شكيب كاظم: عزوّ أقوال إلى قائليها

والعزو: النسبة والانتساب، جاء في (المعجم الوسيط) الصادر عن مجمع اللغة العربية بالقاهرة:( عزا) فلانا إلى فلان- عزوا وعزيا: نسبه إليه، ويقال: عزا الخبر إلى صاحبه: أسنده إليه، ويقال: عزا فلان إلى فلان: انتسب إليه.
وإذ فهمنا معنى الـ (عزو)؛ أي نسبة أقوال إلى قائليها، أو إرجاعها إليهم، فإنني أقول إن ثمة الكثير من الأقوال الشائعة، التي تعزى إلى أكثر من قائل، ولعل ذلك ناتج عن عدم التثبت من قائلها، والتأكد من نسبتها إليه، فضلا عن أن الخطأ في نسبة قول ما، يستتبع من ثم وقوع آخرين فيه اعتماداً على الأخذ منه، والاقتباس عنه، ولقد رأيت الاختلاف في بعض الأقوال، يصل إلى شأو بعيد، كل ينسبه إلى قائل معين، لذا آثرت كتابة هذا الموضوع، كي نعطي كل ذي حق حقه، وننسب هذه الأقوال إلى قائليها، ونعزوها إليهم، وهذا مبلغ علمنا بالشيء، وفوق كل ذي علم عليم.
1- من ذلك إن بعضهم يأتي بمقولة (المتنبي مالىء الدنيا وشاغل الناس)، من غير عزوها لقائل معين، وهي لابن رشيق القيرواني؛ الأزدي ولاء لا نسبا، والمولود عام ٣٩٠ للهجرة،، والمتوفى ليلة السبت غرة ذي القعدة ٤٥٦للهجرة، وقد صنفه كعادة أكثر أهل زمانه، لأبي الحسن علي بن أبي الرجال، الكاتب، رئيس ديوان الإنشاء- أي المراسلات- لدى ابن باديس الصنهاجي، أحد الملوك المعروفين في المغرب اوانذاك، كما ألف اللغوي أحمد بن فارس كتابا في اللغة كتبه للصاحب بن عباد، مهديا إياه له، لا بل أطلق اسمه- أي المُهْدى إليه أو له!- على الكتاب، إذ سماه ( الصاحبي في فقه اللغة).
2- كما وجدت خلطا عجيبا وتباينا في نسبة قول: ” كلنا خرجنا من معطف كوكول” أو” قد أتينا جميعاً من معطف كوكول”، فثمة من ينسبه للروائي الروسي ثيو دور ديستويفسكي، وآخر إلى ليو تولستوي، لكن واقع الحال، أو هذا ما توصل إليه بحثي وتنقيري، يؤكد أنه للروائي الروسي إيفان تورجنيف- ٢٨ من تشرين الأول ١٨١٨-٢٢ من آب ١٨٨٣- الذي أصيب بسرطان العمود الفقري وهو في فرنسة، وأوصى بنقل جثمانه إلى بلده، وصاحب الروايات العديدة:( رودين) و(عش النبلاء) و(مذكرات صياد) وغيرها.
ومعطف كوكول هذا، إشارة إلى قصة قصيرة كتبها القاص والروائي الروسي كوكول عنوانها ( المعطف)انبنت على مفارقة مؤسية، إذ تصور حياة رجل فقير اسمه ( أكاكي أكاكيفتش) يتسربل بمعطف قديم متهرىء رُقّع كثيرا إلى الحد الذي لم يعد بالإمكان ترقيعه، أو إضافة رقعة إليه، ولقد شاء الخياط السكير الذي يرقع له معطفه هذا، أن يهديه معطفا جديدا، ليخلصه من معطفه المرقع هذا، ومن ثم كي يتخلص من مصاعب ومتاعب ترقيعه، معطف أكاكي أكاكيفتش البائس، ويحيا هذا المسكين أياما عدة، سعيدا بمعطفه الجديد هذا، وقد نضا عنه معطفه المرقع القديم ذاك، لكن يفاجأ بمن يتحايل عليه ويسرقه منه، فيترك ذلك في نفسه أسوأ الآثار، وما يلبث أن يموت هما وحزنا وكمدا على معطفه الجديد المسروق، ولقد تناول القاص العراقي المبدع؛ محمود عبد الوهاب (ت.٢٠١١) ثيمة هذه القصة، لينتج منها قصة رائعة، ضمتها مجموعته القصصية ( رائحة الشتاء)تنحو قريبا من منحاها، ليترك بطل قصته يغادر غرفته الباردة العارية من كل دثار، نحو ساحة أم البروم في منطقة العشار بمدينة البصرة، في ليلة مقرورة شاتية باردة، يواجه موته، كما واجهه أكاكي أكاكيفتش محزونا مهزوما مقهورا مقرورا.
3- ثمة قول آخر مشهور:” الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا” رأيت من ينسبه لأكثر من قائل، وما هو في الحقيقة إلا للشاعر البريطاني؛ روديارد كبلنك-ت.١٩٣٦- والقول بصورته الكاملة هكذا:” الشرق شرق والغرب غرب، عبء الرجل الأبيض. ماذا يعرفون عن انكلترة الذين عن غير انكلترة لا يعرفون، إن أنثى كل جنس اقتل من ذكوره”. ولقد قرأت دراسة كتبها عنه الروائي البريطاني جورج اورويل-ت.١٩٥٠- لم يجد مثلبة ومنقصة إلا والصقها بروديارد كبلنك، فهو سادي متغطرس، استعماري منذ أيام حرب البوير، التي خاضتها بريطانية في أفريقية سنة ١٩٠٢، فضلا عن كونه وكيل دعاية إلى سيسل رودس، الذي سميت ( روديسيا) باسمه، التي نالت استقلالها بعد تنحية حاكمها الأبيض العنصري المتغطرس ( أيان سمث)، بداية سبعينات القرن العشرين،. واضحت تعرف باسم ( جمهورية زامبيا)، ولم يوفر جورج اورويل، صاحب روايتي ( حقل الحيوان)و( ١٩٨٤)، لم يوفر أشعار كبلنك وأدبه، إذ وصفها بأنها ( نظم)!ومن أراد الاستزادة فبإمكانه الرجوع إلى كتاب ( خمسة مداخل إلى النقد الأدبي) تصنيف ويلبر. اس.سكوت، ترجمة وتقديم وتعليق، أستاذي الدكتور عناد غزوان إسماعيل-ت.٢٠٠٤-وجعفر صادق الخليلي، وقد نشرته وزارة الثقافة والإعلام في الجمهورية العراقية سنة ١٩٨١ في ضمن سلسلة دراسات ورقمها ٩٦ عن دار الرشيد للنشر.
4- كما ذاع في الأوساط الثقافية، قول يصف العالم بالقرية الصغيرة، واختلف الكاتبون في نسبته إلى قائل معين، لكن الثابت أن عالم الاتصالات الكندي (مارشال ماكلوهان) وصف عالم اليوم، في ظل مبتكرات العلم الحديثة، وعالم الاتصالات المذهلة من خلال الأقمار الصناعية، بأنه أصبح قرية كونية.! واضعين في الحسبان، أن عالمِ الاتصالات الكندي (مارشال ماكلوهان) توفي سنة ١٩٨٠، عن نحو سبعين سنة، يوم لم يكن الإنترنت والبريد الإلكتروني قد اكتشف، تراه ماذا سيصف عالمنا هذا لو كان حيا! يقينا، سيصفه بـ(كوخ كوني)!
5- وعود على بدء، فقد ناقشت في مقالتي (قراءات ومراجعات) المنشورة يوم السبت ٢٧ تشرين الأول ٢٠٠٠ في صفحة (النافذة الثقافية) بجريدة (العراق) المحتجبة عن الصدور الآن، ان هذه الأبيات غير منسوبة لقائل معين:
الشـــــــــعر فأعلمن أربعة فشاعر يُجري ولا يجرى معه
وشاعر ينشد وسط المعمعة وشاعر من حقه أن تسمعه
وشاعر من حقه أن تصفعه!
ولقد عثرت وأنا أقرأ في كتاب (العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده) لابن رشيق القيرواني، على هذه الأبيات، ولكن برواية مختلفة وقريبة منها، إذ قال ابن رشيق: ” وانشد بعض العلماء ولم يذكر قائله:
الشعراء فاعلمن أربعة فشاعر لا يرتجى لمنفعة
وشاعر ينشد وسط المجمعة وشاعر آخر لا يجرى معه.
وشاعر يقال: خمر في دعة
وهكذا رويتها عن أبي محمد بن عبد العزيز بن سهل- رحمه الله- وبعض الناس يرويها على خلاف ذلك.
وأقول: ولعلها الرواية التي ذكرتها آنفا، أو غيرها، وقد نسبها محقق الكتاب الصادر في شهر آب/ أغسطس سنة ١٩٣٤، المرحوم أبو رجاء؛ محيي الدين عبد الحميد، نسبها إلى الشاعر الخطيئة، لكن لم يوضح مصدره، أو مصادره التي استند إليها، في نسبة هذه الأبيات للخطيئة، أو استقى منه هذه المعلومة.

شاهد أيضاً

ثلاثة جياد بين الروائي أري دي لوكا والقاص محمود عبد الوهاب والشاعر بلند الحيدري
مقداد مسعود

إلى .. أخي وصديقي ولدي الغالي مسعود 1- 2 حين اشتريت نسخة ً من رواية …

من أقوال الروائية “إيزابيل أللندي”

# الأم والوطن لا يمكن المزاح فيهما: إنهما مقدسان # حيث توجد النساء، توجد الحضارة …

شكيب كاظم: ناقدٌ ومحللٌ ادبى كفأ
عبد الهادى الزعر

كم أكن سعيدا حين أقرأ شيئا لشكيب كاظم – – ثقافة موسوعية مزادنة بالغنى والعمق …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *