يقظة المحسوس في التصوير الشعري في نصوص الشاعر السوري هاني نديم
الإهداء: إلى شهداء انتفاضة التحرير المجيدة
كتابة: علاء حمد-العراق

إشارة :
أمام هذا النشاط الثر والمُثقل بالأطروحات الجديدة للناقد العراقي المبدع “علاء حمد” لابُدّ من تقديم التحية له على هذه السلسلة من الكتب والدراسات التي تحمل بصمة نقدية مُميّزة وسمة أسلوبية خاصة ، والأهم هو وفاؤها للابداع العراقي ورموزه التي تعاني قلّة الاهتمام من نقّاد وطنها برغم علوّ كعب منجزها. تحيي أسرة موقع الناقد العراقي الناقد علاء حمد وتشكره على ما يخص به الموقع من دراسات وتتمنى له الصحة الدائمة والإبداع المتجدد. كما تحيي روحه العراقي الغيور وهو يهدي دراساته (إلى انتفاضة ساحة التحرير المجيدة).

لم يتم تعريف المحسوس، وذلك لدلالته المتنوعة والمتفرعة، ولكن أعطوا بعض المعاني للمحسوس، حيث تشكل هذه المعاني مبادئ أولية شفوية، وليست عمقا فلسفيا، وكما أنّ حركة المحسوس ومؤثراته أو تأثيراته في العمق القصائدي له مساحته الجزئية في تكوين الصور والتصورات ونقل بعضها بواسطة المحسوس الظاهري الذي يتدخل بمؤثرات أو تأثيرات عديدة؛ فمثلا قالوا: المحسوس مايدرك بالحواس ويرادفه الحسي، ويقابله المعقول، بينما فريق آخر انتمى إلى معاني أخرى مثلا : الشيء المدرك أو الملحوظ وخاصة عن طريق اللمس.. هذه المعاني يحملها المحسوس بكلّ أريحية ووضوح؛ ولكن عمل المحسوس ومؤثراته الجمالية، وتدخله في عملية الإدراك، وكذلك حركته إلى جانب المتخيل، فهناك فلسفة خاصة لهذا الكائن، وهو على علاقة مع كائنات خارجية وداخلية، وليس لزوما أن يكون المحسوس من الأشياء المرئية، فالصوت ليس من الملموسات، وكذلك السمع، وإذا أردنا الأكثر، التخييل الحسي مثلا، كلّ هذه الأمور تجتمع في حوض المحسوس، ويكون للمحسوس الفعالية بين أفعال الكلام، باعتبار لفعل الكلام علاقة مع المحسوس وترتيباته قبل الكتابة..
مهما كانت موسوعة الخيال واسعة، فـإنّ المحسوس يرافقها، أو يترك آثارا يقظة بجوارها أو متجانسة في المساحة المرسومة، ويقظة المحسوس من يقظة الفعل التخييلي، حيث يكون مجاورا له، حتى ولو كان عمل المحسوس بشكل جزئي. فإنّ المحسوس الظاهري يشتغل ويؤثر بالذات، أو على الحسّ الداخلي؛ وفي هذه الحالة تكون الذات هي الذات التجريبية قبل أن تكون مستقرة أو عاملة لكي تختار مايلائم عالمها من مجموعة عوالم تعوم حولها. (( يشترط في حدوث الإحساس الظاهر وجود مؤثر خارجي، هو المحسوس الخارجي الذي يؤثر في عضو الحسّ. فإذا أثر المحسوس في الحسّ حدث الإحساس. وإذا لم يؤثر به امتنع الإحساس . يقول ابن سينا ” ليس لنا أن نحسّ بملكة الحسّ مطلقا، بل إذا حضر المحسوس وقابلناه بالحاسة أو قربنا منه الحاسة ( 1 )” . فإذا زالت تلك العلاقة زالت صورة المحسوس عن الحس – ص 51 – الإدراك الحسي عند ابن سينا – د. محمد عثمان نجاتي ))..
من الممكن جدا أن يتقدم المحسوس بالقياس نحو الأشياء الظاهرة، فالشيء بحجمه القياسي، ينقله المحسوس برؤية قياسية، وكذلك من الممكن أن يتجاوز المحسوس هذه القياسات، فالمنظور البعيد يختل قياسه، ولكن من الممكن جدا أن يلتقطه المحسوس برؤية عينية، ويختلف محسوس عن محسوس آخر، حسب المادة وحسب الصورة التي اشتغل عليها.
يظهر المحسوس الوهمي، كحالة افتراضية، وذلك لمساحة الخيال الواسعة التي تفرشها الذات العاملة، ويتكون من حركة توهم الباث على تواجده، بينما المتواجد هو آثار المحسوس بعد غيابه، ونظرا لقوة فعل المتخيل يغيب المحسوس، والذي يرافقه هو المحسوس الوهمي الذي احتفظ بأشياء جزئية قد لاتؤثر على حركة فعل المتخيل، وخصوصا أنّ الباث يحاول أن ينشط المحسوس إلى جانب المتخيل، فالنصّ الشعري بحاجة ماسة إلى التفكر النوعي من خلال الخيال، وحضور بعض الصور المادية إلى جانب الصور الجدلية..
تعبرين كلّ أحلامي
مرّة على هيئة طير
أو جناح
أو هديل

مرّة على هيئة حديقة
أو قصيدة،
أو طريق ترابي طويل

أتلمسّك كما يتلمّس
الأعمى الألوان
والأصمّ الأصوات

من قصيدة: مسالك الهالك – ص 18 – متحف الوحشة
عند الخوض في المقصود من خلال المنبهات، نحصل على الفعل القصدي، والذي يجانسه المحسوس، وحتى المنبهات المتعلقة بفعل الخيال، ترافق المحسوس ولو بشكل جزئي، فيكون الشاعر باتجاهات عديدة ومنها نظرية الاستعارة التي يعتمد على توظيفهاـ فيعتني بالتشبيه والمشبهات، لذلك من خلال المشهد الحسي نلاحظ أن الشاعر السوري هاني نديم اعتمد على الملموسات الحسية والتي جعلها صورا تماسكة لغويا، ليقدم للمتلقي رؤيته المتحولة إلى رؤى داخلية..
تعبرين كلّ أحلامي + مرّة على هيئة طير + أو جناح + أو هديل
مرّة على هيئة حديقة + أو قصيدة، + أو طريق ترابي طويل
أتلمسّك كما يتلمّس + الأعمى الألوان + والأصمّ الأصوات
هناك مشاركة تواصلية بين الملموس والنوع، حيث تكون المنبهات قد سيطرت على الجملة لكي تدفعها إلى حالة التشبيه، لذلك نلاحظ أن الشاعر اعتنى بالتنبيه أكثر من أفعال الكلام وحركتها في الجملة، فالمشاركة التي نقلها الشاعر، الملموس الطبيعي للمحسوس، والملموس الذاتي؛ فالذات لها الأثر والفعالية في توجيه المحسوس الخارجي، حيث إنّه يجلب الأشياء القريبة التي تلامسها العين عن قرب، وهذا لايعني لنا التخلي عن الأشياء البعيدة، ولكن قوة تأثيرها يكون ضعيفا على العين أو الملمس..
تعبرين كلّ أحلامي = تنبيه إشاري للآخر، والآخر المقصود هنا ( هي )، حيث تحمل صفة الكلام الموجه نحوها.. إنّ لغة التشبيه تستعين بصورة قديمة متعلقة بالذات، فتعيد ترتيبها بلغة جديدة، أي نكون هنا أمام التشييد والبناء، وليس الهدم والبناء، فالجاهزية التي نعنيها هي تلك الصور التي تعتمد على المشبه والمشبه به، حيث تقترب الأشياء أكثر وأكثر في النقل والتنبيهات والإشارات التي تطعم صورة التشبيه، وهذا النوع من العمل اعتمده الشاعر السوري هاني نديم في قصيدة ( مسالك الهالك )، إلا أنه في نهاية المطاف اعتمد الاختلاف في لغة التشبيه، أي اعتمد الصورة المستعارة من واقع حي، بين الأعمى والأصم..
عسلٌ في العينين
وشمعه الخدُّ
عسلٌ في الشفتين
تشتمني..
يتفتّح الوردُ

عسل في عجينة الخصر
سال شلالا على القدمين

عسلٌ.. عسل
فوق النحر وصوب الشعر
والناهدين

من قصيدة: تمائم للعشق والنساء – ص 29 – متحف الوحشة
تارة يقودنا الشاعر إلى لغة وصفية، وتارة أخرى إلى لغة إبلاغية، فالذي أمامه لوحة حية يرسمها بموديل جلست على صندوق في المرسم، وتجانست أدوات الرسم مع الخطوط البيانية ( الكلمات ) والألوان ( المنظور الرؤيوي للموديل )؛ لكي يستطيع الشاعر هاني نديم أن يعطي منظوره المقروء كتابيا..
القصيدة اعتمدت التقطيع في موازاتها مع اللغة التواصلية، فالملاحظ من خلال اللغة أنّ الشاعر لا يبتعد عن المعاني، وخصوصا أنه التزم بمركزية الدلالة والتي جاءت من خلال الإشارة إلى مفردة العسل. فقد أخرج محسوسه التذوقي بهذا الاتجاه مما يجعلك تشتهي العسل، ولكن الموضوع التحولي معتمدا على النظرية الاستبدالية والتي هي إحدى نظريات الاستعارة..
عسلٌ في العينين + وشمعه الخدُّ + عسلٌ في الشفتين + تشتمني.. + يتفتّح الوردُ
عسل في عجينة الخصر + سال شلالا على القدمين
عسلٌ.. عسل + فوق النحر وصوب الشعر + والناهدين
هناك تماثل في الاستعارة التي اعتمدها الشاعر هاني نديم، ومن خلال هذا التماثل، تكون حركة المحسوس، حركة جزئية، حيث إنّ فعل المتخيل تقريبا سيطر على النصّ الشعري.. عسل في العينين من خلال نظراتهما، بينما قادنا الشاعر إلى الشفتين من خلال حاسة التذوق، وتكون القبلة هي التي شغلت الفراغ، فالتماثل الذي اعتمده الشاعر : عسل في العينين = النظرات وطعمها الرؤيوي الباعث على الأريحية
في الشفتين = طعم القبلة كالعسل، حلوة المذاق .. فأبدل كلمة بكلمة أخرى؛ وشمعة الخدّ، احمرار الخدّ..
لم تلغ الاستعارة الظروف النفسية للشاعر، بل أنّ حركة المحسوس وعلاقته الداخلية، تبينت وهي تقبض على الجمل الشعرية، وخصوصا أن الشاعر طعّم بعض المقاطع بالقافية، لكي يجعل لها جرسا خاصا يبعث على الأريحية النفسية عند القراءة..
عسلٌ في كلّ مكان
هنا وهناك
وبين بين
فمن أين تدخل
يامـــرّ إلى قلبي
من أين ؟!

من قصيدة: تمائم للعشق والنساء – ص 29 – متحف الوحشة
يميل الشاعر السوري هاني إلى أحد شروط التحقيق ونتائجها في مخاتلاته الفنية بتشييد النصّ الشعري، وكأننا نقرأ السبب ونتيجته التطابقية؛ وتعتبر جزءا من التصورات التي رسمها في نصّه الشعري..
عسلٌ في كلّ مكان + هنا وهناك + وبين بين
فمن أين تدخل + يامـــرّ إلى قلبي + من أين ؟!
فالصورة الذوقية ( الصورة الحسية ) التي اعتمدها الشاعر، بأنه في خلية من العسل، فلا فراغ يحوي المذاق المرّ في دواخله المتعاطفة مع الشخص الآخر.. وقد كانت لغة الأنا الموجهة هي السائدة في المقطع الأخير..
ومن هنا رسم الابتعاد الذي قد يحمل على الجسم، فكانت النتائج متناهية وهي من شروط التحقق في العمل الشعري وعندما اعتمد الشاعر على لغتين، الأولى وصفية والثانية إبلاغية، تنوعت النتائج بين الوصف والإبلاغ عن الشيء المتأثر به، حيث تستقرّ اللغة الإبلاغية في المقطع الأخير وهو يرسم علامتين ” الاستفهام والتعجب “، ونعتبرهما دلالة على الكلام المرسوم في المقطع.
اترك بعدك
ظلا أو قصيدة

اترك أغانيك الوساع
على ضيق المسافات
البعيدة

دع كلّ شيء يرهق الروح
إلا
امرأة يابسة
ترفع كفها لأمطارك ؛
لاتدعها
وحيدة

من قصيدة: نبش لوح الوصايا ( الرقم الأول ) – ص 37 – متحف الوحشة
ذكرنا اللغة الإبلاغية، والتي تجاورها اللغة الوصفية في كثير من الأحيان؛ فاللغة الإبلاغية والتي تبلغ عن الآخر، يجرها الفعل الدلالي، وهو غاية ذاتية تعتمدها الذات بتوفير الفهم المتوفر في الجملة الشعرية، وقد تنتقل هذه اللغة إلى لغة أخرى تزاحمها في الطرح، وهذا المسلك يستدعي مدى حركة الأفعال الحركية وتموضعها في النصّ أو بالأحرى في الجملة الشعرية كبداية متزنة، تعطي لنا المهمة السببية وكيفية تعلق الشاعر بالانتقالات لكي يزركش الجمالية في النصّ، وينحت المجالات الفنية..
اترك بعدك + ظلا أو قصيدة
اترك أغانيك الوساع + على ضيق المسافات + البعيدة
دع كلّ شيء يرهق الروح + إلا + امرأة يابسة + ترفع كفها لأمطارك ؛ + لاتدعها + وحيدة
لو تابعنا نوعية الأفعال ( من ناحية النحو، فقد اعتمد الشاعر على فعل الأمر؛ ولكن ليس هذا طريقنا )، فالفعل المعتمد يسمى فعل الاستبلاغ، حيث إنّ الشاعر وضح في بداية الجملة الأولى عن قصدية الجملة مابعد الفعل، وفعل الاستبلاغ يلتقي مع الفعل القصدي، وذلك بما قصده الشاعر لتحقيق رغبة أو إشباع رغبة ما، وهو يتوجه نحو الآخر، ونستطيع أن نرسم معادلة من خلال الجمل الشعرية التي رسمها الشاعر هاني نديم في نصّه المعتمد :
اتركْ بعدك = اترك ظلا أو قصيدة
اترك = فعل الاستبلاغ
ظلا أو قصيدة = قصدية الشاعر من خلال حالة الترك، فماذا يترك الآخر، يترك ظلا أو قصيدة
ومن هنا نحصل على فعلين : الاستبلاغ + القصدية
اترك أغانيك الوساع = على ضيق المسافات
اترك = الفعل القصدي .. أشبع حالة لكي يعبر عنها
على ضيق المسافات = الفعل الاستبلاغي .. وكأنه حلّ ضيفا على الفعل القصدي، وجاوره في التعبير الذي اعتمده الشاعر. الشاعر لايميل إلى جملة إلا ويراها فاضلة، أي يشاطر المتلقي في القراءة، ويكون المتلقي أحد أدوات النصّ الشعري..
دع كلّ شيء يرهق الروح = إلا امرأة يابسة ووحيدة .. امرأة وحيدة، لا نستطيع أن نسمي الجملة فعل الاعتبار، ولو أن الشاعر هاني نديم، اعتبر المرأة يابسة.. ومن هنا نستطيع أن نتقارب مع فعل الاستعبار، والذي من الممكن جدا أن يلتقي بفعل الاعتبار.
التنوع الفعلي الفلسفي، جعل للمحسوس خواصا جديدة، فالمأخذ التعبيري الذي اختلف بين جملة وأخرى، جعل للأفعال تنوعات عديدة، ومن الممكن أيضا حياكة بعض الأسئلة التي تجانس النصّ، ولكن الشاعر لم يفعل، وذلك لأنّ الأجوبة حلت محلّ الأسئلة، وتبقى مهمة المتلقي خياطة ثوب جديد يدور حول اسئلة النصّ الشعري .. فالإثارة المتعلقة بالنصّ تجلب الآخر كي يكوّن مدلولا آخر إلى جانب الدال..
…………………..

( 1 ) ابن سينا : التعليقات على حواشي كتاب النفس لأرسططاليس، مخطوطة موجودة بدار الكتب بالقاهرة..

إشـــــارات :
جزء من مادة مطولة لكتاب عربة الشعر – الجزء الثالث
المادة خاصة بالناقد العراقي
هاني نديم : شاعر من سوريّة له عدة مجاميع شعرية
علاء حمد : عراقي مقيم في الدنمارك

شاهد أيضاً

د. علاء العبادي: قراءة في “برق الأضحى” للشاعر و الناقد مقداد مسعود

يكاد البرق في انثيالاتِ ذاكرتنا الجمعية يرتبطُ بالخير و السعادة على الرغم من وهلة الخشية …

الشعرية والمتعلقات الذاتية في نصوص الشاعرة التونسية سهام محمد
الإهداء إلى شهداء انتفاضة التحرير المجيدة
كتابة: علاء حمد – العراق

إشارة : أمام هذا النشاط الثر والمُثقل بالأطروحات الجديدة للناقد العراقي المبدع “علاء حمد” لابُدّ …

شوقي كريم حسن: عمر السراي.. فتوة الشعر.

*في ظل الفوضى التي اطاحت بالشعر، وجعلته يرفل في دروب الضياع، والتراجع، والاوهام التي ابعدته …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *