بعد فوات الأوان
تأليف: رياض ممدوح

مسرحية مونودراما ،
عن قصة للكاتب العراقي انور عبد العزيز
المنظر ( غرفة عادية قديمة توحي بالعزلة والكآبة، تحتل مساحة المسرح كلها، على يمين المسرح كرسي هزّاز قديم ومنضدة صغيرة، امام موقد كلاسيكي مبني داخل الجدار، فيه نار هادئة، يستقر فوقه مذياع
يبث موسيقى هادئة طيلة العرض، وفرشة أرضـية أكل الدهر عليها وشرب ، صور قديمة معلقة على الجدار لأشخاص لا تبـــدو ملامحهم لقدمها وباللون الأبيض والأسود، صورة رجل بملابس عسكرية وامرأة مسنّة، على اليسار شباك مطلّ على زقاق، تغطيه ستارة شفافة، تعتيم للإضاءة، وباب في عمق المسرح، تدخل منه امراة مُسنة تجاوزت السبعين من عمرهاترتدي دشداشة ظاهرة تحت روب منزلي، على رأسها قبعة منزلية من الصوف، ، تبدو بجسدها النحيف اصغر من سنها، وفي قدميها نعال خفيف، تحمل بيدها قدح من الشاي، وتجلس على الكرسي الهزاز أمام النار، تضع القدح على المنضدة، وهي متكئة الرأس إلى الخلف ).

المراة : آه من الأيام آه، أيّ عمر هذا الذي مضى؟ ياه!
) تزفر، فترة صمت قصيرة) من عمق الذكرى وضباب السنين
صحوتُ على طفولة هادئة ساكنة انيسة معزولة عن لعب الصغار
وضجيج جنونهم ونزقهم الطفولي الذي لم تتسع لمدى حركته كل
ساعات النهار وحتى لجزء من امسيات القيظ الساخن الكاوية
ووخامته الخانقة، أو تجلّد الارض والماء والهواء ببرد قاس لا
انساني في الثلجية عواصفه ورعونته المجمّدة للجلد والاذن
والعيون وفروات الرؤوس والرقاب والاصابع، ذلك الحر اللئيم
وهجمات البعوض الشره وشراسة بعض الصغار وانفلات هيجانه
وعدوانيتهم وبروح من شرور كريهة واكاذيب استغرب الآن كيف
كانتتفرقعها نفوسهم وعقولهم على صغرها ومحدوديّة تجاربهم
الضئيلة ضحالة تفاعلهم مع الحياة.
” يمكن للمخرج أن يُظهر صور أو لقطات أفلام لأطفال فقراء
يلعبون في زقاق، أو حافة مستنقع ”
” فترة صمت ”
ذلك ماعزلني عنهم؛ وذلك ما جعلني احلم بالبديل في الارانب
والحمائم والعصافير والقطط وحتّى لبعض الكلاب الصغيرة
والوادعة المسالمة.
” تنظر بنظرة خليط من الحنان والأسى إلى صورة أمها المعلّقة على الحائط ”
وذلك ايضاً ما جعلني أنكفئ لحنان أمي وسحر قصصها وحكاياتها
التي كانت كل واحدة منها ومن أثارتها وتشويقها وابهارها ما
يعادل مجموعة صغار المحلّة وكل ألعابهم وما يختلقونه من
الاعيب لا تخطر على بال أمكر الشياطين، حكايات مدثّرة بدفء
البيت بعيداً عن يباس الأرض وأشواكها التي يلعبون عليها.
” تنهض وتسير بمحاذاة صورة أمها، فيُسلّط عليها وعلى الصورة
بقعة ضوء واحدة تجمعهما، وتعتيم باقي المسرح “.
صار البيت، ومع حكايات امي وحنانها، مأوى آمناً لذيذاً ابعدني
عن كل ما يخدش سلام روحي واطمئنانها، لكنني لم انس أو أهدأ
عن رغبتي بتملّك بلبل يغني لي، رغم محبة أمي وأحاطتها بكل
رغباتي كجناح طائر حنون،فأنها ما استساغت حكاية البلبل،
الأرنب والغزلان والحمائم والقطط وجــراء الكلاب تـسرح في
غرفة طويلة عريضة مرتفعة السقف الطيني الممتد ببواري
القصـب والأعشاش والمنحنيات التي تمنح الحمائم والعصافير
حرية مطلقة في الدوران والحركة صعوداً وهبوطاوالتصاقا
بالسقف والجدران وحفرها والمناورة، حتى مع الخفافيش، وكأنها
في سماء الخارج، ثم ان الغـرفة كانت منفتحة على ارض خلاء
عشبية مشبكة بجدار دائري من خشب وأعواد وأسلاك مما يدفع
أي تهمة انها حبيسة ومخنوقة ومقيدة، لكن امر البلبل شيء آخر
طال في ذهن أمي، كنتُ أشعر أنها غيرمرتاحة بل
ومشمئزّة من هذا الطلب والرغبة التي اشتعلت في
روحي لإيواء بلبل، البلبل لن يكون كالديكة والخفافيش
والعصافير، لابد من قفص، وعند ذكر هذا القفص كان يبدو الكدر
على وجه أمي والضجر من إلحاحي بجلب هذا المغنّي، أمي
الصافية النقيّة الهادئة كنسيم، صار وجهها يتعكّر وعيناها تتقلبان
كلما عاودّتُ وبإلحاح سمج طلبي بتحقيق رغبتي المدفونة، ما الذي
تغيّر؟ )”

الكاتب الراحل أنور عبد العزيز

ُتسلّط بقعة الضوء على صورة الأم وصوتها تتكلم من خلال مسجّل الصوت “.
صوت الأم: تأكدي يا ابنتي انني سأقلع باب الدار أذا لم يتّسع لدخول
بعير أو فيل وحتّى كركدن أن تحسست بك هوى لها،
لكنني ومع هذا الطائرالصغير وأن يُحبس في قفص، فلا،
والف لا.
المرأة : قاومتني بعناد، وأيّدها أبي وأخوتي في ذلك، كنتُ تلك
الصغيرة التي شعرت بظلم فادح أليم وثقيل، أيقنتُ ان كل
الدنيا وقفت ضدّي، لم استوعب رفضها الحاد الخشن
لرغبتي ببلبل.
” تلتفتُ يائسة ومحبطةً، وتتّجه إلى الكرسي وترمي
نفسهاعليه، وتتغير الإضاءة فتختفي بقعة الضوء
وتعود الاضاءة الخـافتة على المكان كله وترفع المراة قدح
الشاي وترتشف منه، وتعود إلى جلستها الأولى متّكئةً “.
وعندما استنجدتُ بخـالي، وكان يحبني وأحبه، غير متزوج
وقد تجاوز الخمسين، قصير قوي الجسد كقرمة جوز، سبّاح
ككوسج وصائد أفاع وعقارب، عاطل عن العمل، وحيد وأخ
لخمس نساء أكبرهن أمي، رغم انه كان عاطلاً تائهاً مناحراً
الشطوط، فقد كان محبوباً من الناس فلا ملاحظة رديئة
مشوّهة لأي احد على سلوكه، معزول عاشق للماء كتمساح،
معاشرا للأنهار والمستنقعات، صفاته وأوصافه كثيرة، وابرز
عناوينها ”صائد الأفاعي” ما الذي كان يفعله خالي عندما
تضيق يده بآخـــر فلس، وعندما تنكمش جيوبه وتتـهدّل
خاوية عاوية؟ يختار اول اخت وغالباما تكون هي
امي، يطرق الباب بسفاهة لص هارب، وعندما يصبح في
الداخل تنهمر نكاته فلم يعرف من هذه الدنيا غير السخرية
والضحك، وعندما كان يجابه بصـمود امي وشتائمها المغايرة
اللاطمة لنكاته- وهو رغـم كل حماقاته- كان لا يندفع ويتورط
معها اكثر، فهي اخته الكبيرة، وعندما يبدأ – ترميزا-بالإعلان
والكشف عن افلاسه وحاجته للنقود، كان صوتها يعلو وغضبها
يحتد اكثر، عندها يلجـأ لكيسه فاتحاً فمه لتبرز منه رأس قرعاء
صلعاء لأفعى سوداء بعينين جاحظتين مخيفتين ولسان مشقوق،
بأسنان او بغير اسنان فقد كان خبيراً في التعامل مع اسنانها،
ومع سرعة اندلاق للسان وبصبصةالعيــنين والشدق المفتوح
بأسنان السم تكون امي قـد استكانت وهدأغضبها وانخفض
صوتها الذي استحالت كلماته الى عبارات خـذلان وتوسل ان
يترك هذا المزاح لئلا يخيفني- وكانت هي المتجمدة الخائفة
المذعورة- عندها تبدأ المساومة على الرقم المرتفع للدراهم التي
ينوي الاستحواذ عليها، وكما في كل مرة، فلم يغادر الّا والدراهم
التي طلبها- ومنذ البداية- قد استقرت مطمئنة في قعر الجيب العميق
لسروال الصياد، ولن تكون هذه هي المرة الاخيرة،ولن تنجو امي
ولا خالاتي الاخريات من شبح تهديد تلك الافاعيمنكمشة الملتفّة
المخنوقة من غلاصمها بقوة وثقل اصابعه السميكة المطبقة عليها
كخانق، رغم انزعاج امي وشتائمها واستنكارها لتهديداته، فإنها
كانت تشتاق بلهفة لوجوده ان طالت غيبته وتتمنى حضوره رغم
خسارة النقود..
هذا الخال صار لي املاً ان يجلب بلبلاً يغني لي، هو خالي ويحبني
واحبه ووعدني بالبلبل، طال الوعد، مضت اشهر، جاء، عرفناه
من طرقات الباب المفرقعة بيديه الحجريتين، ومع اول أهلالة لوجهه
وعينيه اللامعتين الفرحتين، فتح الحاوي وخُرجه، كنت احلم
بالقفص، وكان خُرجاً شبه فارغ، ومع فتــــحة العنق الضيق للخُرج
ارتفع رأس مثلث لأفعى مخيفة، هذا هو بلبل خالي، كان فرحا
بهديته، قال انها اتعبته حتى استطاع ان يلتقطها ويأسرها بعد ان
فلّها من حزمة قصب في مستنقع آسن بعيد في عمق الغابة
المائية، وقال لأمي انه ولأول مرة بانه شعر معها بالخوف وكادت
اصبعه الفولاذية المرتجفة ان تخذله لولا انه تذكّر انها الهدية لابنة
اخته ولابد ان يظفر بها .. أهكذا ايها الخال؟! أردتُ بلبلا اين هو
البلبل؟! لم اتلقى رداً فقد كان يشكوا الجـوع ويشكو لأمي ان هذه
الافعى الشيطانية اللعينة – هدية ابنتها – حرمته من الراحة في
ترقّبها وملاحقتها وحتى دقائق النوم القليلة التي حظي بها فقد
هرست جلده ورقبته ووجهه سيل من بعـــوض خشن سام يساكن
الافاعي في عمق مغاورها وحفرها وقد غطّى وجهه المستنقع حتى
بدأ اسود كالسخام .. عندما يئست من وعود خالي التي لم ارى منها
غير الافاعي وتلك العقرب المكورة الكبيرة والتي قال انها عمـياء
وتتخبّط في حركتها ولا تعرف طريقــاً مستقيماً، يكفي من تلك
العقرب ابرتها السامة المعـقوفة المرتفعة للأعلى والمتأهّبة للقتال
والتي هرسها ابي بحذائه العسكري دون ان يمنح خالي فرصة
وصفها والتفــاخر باصطيادها، عندها عرفتُ أي مراوغ
وماكر الخال. التجأت لأعمامي، وبدأت بأكـبرهم، ذلك
الذي يجاور متجره سوق الطيور وهو قد استغرب هوايتي
ولعن تربية امي وهو ظلّ يردد بحقد وكراهية:
” صوت العم خلال التسجيل ”
صوتالعــم : نعرف انها تريـد ان تــشغلها عن دروسها ومستقبلهاولتنشا
ضعيفةعاجزة، الكسالى والمتبطرون فقـط هم من
ينشغلون بعشق الطيور، ثم أي طير تريد، بلبل! أي امراة
ستكون هـذه وقد حصرت كل حلمها بطائر تافه صغير محصور
في قفصيلهث كالمجنون طيلةالنهار ولا يستر قلقه واضطرابه
غير سكون الليل وعتمته، انتبهي إلى دروسك، فليس للفتاة إلا
دروسها ومستقبلها حين تكون في بيت أهلها. وحين تكبر ليس لها إلا بيتها وزوجها وأولادها، وليس هناك مجال للاهتمام ببلبل.
المراة : خاب ظني في الأعـــمام أيضا، وإذا كنت قد غفرتُ لأمي رفضها
وعنادها فقد ادركتُ بعد سنين، ان امي ربما منعتها صَلاتها من
تحقيق حلمي، فهي كانت تخشى الحبس، ثم خشيت اكثران
اضجر منه بعد ايام فاهمـل اطعامه أو اغفل عن مائه فيموت فتلقى
هي أو انا او نحن معاً عـذاب الله.
غفرتُ لأمي بعد تلك السنين وحزنت لذكراها ولم اغفر لخالي
واعمامي، وحتى ابي، وقد ترددت ان افاتحه في حلمي، فقد كان
عسكرياً صارماً متجهماً غاضباً عابساً اكثر ايامه وساعاته،وانا لن
انسى تلك السخرية وما نالني من ذل وقسوة الرفض بقولهلي:
صوت الأب: كنتُ اتمنى من ابنتي ان تطلب كتب واثواب واطعمة، لاتيت
بها ووضعتها بعد يوم او ساعة في حضنها، اما هذا البلبل
ما الذي تستفيد منه؟! الغناء!الا تكفيك كل هذه الموسيقى والاغاني
وهذا الحشدمن مغني الاذاعة والغرامافون لتنتظري ساعات تغريده
قــد ينفخ بها أو يبخل وقد تركــت كتبك ودراستك لتنشغلي بطعامه
ومائه وتنظـــيف وساخته، اهجري هذا الحلم السخيف فهو لن ينفعك
بشيء.
المراة : و مرت سنين، ماتت امي، لم ينتظر ابي ولم يصبر. اصابته
كآبة، وبعد شهرين هرول ثم طار خلفها طامعاً في جنتها..
و مرت سنوات اخرى، مات الاعمام وذلك الخال الشريد التائه.
وعندما تزوجتُ قلت عسى ان يتقبّل الزوج حلمي، لكن الامر
بدى عسيرا معه ايضا، وهو قد ذكرني عندما اسطف بأقواله مع
حجج امي وابي واعمامي وخالي الصياد، وحتى الاولاد،
كنت المح اشارات ولغة مرموزه تظهر على ملامحهم وتكشف عن
سخرية ان تحلم امراة وقورة وقد تجاوزت سنون كثيرة بقفص
صغير وبلبل يغنيلها، وكثيراً ما اقترحوا عليّ السفر
لأستمتع بجمال الدنيا بدلانشغالي بهذهالصغائر… امام هذا
الرفض الجماعي المعاند قمعت رغبتيوحلمي، اندثرت سنون
واعمار اخرى، مات الزوج، كبر الاولاد، تفرقوا في مدن
واحياء خارجية بعيدة وانا بقيت في دار العمر، والزقاق في
المدينة القديمة والجيرة المؤنسة، بقيت وحيدة، صمت الدار
ووحشته وسكون النفس دغدغت وحركت منابت الحلم القديم
الذي لم ينطفئ رغم مرور سنين كثيرة، انا الان وحيدة معزولة
حرة في اتخاذ أي قرار وتحقيق كل الاحلام، وحلمي
ما أسهله فالبلابل كثيرة والاقفاص اكثر وانا وحدي، لي سيغرّد،
يغنّي، يتفنّن في الغناء، يفـرد جناحيه ويترنم، سأختار له اكبر
الاقفاص واحلاها لوناً واكثرها ترفاً ونظافة في مواضع الاكل
والماء، سأفردله زاوية كعش طبيعي دافئ يقيه ضراوة البرد
واجعله مواجهالمبردة الهواء في الحر الساخن وبفضاء قفصه
الكبير، ستكون حاله كحالي، لن اغـفل عنه لحظة لأعاقب بما
كانت تخشاه امي، انيسالوحـشة والانتظار .. وكما رغبتُ فقد
تطوع الجيران بشرائهقلتلهم: لا تهمني النقود، المهم ترانيم البلبل
ويقظة الصباح، يكفي ان يغني لي في الصباح فقط، لم احوي ديكاً
رغم كل النصائح واكره الديكة المغرورة الحمقاء البلهاء التي كثيراً
ما تخطيء فتصيح وتُعلن الفجر والليل في منتصفه، ويحصل انها
بعد ان تنام ساعة بعد المساء المبكر، تستيقظ واهمة ان الفجر قد حل
فتصفق بأجنحتها ويتعالى ضجيجها مربكاً ومحـيراً الجيران
وخادعاً عمال الفجر، الأهم ألايكون وحشياً واخرس، يقول بعض
الناس: لا يوجد بلبل اخرس، فما دام بلبل فهو قرين بالتغريد، لكن
العارفين يقولون: لا ان بعضها وحشية خرساء وهي كثيرة الحركة بلا
فعل، ترقبها، تراها لا تهجعلحظة، مضطربة مرتبكة منكوشة منفوشة
الريش في مقدمة رأسها، وهي ان انتظرتها دهراً فلن تسمع منها نأمة
لتغريد.. جاء البلبل، فرحتُ به، آنسني وجوده، فهو كان جميلاً بريشه
الرمادي وعنقه الابيض مزيناً بذيل طويل اصفر في بدايته، ما لاحظته
– وقد احزنني– ان بلبلي بدأ شبه مجنون في شدة حركته وقفزاته
وتخبطه ودورانهالهائج رغم سعة القفص ثم اصطدامه المتكرر بآنية
الماء والاكل وبأعواد القفص العلوية والجانبية حتى خشيت عليه من
الجروح التي قد يسببها ارتطامه القوي مرات ومرات، وحتى خشيت
عليه منالموت، ظللت مؤملة ان يهدأ وان يُسمعني ما انتظرته دهراً
وان يبدأالغناء، لكن شيئا من املي لم يصـل وشككت ان هذا البلبل
اخرساضافة لجنونه وهيجانه، لم آبه للجنون غير ان مسألة
الخرس احبطت ونكّلت بحلمي.. انتـظرتُ اياماً واسابيع، ذلك
الانتظار الطويل المر للبلبل والذي اكل مني عــمراً، استحال الى
انتظار اقسى ياساً ومرارة، لم يقنعني قول عامل النظافة – وطالما
سكن للراحة قرب شباك غرفتي المواجه للزقاق – انه لم يسمع
نغماً حلواً مثلما يفعل هذا البلبل الساحر، اضاف عامل النظافة: هذا
البلبل لا يتعب حتى لو غنّى النهار كله، صمتُ لمقولة صاحب
المكنسة وكانت عاليــة النبرة، وحرتُ في تفسيرها، اعتقدتُ انه
يجاملني حباً واشفاقاً، أو انه يكذب ليبرر بقائه ساعات في كسله
قرب الناـفذة، انتظرتُ اياماً اخرى، لم اسمع شيئا، وفي غمرة
ضجري وخيبتي مع كل سنينالانتظار، فقد بارك لي جاري المعلم
– وهذا ما حيّرني – حلاوةصوت بلبلي ورنينه وتلوينه للنغمات مع
علوها لتطرق اذني المعلم وبمبعدة امتار.
وكنت من وقت حضوره قد سميته (نشاط) لحركته المستمرة
كرقّاص، وبعد ان احببتُ فيـــه تلك الحركة النشيطة لطائر صغير …
اضطربتُ حيرةً فهذا الشخصالثاني يقول ان بلبلي غرّيد، وانا بقيتُ لا
اسمع شيئا، اما جارتي الاخرى فقد ذكرت لي ان صوتاً صافياً
مستمراً كهذا لابد ان يكون من فعل طعام وماء تُعِدّه الملائكة لترخيم
صوته ولا يُعقل ان بضع تمرات وتينات وحزوز خيـار تجيء بكل
هذا الطرب، عندما اخــبرتني تلك الجارة ان هذا البلبل كنزثمـين
وعليّ ان اعرف كيف احافظ عليه من عـــيون الغيرة وحـسد
الاشرار، ازددت يقيناً ان ثمة خللاً في شكوكي ولعناتي التي اصبها
واهدرها على حظّي ببلبل صامت اخرس لا اجد عندهغير جنون
الحركة والهياجالدائم وتلك الريشات المنفوشة المتوترةفي قمة
رأسه، وعندما ايقنـتُ ان ساعي البريد يُطيل وقوفه مدّعياً انه
مسحور بلذة الرنين العالي لصوت المغني، فساعي البريد رجل
عابر ولا مصلحة له في ثناء خادع، وبقيت ابحث – مستنجدة بذاكرتي
– عن خلل وألّا يظل بلبلي معلقاً بين سحر التغريد وتهمة الخرس
الابدي وكلّما تذـكرت واسترجعت طريقة تكلم الاخرين معي،
صرتُ اشك باذني تذكرت كل الوجوه والافواه، استعدت صورة
افواههم واحداقهم المفتوحة وهي تلتصق باذني بل تكاد تدخل فيها،
استعـدت ان بعضاً من هؤلاء السفهاء، كانوا – بلا حياء –
يصرخون في صيوان اذني كأبواق.
بعد ان جاهرني الجميع باني محـظوظة بالبلبل الصـدّاح،
عرفتُ – دون انانتبه وأعي من قبل – ان عزلة صماء مظلمة قد
حجبتني وعزلتنيعن العالم واني صماء، فلم استطع ان التقط حتى
الصراخ والضجيج وان أذني لم تعد تستطيع التجاوب الّا مع
الصوت الداخلي لطنين حاد متواصل في عمق الراس والاذنين ….
عندما سئمت ويئست من الانتظار اللامجدي، كان القفص عارياً
فارغاً مشرّع الباب عن اخره على فضاءات وافاق واسعة ممتدة.
)ُعتّم المسرح، وبدى فضاء القفص الخاوي المهجور معها نقطة
شاحبة ضئيلة).

ســــــــــــــــــــــــــــتار

شاهد أيضاً

مروان ياسين الدليمي: اكتشاف الحب: اوراق من مدونتي الشخصية (ج/21 – الأخير)

ليس هذيانا لدينا اسباب عديدة تدفعنا لان نتمسك بالحياة،حتى وإن كان الامل ضعيفا في امتلاكنا …

أُغْنِيَةُ الحُبُّ الإِلَهِيّ
فاضل البياتي
السويد

في الدُنيا ضُروبٌ وروائِعٌ مِنَ الحُبِّ شَتَّى ويَظلُّ الحُبُّ الإِلَهِيُّ أعظَمُ وأروعُ وأَبْقَى وليسَ هُناكَ …

~ المراعي الجديدة ~
محمد الناصر شيخاوي/ تونس

صَبِيحَةَ كُلَّ يَوْمٍ نَجْلِسُ مَعًا نَتَنَاوَلُ حَلِيبًا وَ خُبْزًا بِالزُّبْدَةِ وَ الْعَسَلْ وَ عَصِيرًا مِنَ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *