غانم عزيز العقيدي: بعض الرجال لا يبكون (1)

الإهداء
الى كل احبابي
عائلتي الكريمة
أهلي الأعزاء
أقربائي
أصدقائي
مع تمنياتي بالصحة والسلامة
وفقنا الله جميعاً
غانم العكيدي

المقدمة

بما ان الزمن قد مضى بي بعيداً الى أمام , لذا أحاول قدر أستطاعتي أن أسطر على الورق شيئاً جديداً أضيفة , لما تبقى من مسيرة حياتي التي آراها مسرعة, فأ قضي بعض الوقت في الكتابة التي رأيت فيها اخيراً متنفسي الذي ألجأ إليه.
في سكون الليل العميق حيث يعم الهدوء التام , وفي ذروة نوم الآخرين, يسمو الصفاء الذهني, لأبدأ مسيرة الإستمتاع بالكتابة حتى تباشير الصباح الأولى, ويحضرني هنا قول السيدة مستغانمي( ان موعد الجلوس الى الكتابه كأنه موعد مع الحبيب)

في روايتي هذه ( بعض الرجال لايبكون) وكما كنت قد اشرت في رواياتي السابقة,هي كذلك مجتزءات من مراحل العمر التي مررت بها, إقتبستها من الكم الهائل من الطروحات في المجتمع الذي عشت فيه وواكبته عن كثب.وفي جعبتي المزيد من تلك الصورالتي تتراءى أمامي, سأحاول أن أسطرها في روايات آخرى تباعاً ومن الله التوفيق..

المؤلف

معمـــــل العم ســـــلا م

عندما التقيته وانا أخرج من دائرة التجنيد, بعد أن أشّر في دفتري شمولي بالخدمة المقصورة للضباط الأحتياط بعد انهائي دراستي الجامعية, كنت مغتبطاً جداً لأني لن أكون جندياً عادياً في الجيش وقت الحاجة, ولكني سأكون في مرتبة الضباط الأمر الذي يعطيني, نوعا من المكانة التي تختلف كثيراً عن مكانة الجنود التي طالما يتحدث عنها وعن صعوباتها ومشاكلها أهل الحي من شبابنا الذين يلتحقون بالخدمة الألزامية متى زالت اعذارهم واستدعوا لذلك.
بادرني مصعب بالسؤال قبل أن يحيني:
هل ستخدم معنا ايها المثقف ام هناك شي ما سيؤخرك عن الألتحاق معنا؟ لأنه يقال انّ على رأسك ريشة.
أجبته يكل هدوء بعد أن سلمت عليه:
كلا لقد شملت بخدمة الضباط الأحتياط وسيستدعونني متى احتاجوا اليّ مع مجموعتي.
قال مصعب :
هي الدنيا تبتسم دائماً لمن هم في الظل ,بينما الرجال من أمثالي دائماً في رأس المشاكل.
قلت له وبلطف :

اني قد انهيت الدراسة في الكلية بعد جهد ومثابرة وتعب وسهرطويل وأنت لم تستمر بالمدرسة وقد أخذت فرصتك التي بددتها في اشياء ربما لم تستفد منها, في الوقت الذي كنت انا أذهب اربع مرات الى المدرسة ذهابا واياباً
قال:
وماذا تعلمت بالمدرسة ايها ….لتتميز عنّا ؟
قلت :
لم أكن أبدد وقتي سدىً واتسكع كأولاد الشوارع كما فعلت ومن هم أمثالك, و تعلمت الأخلاق إضافةً الى المعرفة والعلم.
قال:
أتحتقرني ؟
قلت :
كلا ,ليست من أخلاقي .
قال:
وماذا تعني ؟ هل انني بلا أخلاق ؟
قلت:
لا,لا أقصد الإساءة اليك , ولكن لاتحاول الإساءة اليّ دعني اذهب لمشواري .
تركته وانصرفت وعلامات الغضب الشديد كانت بادية على وجهه , وقداجتاحني شعور من الأرتياح لردي عليه بتلك الطريقة التي اراد ان يستفزني فيها ذلك الأخرق خريج السجون الذي يريد ان يستوي مع الآخرين وقد قضى حياته بالتسكع والأعتداء على الناس وهضم حقوقهم.
في اليوم التالي بادرني العم سلام بالسؤال قائلاً:
هل انهيت مشوارك في التجنيد وما الجديد في ذلك؟
قلت:
لقد تم تاشير صحيفتي واشعرت بالخدمة في الجيش كضابط احتياط متى مااستدعيت الى ذلك.
قال العم سلام :
حسناً لتعد الآن الى عملك ,وقد لاحظت ان مزيداّ من الأقمشة التي ينتجها العمال منسلة لذا ارجو اعادة فحوصات الأنتاج وتأشير الأقمشة المنسلة واعادتها الى العامل الذي انتجها لتلافي عيوبها.
كان معمل النسيج البسيط الذي اعمل به والمتخصص بانتاج القماش يقع قريباً عن المكان الذي اسكن فيه , مما اتاح لي الذهاب سيراً على الأقدام ,من والى المعمل, واعود في بعض الأحيان الى تناول الغداء في البيت متى ماأردت ذلك .
معمل الحاج سلام يحتوي على ست عشرة ماكنة نسيج متكاملة يكمل بعضها بعضاً,يتعاقب عليها ثمانية عشرعاملاً صباحاً مساءً,تبدأ الوجبة الأساسية بالعمل من الساعة السابعة صباحاً حتى الساعة الثانية ظهراً,وتبدأ الوجبة الثانية من الساعة الثانية ظهراً حتى الساعة الثامنة مساءً بوقت أقل من الوجبة الصباحية, ويعمل في الوجبة الصباحية حصراً ست نساء, ثلاثة منهن متزوجات يعملن مع أزواجهن في المعمل , واحدى العاملات متزوجة من خارج المعمل ,وهذا لايعني ان العاملات قد تزوجن اثناء عملهن في المعمل باستثناء واحدة تزوجت اثناء عملها, اما بقية العاملات اللواتي يعملن مع ازواجهن في المعمل, فقد عملن فيه عن طريق ازواجهن, اما الإثنتان المتبقيتان, فإحداهن لازالت في مقتبل العمر, ولم تتزوج بعد وهي فتاة شابة فقيرة في السادسة عشرة من عمرها حصلت على العمل عن طريقي, بعد ان كلمتني امها اكثر من مرّة توسطي لدى العم سلام الذي اعطى موافقته على تشغيلها , والآنسة ريا وهذا هو أسمها هي جارتنا ابنة السيدة حمدية وشقيقة المشاكس مصعب, اما العاملة الأخرى فادية هي امرأة شابة متزوجة وقد طلقها زوجها ولم يمض على زواجها سنة.
يعمل في المعمل اضافةً الى عمال المكائن عاملين إ ضافيين , أحدهما يعمل حارس ويبدأ عمله في الساعة السابعة مساءً وينتهي في الساعة السابعة صباحاً أمّا الآخر فيعمل عامل خدمة ويبدأ عمله من الساعة السابعة صباحاً وحتى الخامسة مساءً.

أبتدأت العمل في المعمل منذ ما يقارب ثلاث سنوات وقبل انهائي الدراسة في الكلية حيث كنت أعمل على الماكنة في البداية عاملاً بدوام مسائي, وقد انتقلت الى الدوام الصباحي بعد أن أنهيت الدراسة , ثم ّ أختارني العم سلام فاحصاّ للقماش ومحرراً للشؤون الأدارية في المعمل,بديلاً عن سلفي الذي عين موظفاً في إحدى دوائر الدولة.
كانت مهمتي في المعمل بسيطة وتعطيني شيئاً من الحرية إضافةً الى السلطة المحدودة في فحص القماش وإعادة المنسل منه او الرديءالى العامل الذي انتجه لتصليحه , وكانت الآلة الفاحصة للقماش تشبه الى حد ما البورد الهندسي وهي آلة بسيطة جداً تتمثل بصندوق خشبي مستطيل الشكل محمول على اربعة قوائم يغطي سطحه الأعلى طبقة من الزجاج وقد وضع مصباح للإنارة داخل الصندوق يبين عيوب القماش الذي يمررعلى الصندوق من خلال اللوح الزجاجي الموجود في اعلى الصندوق وضوء المصباح المنبعث من داخله .

أغلب عمال المعمل من العاملين القدامى عدا قليلاً منهم وقد تمرست من خلال التجربة على أوضاع ومشاكل المعمل الميكانيكية والأدارية ولا أتردد أحياناً الدخول في حل المشاكل الشخصية بين العمال أو الإستماع الى شكاويهم ومشاكلهم العائلية والمجتمعية.
في مشواري الصباحي المعتاد أقوم بجولتي العادية بتفقد العمال وملاحظة خطوط الأنتاج والتأكد من عمل المكائن بصورة سليمة يرافقني عامل الخدمة حسان الذي يلبي أحتياجات العمال من القماش والخيوط,كما يقوم بمساعدة فني المكائن في اصلاح العطلات التي تحدث,وكان الشاب حسان ذو العشرين عاماً عاملاً خدوماً نشطاً اميناً وقد اخترته الى جانبي في المهمات التي احتاجه بها لتذليل بعض العقبات حول الأنتاج والمكائن والأشياء الأدارية الأخرى .
أخبرني العم سلام: ان في نيته فتح خط انتاج جديد للأيشماغ الموصلي والأيشماغ الأحمر وانه بعد ان فتح الله عليه قد اطلع على تلك المكائن لدى أحد المستوردين وأن الأتفاق قد تمّ بينهما بعد ان إطلع ميكانيكي المعمل على المكائن الجديدة المنشأ.
كان العم سلام قد شرح لي كيف ابتدا بانشاء المعمل بعد ان كان يعمل عاملاّ بسيطاً في معمل النسيج الحكومي متنقلاً بين اقسام المعمل التي كانت بدايتها في قسم الأصباغ التي تحوي بعض المواد السامة الأنتي لين كما اسماها, وعمل في قسم الغزل في مكائن ندف القطن لمدة طويلة, وانّه كان يعاني من صعوبة التنفس لأصابته بالربو المهني الذي احدث تليفاً في رئتيه بسبب غبار القطن السائد في قسم الغزل والمتكون من الذرات الطينية وبعض الالياف وانه لم يكن يلتزم باستخدام الكمامات الواقية التي تقيه من الغبار لشعوره بالأختناق , مما اضطره لترك العمل حفاظاً على صحته, وقام بعد حصوله على أرث بسيط ,بانشاء هذا المعمل الصغير معتمداً على قرض من المصرف الصناعي الذي كان يدعم قطاع الصناعة الخاص, وأستطاع بمرور الزمن التغلب على جميع المصاعب التي واجهته بالأستعانه ببعض عماله من اصحاب الخبرة.
أثار حسّان الذي طلب مني مراراً وتكراراً أن ينضم الى عمّال المكائن ويترك عمل الخدمة ويبرر ذلك على انّه يريد ان يصبح فنيّاً بالمكائن كغيره من العمّال, وكان يثير دائماً موضوع أحقيته باستلام ماكنة للنسيج بدلاً من العاملة الجديدة الشابة ريا. مبرراًذلك كونه أقدم منها في المعمل, كان تشغيلي لريا على الماكنة كي تحصل على مردود اعلى من كونها عاملة خدمة, وفي الحقيقة ماكنت أرغب ان تعمل جارتي الجميلة عاملة خدمة , تنتقل لتنظف وتنحني بين العمال تلتقط فوارغ الكونات ,وأقول في نفسي لولا حماقة اخيها لما اضطرت ريا ان تكون هنا تاركة مدرستها ومستقبلها كي يسرق مصعب منها مستقبلها و اتعابها ليتسكع في مواخيره التعسة.
كنت استمع الى حسان وأعده باني سوف البي طلبه عندما تتاح الفرصة, واشعره بأني بحاجته الى مساعدتي في العمل.

الحــــاج محمود

وصل الحاج محمود البزاز واولاده الى الموصل يوم الاثنين, حسب الأتفاق مع العم سلام الذي كان متحمسا جدا لاستضافته في الموصل, رداً لجميل الحاج ورعايته لنا في كل زيارة لنا الى بغداد لأمور تتعلق بالعمل ,وكنت قد أكدت له الحجز في فندق المحطة الراقي, ولمدة يومين حسب توجيهات العم سلام ودفعت التامينات الخاصة بذلك.
وصل الحاج محمود البزاز الى المعمل الذي كان قد زاره سابقا عدة مرات واستقبلناه انا والعم سلام بالترحاب الحار , وبعد استراحة قصيرة , اصطحبنا الحاج محمود وابنه جميل الى مطعم الفرات الشهير في الموصل, و الواقع بشارع حلب لتناول الغداء, ومن باب الصدف ان تكون أكلة اليوم لذلك الوقت هي الكبة الموصلية الشهيرة ,تناولنا طعام الغداء والعم سلامة يحيط الحاج محمود بالرعاية والأهتمام , وينادي على عامل الخدمة في المطعم لجلب مزيد من الطلبات التي يريد بها اكرام ضيفه وكانت بالحقيقة ضيافة ممتازة واكبرت فيها موقف العم سلام هذا كرد للجميل الذي يحيطنا به الحاج محمود لدى زيارة العم سلامة او زيارتي او لزيارتنا معاً.
بعد الانتهاء من الغداء رافقنا الحاج محمودالى محل اقامته في الفندق ثم ودعناه على ان نلتقي معه في الفندق في الساعة الثامنة من مساء ذلك اليوم .
في المساء رافقت العم سلام للقاء الحاج محمود وقد كانت سهرة لطيفة وممتعة وتحدث بها الحاج محمود عن عمله في بغداد وعن زبائنه فيها وفي المحافظات,وعن عملية الأستيراد والتوزيع كما تحدث قائلاً:انه سيغادر في الصباح الى كركوك لأمور تتعلق بتجارته وغيرها من امور التجارة كما المح بانه يريدتوسيع تجارته وهو يفتش عن محل اضافي لأبنه جميل في منطقة بغداد الجديدة حيث سكنه قائلاً :بان المنطقة تمتد وتتوسع .
كان الفندق قد أعد ذلك المساء بوفيه مفتوح وفي الحقيقة لم احضر سابقا مثل تلك المناسبات من قبل,لكني حذوت حذو العم سلام والحاج محمود بحمل طبقي والغرف من شتى انواع المشاوي والمقليات والطبخات الغريبة ثم الحلويات التي لم اذق طعمها من قبل.
ودعنا الحاج محمود في العاشرة مساءً, وتمنى له العم سلام سفراً موفقاً.

كان العم سلام قد عرفني على التاجر الحاج محمود لدى اصطحابه لي الى بغداد بمهمة كانت الغاية منها ان يعرفني أولاً على التجار وكيفية التعامل معهم بتسليم البضاعة وأستلام النقود وكذلك عن شراء المواد الاولية اللازمة للأنتاج وعملية الشحن وموقع النقليات الخاصة بنقل البضائع وكل ما يتعلق بالتسويق والتسوق والتعامل,وقد المح لي العم سلام سابقاً :بعد ان توثقت علاقتي به من خلال العمل وبعد ان خبرني واختبرني وأولاني ثقته المطلقة ,انّه سوف يسند اليّ ادارة المعمل بالنيابة عنه متى غاب عن العمل لأي سبب.
خرجنا من فندق حسيب الذي وصلناه في المساء و الذي يقيم فيه عادةً العم سلام وأغلب تجار مدينة الموصل و يقع نهاية جسر الأحرار من شارع الرشيد لتناول العشاء الذي اقترحه العم سلام والذي يحبه كثيراً وهو( السمك المسكوف) المشوي على الطريقة البغدادية, والتجوال في بغداد التي لم أكن اعرفها جيدا بالرغم من انني قد زرتها من قبل مرتين لأمور تتعلق باوراقي الرسمية ,سرنا مشيا على الأقدام الى شارع الرشيد باتجاه الباب الشرقي وكنت اتلفت الى المحلات الفخمة المنتشرة على جانبي الشارع من معارض الملابس والأحذية والأربطة وغيرها من المحلات الأخرى ومطاعم المشويات وحركة الناس الدؤوبة بين رائح وغاد كل الى مشواره وكأني بكرنفال احتفالي.
عرض عليّ العم سلام: ان اتبضع حاجتي من الملابس او أي شيء آخر؟ شكرته قائلاً: ربّما في زيارة آخرى, وكنت في الحقيقة راغباً جداّ بان اشتري لي بنطلون وحذاءاً جديدين لكني تحاشيت ذلك كي لايقوم العم سلام بدفع ثمنهما .
وصلنا الى الباب الشرقي, ثم استمرينا بالمسير الى شارع ابو نؤاس, كان رصيف الشارع من جهة النهر مزدحماً بطريقة تصعب عليك ان تشق طريقك في بعض الاماكن, وسط زحام العوائل التي تصحب اطفالها للترفيه, وبين الحين والآخر تجد مجموعة من الشباب وهي تحجز الرصيف بحلقة من حلقات الرقص والغناء الأحتفالي البديع الذي يشعرك بالفرحة العارمة عندما تشاهد هذه المناظر الفرحة والمرحة وسط تجمع الناس والاطفال , وقد يندفع بعض من المشاهدين للدخول في حلقة الرقص او الغناء او المشاركة بالتصفيق, وعلى يمين الشارع امتدت الكازينوهات الخضراء الجميلة المزدحمة بالرواد والتي تلألأت انوارها وهي تتراقص في نهر دجلة الخالد, وسط رائحة السمك المسكوف أي المشوي بالطريقة البغدادية البديعة على الحطب .
اذا كنت جائعاً وتريد ان تأكل السمك المسكوف فعليك بالصبر والأنتظار؟لأنّ عملية شي السمك تستغرق وقتاً اكثر من المشويات الأخرى وفق الطريقة التي يشوى بها,بدائرة كبيرة من الأسمنت المفروش بالتراب ويضرم النارفي وسطها بالخشب الذي يستخدم في المدافىء البيتية ويشك السمك من حولها بمسافة بعيدة عن مصدر النارعلى عيدان خشبية او حديدية لتنضج ببطء, اختارالعم سلام سمكة من الحوض الذي يوضع فيه السمك الحي المسلط عليه الماء المستمر.انتظرنا كثيرا حتى جاء عشاؤنا الذي اتذوقه لأول مرّة في حياتي وقد استمتعت كثيراً تلك الليلة, واثناء تناولنا العشاء قامت مجموعة من الشباب كانوا يحملون الات موسيقية مثل العود والكمان والأيقاع و بعد ان فرغوا من تناول عشاؤهم باحتفالية جميلة بعزف مقدمة موسيقية جميلة لبعض من أغاني ام كلثوم مثلدارت الأيام وبعيد عنك.
كانت ليلة مميزة من العمر لازلت اتذوق نكهتها.

في الصباح كان الأفطار مفاجأة لي لم اعهدها من قبل اراد بها العم سلام ان يطلعني على افطار يختلف عم نتناوله في بيوتنا بالموصل,فأخذني الى مطعم كبة السراي في منطقة السراي الحكومية في سوق الكتب والتي تختلف اختلافا كليا عن كبة الموصل فهي كبة من الجريش على شكل كرة محشوة بالجوز واللوزواللحم والألية ولم اكن اتوقع ان يكون هذا المطعم الشهير الذي تكلم عنه العم سلام في الطريق بهذا الحجم الصغير,وكان الأقبال عليه شديداً فبالكاد تستطيع ان تجد لك مكان للجلوس تتناول فيه وجبتك من تلك الكبة اللذيذة ,وقد علقت على جدران المطعم الكثير من صور المشاهير من ملوك العراق ورئيس الوزراء السيد ونوري السعيد والشخصيات العراقية المعروفة آنذاك من مختلف طبقات المجتمع الذين ارتادوا المطعم من قبل واغلبهم من موظفي السراي أي الحكومة انذاك .
استقبلنا الحاج محمود بمحله في السوق بالترحاب الحاروبعد ان جلسنا قدمني العم سلام الى التاجرقائلاًً:
مساعدي ووكيلي في المعمل همام, وقد جئت به الى هنا ليتعلم اصول التعامل في البيع والشراء والتسويق وغيرها من الأمور التي تخص معملنا, وكذلك اردت من خلال الزيارة ان تتعرف عليه لأنه سينوبني في المرات التي يتعذر عليّ المجيء او سيأتي معي.
رحب بي التاجر محمود قائلاً للعم سلام :
أهلاً بك وبوكيلك متى ماجئتم ومتى ماجاء وعلى الرحب والسعة ثم عرفني على ابنه الشاب جميل, الذي يعمل معه مؤقتا لأنشغاله بالدراسة .
استلم العم سلام دفعة من المبلغ المترتب على الحاج محمود وتمت تسوية المتعلقات واتفقا على تسويق الوجبة المحددة من الأنتاج بعد اسبوعين, وكان هذا في الحقيقة هو السياق المتبع بالتعامل مع الحاج محمود منذ زمن, لأني كنت اجهز الوجبة التسويقية الى الحاج محمود وأشحنها الى محله كل اسبوعين.
اصطحبنا الحاج محمود الى مطعم عمو الياس في شارع الرشيد في منطقة المربعة ,بعد ان ترك ابنه جميل في المحل, وبالرغم من محاولة العم سلام الأعتذارعن تلبية الدعوة الا انه اصر على تناولنا الغداء معه في المطعم.
كانت ساعة الذروة في بغداد وكان المطعم مكتظ بالزبائن وكان فيه مجموعة من الأجانب أغلبهم من الخبراء الروس العاملين في مشاريع الري والزراعة,وقد اشتهر هذا المطعم العريق الممتد بتاريخه الى الخمسينيات بتقديم وجبات الدجاج المشوي مع التمن والمرق, وما فاجأني ان مقاعد المطعم التي تمتد بعمق على صفين, ليست من الكراسي العادية, بل كانت من مقاعد الجلد الفاخرة, وكان الطعام لذيذاً جداً, والخدمة ممتازة, وقد حرص الحاج محمود ان يحفنا بالتكريم ويلبي طلباتنا بمزيد من الأهتمام.
كانت رحلتي الى بغداد مع العم سلام ذات فائدة كبيرة لي ,تعلمت فيها أشياء كنت لاأعرفها كما تعرفت فيها على أماكن بغداد التي تلزمني بتواجدي فيها لضرورة عملي والمهام التي اقوم بها من البيع والشراء والتبضع, وبعد تعرفي على بغداد أثناء مصاحبتي للعم سلام وعرفت أصول التعامل بالتجارة و خولني العم سلام مهمة الذهاب الى بغداد لوحدي بعد ان عرفني على تجار الخيوط واللوازم الأخرى التي يحتاجها المعمل.
في رحلتي التجارية الأولى الى بغداد منفردا, ًبعد ان كلفني العم سلام بالذهاب لتصفية حساب المعمل مع الحاج محمود وشراء بعض المواد الأولية التي يحتاجها المعمل,سافرت بالقطار المسائي الذي قضيت ليلتي فيه, ثمّ توجهت الى سوق القماش بعد ان تناولت افطاري من تشريب الباقلاء المقشرة والمطبوخة بالدهن الحروالبيض ومقبلاتها من حامض الرارنج مع البصل والتي كنت قد سمعت بها كثيراً, كانت تجربة ناجحة وكانت اكلة لذيذة و كنت اريد ان اعود نفسي على أكلات المطاعم الشعبية التي يتطلبها عملي.
استقبلني الحاج محمود بالترحاب ودعاني لتناول الفطور الذي كان يتناوله بالمحل, شكرته معتذراً باني قد تناولت افطاري قبل المجيء.
انتظرت الى ان فرغ الحاج محمود من تناول الفطور, ثم تناول سجله وفتحه لمطابقة الحساب بالمبلغ المترتب عليه والذي جاء مطابقا لورقتي التي جلبتها معي,أنقدني الحاج محمود مبلغ 440 ديناراًعن قيمة البضاعة المجهزة, أخذت المبلغ ووضعته في جيبي دون ان اعده حياءً , واثناء خروجي بعد توديعه دعاني الحاج محمود الى تناول الغداء معه,فاعتذرت له بان عليّ شراء بعض المواد الأولية للمعمل وشحنها .
انجزت مهمتي بشراء المواد الأولية اللازمة للمعمل وشحنتها بالسيارات الخاصة بنقليات البضائع وتوجهت بعدها لتناول غدائي في احد المطاعم القريبة ومن ثم العودة الى الموصل بالسيارات,عددت بعملية حسابية بسيطة ما تبقى عندي من النقود من الذي كان عندي ونقود الحاج محمود وما صرفته, تبين ان هناك زيادة بنقودي بمبلغ اربعين دينا ر.
عدت الى الحاج محمود الذي تفاجأ بعودتي وكان يتناول غداؤه من القوزي والتمن الذي كان مولعاً فيه, وقبل ان يسألني, قلت له:
انك قد اعطيتني مبلغ اربعون دينار زيادة عن مستحقات المعمل على محلكم , ثمّ اعدت له المبلغ . قال الحاج محمود :
هل انت متأكد؟
قلت نعم عمي:
انا متأكد لأني حسبتها أكثر من مرة .
شكرني قائلاً :
بارك الله فيك يا همام على امانتك هذه.والحّ جاهداً مرّةً أخرى ان أبقى معه على الغداء, الا اني اعتذرت, وعندما هممت بمغادرةمحله: قال لي :
يا همام ان هذا المحل مفتوح امامك للعمل معي متى اردت ذلك مع ان كلامي هذا لايعني اني ادعوك لترك الأخ سلام , ولكن ربّما ستفكر يوما للعمل في بغداد إذا أعجبتك الحياة فيها وتعودت عليها وعلى أماكنها. بلغ سلامي وتحياتي الى اخي سلام ورافقتك السلامة.
تكررت زياراتي الى بغداد عدة مرات, وبدأت بالتعرف على اماكنها تدريجيا , وكنت موضع ترحيب الحاج محمود دائماً, وقد دعاني الى بيته في احدى المرات في منطقة بغداد الجديدة التي ازورها لأول مرّة.
كان بيت الحاج محمود قريب من كراج النقل العام للخطوط الداخلية وخطوط ديالى وبعض الأقضية والنواحي التي لااذكرها. وما لفت نظري في بغداد الجديدة سوقها العام على الشارع الرئيسئ وانتشار المحلات على جانبيه, وكان اغلب اصحاب المحلات هم من المسيحيين الذين يتكلم اغلبهم اللهجة الموصلية موطنهم الأصلي ثم سكنوا بغداد وانتشروا فيها وخاصة في بغداد الجديدة .
خرجنا عصرا الى السوق بعد تناولنا الغداء في بيت الحاج محمود للأطلاع على المناطق التي ذكرتها ثمّ أخذني الحاج الى سوق موازي للشارع الرئيس من الخلف والذي كانت اغلب محلاته مختصة في بيع القماش والملابس المختلفة, اراد الحاج من خلال دعوته لي ان يريني احد محلات القماش الذي يريد ان يشتريه لأبنه جميل, والذي سبق ان تحدث عنه لدى زيارته السابقة الى الموصل ويريد صاحبه بيعه لرغبته بالسفر الى الخارج حسب ما قاله الحاج,كان المحل متوسط المساحة لابالكبير ولا بالصغيرلكن موقعه في وسط سوق القماش ويريد الحاج لجميل ان يفتتحه له.
كنت الاحظ ان جميل لايعير اهتمام للعمل في محل ابيه, ولايحرص عليه كما يفعل اغلب الابناء ,ويختلق كثير من الاعذار للتخلص من وجوده بالمحل , وانه يحاكي الموضة في ملابسه وتطلعاته ويبدو ضجرا امامي لاسباب اجهلها.
لم يتم الأتفاق فيما بعد على شراء المحل لجميل في بغداد الجديدة وكم كنت اتمنى ان اكون انا صاحب المحل المستقل وان تسنح لي الفرصة بذلك مستقبلاً.

شاهد أيضاً

مروان ياسين الدليمي: اكتشاف الحب: اوراق من مدونتي الشخصية (ج/21 – الأخير)

ليس هذيانا لدينا اسباب عديدة تدفعنا لان نتمسك بالحياة،حتى وإن كان الامل ضعيفا في امتلاكنا …

أُغْنِيَةُ الحُبُّ الإِلَهِيّ
فاضل البياتي
السويد

في الدُنيا ضُروبٌ وروائِعٌ مِنَ الحُبِّ شَتَّى ويَظلُّ الحُبُّ الإِلَهِيُّ أعظَمُ وأروعُ وأَبْقَى وليسَ هُناكَ …

~ المراعي الجديدة ~
محمد الناصر شيخاوي/ تونس

صَبِيحَةَ كُلَّ يَوْمٍ نَجْلِسُ مَعًا نَتَنَاوَلُ حَلِيبًا وَ خُبْزًا بِالزُّبْدَةِ وَ الْعَسَلْ وَ عَصِيرًا مِنَ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *