مرافئ يحيى السماوي كما يراها الكاتب لطيف عبد سالم
كتابة: عبد الصاحب محمد البطيحي

عندما يتصدى المرء للكتابة عن شاعر أو ناثر، ستكون ادواته التي يستعين بها، بالضرورة، هي المصادر التي تخص ذلك الشاعر أو الناثر، يرتبها وفق المنهج الذي ارتضاه ان يكون وسيلته في الكشف والانارة : تتمثل بدراسة البيئة منذ مراحل العمر المبكرة، مروراً بأطوار التكوين، وصولاً الى مرحلة النضج .وبهذا ينجلي التعاشق بينها وين فكر الكاتب، و يتحقق القول بأن الكاتب هو ابن بيئته. يصح هذا ايضاً في متابعة المنتج الأدبي وعلاقته بتناول المعاني واللغة. يُبذَل كلُّ هذا الجهد من اجل رسم صورة واضحة ومنصفة لشخصية الكاتب الخاضعة للدرس، وكذلك من اجل كشف مدى قدرته على الاقتراب من مدارك المتلقي، وتلبية توقعاته بان يكون رمزاً مُعَبّراً عن طموحاته. هنا يتضح الأمر بفعل فاعلين، الأول هو كاتب النص الأدبي، والأخر هو الناقد الذي يتصدى لعملية الكشف والتنوير. وعلى نحو مؤكد، ستكون رحلة النقد، عند الناقد المهيمن على ادواته، مريحة ومثيرة الى حد كبير .
وعلى خلاف هذا الأمر، يأخذ التصدي لناقد النص والحديث عن وسيلته في الكتابة منحى مغايراً، حيث يتنحى النص عن الأولوية ليسمح لناقده أن يكون البؤرة التي يتصدى لها ناقد الناقد، الذي يمثل العنصر الثالث من معادلة ( النص / الناقد / ناقد الناقد )، وبهذا يقترب العمل، إن جازت المقاربة، من عملية الترجمة، فبدلاً من معادلة (النص / كاتب النص ) تظهر معادلة (النص / كاتب النص / مترجم النص ). في كلتا الحالتين، يتحمل العنصر الثالث جهداً اضافياً ، حيث ينبغي عليه ان يفهم النص تبعاً لزاوية النظر خاصته وكذلك تبعاً لرؤية العنصر الثاني ، فهو بهذه الحالة حمّال فكرته وفكرة غيره.
الغرض من الحديث السابق هو المساهمة في التصدي الى الكاتب لطيف عبد سالم في كتابه الموسوم بـ (مرافئ في ذاكرة يحيى السماوي) المطبوع عام 2019 في مطابع تموز / ديموزي / دمشق / سوريا، حيث يمثل محتوى الكتاب اكثر من ظاهرة تكشف عن الدافع الضمني الذي سار بالكاتب صوب اختياره الكتابة عن السماوي. فكما لا يقبل المرء تناولَ طعامٍ لا يستسيغه، ولا يرتدي لباساً، يعتقد انه لا يلائمه، كذلك الأمرُ في الكتابة فالكاتب، عموماً، شاغلُه عملٌ ذهني يرتكز على الكتابة عن مواضيع تهمه، وتجد لها مسارباً في نسيج تفكيره وميوله، وهذا ما نلمسه عند الكاتب لطيف عبد سالم، حيث يمتلك مع الشاعر السماوي ذات النسيج الفكري، فهما يشتركان في كشف البؤسِ ومسبباتِه، ورفضِه، ومناصرة العمل للتخلص منه ، والانحياز الى الجمال والطموح الى الكمال مع إمكانية تقبل النتائج المترتبة عن ذلك الموقف المشاكس للسلطة السائدة .
عنوانُ الكتاب مفتاحٌ يطوي مغاليقَ النص، وعلى نحو أدق يطوي مضمون ما يعمل الكاتب على كشفه، سواء ما اختص به شعر الشاعر السماوي أو ما عايشه في حياته، ونعني بذلك البيئة من حيث تعدد الأماكن وتعاقب الأزمنة ومشاركة الناس، وتأثير كل ذلك على شخصية الشاعر وتطور أفكاره وصولاً الى مرحلة النضج.
يمنح الكاتب كتابه عنوان : مرافئ في ذاكرة يحيى السماوي
ماذا تعني كلمة ” مرافيء ؟
في المعجم هي اسم جمع، المفرد منها هو: مرفأ ويعني مرسى السفن، هو حر لا تشرف عليه الجمارك. وكذلك هو مرفأ استجمام: شاطئ تديره مجموعة سياحية. الفعل هو: يرفأ، بما يعني يجمع بعض الشي الى بعضه بخيط ابرة. كما أن القول: رفأ الملاحون السفينة يعني قربوها من المرفأ. ولهذه الكلمة معان كثيرة تؤدي معنى الاقتراب والاصلاح والمداراة.
وبالتالي ما الذي تعنيه “مرافئ ” هنا ، من وجهة نظر الكاتب؟
هي، بلا شك، تعني أولاً، تقريبَ افكارِ الشاعر الى القارئ وكذلك تلك الأماكن التي عاش فيها الشاعر، وتعني ثانياً، عاملَ تفاعلها مع مشاعر الشاعر من خلال تعاقبِ الأزمنة. وكما يذكر الكاتب عن أدونيس قوله أن ” الشعر ليس مجرد تعبير عن الانفعالات وحدها، إنما هو رؤية متكاملة للإنسان والعلم والأشياء، وكل شاعر كبير هو مفكر كبير.”، فإنه يذهب الى ان مقولة ادونيس هذه هي من أهم الأسباب الموضوعية التي حفزته للخوض في غمار ما أُتيحَ له من تجربة الشاعر الكبير، يحيى السماوي، بأبعادها الانسانية … فقد وظف السماوي منجزه الشعري للتعبير عن الحس الوطني والوعي العقلاني، نتج عن ذلك حضورٌ دائمٌ للإنسان والحب والجمال في كل ما يكتب.
من هنا تكمن دلالةُ العنوان عندما تتجاور كلمةُ مرافئ بـ ” ذاكرة السماوي “، فالذاكرةُ هي تلك الخلايا من الدماغ التي تُخزن فيها معلومات أمورٍ ماضيةٍ، يمكن استرجاعها متى ما أراد المرء ذلك، وهنا يؤدي الاستاذ لطيف عبد سالم دور المسترجع من أجل انتخاب نماذج منتقاة تكًون نمطاً من الدراسة يكشف معدناَ نقياً للشاعر الذي خط لنفسه اتجاهاً في الحياة لم تخضعه الصعاب لحبائلها ومكائدها، اضافة الى مغرياتها احياناً. وكما يذكر الكاتب فقد ” اثمرت مساعي السماوي الذاتية ومحاولاته المصحوبة بقوة الإرادة عن ولادةٍ مبكرةٍ لشاعرٍ تأثر بالشعراء: نزار قباني، السياب، والجواهر ، مثلما تأثر بالشعر القديم المتمثل بما كتبه المتنبي والبحتري وأبي تمام.”، حتى غدا موهبةً تزدهرُ مبكراً، يشعر بأن القصيدة تأتيه، تملي عليه حضورها، وهو لا يتردد أن يدونها في حالةٍ من العشق الوجداني.
يفلحُ الكاتب في كشف تأثير المكان على مشاعر السماوي، ذلك الصبي الذي ينطلق من أجواء مدينة صغيرة هي السماوة، التي يتشبع بمكنوناتها، لينتقل الى أفقٍ واسعٍ هو العراق، فيسترشد بمقولة الشاعر السماوي: اذا كان العراق أبي، فأن السماوة أمي.
أجل، انتقل الشاعر الى أماكن عديدة، وفي كل مرة يزداد التصاقاً بالناس، فيغترف مزيداً من المعرفة التي يعبر عنها بسيلٍ من الشعر، يتميز بالوضوح والخصوبة ورشاقة اللغة، يكتنز بحب الوطن:
“منذُ دهرٍ
وأنا أركضُ في سباقِ الفوِزِ بالجنة
أو بئس المصير .”
لكن يحزنه أن يرى هذا المقدس، الراسخ، ينوء تحت وطأة سهام الحقد والطمع والاذلال :
” وطني ليس هندوسياً
وهو لم يمت بعد …
فلماذا يريدون إحراقه حياً ؟ ”
وكما يقول برناردشو :” طالما لدي طموح، فلدي سبب للحياة “، يسترجع الكاتب ترنيمة السماوي :
يا نخلة الله
السلامُ عليك يومَ ولِدت من قلبي بتولاً،
السلام عليك يوم أموتُ فيك مضرجاً
بلظى الصبابةِ والتغرب،
والسلام عليك جذورك يوم أُبعَث في الفسيلة،
والسلام على الفراتين … السلام على السماوة
والسلام على السلام .
هنا يؤمن الشاعر بأن بعث الحياة بإطلاله مشرقة، أمر وارد، لا ريب فيه فيؤكد أيضاً :
فأنا وأنت وعشقنا المجنون
ثالوث المحبة والغرام.
وبعد كل هذا، لا تفوت الكاتب (لطيف عبد سالم ) الإشارة الى عمق التاريخ ومدى ارتباطه بالحاضر في ترانيم الشاعر الذي يؤمن باستحالة قطيعة المجتمع – الذي يرنو الى اكتمال شخصيته المعنوية – بالماضي، فيكتب
شقّت ظلامّ الليل اينانا،
فأيقظت الماضي.
ومع هذا ، يدوّن مشاعرَ الشاعر في خطابه الذي يواسي فيه حبيبته، أرض الوطن :
لا تجزعي،
تعب السرى،
وتعبتُ مني،
لا أذل من المنام في حضن غيرك.
لا تجزعي لو انني جزت المفاوز،
واحتبستكِ تحت خيمة أضلعي،
وغسلتُ بالقبلات نخلك،
والتراب بأدمعي.
ويبرر ذلك بأن قوى الظلام ملحاحة في بسط نفوذها
ليلةٌ واحدةٌ من فرحٍ
تكفي لأن تغسلَ حزنَ العمرِ،
لكن …
كيف للهدهد
أن يحمل بشراه الى نافذتي
في زمنٍ
أصبح فيه الصبحُ
أدجى من عباءاتِ الدراويش
وأحداقِ المداخن ؟
ازدانت دراسةُ الكاتب لطيف عبد سالم عن الشاعر بنماذج هي لوحات بصرية تؤرخ الكثيرَ من الأحداث. تمنيت أن لا تكون النماذج الشعرية التي وردت في الكتاب منفصلة عن سياق المتن كما بدت للقاري. أخيراً تحية للكاتب لما بذله من جهد في تقديم منجزات الشاعر العراقي على أحسن وجه.

شاهد أيضاً

صدور عدد جديد من الاديب الثقافية

بغداد ـ خاص بالناقد العراقي صدر العدد 234 من جريدة “الأديب الثقافية”، وهي مطبوعة تصدر …

د. فالح نصيف الحجية الكيلاني: التعريف بمؤلفاتي المنشورة ورقيا والكترونيا
الكتاب السابع والعشرون: (الحرب و الايمـــــــــــــان) ديوان شعر– المجموعة الخامسة

يحتوي الديوان على القصائد التالية: الحرب والايمان – بغداد- ليلة الاسراء – رحمة الله – …

خصائص الرواية العراقية التجديدية:
قراءة في رواية انزوريكا للكاتب العراقي سعد الساعدي
بقلم الناقدة والشاعرة الليبية/ نعيمة عبد الحميد

تشهد الرواية العربية تغيرات وتطورات شأنها شأن أي نوع أدبي آخر تبعا للحداثة والمعاصرة التي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *