دفاتر قديمة
في رحاب الترجمة
ناطق خلوصي

يمكن القول بأن الترجمة ، وأعني هنا ترجمة النصوص الثقافية ،على صلة مباشرة بالموهبة. فلولا الموهبة لأصبح هناك عدد لا يحصى من المترجمين من خريجي أقسام اللغات الأجنبية أو كلياتها وهو ما لم يحدث ولن يحدث في يوم من الأيام . أضرب مثلاً بأيامنا في دار المعلمين العالية ( كلية التربية فيما بعد ) خلال السنوات الأربع التي قضيناها فيها بين عامي 1956 و1960 . كان طلبة قسم اللغات الأجنبية فيها يدرسون اللغة الانكليزية وعليهم أن يختاروا احدى اللغتين : الفرنسية والألمانية كلغة ثانية ( نسيها فيما بعد أغلب الخريجين وأنا منهم ). ولم يبرز من خريجي تلكم السنوات الأربع ، إن لم تخني الذاكرة ،سوى عدد محدود تماماً من المترجمين يمكنني أن أشير بلا تردد إلى أسماء جليل كمال الدين وأنيس زكي حسن وسلمان الواسطي وفاضل العزاوي و ياسين طه حافظ وصادق عبد الصاحب التميمي وأدور يوحنا .
وواضح أن الترجمة ليست محض عملية نقل للكلمات من لغة إلى أخرى انما هي في الوقت نفسه عملية توغل في النسيج الداخلي للنص الثقافي ونقله إلى أللغة الثانبة ولايتسنى القيام بذلك إلاّ لمن يتوفر على سعة الأفق الثقافي والقدرة على الاستيعاب و التحليل والتمكن من اللغتين : المنقول عنها والمنقول اليها ، وقبل هذا وذاك مستوى الموهبة لديه.
كانت الترجمة هي واللغة العربية من المواد المقررة على طلبة قسم اللغات الأجنبية وللسنتين الأولى واالثانية وقد بدأ اهتمامي بها منذ ذلك الحين . كان الدكتور صفاء خلوصي يدرّسنا المادتين في السنتين المذكورتين ، وأعترف بأن له الفضل في بلورة اهتمامي بالترجمة . كان يوزع علينا نصوصاً باللغة الانكليزية ويطلب إلينا ترجمتها إلى العربية وقد فاجأته في إحدى المرات (عام 1957 )أنني ترجمت نصاً شعرياً إلى اللغة العربية شعراً فاقترح عليّ نشره . أرسلته إلى جريدة ” الحرية ” التي كانت تصدر آنذاك ( وأذكر أن ادارتها كانت تقع في مدخل زقاق الخشالات مقابل شارع المتنبي) فنُشرت في صفحة تحمل عنوان ” القارىء ” وهي صفحة معنية بنتاجات الشباب .
أول مادة من ترجمتي كانت دراسة اجتماعية بعنوان ” مشاكل السكان في البلدان النامية ” وقد نشرت في العدد السادس( 1970 ) من مجلة ” الرائد ” التي كانت تصدر في كربلاء .، وفي بغداد أتيحت لي فرصة واسعة للإطلاع على المصادر فشجعني ذلك على البدء بترجمة الكتب هذه المرة . حين ظهر الانترنيت بدأت الحاجة عندنا للتعريف به وبما ارتبط به من المصطلحات فعمدت إلى إعداد كتاب يحمل عنوان ” الانترنيت شبكة معلومات العالم ” صدر عام 1999 ضمن سلسلة ” الموسوعة الصغيرة ” ضم موضوعات ترجمت عدداً منها عن الانكليزية . وفي العام 2003 نقل لي القاص محي الدين زنكنة رغبة السيد أكرم قرداغي في ترجمة الكتاب إلى اللغة الكردية فصدر الكتاب أوائل العام 2004 . وكنت قد قرأت دراسة مهمة تحت عنوان ” ثقافة العصر القادم ” تستشرف آفاق الثقافة في الألفية الثالثة قمت بترجمتها فنُشرت في العدد الأو ل والثاني المزدوج من مجلة ” الموقف الثقافي ” وقد صدر في العام 1996 ، ما لبثت أن أضفت إليها ترجمة تسع موضوعات من الثقافة العلمية فصدرت في العام 2002 في كتاب يحمل عنوان ” ثقافة الألفية الثالثة ” . وكنت قرأت رواية من الأدب الأذربيجاني الحديث للكاتب الروائي مقصود ابراهيم بيكوف بعنوان ” ليس من أخ أفضل منه ” أو “خصام “فوجدت كأن أحداثها تجري في أجواء تشابه أجواء مدينة عراقية في طبيعة ناسها وواقعها الاجتماعي و عاداتها وتقاليدها .ترجمتها وصدرت عام2007 . ووجدت في تنوع وتعدد المصطلحات الأدبية المتداولة وتفاوت مستويات التعريف بها لاسيما للأدباء الشباب ما يدعو إلى الاهتمام فأعددت كتاباً بعنوان ” قراءات في المصطلح ” صدر في طبعته الأولى ضمن سلسلة ” الموسوعة الثقافية ” عام 2008 . وبعد بضع سنوات أخبرتني دار الشؤون الثقافية العامة برغبتها في اصدار الكتاب في طبعة ثانية لكنها عانت من مشكلة كون (الدسك) الذي كان قد استخدم في الطبعة الأولى لم يعد مناسباً في المطابع الجديدة التي استوردتها ولم أكن احتفظ بنسخة الكترونية للكتاب فوجدت نفسي مضطراً وبمساعدة ابنتي لتنضيد الكتاب من جديد ،فصدر في طبعته الثانية عام 2016 .كل الكتب المترجمة التي صدرت لي ، فضلاً على عشرات الدراسات والمقالات والقصص ، قمت بترجمتها بمحض اختياري ولم يقترحها عليّ أحد باستثناء كتاب ” قانون الشعوب ” الذي صدر عام 2006 .فقد كلفتني ادارة بيت الحكمة بترجمته ، وقد لمت نفسي آنذاك لأنني تعجلت ووافقت على ترجمته معتمداً على تصفحه وقراءة الفهرست وإذا بي أجده كتاباً في فلسفة السياسة حافلاً بمصطلحات لم أكن أعرفها . وكدت أتخلى عن ترجمته لولا أن شيخ المترجمين الصديق كاظم سعد الدين، وهو مرجعي في الترجمة ، منعني من ذلك وقال لي وقد احتد صوته قليلاً : ” لا تفعل ذلك . تحدى نفسك به ” فتحديتها فعلاً ولا أدري إن كنت قد أفلحت في ذلك .

شاهد أيضاً

فاسكو غارغالو أجرمَ إذ رسمَ العدلَ وصَوَّرَ الظلمَ
بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

اعتادت الحركة الصهيونية ومن والاها، ومن خافها وخشي منها، وارتبط بها وارتهن لها، والمسيحيون الانجيليون …

حوار الأجيال التربية بين ثقافتين
أولادكم ليسوا لكم، أولادكم ملك الحياة
سليمان كبول

لهيب هائل من الحنين يقض مضجع الإنتماء، يعبر حدود الغربة لجهة وطن يسكن فينا أبدًا، …

لمَ تصلح الفلسفة المعاصرة؟
لوك فيري Luc Ferry
ترجمة الحسين أخدوش

“مؤخراً هناك اعتراف بأنّ الفلسفة أصبحت شكلاً من أشكال الموضة” يقال عادة إنّ الفلسفة ليست …

تعليق واحد

  1. محمود سعيد

    ذاكرة شاب
    عشت رائعاً، طويل العمر
    هلا أرسلت لي الوورد من ابراهيم بيكوف ” ليس من أخ أفضل منه ”. تزيد من إفضالك. رجاء. لم أقرأ أي شيء من أذربيجان.
    تحياتي للاهل
    محمود سعيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *