حيدر حسن جابر: البنية السردية في روايات سلام إبراهيم (رسالة دكتوراه) (14) (ملف/61)

الدكتور حيدر حسن علي

إشارة:
مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي “سلام ابراهيم” نصوصه بدم التجربة الذاتية ولهيبها. وفي اتفاق مع إشارة خطيرة للباحث الأناسي العراقي البارع د. علاء جواد كاظم الذي اعتبر روايات وقصص سلام إبراهيم من مصادر الدراسة الأنثروبولوجية الناجعة في العراق نرى أن نصوص سلام يمكن أن تكون مفاتيح لدراسة الشخصية الوطنية مثلما استُخدمت نصوص ياسانوري كاواباتا لدراسة الشخصية اليابانية ونجيب محفوظ لدراسة الشخصية المصرية مثلا. الفن السردي لسلام ابراهيم هو من عيون السرد العربي الذي يجب الاحتفاء به من خلال الدراسة الأكاديمية والنقدية العميقة. تحية للروائي المبدع سلام ابراهيم.
أسرة موقع الناقد العراقي

الفصل الرابع: المبحث الثالث
إبطاء السرد
1- المشهد والمونولوج
لعل المشهد هو من أكثر تقنيات الصوغ السردي ارتباطا بمكون الشخصية كونه يتميز حسب رأي ليفنت ( بخصيصتين الأولى تصوير الأحداث بتفاصيلها الكاملة ونقل خطاب الشخصيات بحذافيره والثانية خلق وهم التمثيل على غرار النقل الحي لمقابلة في كرة القدم بواسطة شاهد عيان ) هذه السلطة الممنوحة للشخصية من خلال الحوار والتي تجعل أمامها الباب مفتوحا للتموضع في تمفصلات مكون البنية الزمنية للعمل السردي من خلال فعالية الحوار في تكوين ملامح اغلب الشخصيات وبيان تفاعلات الحدث المتكون من تصاهر باقي مكونات العمل السردي كالشخصيات على اختلاف مستوياتها وأنواعها من خلال امتدادها في بنيتي الزمان والمكان , فالحوار الذي يطلقه المؤلف على لسان الشخصية يمكنها من احتلال الحيز الزمني الذي تستجيب له بنية الزمن الكلية للعمل – بإذعان- فتقف عنده مادام المشهد مناطا بها لإتمام غايات المؤلف المتخفي وراء شخصياته على الأغلب فالحوار غالبا ما (يستخدم في مواطن الذروة من العمل الروائي) ,كونه من أهم النوافذ التي تطل على خبايا الشخصية وما تحمله من أفكار وانفعالات وأراء وردود أفعال نحو الأحداث التي ينسجها صانع النص فالمؤلف يجد في الشخصية ضالته المنشودة فهي الروح المتحركة في المكان عبر الزمان , إن هذا التملك لزمام البنية السردية المتكون والممسوك من قبل الشخصية من خلال الحوار الذي يبنى عليه المشهد جعل المشهد يتميز بناءا على ذلك إلى (مشهد الأحداث غير اللغوية ومشهد خطاب الشخصيات ) فمشهد خطاب الشخصيات وهو الحوار الذي يتوقف عنده وتيرة الزمن لتأخذ وتيرة زمن الخطاب فالمشهد السردي الخالي من الخطاب يعطى المجال للمؤلف في التلاعب الزمني بسرعته من خلال استعمال التقنيات التي مر ذكرها في هذا الفصل ,فان المشهد الخطابي الحواري على لسان الشخصيات يجعل مكون الزمن يتوقف ليجاري سرعة المشهد الحواري ,إن المشهد الحواري الذي يدور فيه الكلام على لسان الشخصيات يجعل عامل السرد يتقابل معه بعلاقة عكسية فكلما اتسع الحوار تقلص السرد وكلما تقلص الحوار اتسع السرد و يعتقد الباحث المشهد الحواري يمثل أهم الأدوات الفاعلة والمتحكمة بإبطاء زمن السرد كونه يقابل مفهوم الحذف في البنية السردية فإذا كان الحذف هو إقصاء مراحل طويلة أو قصيرة من زمن العمل السردي من النص وإزاحتها جانبا ,فالمشهد الحواري يعمل على تناول الجزئيات البسيطة والتوقف عندها مما يعطي (للقارئ إحساسا بالمشاركة الحادة في الفعل إذ انه يسمع عنه معاصرا وقوعه كما يقع بالضبط وفي نفس لحظة وقوعه لا يفصل بين الفعل وسماعه سوى البرهة التي يستغرقها صوت الروائي في قوله لذلك يستخدم المشهد للحظات المشحونة ويقدم الراوي دائما ذروة سياق الأفعال وتأزمها في مشهد) ويعتقد الباحث إن للمشهد وظائف يقوم بها في بناء مكونات النص السردي منها الحفاظ على هوية الشخصية فمن خلال حوارها تبنى ملامحها القومية والدينية وتبرز خلفيتها الثقافية والفكرية ومستواها الاجتماعي وتلك هي العناصر التي يحرص أي مؤلف أن يجعلها هوية وواجهة لشخصياته بغية التناغم بين دورها وتكوينها فحوار الشخصية في المشهد دليل الانتماء للبيئة والمكون والمكان كما يعطي للأحداث الوجه التمثيلي البعيد عن السرد الجامد مما يجعل المتلقي أكثر قربا من الحدث فهو يعمد إلى ( الكشف عن ذات الشخصية من خلال حوارها مع الآخر وبالتالي تعبر عن رؤيتها ووجهة النظر اتجاه القضايا الاجتماعية والسياسية والفكرية فنرى الشخصية وهي تتحرك وتمشي وتتصارع وتفكر وتحلم ) , ويعتقد الباحث إن العنصر المسرحي لا يمكن أن يبنى في الرواية بأي حال من الأحوال إلا عن طريق المشهد الحواري الخطابي وهو أسلوب العرض (الذي تلجا إليه الراوية حين تقدم الشخصيات في حال حوار مباشر والتضاد في السرعة بين المشهد المفصل والسرد الملخص هو صدى للتضاد بين في المضمون بين المسرحي وغير المسرحي فالمشهد مخصص في الرواية للأحداث المهمة أما الملخص فيروي الوقائع العادية) , أما المونولوج فهو الحوار الداخلي الذي ينطلق من كوامن النفس البشرية فهو (الخطاب غير المسموع وغير المنطوق الذي تعبر فيه شخصية ما عن أفكارها الحميمة القريبة من اللاوعي انه خطاب لم يخضع لعمل المنطق فهو في حالة بدائية وجمله مباشرة قليلة التقيد بقواعد النحو كأنها أفكارا لم تتم صياغتها بعد ) ويشترك كلا الأسلوبين – المشهد والمونولوج – بإبطاء سرعة الزمن السردي فالأول هو حوار خارجي مسموع ومنطوق داخل النص السردي والثاني هو حوار داخلي في باطن النفس البشرية غير منطوق ولا موجه نحو شخصية أخرى فهو غير منطوق ولا مسموعا من الشخصيات الأخرى فهو حوار باطني وليس خطاب تداولي . وبالعودة إلى روايات سلام إبراهيم نجد أن رواياته قد حفلت بالشيء الكثير من المشاهد الخطابية الحوارية التي حملت معها أغراضا متعددة ففي رواية (الارسي )يقدم لنا المؤلف مشهدا حواريا بين البطل واحد الأفراد الذين كانوا معه في الجبل يستفسر منه عن زوجته التي رحلت في احد المفارز للعلاج في إيران ,هذا الرجل كان قد حاول اغتصابها في لحظة انفراد بها بعيدا عن زوجها وعن الأعين المشهد الحواري يبين لنا عدة قضايا فنية سنحللها بعد الاطلاع على المشهد حيث يقول :
( فسأله بصوت مرتجف :
– كيف حالها ؟!. ازدرد ريقه وتلعثم في القول :
– زينة .. ما .. بيها شيء ..لا .. لا .. ما بيها شيء
تناهبته الظنون إذ كانت تنوي العبور سرا إلى إيران لعلاج كليتيها الملتهبتين وكان العديد من المقاتلين يقبض عليهم حرس الثورة الإيرانية فتأجج سائلا :
– الم تبعث معك شيئا ؟.
انخطف لونه وتاتا في كلماته مزدردا بينها ريقه الناشف
-اط .. مئن ..عاددددت من العلالآلآج ..لكن ..كا ..كا .. نت في موووووقع بعيد س ..سا .. عة مغادرررتي ) المشهد الحواري هنا هو إبطاء واضح للسرد حيث تناول وصف الشخصية المرتبكة بإمعان من خلال تصوير التتاتة وتقطيع الأصوات عند خروجها والنطق بها من فم الشخصية كدلالة عن الخوف وإضمار شيئا ما سيتم الكشف عنه في المشاهد الحوارية القادمة ,فقد تم التصوير الصوتي لهذه التتاتة من خلال نثيث التنقيط الفاصل بين أصوات الكلمات وتكرار بعضها في تصوير مسرحي تمثيلي لهيئة الشخصية المرتبكة المتحاورة مع البطل فقد تم التركيز على العامل الصوتي في بناء صورة الشخصية لحظة الانفعال وهذه احد مميزات المشهد الحواري كونه غالبا ما يأتي تصوير لحظة الذروة أو المكاشفة أو اللحظات الحاسمة بعد هذا المشهد الحواري ينتقل الحوار مباشرة إلى مونولوج داخلي يحاور به البطل مع نفسه قائلا :
(وقتها لم يستطع تفسير ارتباكه وتلعثمه وبرودة عناقه ,بالعكس اضطرمت مخاوفه وهواجسه فظل محزونا شديد القلق مرمدا بالأسئلة
– هل أصابها مكروه
– هل استطابت عطر غيره كما حدث للعديد من المقاتلات المتمردات على أعراف المحيط المغلق الصارم اللواتي وجدن في الجبل مناخا حرا محشودا بالرجال الناضجين المثقفين الشجعان فافترقن عن أزواجهن ) المونولوج هنا هو استمرار للمشهد الحواري الأول فما أن انتهى الحوار بينهم بعدم قناعة ورضا البطل عما أجاب به رفيقه في الجبل بدء الحوار الداخلي المتصل مع الحوار الأول من خلال الانفعالات النفسية الداخلية للبطل وهي تنقية مترابطة في جعل الحوار الداخلي مع النفس المونولوج استمرارا للحوار الخارجي بين الشخصيات كون الحوارين هما امتداد لقضية واحدة تعتمل في فكر البطل وهي قضية تأخر زوجته في رحلتها الجبلية بين رجال العصابات كما أطلق عليهم المؤلف في بعض الأحيان, حتى تعود زوجته من رحلة علاجها خلف الجبال البعيدة النائية داخل إيران مع رجال أصابها التوحش بفعل العزلة عن النساء فيبدأ المشهد الحواري بين البطل وزوجته العائدة بقولها :
(- هل يكمن ذئب في أعماق كل رجل ؟! .
– ..؟
– هل كنت تسلك مثل سلوكهم يا حبيبي لو وضعت في ظروف متشابهة ؟!.
– ..؟
– اسمع يا حبيبي ..عشت أياما مرعبة ,فما إن اختفيت من المفرزة بين وهدات السفح والأبخرة والغيوم حتى اعتراني إحساس فظيع ..وجل وارتباك ..حاصرتني العيون الجائعة .. المتوسلة ..الحالمة ..المتوقدة دأبت على ملاحقتي أينما اتجهت كنت أحس بجمرها يحرقني وقت خفارتي ويا لذلك الشعور الفظيع الذي تشعر به المرأة وهي تعيش وسط رجال مسعورين يجردونها من ملابسها بعيونهم النهمة ) هذا الحوار بين البطل وزوجته والذي هو إبطاء واضح في سرعة السرد لمستوى قريب من التوقف فعامل الزمن يكاد يكون شبه متوقف عن الجريان إضافة لكون كلامها هو حذف سريع لمجوعة من الأيام حين تخبره بأنها عاشت أياما مرعبة ,فسردها عما جرى في الأيام الماضية هو حذف وتسريع لسرعة النص أما حوارها الآني فهو إبطاء في السرعة الزمنية للنص ويستمر المشهد الحواري من خلال كلام زوجة البطل بقولها :
(..ولك أن تتصور مبلغ حرجي وارتباكي وانأ أتخيل نفسي عارية أدور وسطهم في المطبخ ,في الفناء الفسيح ,وقاعة النوم التي أشاركهم المنام فيها فضلت المبيت وسطهم على النوم وحدي في غرفة منعزلة كنت ارتعد من فكرة مبيتي في غرفة اقترحها علي إداري الفصيل انتقيت زاوية تقابل الباب المسدود ببطانيتين عازلة فراشي بمنضدة خشبية قصيرة القوائم كنت اقضي جل نهاري في القراءة خالدة إلى فراشي متحاشية قدر الإمكان الاحتكاك بهم اسقط في غفوات قصيرات أعوض بهن سهد الليالي ) الحوار هنا مستمر بين البطل وزوجته العائدة من تجربة أذاقتها مرارة التواجد مع الرجال المتوثبين للانقضاض عليها ,فالمشهد من ناحية المضمون هو تعرية لفكرة الأخلاق النبيلة لمن يرتدي لبوس الثوار, أما من ناحية البناء السردي فيمكن أن ينتبه المتلقي إلى الإبطاء الشديد لعامل الزمن الذي بات غير ملموسا, فالحوار استرجاعي لزمن قد مضت أحداثه واللقاء الآني بين البطل وزوجته أوقف عجلة الزمن لحد الإبطاء الشديد الذي لا يكاد يشعر به المتلقي , حوار طويل يمتد لعدد من الصفحات من الرواية تروي فيها زوجة البطل تفاصيل تلك الرحلة المنهكة نفسيا وجسديا إلى أن تصل إلى لحظة مصارحة الزوج بما تعرضت له من محاولة الاغتصاب على يد رفيقه الذي سأله عنها والذي تلعثم في جوابه ,فبعد أن قتل في احد الغارات بعد عودتها وقفت قرب الجثة مع زوجها وبدأت بحوارها معه في مشهد حواري أخبرته بما حصل لها بقولها :
( – كنت أتشمس وأمشط شعري الذي كففت من نثره بحضورهم مستغلة ذهابهم للتحطيب في الغابة شفته رجع وحده شعرت بالخوف لففت شعري وتطلعت إلى خطواته المتعثرة تباطأ وسط الممر الثلجي استدار نصف دورة هم بالعودة لكنه عدل من اتجاهه نحوي أرابني الأمر فنهضت تراجعت خطوتين إلى الخلف كان وجهه فظيعا شديد الشحوب يرمقني بتوسل شفتاه تختلجان في وقفته أمامي وهو ينازع لقول شيء كان الجو مربكا فضلت الركون إلى الصمت والانتظار) الحوار في المشهد هو خطاب موجه من زوجة البطل إلى البطل بعد عودتها من تلك الرحلة ومكان المشهد قريب من جثة رفيقهما في السلاح الذي ستروي في بقية المشهد محاولته اغتصابها فينتقل المشهد الحواري من كلام موجه من الزوجة إلى البطل أي من حوار مباشر بين شخصيتين إلى حوار استرجاعي لمشهد يروى بطريقة الاسترجاع حيث تروي الزوجة للبطل ما جرى لها مع الرفيق ,الجثة الهامدة أمامه بقولها :(اصدر من جوف حلقه لغطا مبهما قبل أن يتمكن من القول بصوت متهدج مستنجد مستجد :
– أرجوك .. أرجوك .. ساعديني ..ساعديني !..ظننت أول وهلة انه محتاج نقود ليشتري سجائر ومرتبك بسبب الخجل فقلت : – بماذا أساعدك
– …! – أتحتاج نقود ؟.
– أرجوكِ .. أرجوكِ .. أرجوكِ ! .. – انتظر سأجلب لك , شرعت بالتحرك نحو باب القاعة اعترضني ممسكا بقبضته المرتجفتين ساعدي .حملقت في وجهه مستغربة جرأته ..ويا لهول قسماته المختضة ) هذا الحوار التمهيدي مقدمة من زوجة البطل عما حصل بينها وبين رفيقهم القتيل الذي حاول اغتصابها , وكما هو الحال فان المشاهد التي تمثل ذروة الحدث يخصص لها – غالبا- الحوار كونه يمثل حالة عليا من حالات التعبير التي تستدعي من الشخصية التعبير الجسدي والصوتي معا من أفعال وحركات متوازية وحجم الانفعال الحال لها – الشخصية – فتروي له حالة الذروة القصوى للحدث وهي لحظة طلب القتيل للمعاشرة الجسدية معها بقولها :
(- أرج ………….وك .. ارجووووووووووووك؟ . افلت ساعدي بعنف من بين قبضتيه الواهنتين تراجعت وانأ اختص ارتمى تحت قدمي باس حذائي ومسحه بقسماته هاذيا :
– أرجوكِ .. أرجوكِ .. لم انم مع امرأة طوال عمري ..أرجوكِ ..مرة واحدة ..واحدة فقط ..وستبقى سرا للأبد
تشبث بمنتصف ساقي فسقطت إلى الخلف وكأنني هويت في فراغ
خليني أذوق المرأة قبل أن أموت ..أرجوكِ .. أرجوكِ .. عبدك أنا .. حذاءك أنا ..ارحمي حالي ..سأبلغ الأربعين ..أرجوكِ .. أرجوكِ ..!.. ………… صرخت – سأقتلك يا خنزير ) الحوار هنا هو قمة الذروة في المشهد فهو يروي لحظة محاولة اغتصابها ,الفصل في هذه الرواية وهو – أحقاد المحبة – كان بالكامل فصلا لمشاهد حوارية ومونولوج للشخصيات ,حيث امتد من الصفحة 147 إلى الصفحة 169 كان الزمن يسير ببطء شديد حتى لا يكاد ان نلحظه فقد كانت المشاهد الحوارية تعمل على إيقاف السرد السريع الممتد لسنوات أو أشهر وبعد سلسلة من المشاهد المتصلة بفكرة الجنس والقيم والمثل التي تسقط في الحالات الصعبة فيغدو فيها بعض البشر كأنهم وحوش كاسرة والمشاعر المرتبطة بتلك المواقف والتي كانت سبب عنوان الفصل في هذه الرواية وهو نوع من المفارقة – أحقاد المحبة – حيث تم نسبة موصوف بغير صفته ,فالحقد والمحبة طرفي نقيض , وينهي المؤلف الفصل بمونولوج , حين يحادث نفسه لحظة أخبار زوجته بمقتل رفيقها فيقول :
(- يجب أن لا اظهر مشاعر ارتياحي ابدآ .. ابدآ .. انه أمر فظيع ..فظيع ..وإذا أظهرت ابتهاجا بالخبر .. سأكيل لها اللوم ..لكنني سأكون مواريا كاذبا.. حقيرا .. ..آواه يا رب الحرب ..آواه !. ) الحوار هنا مونولوج أصدره البطل مع نفسه فهو يمثل خلجاته ومشاعره اتجاه الموقف وهو التنافر بين مشاعر الحقد والمحبة وهي قضية فلسفية حاول المؤلف تناولها بذكاء وفي المجمل بعد هذه النماذج التحليلية من روايته الارسي يعتقد الباحث إن المشهد الحواري في روايات سلام إبراهيم ينماز بالاتساع كما انه لا يلتزم بأسلوب واحد حتى نهاية المشهد بل يتخلله المونولوج وهو حوار النفس الداخلي ليكمل فكرة بناء المشهد وسد الثغرات التي قد تكون قد شكلت للمتلقي بعض نقاط الاستفهام التي يتوقف عندها . ولعل الأنموذج السابق كان من النماذج التي تحفل بها رواياته فهو يعمد إلى بناء الحدث عن طريق المشاهد الحوارية في كل رواياته مما يشكل عامل إبطاء كبير في سرعة الزمن السردي للنص فهو يتوقف عند الكثير من الجزئيات حتى تفسير المشاعر واختلاجات الروح في المواقف الصعبة .
ومن رواية (الحياة لحظة )الزاخرة بمشاهد الحوار التي تبطئ الزمن السردي نورد هذا الأنموذج حيث يقدم لنا المؤلف مشهدا حواريا يتكون من الخطاب المباشر بين الشخصيات ومن المونولوج والذي تغدو فيه سرعة الزمن بطيئة فيقول عن اصطحابه من قبل رفيقته جميلة المهاجرة معه في دول اللجوء إلى أمسية شعرية :
( – وين جايبتني ؟ . هدرت بضحكة صاخبة جعلت الصف المظاهر لوقتنا يلتفت نحونا شاخصا سامعا جملتها الساخرة :
– أش بيك إبراهيم ..ما تعرف قدر نفسك ؟!. أنت وين وهذولة وين ؟!
قلت مع نفسي :
إنها تظنني قويا .. ولا تدري ماذا فعلت بي الأيام هنا ..صيرتني هشا لا استطيع الاطمئنان لكل صاح ..بل أجد في عينيه سخرية لما تسقط على !. – هل سبب ذلك فقداني لها ولأطفالي ؟!.
أظن ذلك .. لا بل أنا على يقين من إن ذلك كان السبب في فقداني الثقة ) المشهد الحواري هنا مزيجا من الخطاب لمباشر والمونولوج الخفي الصادر من أعماق الروح المعذبة فالمؤلف هنا أعطى للراوي صفة الراوي العليم فهو يتكلم عما يجول في نفس الشخصية وكذلك صفة الراوي المشارك في الحدث حيث يتكلم مع جميلة مباشرة فهو يحدث نفسه بعد الانتكاسة الاجتماعية التي حلت بالطل اثر تفتت أسرته وقيام زوجته بطرده من بيت الزوجية أي الشقة .والملاحظ هنا أن الزمن أصبح بطيء في سبره فلا نكاد نرى أيام أو سنوات بل هو منحصرا في تفاصيل دقائق أو ساعات من أمسية شعرية .
وفي رواية ( رؤيا الغائب ) نجد الكثير من نماذج المشاهد الحوارية التي تعمل على إبطاء سرعة الزمن السردي حيث يروي البطل عودته للبيت بعد أن تم شموله بقرار عفو من تنفيذ حكم الإعدام بسبب عدم التحاقه بالخدمة العسكرية التي كانت تحتم على من يؤديها الاشتراك بالحرب, ليجد إن السلطات قد أبلغت أهله بإعدام شقيقه المعتقل لديها, والذي ساورته الشكوك بأنه كان معه في نفس العربة العسكرية التي كانت تقل المحكومين إلى ساحة تنفيذ الإعدام لكن عينيه المعصوبتين حالت دون رؤيته فيقول على لسان الراوي حين يحدث البطل زوجته :
( – ما الخبر ؟!.
– م ..ا .ك .و
– وتلكأت متعثرة بالكلام , وترني الغموض فجعلت اشد رسغها شدا طاعنا عيني في عينيها القلقتين .همست بخفوت :
– انك تؤذيني .
– …
– اشتدت ضراوة الضغط والغيظ
أطبقت شفتيها . أحسستها تستحث ما بروحها من شجاعة قبل أن تنتفض مفجرة بمفردتها الوحيدة الملفوظة بعجالة واضطراب السكون وصمت الجدران والباحة وقبة الليل المخيمة خلف الزجاج والظنون
– أعدموه ) يستخدم المؤلف هنا أسلوب التنقيط في تفكيك الكلمات إلى حروف مجزأة للدلالة على نبرة النطق الخافتة والمتأنية والموجة بإصرار إلى زوجته بغية استدرار و معرفة ما حصل في غيابه حيث إن عائلة البطل وزوجته قد قاموا بإخفاء خبر إعدام شقيقة عنه للولهة الأولى عند وصوله عائدا بعد شموله بقرار عفو من تنفيذ الإعدام ولاكتمال المشهد في مخيلة المتلقي يسعى المؤلف إلى وصف الحركات الجسدية التي تظهر حالة الانفعال الخارجية للجسد وهي لحظات الذروة في انفعال شخصية الزوجة التي تطلق بعدها كلمتها الوحيدة المدوية التي تمثل أعلى حالات التوتر النفسي والانفعالي عندما تقول له أعدموه وتقصد أخاه الطالب الجامعي الأصغر سنا منه , نجد هنا إن المشهد الحواري والمونولوج المرافق له قد استغرق هذه المدة من الصفحات وهو لا يتجاوز في الوقت الحقيقي أكثر من دقائق أو اقل من ساعة فهو حوار عائلي لا تتجاوز مدة النطق بكلماته اللحظات المعدودة إلا أن البطء في سردها قد امتد طويلا وتلك هي حنكة المؤلف ودربته العالية التي تمكنه من ذلك التلاعب في سرعة الزمن السردي , ويستأنف بعدها المونولوج الحواري اثر سماعه لخبر إعدام شقيقه بقوله :
( فناحت النوائح في روحي ..يا رب الكون ..أيكون هاجسي ذاك صحيحا ؟!!!.. أيكون ؟؟؟ هاجس العربة العسكرية المهتزة وأضلاعك الناحلة الملتصقة بأضلعي وهم ينقلوننا غبشا معصوبي العيون إلى ساحة الإعدام ومثل وميض برق ارتسمت أمامي عاري الصدر مشدودا في الصبيحة الصاحية تلك إلى خشبتك وسط ملعب كرة القدم مثقبا بالرصاص ورجل ذو بدلة عسكرية خضراء أنيقة ينهال بهراوة فولاذية طويلة على راسك المتدلي) ,الحوار هنا مونولوج مع النفس فهو تأنيب وحسرة وانين صامتة خارج نطاق الزمن السردي ولا يحسب في حساب سرعته ,فهو استرجاع للحظات سوقهم في العربة العسكرية إلى ساحة الإعدام ,والشكوك التي انتابته من أن يكون ذلك الجسد العاري الصدر النحيل الذي اخترقته رصاصات الإعدام المشدود إلى الخشبة والتي انهال عليها صاحب البدلة العسكرية الخضراء- وهي كناية عن رجال السلطة وحزب البعث فهم كانوا يرتدون ذلك اللون من البدلات العسكرية- الذي انهال ضربا بالهراوة الفولاذية على رأس الضحية لإزهاق آخر ما تبقى بها من الروح ,المشهد مأساوي يطل خارج الزمن السردي فهو صورة متخلية ورعب كامن في روح البطل الذي لن تغادره تلك الصورة البشعة عن تلك اللحظات الرهيبة المشهد هنا وثيقة تاريخية لما تبقى من الزمن فهو دلالة عن عمق الرعب والبطش والدموية التي كانت تعامل بها سلطة الحكم السابقة معارضيها .
ان المشهد الحواري والمونولوج كانت من الطرق والتقنيات التي استطاع من خلالها المؤلف سلام إبراهيم التحكم والتلاعب بحركة الزمن السردي في نصه للأسباب الفنية المتعددة التي توفرها تلك التغيرات في سرعة الزمن السردي والتي يقدرها المؤلف حسب رؤيته الفنية وما تستدعيه المشاهد من حاجة لمقدار سرعتها في عملية البناء الزمني للمكون السردي.

2- الوقفة
تمثل الوقفة أحد أساليب إبطاء سرعة الزمن السردي,فمن خلالها يتسع الخطاب ويأخذ مدى أبعد مقابل انحسار وتوقف الزمن الحكائي فقد استخدم مصطلح (وقفة في مبحث السرعة التي هي مقولة زمنية تحيل على التغيرات التي تطرأ على نسق السرد وإيقاعه.. ويشير مصطلح الوقفة إلى مواضع في القصة يتعطل فيها السرد وتعلق الحكاية ليفسح في المجال للوصف ) وهنا لابد من الإشارة إلى قضية جوهرية وهي إن الوقفة شديدة الصلة بالسرد من الناحية الوظيفية في اشتغالاتها النصية في تكوين البنية السردية إلا إذا كانت ذات سمة وصفية ,حيث يرى حسن بحراوي أن لابد من التمييز( بين نوعين من الوقفات الوصفية :الوقفة التي ترتبط بلحظة معينة من القصة حيث يكون الوصف توقفا أمام شيء أو عرض يتوافق مع توقف تأملي للبطل نفسه, وبين الوقفة الوصفية الخارجة عن زمن القصة والتي تشبه إلى حد ما محطات استراحة يستعيد فيها السرد أنفاسه) ويعتقد الباحث أن أحد الثغرات في هذا الرأي السابق إن الوقفة التأملية لا تختص بالبطل وحده فهي أداة وتقنية كتابية يجعلها المؤلف متى ما أراد وأين ما أراد وعلى لسان أي شخصية أي مستوى من مستوياتها , وبناء على رأي حسن بحراوي نستطيع أن نميز بين نوعين من الوقفة الوصفية الأول وصف مجرد لا يمتد ولا يتصل بعوامل السرد الأخرى ولا يرتبط بوشيجة سير الحدث الزمني وهذا النوع هو الذي يمكن اعتماده في إبطاء سرعة الزمن السردي أما النوع الثاني فهو الوقفة الوصفية التي تمتزج مع تفاعلات الشخصيات أدوارها في بناء الأحداث وهذا مما يعتبر من الأوجه والطرق والسياقات السردية التي يتبعها المؤلف في إتمام بناء مكونات عمله ومنها الشخصيات ولا يمثل هذا النوع أداة لإبطاء السرد, ويذهب الباحث لطيف زيتوني إلى نفس الرؤية فهو يرى إنها ( أبطا سرعات السرد وهو يتمثل بوجود خطاب لا يشغل أي جزء من زمن الحكاية والوقف لا يصور حدثا لان الحدث يرتبط دائما بالزمن ) , ندرك من تضافر هذا الرأي مع رأي حسن بحراوي أن الوقفة إذا اشتملت على حركة الشخصيات أو تفاعلت مع المكون الزمني في بناء الحدث خرجت من كونها أداة إبطاء للسرعة الزمن في النص ولهذا الاتجاه أيضا ذهب جيرار جنيت في خطاب الحكاية حين رأى أن الوقفات الوصفية التي لا ترتبط بلحظاتها الخاصة أي زمنها الخاص الخارج عن زمن القصة لا يمكن أن تساهم في تبطئة الحكاية ويتفق (حسن بحراوي) مع رأي الناقد (فليب هامون) في هذا المسار إلى(اعتبار الوصف تقنية زمنية في المقام الأول وينظر إلى الوقفة الوصفية بالذات كنتيجة لانعدام التوازي بين زمن القصة وزمن الخطاب حيث يتقلص زمن التخيل وينكمش أمام اتساع زمن الكتابة ويترتب عن ذلك تباطؤ في التتابع الزمني للقصة ووقف السرد بمعناه المتنامي) ,ويرى بعض النقاد إن للوصف وظيفة أخرى تضاف إلى وظيفة إبطاء السرد وهي قيامه (بدور تفسيري إيحائي من خلال علاقته بالشخصية والزمان والمكان ) و يتم الوصف الذي ينتج الوقفة الوصفية حسب رأي فليب من خلال ( ثلاث طرائق أساسية ومتباينة لإشغال المقطع الوصفي فقد يبنى الوصف سواء بالنظر إلى الشيء الموصوف أو بالحديث عنه أو العمل عليه) وفي الجانب التطبيقي في روايات (سلام إبراهيم) نجد الوصف قد امتد على مساحة واسعة من رواياته التي انمازت بكثافة هذا النوع من البناء فيقول في رواية إعدام رسام جاء الكثير من الوقفات الوصفية التي أغدقها المؤلف على الرواية فيقول البطل :
(ليتأمل من وقفته العالية فسحة الدار الواسعة العالية المشرفة بدورها على البيوت المهدمة المهجورة المترامية حتى الأفق تأمل المآذن المعطلة المجرحة الأعناق المقطعة الرؤوس والقباب المذهبة المضروبة الأجساد الرازحة تحت وطأة صمت قاحل يبث مزيدا من الوحشة أغرقته ..أغرقته برذاذها المتساقط الصامت ولم تنتشله منها إلا سدرة الساحة المعمرة الشامخة بساقها الضخم المتين المجرح بشظايا الرصاص وأفرعها الكثيفة) الوقفة الوصفية هنا بدأت بالدلالة اللفظية ليتأمل وهي حالة الرؤية المباشرة في الوصف هنا حيث وصف البطل وهو في حالة تأمل لهذه المدينة الخربة المدمرة المساجد والمآذن والبيوت ,الوقفة هنا تدل على حالة الوصف للمكان الخيالي والعجائبي وهو من الأمكنة الطاغية الحضور في هذه الرواية حيث ينزل إلى خبايا العالم السفلي ,فنلاحظ توقف حركة الزمن في الحكاية واستمرار حركة الخطاب الروائي وحمل الوصف هنا وضيفة بناء صورة المكان في ذهن المتلقي , ويستمر المؤلف في نفس الرواية بقوله على لسان البطل :
( اغرز ناظريه في أصابع الحناء والدم المطبوعة على التفاف الجذع المتين ,في خرق أقمشة النذور الخضراء المعقودة حول الأغصان الرفيعة تسلقت عيناه لتصافح كتلة الشجرة المنتشرة في السماء المطلة على الدور المخربة المهجورة ,الكتلة المكتظة بأعشاش العصافير ورويدا ..رويدا انزاح غبار السنين عن الإحساس الغامض الذي جعل يلاصق جسد العامود ويسرح فأدرك فحواه شاعرا بألفة المكان , ألفة قديمة تبض في عروقه ) هذا الوصف المشيد لهذه الوقفة الوصفية هنا يدور حول وصف شجرة من نوع السدر عظيمة الجذع وقد دهن الجذع بالحناء وقطع القماش الخضراء في دليل على استلهام الموروث الشعبي العراقي في إضفاء القداسة على بعض الأماكن التعبدية وكل ما يتصل بها من أشجار وباحات وأشياء أخرى , وحركة الزمن متوقفة بالكامل فالوقفة السردية المنبعثة من رؤية الشجرة ووصفها خارج حركة الزمن السردي للرواية هذه الوقفة هي امتداد للوقفة الوصفية التي سبقتها لكننا مع ذلك نجد دائما القرينة اللغوية التي تؤكد الوصف المتكون من خلال الرؤيا المباشرة فهو يقول اغرز عينيه أي دلالة على النظر فالوصف هنا نابع من رؤية الشيء ومن ثم وصفه ورسمه في صورة مكتوبة في ذهن المتلقي, ويستمر في تلك الوقفة الوصفية الطويلة فيقول :
( ألفة قديمة تنبض في عروقه عرفته باجر حيطان غرف واطئة تستدير مع استدارة سياج ساحة البيت بأشكال أبوابها الصاج المتين المحرز بالدوائر والأقواس والمرصع بأزرار فضية صدئة تحيط بمقارعها النحاسية بدكك الأبواب عند مداخلها المظللة بتطلعيات خشبية تمتد من سقوفها المرئية من وقفته بحوض الحنفية الإسمنتي القائم تحت ظلال الشجرة والمغطى بالأوراق اليابسة) نستطيع القول من خلال تفحص هذه الوقفة الوصفية أن سرعة الزمن تكاد تكون متلاشية ولا يمكن للمتلقي الإحساس بها مقابل الزخم الكبير في الخطاب الروائي الوصفي المتفحص والمتتبع لأدق الجزئيات, فتحول مداد المؤلف هنا إلى ريشة رسم سحرية تتبع دقائق الأمور وجزئياتها الضامرة فالآجر القديم وتلك الغرف الواطئة السقوف المستديرة بانتظامها مع استدارة ساحة الدار وهي كناية عن قدمها وانتمائها لحقبة زمنية بعيدة وتلك الأبواب الصاج المتين المحزز بدوائر وأقواس والمرصعة بالأزرار الفضية الصدئة التي تحيط المقارع النحاسية وهي صورة لأبواب العهد القديم الذي أوشك على التلاشي ,كل شيء مرسوم بعناية بالغة حتى تكاد الوقفة الوصفية هنا تبدو كلوحة فنان استلهم التراث مادة لها حتى تستطيع العين أن تتجول فيها صعودا ونزولا وكأن الناظر لها يتملى في ألوان لوحة زاهية الألوان مشعة أو منحوتة نحتت بالكلمات ,انه فعلا النحت بالكلمات والرسم باللغة بلا فرشاة ,ويستمر في تلك الوقفة الوصفية لكن يدخل فيها هذه المرة التأثيرات الصوتية في بناء الوصف فيقول :
( وبغتة رجه ضجيج قوي انبثق من الزوايا , من البلاط ,من الحنفية التي تقطر ماءا , من برج الطيور,ضجيج حياة ,لغط نسوة.. هديل حمام..صياح أطفال .. صفير ..خفق أجنحة .. ضحك صاخب ..صراخ ..صياح ديكة .. ودوي فريد طالما أنصت له في الأيام الخوالي من على سطح البيت ,دوي يميز الأحياء الفقيرة ,دوي له صفير ,صياح وكلام وصراخ أطفالها المالئين شوارعها المتربة ويتوحد صاعدا إلى السماء )الوقفة الوصفية هنا اعتمدت على المرئي والمسموع في إنشاء الوصف أو الصورة المرسومة للمكان التي أراد المؤلف إرسالها للمتلقي مستثمرا المؤثرات السمعية والبصرية في وقت واحد ومنطلقا بتصويره لأصوات الأرض وصوت البلاط ارتفاعا لصوت ماء الحنفية ليترفع أكثر فتتداخل معه أصوات الأحياء الفقيرة المخلوطة من لغط النسوة وهديل الحمام وصفير مربيها وضجيج أطفال حاراتها فالمتأمل بهذه الصورة الصوتية والمرئية يتراّى له وكأنه فوق أحد سطوح بيوت الحارات القديمة والمحلات الشعبية العراقية حين تمتزج الأصوات لتشكل أنشودة حياة ,أو أنه بنى تلك الوقفة الوصفية بعين الكاميرا الفوتوغرافية المتحركة و المنطلقة من الأرض إلى السماء وهي تنقل لنا صورة وصفية متحركة عن واقع يومي للحياة في الإحياء العراقية الفقيرة ,هذه الوقفة هي امتداد للمقطع الوصفي الذي يقابلها, وهي تنقل لنا صورة متحركة اعتمدت المزج بين الصوت والصورة في تكوينها على العكس من المقطع السابق الذي كان يماثل أو يوازي عمل الرسام في تصويره للمكان ,ولعل من أهم أسباب توقف سرعة الزمن السرعة أن المؤلف في هذه الرواية كان قد ولج إلى العالم السفلي ألعجائبي الماوراء العالم الواقعي المحسوس أو كما يعبرعنه في اصطلاحا العالم الميتافيزيقي فتبدو ملامح الولوج لهذا العالم أكثر حين الغور في هذا الفصل من الرواية وهو يدل على العوالم السفلية من عتبة عنوانه (في متاهة الأعماق السحيقة ) وهي رحلة عجائبية يقوم بها البطل إلى العوالم السفلية ,وهذا ما يجعل الزمن السردي فيقول :
( تلفت باحثا عن المرأة الغامضة فلمحها تشرع بدفع باب الغرفة القصية وتلتفت مؤشرة بذراعها العارية الظاهرة من العباءة كي يسرع إليها. اندفع صوبها متشوقا ملهوفا ووجلا خشية فقدان أثرها جاوز العتبة الخشبية البارزة قليلا فضمته باحة صغيرة مضاءة بثلاث مناور زجاجية دائرية موزعة في السقف تسلل منها ثلاث شموس صغيرة يسقطن في وسط وطرفي الباحة المصقولة البلاط تبعها وهي تفتح بابا مقابلا وتختفي في باطن غرفة أكثر عتمة من باحة المناور الثلاث ) الوقفة الوصفية هنا تمثل بداية دخول البطل إلى العوالم السفلية مما يجعل السرعة الزمنية للسرد متوقفة تماما ,وقضية أخرى يعتقدها الباحث إن الإسهاب الوصفي هنا لم يؤثر على هيكل الرواية الزمني أو يشكل عبئا على ديمومة السرد ,حيث إن الوصف هنا وان كان يمثل انقطاعا للسرعة الزمنية للأحداث السردية إلا انه من جانب أخرى يمثل بناء لمكونات أخرى منها المكان والشخصيات وتفاعلات كل منها مع الآخر فالعالم السفلي هو مكان متعدد الأنواع مفتوحا أو مغلقا, معاديا أو أليفا, أو مأزوما ,إلى باقي أنواع الأمكنة ,والشخصيات أيضا متعددة الأنواع والوظائف وهي تصنع أحداثا تمثل امتداد للخطاب الحكائي إلا انه خارج زمن القصة,فالمقطع الوصفي المار نجد إن الوصف قد تغلغل إلى الجزئيات البسيطة التي تعمل على إذكاء مخيلة المتلقي في عملية التصور والتخيل,فالوقفة هنا دال على الشخصية – شخصية المرأة التي ستقوده إلى العالم السفلي – هذه العالم يستدعي من المؤلف بنائه وتأثيثه مكانيا وتشخيص الشخصيات التي تتفاعل في داخله, وبنائها وفق تكوين البناء ألغرائبي للعوالم السفلية التي تستدعي دائما الخروج من العالم المألوف إلى غير المألوف لتكتسب تلك الصفات الغرائبية العجائبية فلابد أن يكون كل شيء خارجا من محيط الألفة والمألوف ولا يتحقق ذلك إلا بالوصف الدقيق الذي يستدعي من المؤلف التمكن العالي والكبير من مقاليد اللغة لتطويعها في رسم المشاهد كلاميا وتقديمها للمتلقي وتلك مهمة أصعب من الرسم المباشر والنحت كونها تمثل استدعاء للغة المألوفة في وصف عالما غير مألوفا . وهنا تمكن موهبة المؤلف وسعة خياله وتمكنه من تطويع اللغة لمقاصده وغاياته إضافة إلى البناء المقنع للرواية الذي لابد أن يكسب ثقة المتلقي .وحين نرى مدى النسج العالي المحبوك للوقفات الوصفية التي أنتجها لنا المؤلف سلام إبراهيم ندرك تلك المقدرة العالية في فن الوصف وتلك اللغة العالية التي تناسب المقام فيقول عن تلك العوالم حين اصطحبته تلك المرأة الغامضة إلى العوالم السفلية والتي تمثل برمزيتها حسب اعتقاد الباحث إلى عمق الرعب والخوف الرابض في العوالم السرية ومنها السجون والمعتقلات والمقابر الجماعية على مر التاريخ العراقي المعاصر الذي ُجبِلَ بالدم والعنف والاضطهاد والاغتصاب وكل ألوان العذابات النفسية والجسدية التي اجتاحت الإنسان في أرض العراق واستوطنت روحه حتى عاد الرعب ملازما له لا يكاد يفارقه فيقول عن ذلك العالم :
( ظلا ينحدران في جوف الاسطوانة حتى خيل إليه انه يهبط على سلم ابدي يمتد من بدء الخليقة إلى لا منتهاها جعله النزول الطويل في رواق الفضة الكابية يهوم نعسا في سيره الوئيد سامعا في السكون أصوات مبهمة لغط حفيف أثواب نسائية شفافة بسملة خافته همس محبين فأسفر في البعيد ليجوب في أمكنة طالما حلم بها وتخيلها في طفولته المضطربة حينما كان يلجا إلى فيء جدار في ظهار الصيف الفائضة ) الصورة هنا تخلو من السرعة الزمنية للسرد بصورة قاطعة فهي رحلة في العالم السفلي الذي لا يخضع للقياسات المألوفة في حياتنا الطبيعية ومنها سرعة الزمن هذا من ناحية ومن ناحية أخرى أن المؤلف جعل منه وصفا خالصا عن عالم بعيد عن واقعنا اليومي ولعله قد يكون امتدادا لعذابات روحية غائرة البعد في ذاته قادمة من طفولته المضطربة الوقفة الوصفية تمتد إلى ما يقارب ثلث الرواية فهي رحلة في عوالم سحيقة وبعيدة ,تعج بصور عن المكان رسمت بدقة واحترافية حتى تبدو للمتلقي وكأنها احد مشاهد روايات الرعب المخيفة حيث يقول الراوي :
( جاب أمكنة وأمكنة إثناء النزول الطويل على سلالم تهبط وتهبط بلا حد جاب ضفاف انهار, فيء أسواق غريبة مسقوفة وقت القيلولة, قاعة جامع بعد انفضاض المصلين ,أروقة مدارس بعد انصراف التلاميذ ,ظل يحلم في نصف اغفائته وهما يغوران جنبا إلى جنب في أحشاء الاسطوانة المنزلقة في غور الحلكة إلى أن بان في الأسفل البعيد ضوء يظهر وينطفئ مثل جمرة ذاوية تلوح وتغيب ) ,فهي سلام ممتدة إلى أعماق سحيقة تهبط بهم إلى عوالم غير مؤهلة بالبشر صور متراكمة وكأنها رتبت في دفتر بعضها فوق بعض , مساجد بلا مصلين ,ومدراس بلا طلاب غور في اسطوانة تقود إلى وسط حلكة دامسة يقبع في نهايتها خيط من الضوء المخيف بلون الجمر إن هذا الحضور الهائل لهذا الكم الكبير من الصور يستدعي استحضارا كبيرا للذاكرة بغية حشدها من المؤلف في صور للعوالم الغير مألوفة في تركيبها وغير المنتظمة بصورة توحي بأنها من العوالم الإنسانية الطبيعية ,بل هي على العكس تقود إلى ما هو غير محددا ولا مألوفا ولا يوحي بالانتظام بالمقاييس المعروفة للحياة ,فهي صور تبعث على الخراب والدمار كما في الوقفة الوصفية التي هي امتداد للوصف السابق في رحلة العوالم السفلية فيقول الراوي :
(مع انفتاح الممر وتحوله إلى باحة شاهقة الجدران غارقة بالدخان والغبار,السابح بمخاريط ضوء تهبط من السقف العالي ساقطة على ارض الباحة والاواوين المحفورة في الجدارين المتباعدين وعلى أكوام التراب والآجر المكسر والخرق البالية وحطام الأواني الفخارية المتناثر بين نافورات حجرية معطلة , وأحواض مثلومة الاسيجة , مكسورة الحنفيات ودكك إسمنتية متقابلة موزعة في أرجاء الصحن )فهي صور لا علاقة لحركة الزمن فيها إطلاقا وكأنها خارج منظومة المحسوسات التي تدرك باليقين العقلي فهي باحات عملاقة تحت الأرض في عوالم غير محددة الاتجاهات ولا معروفة السبل في الوصول إليها وكأنها ترمز كما يعتقد الباحث إلى العالم البشع الرابض في خفاء تحت حجب الأخلاق المزيفة او ادعاءات الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان التي ترفعها لحكومات زورا وبهتانا, وكأنها تعرية للنفايات الأخلاقية للإنسان المتسلط التي تخلف التشويه والقتل والدمار في بنية الإنسان الداخلية والخارجية فيبدو مشوها مدمرا قاصرا مقطوع الأيدي:
( بوغت بضجة تصدر من تحت البلاط قرب قدميه حيث أزيحت بلاطات دائرية موزعة على مسافات متساوية كاشفة عن فجوات عميقة تدفق من أحشائها الحالكة بشر أنصاف عراة ,ممزقي الثياب ,منخوري البشرات ,كان تيزابا القي على جلودهم ,أخذه الهلع واشتد عليه .طفق يرتعش تزحزح نحوها رامقا بذعر الصفوف التي انتظمت جلوسا قدام دكتهم الشاخصين نحوهم بعيون مطفأة تنتظر الخبز والماء .) الصورة هنا واضحة بجلاء كما يعتقد الباحث بكونها رمزية عن عذابات الإنسان في أقبية الموت المظلمة , فمن غير المعقول أن تكون هذه الوقفات الطويلة من الوصف السردي والخطاب الحكائي حشوا كلاميا وتوهان في الألفاظ لا يؤدي إلى نتيجة مهمة, بل هي موجهة بقصدية تامة ومعرفة مسبقة لحمل رسالة لتعرية الأفعال السلطوية الوحشية في تدمير الإنسان ,فما صورة الأجساد التي حرقت جلودها بالتيزاب إلا أنموذجا من عذابات السجون والزنزانات التي تغتال الإنسان من الداخل قبل اغتيال جسده من الخارج وتشوهه ومعها روحه وتحط من إنسانيته حتى يغدو مثل كائنات الظلام في الكهوف والأقبية المظلمة ,إن امتلاك القدرة على الخطاب الحكائي مع تعطيل سرعة الزمن وإيقافها دون المساس بهيكل الحكاية العام لفترة طويلة ودون حصول فجوة تجعل المتلقي في حالة انقطاع عن تسلسل الحدث زمنيا تستدعي الاحترافية في العمل التاليفي الروائي وهذه ما يعتقده الباحث انه موجودا في شخص المؤلف سلام إبراهيم , حيث امتدت تلك الوقفة تقريبا من الصفحة 42 إلى الصفحة 131- مع بعض الاختراقات البسيطة جدا التي توحي بالاتصال بالزمن الحكائي- مما يمثل قدرة هائلة في فن الصوغ الأدبي السردي عند المؤلف التي جمعت كما هائلا كبيرا من الصور الوصفية في وقفة مثلت رحلة إلى العالم السفلي خارج الزمن السردي فيقول من ضمن صوره التي رسمها بقول الراوي:
( فانكشفت كائنات الحيطان : صمت منحوتات جدرانه العالية ,أجساد خيول جافلة, راكضة , وديعة ,كلاب صيد ,صقور منقضة على فرائسها,اسود مضطجعة ,رجال عراة يصيدون بالقوس والنشاب غزلانا شاردة في تيه براري الحجر ,المؤطرة بوجوه بشرية صارمة النظرات ترمق خطوهم الوئيد من عيون جاحظة تخترق غبار الأزمنة ,اجفله بريق عيون الحجر العارف فتشبث بأصابعها تشبث غريق إلى أن اجتازا آخر وجه ينام في صمت الجدران) صور متكدسة بلا خضوع للعالم العلوي فهي تنتظم بما يفرضه هول الرعب وتراكم الخوف في العالم السفلي صور متعددة تستدعي الخوض في اللامالوف في عملية التخيل فهي,لكلاب وخيول وصقور واسود ورجال عراة ووجوه بشرية مؤطرة في صمت الجدران مع عيون جاحظة من غبار الزمن ,إن الوقفة مغامرة في العمل الروائي كونها تمثل سببا في الابتعاد عن الهيكل الزمني للرواية , فكيف إذن والراوي هنا قد غار في عوالم سفلية تعد النزول إليها مجازفة في التأليف السردي لأنها تستدعي استحضار الأدوات اللغوية المألوفة من الكلمات لبناء عالما غير مألوفا ,فالمؤلف الروائي سلام إبراهيم لم يأتي بلفظة جديدة غير مفهومة وغير معروفة ولم يزيد حروف الخط العربي حرفا ,فهو استخدم ما هو مباح له ولغيره من المؤلفين من الكلمات ولكن حنكته تجلت في بناء الخطاب الحكائي وهنا تكمن روعة ودقة صنعته الأدبية.

شاهد أيضاً

صباح هرمز: مسرحيات يوسف العاني بين الرمز والموروث الشعبي:
1- المفتاح (ملف/23)

كتب يوسف العاني مسرحية (المفتاح) أواخر عام 1967 وأنتهى من كتابتها بداية 1968، وهو بهذا …

الفهرست الكامل
في وداع الدكتور نجم عبدالله كاظم
ناطق خلوصي (ملف/6)

كانت آخر رسالة تلقيتها من الأستاذ الدكتور نجم عبد الله كاظم في 9أيار الماضي أي …

على ضفاف شعريّة العناوين
دواوين الشاعر سعد جاسم أنموذجاً
د. وليد العرفي (ملف/7)

إشارة: يسرّ أسرة موقع “الناقد العراقي” أن تقدّم لقرّائها الأعزاء هذا الملف الأسبوعي الثر عن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *