تمرين سردي : كورونا
عادل علي عبيد

اخيرا قررت ان اعزل نفسي ، هكذا اشاروا عليّ ، كنت احتفظ بالحالة وحدي ، ولم التق اي احد سوى عائلتي التي استشعرت حالتي التي فضحها السعال ، وتحشرج كلماتي البطيئة ، وقلة شهيتي للطعام ..تذكرت ما قالته امي يوما ، وكأنها تعيدها مرة ثانية : في الماضي : نسمي امثالك بـ ( المحرم) وهذا ينطبق على مرضى الجدري والطاعون .
كنت اقول في نفسي لو انعزلت عن الآخرين ، نذر عليّ ان اقرأ الاعمال الكاملة لدستويفسكي ، مجموعة مجلدة اهدانيها احد طلبة الحوزة ، هاتفته قبل ايام :
– كيف الحال شيخنا ؟
– الحمد لله في صحة وعافية .
– ماذا تعمل ؟
– انا صائم .
(ضحكت بقوة )
– لماذا تضحك ؟
– كيف تصوم سيدي وبذمتك اكثر من عشرة كتب استعرتها مني قبل عشر سنوات ، وهي في مجالات الفقه واللغة والتفسير ، اظن ان ذلك خللا في نية الصوم ، لاسيما وهو في دائرة ابراء الذمة .
– — اي والله الحق لك ، وانا لم انس ذلك ما حييت ، وثق انك تعاتبني يوميا .. لذا قررت ان اعيد كتبك مع مجلدات لاعمال دستويفسكي الكاملة ، هدية مني ، وبوسة .
(مازحته) : البوسة في زمن كرونا ……
– شكرا لك . (انتهت المهاتفة) .

حلقت في فضاء غرفتي المحدود قائلا في نفسي : دستويفسكي ، هو بحد ذاته مُعقد معزول سوداوي .. وتذكرت بيت الموتى والابله وديمتري واليوشا والمقامر ..

وصل الطعام بصحون بلاستيكية تشبه الصحون التي توزع في عاشوراء ، وملاعق وقتية مع كيس بلاستيكي اسود ، سيحتوي الطعام والصحون حال الانتهاء منها ، رفعت نظري لابصرها تلبس قفازاتها السود وكمامتهاالسوداء ايضا قلت : لا اشتهي الطعام .
قالت : نعم ، هذا من الطبيعي ، ولكن اجبر نفسك عليه لتتشافى ، وقبل هذا وذاك ، قرّب انفك لتستنشق هذا البخار الصاعد من الغلاية – التي كانت تحملها – سيساعدك على التنفس ويعيد اليك الهواء كما السابق ، وخذا هذه الكمامة ذات الصنع المحلي ، ولا تعجب ففيها ثلاث طبقات من قشرة البصل ، هكذا ينصح الطب الآن ، وبعد ذلك ستقوم بالغرغرة بالماء الدافيء والملح الذي جعلناه في الغلاية نفسها ، ان شاء الله ستكون (بم) على قولة المصريين .
همست في داخلي : اوه .. ماذا فعلت منصات التواصل بهذا الناس .
تناولت ملعقتين لا اكثر من طعامي ، وفعلا جمعته في الكيس الاسود ، وهممت لاتجه الى المغسلة ، الا ان صوتا قال : لا لا لا … سنحضر لك الماء والصابون مع المعقمات ..
غادرتني ، لاعود الى حلمي بالقراءة .
مسكت المجلد الثاني ، (بروخاشتين) بعد ان تطلعت بالصورة التاريخية للمؤلف والتي كانت على ورق الآرت ، قلت : صدق فرويد في كل ما قاله عن هذا الرجل .. لم استكمل القصة ،
حلقت طويلا واستحضرت ايام السجن ، يوم عزلوني عن بقية المساجين ، وهم ينعتوني ب (الخطر) ، اقترب مني المرحوم ( معن البعاج) وبعد حديث طويل قال : لا اراك خطرا (واردف) : ما هذا الذي يقولون ؟
في اسطبل الخيول المتروك منذ معركة الشعيبة بقيت لاكثر من سنة في هذا العزل ، كان الاسطبل واسعا ، كنت اركض ، واغطس على ثلاث ، الحركة التي يسمونها (الشناو) واتكلم بصوت عالي اقرب الى الجنون ، كانت خيمة الحرس التي تبعد عني اكثر من عشرة امتار تطلق اصواتها المعتادة 😞 خبالو ، خبالو ، خبالو…) دائما ما يكرر الحراس قولهم الذي يخجلني : اما زلت تتحدث مع نفسك ، وتؤشر بيدين بلا مبرر؟
لا انسى يوم هاجت علي اسناني وانا الممنوع من زيارة الاهل ومراجعة الطبيب بامر السلطة ، توسلت لان يعطيني احدا اي قطعة حديدية لاخرم سواد سني . كان والدي (رحمه الله) يقول : وجع السن سببه الرئيس ذلك السواد الذي يسكنه ، لم يمنحني اي من حرس اسطبل السجن اي شيء وهو يرددون انت ممنوع من هذه الاشياء .
بحثت في ارضية الاسطبل بجنون نتيجة المي الذي راح يتصاعد ، وفعلا وجدت ملعقة قديمة مؤكسدة مطمورة في التراب ، نظفتها ورحت اثلم ما تبقى من سني ، كان الدم غزيرا ، الا انني شعرت براحة جعلتني انام .
اقترب مني مأمور السجن يوما قائلا : وجهك لا يوحي بانك خطر مثلما يقولون . قلت : سامحهم الله ، عاد بعد قليل وهو يحمل علبة حليب (الكيكوز) المضلعة وقال : خذ هذا شاي ، شكرته ، وانصرفت الى وحدتي .
عدت الى نفسي قائلا : العزلة في عمر العشرين تختلف عن عزلة الستين ،

قالت : عد الى (الفيس) عله يضفي عليك شيئا من فراغك القاتل ، قلت : هذا الفيس يحثني على ان احفر قبري بنفسي ، فليس سوى اخبار الموت واليأس …
رحت استعرض شريط الاسماء التي غادرتنا ، احمد راضي ، علي هادي ، مناف طالب …. يرحمهم الله ، (قلتها بالم) .
لا ادري لماذا تذكرت ( اشكفتة) المتصوف و (قلاية) الراهب ، قلت : ساعدهم الله كيف يقطعون هذه الاشواط متأملين متفكرين بلا انيس او صديق ، وليس سوى تراتيل العصف التي تصطدم بذاك الحجر الاخرس . الحلاج السهروردي الفارابي نيتشه … لكنني استدركت قائلا في سري :
هنيئا لهم فهو رموز ودعاة ، وهم من اضعف من مقولة ان الانسان كائن اجتماعي .
اعدت الى مسمعي ذلك البيت الذي اترنم به (وزائرتي كأن بها حياء) على تخريجة محمد عبد الوهاب (ياوردة الحب الصافي ) كنت ادرك عدم تطابقها في الوزن والنغم ، لكنني اصر عليها اصرارا بدويا ، ولا اقول اصرارا كرديا بمعنى (نا يعني نا ) – كما يقولون –
خابرني صديقي ضياء :
– كيف اصبحت ؟
– عليل لا اشتهي الطعام . اظنها كرونا يا صديقي ..
– – ابدا هي نوع من الانفلونزا الجديدة ، ولقد تعرضنا لها في البيت جميعا ، وغادرتنا والحمد لله .
– – اتمنى ذلك .
– – المهم انتظرك عند محل قيس (ابو الباجات) في العشار .
– ستجدني هناك في التاسعة صباحا .

في الصباح لبست قفازين سود وارتديت كمامة سوداء وشققت طريقي الى عالم يضج بالبياض وانا اردد : حري بنا ان ننهض بالحياة وان جفت عنا .

شاهد أيضاً

بلقيس خالد: سلالم الساعات: هايكو عراقي

-1- ردني ان استطعت قالها ومضى :الوقت. -2- يبعثرها دقائق وساعات.. مستغربا يتساءل: أينها الحياة! …

عهود عدنان نايلة: ضجرُ الشّواهدِ تَعِلّةُ الغيابِ

– كلّ نبضةِ قلبٍ وأنتَ مئذنةُ العيد في سماءِ روحي المتعلقةِ بكلّ تفاصيلك الصّغيرة والمتكاثرة …

إِرْسَالِيَّة قَصِيرَة و عاجلة لبيروت
محمد الناصر شيخاوي/ تونس

صباح الْخيْر حبيبتي بيروت أُعْذُرِينِي إِذْ أَنَا غادرْتُ بَاكِرًا ذَاكَ الصَّباح لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أُقَبِّلَكِ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *