خَربَشاتٌ لُغَويَةٌ : تُجَّارُ واو الثَّمانِيَة
بِقلمِ: عَلي الجَنَابيّ

سَأَلَني وَلَدي مَسأَلَةً هيَ في مِثلِ عُمُرِهِ مَسألَةٌ رَائِعَةٌ , مَاتَعوَّدتُ مِنهُ أنَّ عُنُقَهُ لِمِثلِها مُتَدَبِّرَةٌ خَاضِعةٌ : عَن سِرِّ تَسمِيَةِ واوِ العَطفِ ب (واوِ الثَّمَانِيَة) , رَغمَ أنَّها واوٌ أنيقَةٌ جَامِعَةٌ , وَلولاهَا لَمَا رُصَّ الكَلِمُ وَلَمَا كَانَتِ البَلاغَةُ لامِعَةً ؟ وَلَتَبعثَرَ الأمرُ دُونَها وَلَمَا كَانَتِ العُلومُ نَافِعةً !
قد جِئتَ – يَاولدي – بِمَسألةٍ كأنَّها دُسَّت في آفاقِ الضَّادِ ورِحابِهِ الشَّاسِعةِ , فَتَرَاهُمُ قَد قَذَفُوها بِإفكِ تَسمِيةٍ بَاهِتةٍ سَاذِجةٍ وَللأفئِدَةِ لاذِعَةٌ , تَسمِيةٌ لا يُطلِقُها إلّا مَن كانَ ذا فَصاحَةٍ فَقيرةٍ مُتَواضِعةٍ , أو رُبَمَا غُلامٌ إستَخفى مِن مُعَلِّمِهِ في آخرِ مَقعَدِ مُضطَّراً وبِهَواجِس مُرجَفَةٍ خَاشِعةٍ , أو لَعلَّ مَن أطلَقَها كانَ مُتَّكِأً على أنَّها ذُكِرَت في آيَاتٍ للذِكرِ الحَكيمِ رَفيِعَةٍ رَافِعةٍ : “سَبعَةٌ وَثَامِنُهُم كَلبُهُم” أَنفُسٌ في الكَهفِ هَاجِعةُ , ” وَفُتِحَت أبوَابُها ” مرةً واحدةٌ وَمَا فُتِحَت فَتحاتٌ مُتَتَابِعةٌ , وَ” ثَيِّباتٍ وَابكَاراً ” أزواجاً ذِي انسَابٍ وشَمائِلَ وادِعةٍ , فَكانَ مِنهُ ( أن فَسَّرَ المَاءَ بَعدَ الجُهدِ بِأنَّهُ مِياهٌ في صِيتِها بينَ النّاسِ ذَائِعةٌ ), رُبَمَا نَسِيَ أنَّهُ في لُبِّ لُغَةِ الضادِ هيَ الشَّمسُ بينَ اللغاتِ سَاطِعةٌ , وهيَ الشُّعلَةُ في حَالكِ الفَصاحةِ لامِعةٌ ؟ رُبَمَا تَنَاسى أنَّها (واوَنا) سيّدةُ العَطفِ وفي كُلِّ عَطفٍ تَرَاها مُقتَحِمةً ضَالعةً ؟ فَأطلَقَ تَسمِيَتَهُ كَنَفخَةٍ مُدَمدِمَةٍ مِنها المَسامِعُ تَنفِرُ وللوِجدانِ قارِعةٍ ؟ فَبَاتَت تَسمتيُهُ مُتَرَسِّخَةً في السِّجلاتِ تَتَرَاقَصُ كُلَّ حِينٍ مَع حُروفِ الطّابِعةِ ؟
لَكِنَّ سَيِّدَتَنا الواو لا تَعبَهُ بِألقابٍ ومَا كانَت يَوماً لها طَامِعةً , فَلا حَقَّ لِأحَدٍ قَذفَ سَيِّدَتِنا بِمُبهَمِ (الثَّمانِية )؟ فَالطَّلاقُ ثَلاث وَمَا كانَ في الشَّرعِ ثَمانِيةً , إلّا شِرعَةَ جَدِّي جَعَلَ سَقفَ طَلاقِهِ لإمرَأتِهِ ثَمانمَائةَ طَلقةٍ وَثَمانِيةَ.
وَانَا يَا ولَدي لَستُ بَخَبيرِ ألسِنَةٍ وَمَا أنَا فيها بِدَاعِيةٍ , فِأنَّ أبَاكَ (مِيكانيكيٌّ) يَصونُ آلةَ الحَديد وَرُبَمَا بِرَغبَةٍ وَإرادَةٍ غَير مُتَفانِيةٍ , لَكنَّهُ نَطَقَ بِلِسانِ بِضعِ لُغاتٍ , النَّاسُ مِن حَولِنا بِهم لاغِيةٌ , فَعَلِمَ أنَّ الواوَ عندهُمُ لا تَغفو إلّا على وِسادةِ آخرِ كَلمَةٍ في عِباراتِهمُ السَّاميةِ , وَإنَّ لُغَتَنا (الضّاد) يَاولدِي تَارةً تراها تُكَرِّرُعَطفَ الكلمةِ على أختِها ثُمَّ على أختِها زِيادةً في البَيانِ ولَم تَكُ في ذَلكَ لاغِيةً ولا بَاغِيةً , وتَارةً أخرى تَراها تُحَرِّرُ العَطفَ قبلَ آخر مُفرَدةٍ في سطورِ الكَلِمِ الصّافِيةِ , فَجَمَعَت – لِكَمَالِها و لِجَمالِها – صِنوَي العَطفِ مَعاً بِأنَّها (أصلُ اللغَاتِ وَعينُها السّاقِيةِ) , أفَبَعدَ ذَلِكَ تُقذَفُ بِبُهتانِ (الثَّمانية) ! بِعِلَّةِ أنَّ رَجُلاً مِن مَضارب قَبيلةِ فُلانٍ لَفَظَها في قَافيةٍ لهُ سَاهيةٍ أوغَافيةٍ !
مَهلاً بُنَيَّ..
لَعلَّ مَكمنَ الأمرِ هوَ مَقتٌ مِنيّ للرَقمِ ثَمانية ؟ ومُدعَاةُ ذلكَ أنَّي ذاتَ يومِ غَيثٍ طَهورٍ مُنهَمِرٍ طَلَبتُكم مَظَلَّتي أنتُم ذُريَّتي الثمانية . ذُريَّةٌ وُلِدَت مُتَتَابعَةً كَدَرَجَاتِ سُلَّمٍ ُ مُتَساويةٍ , حَولَانِ بَينَ كُلِّ نَعجَةٍ وإختِها النَّعجةِ التّاليةِ , فَآتَيتُموني بِمَظَلَّتى تَحمِلُونَها مُحطَّمةً خاويةً , واوَيلَتاهُ مِن بَطشِ ايديكُمُ الجَانيةِ الطَّاغيةِ !
وَاحَسرتَاهُ على مَظَلتي البَائِسةِ البَاليةِ !
فلا تَبخَل يَا دَمعُ وتَصَبَّب مُنهَمِراً مَعَ صَبَبِ السَّماءِ الوافيةِ ! فِإنَّ هذا لَبَطشٌ لا يُسَرُّ بِهِ إلّا تُجارُ السُّوقِ ودَكاكين بِالبِضاعةِ رَاسيةٌ , فَمَصائِبُ قومٍ عندَ قومٍ فَوائدُ شافيةٌ , وذاكَ دَيدَنَكُمُ بِإتلافِ كُلِّ ما تَحمِلُ قَوافِلي لَكُمُ في رِحلاتِ شِتاءٍ وصَيفٍ دَؤوبةٍ جاريةٍ. رِحلاتٌ خاسرةٌ لولا عَطايا وَهَّابٍ يَهَبُ مِن خَزائِنَ لا تَنفَدُ مُجزيةً وَبِبَركاتِها ناميةٌ مُتناميةٌ .
(إنَّهُ الوَهَّابُ يَهَبُ وإن جَفَتّهُ النّفوسُ وماكانَت سَاعةً لهُ مُناجيةً) !
لَكأنَّي بِجذُورِ بَطشِكم مِن إصلِ ثمودَ وقومِ تُبَّعٍ وعادٍ الفانيةِ ؟ فَرغمَ أنّي تَبَضَّعتُ لكم ذاكَ الخَريف ثَمانيةَ مظلاتٍ مُزخرفةٍ بالوانٍ زاهيةٍ , باغلى ثَمنٍ وتاسعةً لي سوداءَ بثَمنٍ بَخسٍ وبِأذرُعٍ واهنةٍ واهيةٍ , وما كانَ حَناناً لكُم , بَل كيلا تَتَأَبَّطُواً شَرَّاً بِمَظلَّتى التي تُنجيني من سُوء أمطارٍعاتيةٍ , ومِن لَسَعَاتِ سَمومِ حَرِّعلى اليافوخِ هَاويةً وقَاضيةً . تَبَضَّعتُهُمُ على صَبرٍ مِنّي جميلٍ على سُخريةٍ مُعلنةٍ غير خافيةٍ , مِن تاجرِ مَظلاتٍ بَغداديٍّ على غَزيرِ بِضاعَتي وأثمَانِها الغاليةِ ! لكنّها سُخريةٌ وَدُودةٌ مُحببةٌ وغيرُ قاسيةٌ , لعلَّهُ يُخفي تَوجساً أنّي تاجرٌ مِثلُهُ أنافِسُهُ مُنافسةً حاميةً!
وصَبري الجميلِ ذاكَ هو غَرسي كُلّما أبتَعتُ لكُم مَلبساً ومَأكلاً وهو تِرسي ضِد قَفَشَاتٍ بَغداديةٍ لاذعةٍ لذيذةٍ ماضيةٍ . فَكلُّ بِضاعةٍ كانَ التُّجارُ يَضرِبونَها بالرَّقمِ ثَمانية !
رُبَمَا ذاكَ هوَ سِرُّعَدائيَ لَواوِ الثَّمانية.
دَعنا نُسَمِّهَا – بُنَيَّ – بأمِّ العَطفِ وسَيِّدتِهِ وهيَ لَهُ المُرشِدةُ وهي له الهَاديةُ .
ماليَ أرَى أبصَارَكَ – بُنَيَّ – دَوَّارَةً وَأجنِحةَ مُروحةِ السَّقفِ المُستَرخِيةِ الرّاخية ؟ أَفَسَئِمتَ كَلماتِ أبيكَ وَإنَّها لَكَلِماتٌ صَفيِّةٌ , وَفِيَّةٌ , حَفيَّةٌ , شَهِيّةٌ , شَذِيّةٌ , شَديّةٌ , شَجِيّةٌ , وَشَادِيَةٌ !
بَغداد , بِقلمِ : عَلي الجَنَابيّ

شاهد أيضاً

تلويحة الصباح البعيد (الى شذى …صباحي البعيد)
علي رحماني

الساعة الثالثة بعد منتصف الليل الصبح يهبط محتدما كغيوم ((بودان)) والليل يهرب مثقلا كسماء بغداد …

مَريم لُطفي الآلوسيّ : النَّوارسُ المُهاجِرة- رحلةُ الموت (قصةٌ مأساويَّةٌ لأرواحٍ تبحثُ عن السَّلامِ) (2)

المشهد يتكرَّر.. الملاذ الآمن الخيرُ يعمُّ والشرُّ يخصُّ، أم الخير يخصُّ والشرُّ يعمُّ؟ لقد التبست …

أسعد الجبوري: بريد السماء الافتراضي حوار مع الشاعر الأرجنتيني خوان خيلمان

عندما عثرنا عليه ،وهو يمارس السباحة في بحيرة(( الكوارث)) بين مجموعات من طيور (الرارا) الشبيه …

2 تعليقان

  1. لا فض فوك أستاذ أبو حذيفة
    لا وجود لواو الثمانية بين دفات كتبنا العربية التي ورثناها كابرا عن كابر
    هي تخريجة ضعيفة وواهنة
    اعتمدها بعض من يحب النكات والقفشات والظهور

  2. علي الجنابي

    تسعدني اهلالة خبير من خبراء لغة الضاد ومنه نتعلم نحن الميكانيكيون أهل المكننة والوقود والزيوت , وقد علمني طوال سنين وما بخل وما تأفف .
    دمت لنا معلما ناصحا .
    الواوات ازواج وازواج ولكل وجهتها و وظيفتها يا أستاذنا . وتسمية الثمانية مبهم لم يضف شيئا إن لم يكن قد أساء للنحو وبريقه .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *