أول الكلام: أستميحك عذرا يا لبنان أن أحوّل حزني عليك وعلى بلدي العراق الى حالة …

بدء العد التنازلي لإطلاق لقاح كوفيد-19!
بوادر نهاية كابوس كورونا تلوح في الأفق
مولود بن زادي أقلام مهاجرة حرة – بريطانيا

منذ بداية تفشي كوفيد-19 في شهر ديسمبر/كانون الأول 2019 والعالم غارق في وحل كابوس مرعب …

عبد الرضا حمد جاسم: الراحل علي الوردي في ميزان: انتفاضة الحي

اعود في هذه والتاليات للبحث في طروحات الراحل الدكتور علي الوردي له الذكر العطر ونحن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *