سلام إبراهيم: وجهة نظر (12) عالم بلا كراهية (ملف/64)

إشارة:
مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي “سلام ابراهيم” نصوصه بدم التجربة الذاتية ولهيبها. وفي اتفاق مع إشارة خطيرة للباحث الأناسي العراقي البارع د. علاء جواد كاظم الذي اعتبر روايات وقصص سلام إبراهيم من مصادر الدراسة الأنثروبولوجية الناجعة في العراق نرى أن نصوص سلام يمكن أن تكون مفاتيح لدراسة الشخصية الوطنية مثلما استُخدمت نصوص ياسانوري كاواباتا لدراسة الشخصية اليابانية ونجيب محفوظ لدراسة الشخصية المصرية مثلا. الفن السردي لسلام ابراهيم هو من عيون السرد العربي الذي يجب الاحتفاء به من خلال الدراسة الأكاديمية والنقدية العميقة. تحية للروائي المبدع سلام ابراهيم.
أسرة موقع الناقد العراقي

وجهة نظر: رؤيا هذه المادة مساهمتي في كتاب بالدنمركية عن الرؤيا والحلم شارك به 117 كاتب وفنان
عالم بلا كراهية
في طفولتي.. أسرتني السماء بمصابيحها المتدلية من عمق السواد العظيم، بغيومها البيضاء السائرة نحو المجهول، فكنت أبحر هارباً من قسوة أبي والمعلم والمحيط مع المصابيح المنثورة والغيوم في أحلام يقظتي الشاردة متخيلاً نفسي طائراً. سيتعمق الشعور بالعزلة والرغبة بالطيران مع أول اغتصاب؛ في الثامنة من عمري انتهكتني امرأة في الظلام وأنا غافٍ في بيت أقرباء، وفي التاسعة رجلٌ وأنا غافٍ أيضاً في رواق مدرسة ابتدائية بعد أن سهرت حتى الصباح ليلة مقتل – الحسين – في صبيحة العاشر من عاشوراء”1″. على مقاعد الدرس ومع خطواتي الأولى في فك الحرف، ترسخ حلم الهرب من الواقع بالطيران، لكنه تحول إلى أمنية بالطيران الفعلي في السماء، فكنت أجيب السائل عما سأكونه في المستقبل: – طيار!. وقتها لم أفكر بالحرب والقتل، بل بالطيران؛ الرغبة بالتحرر من قبح البشر والمحيط. مع بواكير نضجي ستتحول الرغبة بالهرب إلى السماء إلى محاولة تغيير الواقع بالحلم وأنا أتدله بالكتب وأفكار الحرية والمساواة التي أدت بيّ إلى ضيقِ زنزانةٍ وأنا ابن السادسة عشرة فقط. دفعني رجال قساة بعد أن أوسعوني ضرباً إلى فسحتها العفنة مذلاً مهاناً لأجد نفسي أحلم بالشارع والهواء متسائلاً: – لماذا؟!. من يومها أدركت أن الحياة؛ فسحة عذاب، فشددتُ حزامي وخضتُ فيها جاهراً بحلمِ أجنحة طفولتي. أجوب وسط الناس محرضاً كي يحلموا بمدينة – ماركس – الفاضلة، فقادتني إلى مزيدٍ من الزنازين الباردة المعتمة، وقسوة أبناء جلدتي. حلمٌ أدخلني عالم رعبٍ وجعلني أيقن من شر الإنسان، وأنا أفقد رفاقي قتلاً في الأقبية، وأدفع عنوة إلى جبهة الحرب2، لأشهد مزيد من القتل والجنود يتساقطون من حولي نازفين حتى النفس الأخير. ضعفت.. وبدلاً من التحليق النجوم والغيوم ضاق الحلم إلى رغبةٍ واهنةٍ تنتابني لحظة الاستيقاظ فجر كل يوم؛ رغبة في معانقة الكل المرأة والشجر، العدو والصديق، الضوء والظلام، الماء والنار، التراب والعشب، الله والحشرة، حلمٌ صغيرٌ بحب جميع ما في الكون. حلمٌ أشتعل في ليلِ الزنزانة الأولى وظل متوهجاً في خنادق الحرب، وبين الثوار في جبال العراق حيث نزعت فكرة قيام مدينة فاضلة بالقوة وأنا أرى قسوة الثوار التي لا تختلف عن قسوة السجان. في سنوات التشرد بين معسكرات اللجوء في تركيا وإيران حيث البرد والجوع والمستقبل المجهول. شغلني السؤال الأبدي: – لِمَ يحدث كل هذا؟!. – لِمَ لا يحب الإنسان أخيه الإنسان؟!. هنا في منافي الدنمركي أستيقظ كل صباح أطل على أخبار القتل والحروب والثورات متخيلاً أن روحي تحلّ بجسد شاب فتي يتظاهر غاضباً حالماً حلمي في هذا الزمن. أدير ظهري للعالم الضاج بالقتل والكراهية لأغرق في حلم الطفولة والأجنحة والحروف تلك السماء السرية التي فتحت لي أبوابها بعد رحلة العذاب والتشرد. أجنحتي حروفي.. كلماتي.. رؤاي، أطير بها متخففاً من دموية تجربتي، ساكناً حلميَّ القديمين: الأول: الطيران.. ففي روايتي الثانية –الإرسي 2008 – جابت بيّ امرأة مجهولة أمكنة طفولتي القاسية وأنا غير مرئي من قبل الجند والشرطة لتصعد بي منارة عالية وتمنحني جناحين فطرت إلى غيومي البيضاء ونجومي. الثاني؛ معانقة الآخر دون لغة بالرقص والصمت.. في روايتي الأخيرة2 – الحياة لحظة 2010-. أنام كل ليلة فأحلم بالطيران والآخر. وأستيقظ كل صباح لأبحر بالحرف حالما بالآخر والطيران. رائياً العالم بلا كراهية!.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- مناسبة دينية يقيمها الشيعة المسلمين كل عام-
2- الحرب العراقية الإيرانية 1980- 1988 –
3- فصل مترجم إلى الدنمركية بعنوان – أخي الزنجي – صدر في كتاب “Herfra min verden går

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

سلام إبراهيم: وجهة نظر (18)قليلا من الفكاهة تنعش القلب
نماذج من نقاد العراق الآن (1 و2) (ملف/149)

نماذج من نقاد العراق الآن -1- يكثر في العراق الآن ويشيع أنصاف المثقفين يكتبون مقالات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *