قيس كاظم الجنابي: نافذة على (تاريخ زقاق)

-1-
العنوان الذي يوحيه كتاب ( تاريخ زقاق، مقالات في مئوية السرد العراقي)، للقاص الكبير محمد خضير، الصادر عام 2019م، عن جامعة الكوفة، يحيلنا الى قصة القاص نزار عباس (زقاق الفئران) التي جعلها عنواناً لمجموعة له فيما بعد، وهو من المحسوبين على جماعة (الوقت الضائع) وهو جيل وسطي محصور بين جيل الخمسينات وجيل الستينات ،وسماه الدكتور عبدالاله أحمد (جيل الوسط الضائع)،ويضمّ عدداً من القاصين، منهم محمد روزنامچي، ونزار عباس ومحود الظاهر وخضير عبد الأمير وعدنان رؤوف .. وغيرهم. ومجموعة قصاصين وصفهم المؤلف بالنزعة العبثية والصعلكة والتشرد، وأشار الى سركون بولص ويوسف الحيدري.
لقد استوحى الكاتب عنوان كتابه من مقالة كتبها بهذا العنوان، أشار فيها الى الجيل الضائع، والقاص نزار عباس ( 1934-2003م)، تتصف قصصه بالتجريب واستخدام أساليب لم تكن مألوفة آنذك لدى الأجيال السابقة له، وهو يشير الى مجموعة (زقاق الفئران) التي تتكون من عشر قصص في طبعتها الأولى الصادرة عام 1972م، ثم أضاف اليها ثماني قصص في الطبعة الثانية الصادرة عام 1985م،ثم تلتها مقالة بعنوان (الرعب والرجال) عن القاص يحيى جواد من الجيل الضائع.
كانت المقالة الأولى في الكتاب بعنوان( مواقع وأنطولوجيا) وفيها اشارة قصيرة لرصد السرد العراقي بعد مرور مائة عام عليه، من خلال العودة الى تاريخ أول قصة عراقية نشرت، واعتقد أنه لم يرجع الى (الرواية الايقاظية) لسليمان فيضي، التي صدرت عام 1919م، وهي الرواية العراقية الأولى، ولكنها جمعت بين الراوية والمقامة ؛ وهذه بداية طبيعية لكل فن، ولكن واحداً من الأسباب التي دفعت غالب الباحثين لإهمالها هو ليس سبباً فنياً أو تاريخياً، لمن أرخ للقصة العراقية، من أمثال عبدالقادر حسن أمين وعمر الطالب وشجاع العاني وعبد الاله أحمد وباسم حمودي .. وغيرهم، هو صعوبة الحصول على نسخ منها، ولأن كاتبها لم يكن متأثراً بالفكر الماركسي، وقبل عدة سنوات صدرت بطبعة ثانية أنيقة عن دار الساقي، ثم طبعة أخرى عنها أيضاً؛ فضلاً عن مذكرات فيضي والتي تضمنت كتابه النهضوي ( في غمرة النضال) وأوراق أخرى علماً أنه أصدر صحيفة مهمة في البصرة، هي (الايقاظ).
-2-
يبدو لي أن الأسلوب الذي كتبت به موضوعات الكتاب ، هو المقالة الأدبية النقدية، وقد جرى ترتيبه وتناول الأعمال الأدبية السردية المهمة بطريقة شبه تاريخية، ومتناغمة مع الفكرة الأساسية التي عبّر عنها الكتاب، بالرغم من أن كتاب (تاريخ زقاق) يحيلنا الى الحكايات الشعبية التي تحكيها العجائز على أرصفة الأزقة، الا أنّ مناخ (زقاق الفئران) يبقى مسيطراً على طبيعة السرد المقالي الذي منح الكثيرين تصوراتهم الضرورية ، وخصوصاً الأجيال الجديدة من الأدباء فرصة قراءة تاريخ السرد العراقي المعاصر، مفعماً برؤى نقدية ثاقبة لقاص نذر حياته للسرد ومتابعة مستجداته منذ البدء حتى الآن.
يهيمن التاريخ الشخصي لمحمد خضير ،وأسلوبه الاستقصائي الدافئ ،وعباراته المتقنة وصوره الدقيقة، على فضاء الكتاب، وكأنك تقرأه مفعماً بهواء سوق المغايز ومرسى شط العرب وبهارات أسواق العشار، وصور أزقة البصرة التراثية الضاربة في القدم، وحكايات الجاحظ، وكلام البساطة المبطن بالسرد والأحلام، وهذا ما يشحن المقالة الأدبية بالنزعة الذاتية أو الوجدانية/ العاطفية، حينما يطل الكاتب عبر ضميره المتكلم(أنا) بين الحين والآخر، ليتصل بك ويحييك عن بعد وكأنك تراه يومئ اليك. وهذه واحدة من مزايا المقالة الأدبية النضاحة.
يمكن أن نعد تاريخ الأجيال القصصية التي مرّ بها السرد العراقي، تاريخاً محكوماً برؤى سياسية/أيديولوجية أكثر منه محكوماً برؤى نقدية؛ لأنّ الواقعي يخضع للمتغيرات السياسية ويبقى رهيناً لها، فالأجيال (الرواد، الخمسينات، الوسط الضائع[ الجيل الضائع]، الستينات، السبعينات، الثمانينات، التسعينات، ما بعد الألفية الثاني…)؛ جلّها تواريخ ترتبط بالأحداث السياسية، فالرواد برزوا بعد الحرب العالمية الأولى ،وسبقوا الحرب العالمية الثانية ، والخمسينات أعقبوا الحرب العالمية الثانية، متمثلين بعبد الملك نوري وفؤاد التكرلي ،والوسط الضائع تأرجح بين ثورة 14 تموز عام 1958م، قبلها وبعدها، وجاء الستينات معها وفي غمرة الصراعات السياسية التي ولدت معها ومن خلالها، ثم جاء جيل السبعينات بعد نكسة حزيران عام 1967م؛ ولعل رأي الكاتب في جعل العام 1979م هو “الجدار الأول الذي تكسرت عليه طلائع الموجة السردية الستينية، في القرن الماضي ،وتبعثرت أقلامها. فهو العام الذي نشر فيه “الستينيون” أفضل ما في جعبتهم، وهو آخر حد لحقبهم، التقت عنده نُذُر الحرب وعبوس الواقع الفكري والسياسي”[ص 19/ جامعة الكوفة، بيروت 2019م]. ذلك أن هذا الجيل فقد تجريبيته وظهرت أجيال أخرى تناغمت مع ظروف الحرب وسطوتها المريعة.
-3-
بدت مقالته( أجيال الخطر) تتمة للمقالة التمهيدية السابقة، وقد كتبت بأسلوب مقالي شيق يؤكده قول الكاتب:” سنأسف لغروب نهارات مطابع الصحف، ومسارات صالونات البيوت الأدبية ،والبحوث الجامعية، سنحزن على انقضاء أعمار أجيال الخطر غير أننا لن نطلب المواساة من حفاري القبور ومشعلي الحرائق”[ص31].
يدفع الجانب المركب (الذاتي/ الموضعي) في آن واحد المقالة الأدبية لتكون مادة غنية بالمعلومة والتحليل ، وتشخيص الهفوات والبحث عن جماليات الكتابة بكل صورها ؛ فطابع المقالة هو الأدب، والأسلوب الرصين والجمل المنتقاة، بهيكلها الذي يبدو واضحاً( مقدمة ، متن، خاتمة)؛ وهذا يحصل بالممارسة والاستمرارية من دون تصميم وتخطيط مسبق أحياناً، ولكن هذا مع كاتب محترف مخضرم محمد خضير مستبعد، تماماً. فاستخدام (أنا) الكاتب المرتبط بـ(نحن) الآخرين، كتاباً وقراءً، هو السبيل الى تحقيق التلاحم بين الذات والآخر، على وفق منظومة مضمرة تسير في نسق من الخطاب يتدرج من البداية حتى النهاية، وهذا هو ما يميز المقالة الأدبية عن غيرها من الكتابات.
لم يكتف الكاتب بدراسة وتشخيص النصوص الأدبية، وانما درس كتب المذكرات أو استعان بها في مشروعه الكتابي هذا، مثلما استعان بالكتب ذات الطبيعة السياسية التي لها علاقة بالمشهد الثقافي، حتى تبدو زوايا النظر متكافئة، ويبدو المشهد متكاملاً، فوصفها أو وصف بعضها بقوله:” صدرت في ذروة الصراع بين ذوات أدبية نرجسية أخضعت خصومها الى تحليل عنيف في كواليس السقوط السياسي ، كلما سنحت فرصة للهجوم عليهم”[ص28]؛ بينما وصف هؤلاء برعايا الأدب المركونين “في قفص المؤسسة الحاكمة مع حاكميهم”. وهو وصف لكتب التاريخ السير ذاتي مثل كتاب (الموجة الصاخبة) لسامي مهدي ،وكتاب ( الروح الحية) لفاضل العزاوي، لأنه ” يؤرخ لحالة العناق القهري بين الأدب والسلطة”[ص27].
ووصف الأجيال الأخيرة من أدباء السبعينات وما بعدهم بأنهم ذهبوا الى زنزانات النظام في سجن أبي غريب ،وغرف الأمن والمخابرات “ليتنسَّم رائحة الحبس والتعذيب ويعيد انتاج سنواته العجاف في نصوص استرجاعية لا تخلو من الحقد والاستشفاء النفسي والسياسي”[ص30].
ويبدو لي ،على الأقل، أن الجانب النقدي في فهم حركة السرد العراقي وما تبعها لدى الكاتب تمرُّ بموشور من المماحكة الخفية لفرز النتوءات التي كانت تعتريها ؛ فهو بالرغم من النزعة النقدية في كتاباته للمقالة الا أنه يُحكِّم رؤاه ومواقفه التي هي آراء الناقد المنصف، الذي يسمي الأشياء بأسمائها؛ والمقالة في مثل هذه الظروف تحتاج الى جرأة لأنها فضفاضة ونضاحة وشفافة، تتراءى للقارئ بكل صدقها وجمالها وانصافها.
-4-
ومحمد خضير، بوصفه كاتب قصة من الطراز الرفيع، يبدو حكاءً من ذلك الطراز، حين يكتب المقالة، يتسلسل معها من البدء حتى النهاية؛ ولهذا عبّرت مقالة العنوان (تاريخ زقاق) التي جاءت بعد الثلث الأول من الكتاب، خير تعبير عن علاقة العنوان بالمتن، حتى أنه وصف (الجيل الضائع) بجيل الضياع، وهو وصف مقصود ومكشوف وفيه موقف جلي فني وغير فني، فهو ضائع لأنه لم يكن له عقد معلوم ،وضائع لأنه فقد موقف السياسي؛ فغالب أفراده هم من اليسار، مثل غازي العبادي ونزار عباس ( ويشبههم من جيل الستينات من الشعراء حسب الشيخ جعفر، ومن القصاصين جهاد مجيد)، ولكنهم اضطروا للعمل في جريدة (الثورة) التي أصدرها حزب البعث، فاستلب منهم هوياتهم السياسية والفكرية ودفعهم نحو مشروعه الثقافي، فهو يصف ضياع نزار عباس الاجتماعي بالرجل الذي قاسم” أمه الدار، وحيدين ، متوحدين، أيام كان الجنود يدفنون خلف ساتر الحروب ، لكي يُنقل رفاتهم بعدئذ مع قصص نزار عباس في تابوت واحد، بلا فصل أو تمييز”[ص97].
كان نزار عباس ، على قلة، ما كتبه، مشروعاً لهوية سردية طويلة الأمد، توفق سيرها الوئيد ، بعد نشوب الحرب بين العراق وايران، حيث بدأ تيار سردي جديد، له سرده التعبوي ، في حين كان عبدالملك وفؤاد التكرلي يمثلان جيلاً وضع بصماته قبل ثورة 14تموز 1958م، وبقي جيل الوسط الضائع يراوح بين اتجاهين، ولعل تجربة خضير عبد الأمير ما يوضح ذلك، وتجربة جيان كذلك ،ويلتحق بهما محمد روزناجي. أما يحيى جواد فهو حالة خاصة تؤكدها مجموعته (الرعب والرجال) الصادرة سنة 1978م.
في غالب الأحيان تكون المقالة الأدبية أقرب الى فن الشعر، منها الى فن النثر، بسبب تعقيدات النثر وتشعباته، واهتزاز هويته بين الصحافة والأدب والسياسة، ولكن محمد خضير كسر هذا الحاجز، وجعل المقالة الأدبية فناً أقرب الى السرد، وهذه فضيلة ربما لا نشعر بها الا عندما نقرأ مقالة العنوان ( تاريخ زقاق)؛ فمقالات حسين مردان وعلي جواد الطاهر ذات طبيعة انشائية، أما مقالات عبدالجبار عباس وعبد الستار جواد فهي ذات طبيعة نقدية محمّلة بعبق الشعر؛ لهذا وصف جونسون المقالة الأدبية بأنها ” نزوة عقلية لا ينبغي أن يكون لها ضابط من نظام”[ فن المقالة: نجم/ ص94].
وهذه واحدة من عناصر كتابة المقالة ، لكن هذا الفن الأدبي نما وتطور ليأخذ شيئاً من فن الحكاية أو من فن الخطابة، لأنه يعتمد على النثر[ كتابنا: المقالة الأدبية في العراق/ ص11]. وهذا التطور لحق بالمقالة حين شعر به الكاتب ومنحه تأثيره؛ بينما كان نزار عباس يكتب قصيدة النثر ، ليخفف عنه وطأة الزمن ،والشعور بالعزلة. أما ما دعاه محمد خضير بالضياع، فيعني بي ارتباك المشروع الثقافي لهم، فقد عالج يحيى جواد شلله بالنحت، وبعده من جيل الستينات عالج عبدالخالق الركابي شلله بالسرد وهجر الشعر.
لقد غطى الكتاب أغلب أجيال القصة وشخصياتها بطريقة ذكية ومنتقاة ، حتى ما بعد الألفية الثانية ،وسرديات ما بعد الاحتلال الأمريكي للعراق؛ فيما دعاه بـ( فنتازيات بغداد) في نوع من الغرائبية المثيرة ، التي توحي بخراب البلدان بسبب التسلط ،وتشريع حق الاحتلال وتبعاته في اثارة حروب الطوائف.
-5-
ومثلما عالج محمد خضير المستجدات وحركة الأجيال ، عالج معها المؤثرات السياسية على السردية العراقية، كما فعل مع (ثلاثية شباط)،و( الهوية والمنفى)،و( شعرية الموت)،و( شعرية المتاهة)،و( الرواية النسوية)،و( رواية التغيير)؛ ولكنه كان حذراً ،وربما متوجساً من استخدام بعض المفاهيم المثيرة، مثل( رواية التغيير) التي تشير الى الروايات التي تناولت موضوع الاحتلال الأمريكي، وما تبعها من صراعات وانتهاكات، ولعل هذا السبب جاء متأخراً، ففي سنة 2006م، في ملتقى السياب التأسيسي الأول قرأت له مقالة وصف بها شباب ما بعد الاحتلال بالنيسانيين؛ وهي الأخرى كلمة مائعة ، فالنيساني بالعرف الريفي هو الفلاح الذي لا أرض له ووقت الحصاد يعمل مع الفلاحين، ليكسب قوته، وفي العراق تشير الى 9نيسان 2003م(الحواسم)، وهو التاريخ الرسمي للاحتلال؛ وفي هذا الكتاب ثمة الكثير من المفردات الملغومة التي لا يمكن أخذها على ظواهرها فقط.
ومقالات محمد خضير هذه جميعاً كتبت بطريقة كتابة المقالة الاستقصائية التي تحيط بالموضوع من كل جهاته، ثم تلمّ شتاتها وتتوجه نحو القارئ كوحدة نصية، وبنية موحدة تحافظ على كيانها وأركانها كأي مقالة أدبية مشحونة بالدلالات، فعن رواية (الرجع البعيد) لفؤاد التكرلي يقول:” فما عسى أن يضيفه نسقٌ جديد على نقوش سجادة شباط التي اُغتصبت منيرة على ألوانها ؟ كفتنا الحادثة الغابرة فتح جرح المنعكس عن جدار التضحيات الرمزية بصوت التكرلي ليغلق ذلك النسق، ويجدد في الوقت نفس دورة استحالة القلق الوجودي العابر للنكسات والحروب، حيث تتساوى الادانة والغفران في مرافعة نقدية واحدة”[ص149].

شاهد أيضاً

ثلاثة جياد بين الروائي أري دي لوكا والقاص محمود عبد الوهاب والشاعر بلند الحيدري
مقداد مسعود

إلى .. أخي وصديقي ولدي الغالي مسعود 1- 2 حين اشتريت نسخة ً من رواية …

من أقوال الروائية “إيزابيل أللندي”

# الأم والوطن لا يمكن المزاح فيهما: إنهما مقدسان # حيث توجد النساء، توجد الحضارة …

شكيب كاظم: ناقدٌ ومحللٌ ادبى كفأ
عبد الهادى الزعر

كم أكن سعيدا حين أقرأ شيئا لشكيب كاظم – – ثقافة موسوعية مزادنة بالغنى والعمق …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *