د. وليد العرفي: تقنيَّات أسلوبيَّة في الومضة الشَّعريَّة

يُحاول الشاعر: شوقي مسلماني أن يُقدّم الشعر في إطار فلسفي يُوجّه سمت بوصلته إلى العقل ؛ ليشغل تفكير المتلقّي ، وهو بذلك يُضفي على النصّ بعده الماورائي مبتعداً بالشعر عن الغنائية والرومانسية ، ومداعبة المشاعر العاطفية ، إذْ يتغيّا أبعاداً رؤيوية مختلفة عن المعهود والنمطي ؛ فثمّة رغبة في تعريف ، أو محاولة الوصول إلى محددات لما يطرحه من فكر يعمل على إشراك المتلقي في بلورة توصيفه ، وتحديد ماهيته بلغة اعتمدت الاختزال والتكثيف ؛ لتكون بمثابة إشارة رامزة يسعى الشاعر إلى توضيحها ، وقد لجأ إلى تقنيات هي :
أولاً ــ تقنية التعريف :
والتعريف هو محاولة إبانة ، وكشف عن الخصائص المتعلّقة بما يُراد تحديد ماهيته ، وبهذه الرؤية يُعرّف المثقّف بقوله :
المثقّف
يقرأ ما لم يُكتب
وهو تعريف غير مُتوقّع ، وعلى هذا الانزياح في التوقّع حقَّق التعريف وقعه الخاص على ذهن المتلقي ، وهو ما يبدو في تعريف الحكيم الذي يصوره بقوله :
الأضواء
في كلّ مكان
والحكيم ينظر صوب
الظلمة
وفي تحديد ماهيات الزمن يُقدّم للمتلقي المستقبل على أنه أحد شكلين من الخطاب ؛ فهو إمَّا خطاب قديم ،وإمّا أنه يتخاطب مع الجديد ، ولنلاحظ أنَّ الشاعر قد فرّق بين الفعلين على الرغم من دلالتهما على الحاضر غير أنَّ الصيغة مختلفة ما بين زنة يُفاعل ، ويتفاعل ، والبون شاسع بين الصيغتين مما لا يحتاج إلى إبانة .

المستقبل
يخاطب القديم
ويتخاطب مع الجديد

ثانياً ــ استخدام السؤال
يبدو استخدام صيغة السؤال في تحديد التعريف محاولة من الشاعر إشراك المتلقي بإكمال النصّ ، وهي تقنية تفتح أفق الحوار بين عقل مبدع النص ، وعقل متلقيه ، وبهذا يكون النصُّ وسيلةً من وسائل تحريك المُتلقي في دائرة النص ، وتقريبه من المدار النفسي الذي يريد الشاعر أن يضع متلقيه في إطاره ، وهي تنفتح على تأويلات متعددة الإجابات ، وكلما تعدّدت الإجابات كلّما كان في ذلك غنى للنص ، وقوّة إضافية له :
السياسة الإقتصاديّة
لا النظام الإقتصادي؟
فإذا أنت نمله وأنا فيل
ماذا تعمل؟
أنا سمكة وأنت حوت
أنا ماذا أعمل؟
أي نظام اقتصادي أمامك؟
ثالثاً ــ تقنية المماثلة والتشبيه :
يلجأ الشاعر إلى تقنية المماثلة وعقد صور مقارنة ؛ ليُحقّق من خلال ذلك التشابه مرتكز التعريف ، وأساسه في تحديد الماهية .
آكلُ
أنا حي
مثل أنا أفكّر
أنا حي؟
فقد جمع في هذا التشبيه القائم على التساؤل عبر المقارنة بين الأكل ، وهي عملية حسية تقوم على الحركة والحاجة الفيزيولوجية لاستمرار الكائن في الحياة ، وعملية التفكير التي تُنشّط العمليات الذهنية ، والمدركات النفسية لدى الإنسان ؛ ليكون السؤال ليس بهدف انتظار إجابة ، إنما هو سؤال مستنكر لجعل الأكل ، والتفكير مقياساً للدلالة على الحياة ، وشتان ما بين من يأكل ليعيش ، ومن يعيش ليأكل كما قيل ، وكذلك هنا لا تشابه بين من يأكل ليعيش الحياة ، ومن يُفكر ليفهم الحياة .
إلى هذه الدرجة هو منظّم
ويبقى أنّي إلى هذه الدرجة مفكّك.
رابعاً ــ تقنية التضاد
يظهر التضاد سمة من سمات النص التي ارتكزت على الجمع بين الضدّين ، في المقطع الذي يقوم على بنية لغوية من سطرين يتماثلان في الألفاظ نفسها ، فيما يفترقان في الكلمتين المتضادتين (منظّم ) في مقابل (مُفكّك) للإشارة إلى التباين بين الذات والآخر .

شاهد أيضاً

ثلاثة جياد بين الروائي أري دي لوكا والقاص محمود عبد الوهاب والشاعر بلند الحيدري
مقداد مسعود

إلى .. أخي وصديقي ولدي الغالي مسعود 1- 2 حين اشتريت نسخة ً من رواية …

من أقوال الروائية “إيزابيل أللندي”

# الأم والوطن لا يمكن المزاح فيهما: إنهما مقدسان # حيث توجد النساء، توجد الحضارة …

شكيب كاظم: ناقدٌ ومحللٌ ادبى كفأ
عبد الهادى الزعر

كم أكن سعيدا حين أقرأ شيئا لشكيب كاظم – – ثقافة موسوعية مزادنة بالغنى والعمق …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *