علي چاسب*: رواية “رؤيا الغائب” لسلام إبراهيم في أستحضار الغائب العراقي (ملف/63)

إشارة:
مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي “سلام ابراهيم” نصوصه بدم التجربة الذاتية ولهيبها. وفي اتفاق مع إشارة خطيرة للباحث الأناسي العراقي البارع د. علاء جواد كاظم الذي اعتبر روايات وقصص سلام إبراهيم من مصادر الدراسة الأنثروبولوجية الناجعة في العراق نرى أن نصوص سلام يمكن أن تكون مفاتيح لدراسة الشخصية الوطنية مثلما استُخدمت نصوص ياسانوري كاواباتا لدراسة الشخصية اليابانية ونجيب محفوظ لدراسة الشخصية المصرية مثلا. الفن السردي لسلام ابراهيم هو من عيون السرد العربي الذي يجب الاحتفاء به من خلال الدراسة الأكاديمية والنقدية العميقة. تحية للروائي المبدع سلام ابراهيم.
أسرة موقع الناقد العراقي

أبتدأ سلام إبراهيم قصه الروائي “رؤيا الغائب” من اللحظة المأزومة في الحدث الذي التحم فيه الحاضر بالماضي عن طريق المنولوج والتداعيات. وقد أستخدم في بنية هذا النص سردا متميزاً أعتمد فيه النظام المنحني. مما أعطى سهولة للتضمين والتداخل بين قصتين هما: قصة الحسين الكربلائي وقصة حسين العراق الحديث، فحالما يعرض شيء من مأساة الحسين يرمي سلام أحداث الحاضر في أتون ذلك الحدث الروحي حتى أصبحت الأحداث الماضية والحاضرة.. الأسطورية والواقعية حضانه لإظهار شخصية الغائب.
ثمة حوارات مع الأزمنة ومع الذات.. ثمة تقدم وتراجع.. تطلع وإنحسار وتراجع.. صدام من نوع قاسٍ في جزئيات الحدث.. أي أن الجدلية هنا خلاقة وليست ساكنة. هنالك حدث كبير يجري في نفسه ويطفر إلى عينيه. ثمة نوع من الرغبة في أن يبتلع جوفه صورة السجن وبنادق الإعدام حتى لا مكان للخيبة والمظالم. أنه يحاول أن ينفخ الحياة بالرميم، ولكنها أمنية يحييها فلا تحيا لأنها مهصورة في قبضة كبيرة هي قبضة الواقع المتحجر.
الكاتب وظف هذيانات الكابوس توظيفاً إيحائياً، حيث الغائب واحد في الواقع والحلم.. الحلم يجري على طريقة غير منتظمة. غاية ما فيها ربط الحدث بالواقع ولو من بعيد.. أما الوقع فهو متداخل لم تتسلسل الأحداث فيه تسلسلاً زمنيا خيطياً، بل أن هناك حادثة فجرت مجموعة من الخطوط تداخلت وتقاطعات مكونة بنية النص.
أن هناك صوتا يبدأ ويستمر حتى يبلغ نقطة مشتركة مع وجدان صوت أخر كي يستمر الصوت الأخر.
وكما أن الدخول في أحداث الرواية مفاجئ غير مُمهد، أي لم تكن هناك جملة إستهلالية فقد دأب الكاتب على تمهيدية من نوع أخر باعتماده على التداعيات بالدرجة الأولى والتداخل والإسترجاع “الفلاش باك” مما أكسب النص درامية ساخنة.
وعند إلقاء نظرة على الشخصيات يبدو أن البطل مطلع على كل شئ حتى الأفكار السرية للشخصيات. فالأحداث تروى من وجهة نظر واحدة فقط دون أن تشاركه الشخصيات الأخرى رؤيته وصوته. ومع هذا فأن شخصية البطل لم تعد نمطاً يقترحه الوضع الاجتماعي ولا مجرد شاهد على هذا الوضع، بل أصبحت الوحدة المركزية في الأحداث صاعداً بها في درجات الوعي.
وبما أن السرد في بعض الأحيان يتوزع على ألسنة عدد من الشخصيات لكن المحور الأساسي هو البطل وهو يتحدث بلسان الغائب عندما تكتسي الأحداث بهدوء ما، وبلسانه شخصياً حين تشّتد الحركة في الحدث.
وليس من الصعب إلتماس طيف المرأة في النص، فهي تظهر وتتلاشى في قعقعة السلاح حيث لم يثبت لها الكاتب مكانة معينة وحتى عندما أفرد لها فصلا مميزاً أستخدمها فيه للإجابة على أسئلة الغائب.
رؤيا الغائب فيها نوع من العلاقة النصية، ولادة نص من نص أي ما يسمى بظاهرة التناص، وبما أن مزالق هذه العملية كثيرة لناحية مراعاة دقة الزمن، فأن سلام إبراهيم لم يكن ليراعي الأنتقال من زمن لأخر عن الأنتقال من نص لأخر داخل النص الكبير نفسه. هنالك ظاهرة ارتباك يتعثر بها القارئ وهو يتحول من الحاضر إلى الماضي أو بالعكس لولا المماهاة العالية التي ولدّتها جرأة سلام إبراهيم في أرتياد مواضع محرمة على المعالجة وذلك وعدٌ في الرواية العراقية أن تنتقل إلى مكانه أفضل. كما أن النص وهن شيئا في أستخدام الخطاب المباشر وقد كان في بعض الفصول مدعاة للترهل لولا أن يتداركه بتقطيع النص إلى فصول وأستخدام اللغة اللجوجة الموّارة.
ويمكن لي أن أصف “رؤيا الغائب” رواية سلام إبراهيم بأنها رحلة في السجن العراقي ورسالة من رسائل الكفاح البشري نحو التحول السامي المعجز في طريق تخليع سُدف الأختناق، فالروح البشرية هناك لديها توق للإتصال بأجزائها. وقد أكتشف سلام إبراهيم الرؤية البطولية اليائسة للحياة، فلاشيء غير الأرادة يخرق هذه الدوامة.
كان يسعى لتهيئة كون منظم ببالغ الصعوبة. وكيف يكون ذلك في حقبة ضُربت على رأسها بمطرقة هائلة فتخالط الليل بأعراض النهار على وتيرة غير مألوفة.. أنها السجن الكبير.. البيت سجن.. الدرابين سجن والمزراع سجن والسجن سجن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* روائي عراقي

القدس العربي العدد 3098 السبت/ الأحد 24/ 25 نيسان (أبريل) 1999 ـ 8 ـ 9 محرم 1420 هـ .

شاهد أيضاً

صباح هرمز: مسرحيات يوسف العاني بين الرمز والموروث الشعبي:
1- المفتاح (ملف/23)

كتب يوسف العاني مسرحية (المفتاح) أواخر عام 1967 وأنتهى من كتابتها بداية 1968، وهو بهذا …

الفهرست الكامل
في وداع الدكتور نجم عبدالله كاظم
ناطق خلوصي (ملف/6)

كانت آخر رسالة تلقيتها من الأستاذ الدكتور نجم عبد الله كاظم في 9أيار الماضي أي …

على ضفاف شعريّة العناوين
دواوين الشاعر سعد جاسم أنموذجاً
د. وليد العرفي (ملف/7)

إشارة: يسرّ أسرة موقع “الناقد العراقي” أن تقدّم لقرّائها الأعزاء هذا الملف الأسبوعي الثر عن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *