النزعة الإنسانية وفلسفة “موت الإنسان”
أحمد شحيمط/ كاتب من المغرب

تقديم :
الإنسان محكوم ببنيات وحتميات، وليس كما يعتقد الفكر الفلسفي القديم والكلاسيكي، أن الإنسان كائن فاعل ومريد وقادر على تغيير الأشياء كما يريد، هذا الإنسان الذي رسمت معالمه النزعة الإنسانية وفلسفة الأنوار والنزعة التاريخية محكوم عليه بالتلاشي لأنه نتاج بنيات متحكمة في أفعاله، كل تحول في المعرفة ينتج خطاب جديد باليات بديلة عن الثابت واليقيني، هذا التحول في المعرفة يجعل من خطاب النهايات في الفكر المعاصر يعيد النظر في النزعة الإنسانية والإرث الحضاري الخاص بعصر النهضة وإرث الأنوار، ويعلن عن “موت الإنسان” ونهاية النزعة التاريخية، والحقيقة الأحادية، وكل معالم الحداثة الغربية، نهاية التاريخ والدولة القومية ونهاية المثقف والأيديولوجيا، جانب مهم من فكر ما بعد الحداثة في نقد الميتافيزيقا، وخلخلة الثابت، والعودة للمنسي والمهمش، ومحاولة إرساء فكر آخر بديل بتأويلات جديدة. فالفكر المعاصر يحاول بالآليات المنهجية المتعددة قراءة التراث الفكري في مجال الإنتاج الفلسفي، وفي فلسفة التاريخ، والفكر السياسي والاجتماعي، يقدم آليات للفهم والتأويل والتفكيك والخلخلة والتقويض، وإعادة البناء عبر نسف المنطق المؤسس للفكرة، والولوج إلى قلب النصوص الأدبية والفلسفية والعلمية، والإقامة فيها مدة من الزمن، وبث شريان الدم في مرامي وغايات الكتابة، والإعلان عن الاختلاف بديلا عن التطابق والهوية والتجانس والحقيقة المطلقة . وكل المفاهيم الواردة من الفكر السابق . فهل فلسفة “موت الإنسان” تعبير عن ضيق أفق التفكير أم ولادة تفكير جديد يعيد النظر في مركزية الإنسان لزحزحة هذا الكائن والكشف عن حدود الفعل الإنساني ؟ وما هي مضامين النزعة الإنسانية ؟

التأويل والحفر : فرويد- نيتشه – فوكو
اكتشف سيغموند فرويد اللاشعور، فكانت فكرة غير مستساغة من قبل الكل، من الفلاسفة والأطباء والمحلل النفسي، هل يعقل أن تكون أفعالنا ممتدة إلى أعماقنا ؟ سيكون الجواب بالنفي لأن أفعالنا امتداد لوعينا وشعورنا، وكل الأفكار تدحض وجود اللاشعور لأنها فرضية غامضة، ومجرد خيال من طبيب يريد اقتحام المجهول، والزمن كفيل بإظهار صدقها من زيفها. لم تلق فكرة من الرواج والانتشار في هذا القرن مثلما لقيته فكرة اللاشعور أو العقل الباطن، وقد أصبح حتى الذين ينكرون وجود هذا العقل لا يستطيعون أن ينكروا وجود بعض القوى الكامنة في أغوار النفس حيث تُسير الإنسان، وتؤثر في سلوكه من حيث لا يشعر . فبعدما كان الإنسان في الماضي يعتبر حرا مختارا يوجه سلوكه في ضوء العقل الواعي، ويقر مصيره بإرادته، أصبح اليوم يعتبر آلة صماء تسيطر على الحوافز اللاشعورية، وتدفع به دفعا(1)، نحو أفق تتوارى فيه الإرادة الذاتية والفعل الإنساني. فالكائن الإنساني مسكون بالدوافع اللاشعورية العميقة التي تفعل فعلها دون أن يشعر بها الإنسان. بنية هذا المفهوم الجديد في مجموع المكونات التي تندفع نحو إرغام الأنا في الامتثال لما هو بيولوجي غريزي، ولما هو قيمي أخلاقي، الجروح النرجسية التي خلخلت الثابت في النزعة الإنسانية والفكر الغربي، تأويلات لأعماق الذات وأغوار النفس، ومنطق العلاقات الإنتاجية،كلما أغرقنا في التأويل، نقترب، في الوقت ذاته من منطقة شديدة الخطورة لا يرد عندها التأويل إلى أعقابه فحسب، بل يختفي كتأويل محدثا معه اختفاء المؤول ذاته، فبما أن النقطة النهائية للتأويل تظل دوما نقطة تقريبية، فان ذلك يعني وجود نقطة انفصال(2)، الذي يأخذ طابعا ابستيميا بين اللحظات الكبرى التي أطرت الفكر الغربي، من تأويلات ماركس ونيتشه وفرويد، هؤلاء علماء وفلاسفة الشك والتأويل لكل ما ترسخ في تاريخ الفكر الغربي من يقين، نقد الحداثة ومحاولة خلخلة معالمها من الذاتية والعقلانية والحقيقة، ونقد النظام الرأسمالي وإعادة النظر في التأويلات السابقة للعالم والوقائع، ونقد الشعور وتأويل في معالم الشخصية الفردية والعودة نحو ماضي الطفولة، ما كان هامشا ومنسيا يعاد الآن تأويله وفق مناهج واليات تعتمد التقرب من المكبوت والمنسي، ومن العودة للأصل، والكشف عن تناقضات التاريخ والوجود الاجتماعي، أي الانفلات من التنميط، وهيمنة النزعة المركزية وسياسة الاحتواء الفكري نحو رسم الأفق، والمسار للفكر الذي ينفلت من الاتصال والاستمرارية نحو القطع مع إنسان الفلسفة وتاريخها، وإنسان النزعة الإنسانية المشبع بثقافة الأنوار .
العالم في المنظور النيتشوي ليس سوى تمثلات، هي في أصلها عبارة عن أخطاء أكثر مما هي حقائق . فالعالم الذي تبنيه المعرفة ليس عالما موضوعيا، ولكنه عالم مشكل تبعا لحاجات الإنسان الحيوية (3)، لا بد أن يتساءل الإنسان عن منبع غريزة الحقيقة، وعن الدوافع الكامنة في قولها، لأجل تحطيم الأصنام، وخلخلة المركز في مفاهيمه كالعقل والهوية والحقيقة والتطابق والأصل والغائية، تلك المفاهيم المهيمنة على الفكر من زمن أفلاطون حتى هيجل، المتغلغلة في أعماق المنطق والفكر الخالص، التي تم ترسيخها بفعل أوهام العقل واللغة، فكانت فوائدها جمة للقائلين بها، يتوارى في قلب هذا الفكر الجديد إنسان النزعة الإنسانية بمجرد الكشف عن التضاد، والنقيض في الوعي والشعور والحقيقة، فهذا الانفصال يشهد بداية تخلخل المعرفة، وعلامة على التشتت الزماني الذي كان على المؤرخ أن يحذفه من التاريخ، أما الآن فإنه أصبح أحد العناصر الأساسية للتحليل التاريخي(4)، يعني القول بالانفصال الذي يكتسي طابعا فكريا، ينتج الخطاب المعبر عن مرحلة ما، انعطاف في مسار الفكر والإنسان الذي يتلاشى ويختفي، والحفر في أعماق التاريخ يغير من الإرث القيمي والفكري للذين يجزمون في القول بالاستمرارية والأشكال الاتصالية، وإرادة الإنسان في التغيير .
إن الإنسان كما تصورناه إلى حد الآن ، وكما أحببناه فينا وفي غيرنا ، ودافعنا عنه وعن قضاياه ، لم يعد له وجود، أو قل هو على وشك الاختفاء، لقد أضحى تصورنا عنه،كذات وعقل، وإرادة ،وكقدرة على الخلق والإبداع متهافتا، ومعالم صورته المألوفة لدينا بدأت بالتلاشي وهويته تشظت(5)، عمر الإنسان لا يتجاوز مائة سنة، مجرد انعطاف في المعرفة حسب الفيلسوف ميشيل فوكو، يتغير وفق معطيات معرفية، ومن خلال بنيات كامنة وموجهة للفعل الإنساني، لا يفكر الإنسان إلا وفق ما ترسمه المعرفة الجديدة من خطوط وتأويلات، وصراع الإرادات والمصالح. فالخطاب الذي يتم إنتاجه يوجه ويوزع ويستهلك، وما يشدنا ويخترقنا فهو النسق، باعتباره فكرا قسريا بدون ذات وهوية، اختفاء الإنسان يعني نهاية النزعة الإنسانية، والفكر الجدلي، والتاريخ بالمعنى الكلاسيكي في القراءة الاتصالية، ونزعة الكائن التاريخي نحو التغيير، والنضال في تحويل مجرى التاريخ. الفكر المناضل غالبا ما يسرف في الإشادة بالتاريخ، لأنه يظل واعدا بآمال التحرر والتغيير، كما أن ذلك الفكر يتطلع إلى أن يكشف له التاريخ بأن هناك بالفعل تقدما للبشر وللعلم والعقلانية (6)، يعني بداية تقويض النزعة التاريخية، وتقديم تصور عن التقدم من داخل البنية، أو قراءة مغايرة للمنسي من التاريخ دون الحاجة إلى الأرشيف والوثائق، وينكشف تاريخ آخر من الفجوات والانقطاعات، ما يترك فينا رغبة نحو الكتابة، بمعنى جديد عن دواعي التمجيد للكائن التاريخي الذي رفع من قيمته كارل ماركس وهيجل بدرجة أقل . التاريخ أسطورة الفكر الحديث وفق منطق البنيوية ، والإنسان حديث العهد، نتاج للبنيات اللاشعورية وعملية التواصل، والتبادل للرموز في مجال اللغة والثقافة في الانثروبولوجيا البنيوية مع دراسات كلود ليفي ستراوس، الذي جاء بمنهج جديد في دراسة العقل البشري، والسلوك العام للإنسان، وعلاقة الطبيعة بالثقافة . فقد كان منطق ستراوس النفاد إلى بنية المجتمعات، ودراسة أنظمة القرابة والأنساق الثقافية والاجتماعية، وتحديد النقطة الفاصلة بين الطبيعة والثقافة، الذي وجده في اللغة المنطوقة وليس في الأدوات المصنوعة، يعني أن اللغة هي التي نقلت الإنسان من عالم الطبيعة إلى عالم الثقافة ، وما يميز الأعمال العلمية لدى ستراوس تحديد مكانة الإنسان وعوامل التقدم من داخل التنظيم والبنية، دون العودة للتاريخ والنزعة التاريخية التي هيمنت على المعرفة السابقة. نشأت البنيوية على أنقاض الفلسفة الوجودية والفينومينولوجية والماركسية، الرفض للنزعة الإنسانية ومفهوم الإنسان، الكائن المستقل الذي يمتلك الإرادة والوعي والحرية والفعل، هذا الإنسان تجرده البنيوية من مقوماته ككائن يمتلك القرار والقدرة في التغيير ، الإنسان منتج للثقافة ونتاج لها .
لقد ارتقت النزعة الإنسانية الحديثة بالإنسان إلى مرتبة السيد المهيمن الذي يخضع العالم في فكره عن طريق التمثل وتلك الذات التي نصبت نفسها في مركز العالم باعتباره موضوعا لمعارفها(7)، زحزحة الإنسان عن مركزه بعيدا، وتبديله بالنسق أو البنية المنتظمة الثابتة الموجودة سابقا على الإنسان، الذي يعتبر مجرد ناطق باسمها، فوراء الأشياء هناك ترابط ومعنى، والنسق في تفاعل أجزائه يضفي على التنظيم نوع من الوحدة والتقدم، الإنسان أسير للغة ومغمور بها ، اللغة كيان ونسق من العلامات والرموز بتعبير دوسوسير، اللغة خاصية إنسانية مصدرها الذات العاقلة، والكائن المميز بخاصية النطق ، ينتاب الإنسان إنصات عميق للمعاني والكلمات المفعمة بالدلالة الشعرية العميقة التي ترفع الإنسان أحيانا للتأمل، وإماطة الألغاز عن حقيقة الوجود، تمنحنا اللغة صمتا وكلاما للتعبير عن وجودنا الحقيقي، وتشعرنا بالقلق من الموت والرتابة، وتعود بنا إلى ذواتنا للتفكير في الكائن والكينونة. فالحتمية اللغوية تعني أن كلام الإنسان رهين بالقواعد، لا يتكلم اللغة بل اللغة تتكلم الإنسان، حيث لا يستطيع الإنسان أن يتكلم إلا بلم شتات الأفكار وتنظيمها بالقواعد المطلوبة في اللسان حسب رولان بارث. أصبحت اللغة تحاصر الذات من جميع الجهات، الذات التي احتلت وإلى الأمس القريب مكان الصدارة ومركز العالم، أصبحت اللغة الآن هي التي تقول الحقيقة (8)، لعبة الاختلافات والترابطات داخل اللغة يحيل على فكرة واحدة، وهي تأثير اللسانيات في دراسة الأنساق الثقافية في النصف الثاني من القرن العشرين، وإلغاء الذات ومفهوم الذاتية ، وكل الأشكال الاتصالية وهيمنة إنسان الفلسفة، والنزعة الجديدة السائدة كذلك في العلوم الإنسانية التي عملت على تطويع الإنسان، والتحكم فيه للسيطرة على الأجساد، وتنميط الإنسان وفق متطلبات السوق والثقافة المهيمنة .

نيتشه

نقد العلوم الإنسانية
الإنسان بشكل عام، في نظر العلوم الإنسانية، ليس ذلك الكائن المميز (تكوين جسدي خاص واستقلالية فريدة تقريبا)، بل هو ذلك الكائن الذي يكون، داخل الحياة التي ينتمي إليها بكل جوارحه تمثلات، يعيش بفضلها من خلال تلك القدرة الغريبة على تمثيل الحياة بالذات(9)، هذا الإنسان بالخصائص الجديدة ككائن يحتوي على أبعاد ومقومات وصفات، كالنمو والإنتاج والنطق أصبح مجالا للدراسات الاجتماعية والنفسية والانثروبولوجية ، سرعان ما أضحى وسيلة في عالم جديد لانبجاس خطاب يروم الهيمنة والسيطرة، وتكريس حقيقة معينة تخدم سلطة ما. والاركيولوجيا آلية مناسبة تكشف عن معنى السلطة والمعرفة، ومحدودية الإنسان في عالم المظاهر، والانقطاع الذي يعني الفوضى والتشتت والتصدع، وخلخلة الثابت وتلاشي اليقين عن قدرة الإنسان وجدارته، عالم الأمس يتوارى ويفصح عن عالم جديد تنكشف فيه معطيات، وإنتاج معارف هي التي ترسم ملامح العصر . لا شك أن البروز التاريخي لكل من علوم الإنسان حصل بالتزامن مع مشكلة ما، أو حاجة ملحة، أو عقبة نظرية أم عملية، وكان بالطبع لا بد من ظهور المعايير التي فرضها المجتمع الصناعي على الأفراد(10)، ولو عاد التحليل بنا للبحث عن الأسباب التي أدت إلى ظهور العلوم الإنسانية، يمكن العثور على مخاوف المجتمع الصناعي من انعكاس التغيرات المجتمعية على وحدة وتماسك المجتمع . فالعلوم الإنسانية لكي تكون قوية في مضمونها يجب أن تقتفي آثار وخطى العلوم الطبيعية خصوصا في مناهجها التي تتسم بالموضوعية والحياد كما يعتقد الرواد الأوائل لهذه العلوم، عندما تستلهم هذه العلوم آليات العلم الوضعي في تحقيق ما يسمى العلمية، وبذلك تكون الفائدة كبيرة في علم دراسة الفرد وعلاقته بذاته ومجتمعه وثقافته . فليس الإنسان سوى شيء داخل نسق، يوجد ضمن شروط معرفية ساهمت في إنتاجها لحظة معرفية وتاريخية طبعت بطابع فكري انعكس على الإنسان والحياة، ولا يوجد الإنسان خارج مرجعية فكرية معينة، يعني أن الإنسان نتيجة حتمية للسياق الفكري والثقافي، وموته أو نهايته واختفائه يعني ولادة إنسان بدهنيات ومعارف جديدة، وليس من خلال التراكم والاتصال، فكان لا بد أن يكون للفرد علم ينفذ لأعماقه .أما التشكيك في مصداقية ومشروعية العلوم الإنسانية دليل أنها تفتقد إلى نوع من الاستقرار في أساسها، فإن ما يفسر صعوبة “العلوم الإنسانية”، هو عدم ثباتها ودقتها كعلوم، وألفتها الخطرة مع الفلسفة، واستنادها بشكل غير محدد تماما إلى مجالات معرفية أخرى، وطابعها الثانوي دوما والمشتق، بالرغم من ادعائها بالشمولية(11)، وحتى عندما توارى الإنسان عن المعرفة، ولم يعد سيدا ومالكا لليقين والحقيقة، لا زالت العلوم الإنسانية اليوم تحاول أن تطأ مجال المعرفة من زاوية الدراسة العلمية الموضوعية . فالقراءة الاركيولوجية لا تستني معرفة ما والخطاب الذي يدور عن الإنسان والنزعة الإنسانية مصيره التلاشي والاختفاء، العودة للمنسي والهامشي وكل الحدود واليات النبذ، وإقصاء اللامفكر فيه من مهمة الفيلسوف المسلح بالفكر الجديد لسبر أغوار التاريخ والمعرفة، والكشف عن المنسي، في مهمة الإنصات إلى همسات الإنسان وأحواله ، سواء كان ذات للمعرفة أو موضوعا لها.
مهمة الفيلسوف في تجديد الخطاب
أصبح الفيلسوف فوكو يؤكد على لسان نيتشه بأن لا شيء، عميقا وخفيا يكمن خلف المظاهر والظواهر، ولا يوجد لمعنى أو حقيقة يمكن الوصول إليها من خلال التأويل. فالتأويل لا يصل أبدا إلى نص أول، وإنما ينتهي دائما إلى تأويلات أخرى لا علاقة لها بالواقع أو بالأشياء(12)، ومصداقية التأويل جاءت نتيجة الأبحاث في ميدان التحليل النفسي، وتأويل الأفعال والسلوك التي تكشف عن أعماق الإنسان اللاشعورية، وعن مرحلة الطفولة والمكبوتات، وعن حدود الشعور في تفسير السلوك والفعل، ثورة جديدة في العودة للذات من جديد، والقرار أن الإنسان ليس سيدا وحرا بالمعنى الذي وصفته النزعة الإنسانية والميتافيزيقا الغربية، والنزعة التاريخية، هذا الإنسان الذي اعتبر مشروعا وكائنا يمتلك الحرية والإرادة، ليس إلا ذات تخترقه مجموعة من الأحلام والأوهام والتطلعات بتعبير ألتوسير. والذي يعبر عن واقع معين بالطموحات والأماني في تحقيق الممكن، أو تتقاطع الأفكار في بعدها الواقعي مع الأوهام والأحلام، إنسان المعرفة الجديدة التي يعني نهاية بنية فكرية، وخطاب معين عن الإنسان في أرقى صورة للكائن الحر والمريد والقادر على الفعل، الكائن التاريخي، وبالتالي يجب وضع الحدود الفاصلة بين السياق العلمي والسياق الإيديولوجي. فالمعرفة سيرورة بدون ذات، وعندما يصف ألتوسير مفهوم النزعة الإنسانية بأنها مفهوم إيديولوجي فإنه يبدي حرصه على التأكيد في الوقت ذاته ، بأن الأمر لا يتعلق بإنكار الواقع الذي تريد النزعة الإنسانية التعبير عنه(13)، فلا وجود للذات أو الفاعل، بل توجد العلاقات الإنسانية، والبنيات الموضوعية، وليدة ثقافة غربية بورجوازية أو وليدة مرحلة من تاريخ البشرية، يمكن إرجاعها للتاريخ الغربي الذي يمتد من مرحلة النهضة، واستلهام الإرث الروماني اليوناني إلى العصر الحديث، وإنسان الأنوار، والإنسان الذي رسمت معالمه الوجودية والماركسية والعلوم الإنسانية. إنسان الحداثة والتيارات العقلانية والتجريبية والنقدية تلاشى بفعل النقد العنيف باليات خاصة كجينيالوجيا نيتشه ونقده الجدري ، والتحليل النفسي مع فرويد، وأركيولوجيا فوكو، والبنيوية مع ستراوس وألتوسير، والجديد في علم اللسانيات والتفكيك، ودلالة الأنساق والأنظمة اللاواعية المتحكمة في الذهن البشري، الطابع الجديد للمعرفة التي بنيت على القطائع، وتلاشي الإنسان الذي أصبح عمره يقاس بالإنتاج المعرفي والفكري. زحزحة الكائن الإنساني عن مركز وهمي يتراجع نحو انبثاق فكر جديد، يعيد الاهتمام بالموجود أمام تجربة حية، في عالم يتميز بالتشتت والاستلاب، والخوف من العدم،

ميشيل فوكو

صيحة الفيلسوف الألماني مارتن هيدغر من قلق يساور الإنسان، من هم الوجود، وقلق الموت، ونهاية أفق الفكر الميتافيزيقي، ينجلي مسار جديد للتفكير، وطرق للتأويل والتجاوز للوجود المزيف والنمطي، ورتابة الحياة، ونسيان التفكير في الوجود، والالتفاف على تفكير يومي غارق في متاهات الغموض والثرثرة، والضياع في زمن ضنين يتوارى الإنسان، ويعيش تجربة القلق في معنى الوجود، أو التيه في متاهة الوجود الزائف، والعيش ضمن اختيارات وقناعات ليست ذاتية ، هذا الإنسان الذي خاطبته النزعة الإنسانية، أصبح شيئا من الماضي، وإذا كان الفكر الفلسفي المعاصر يعتبر كل نزعة إنسانية مبنية على أسس ميتافيزيقية، يعني نهاية هذا النوع من التفكير الذي يفتح المجال للتفكير في دلالة الوجود والعناية باللغة. فالنزعة الإنسانية الأولى وأقصد نزعة روما، تم صنع النزعة الإنسانية التي تتالت إلى الساعة الراهنة ، جميعها تفترض”الماهية” الأكثر كونية للإنسان باعتبارها قابلة للفهم في ذاتها. لقد تم اعتبار الإنسان حيوانا عاقلا، وليس هذا التحديد مجرد ترجمة لاتينية لكلمات إغريقية، بل هو تأويل ميتافيزيقي(14)، وإن كان الأمر بهذا المعنى، ينبغي تجاوز إنسان النزعة الإنسانية، وجعل الموجود أكثر انفتاحا على الوجود، والتحرر من التفكير التقني، ومنطق الذاتية التي هيمنت على الفكر الغربي، لا شك أنها أرقى من الإنصات للوجود بلغة شعرية متدفقة تعيد معنى ودلالة للوجود الحقيقي. يحيلنا هايدغرعلى أشعار هولدرلين، وعلى حكمة هيراقليد وبارمينيد، فلاسفة الوجود بالمعنى الحقيقي، الذين تفلسفوا كما قال نيتشه ومنحوا اللغة دلالة شعرية مفعمة بالحكمة والمعنى، وعبروا عن الوجود الصائر والوجود المتغير.
ستصبح اللغة لغة الكينونة،كما السحاب سحاب السماء، سيحفر الفكر في اللغة بمعية قوله شقوقا تستعصي رؤيتها، شقوق أقل ظهورا من تلك التي يخطها الفلاح بخطى متمهلة عبر الحقل(15)، نستشف حضور اللغة، ومكانتها في تأويل الحقائق، وانكشاف الوجود. لقد كانت فلسفة هيدغر قراءة في التراث الفلسفي السابق، وتفكير في الوجود الإنساني الأصيل، وقلق من العدم، تفكير في الوجود كعنصر أصلي في الإنسان باعتباره منفتحا على أفق، ولن يكون المستقبل للنزعة الإنسانية أو للميتافيزيقا، حيث يتحول فكر المستقبل من الانهمام بالموجود ونسيان الوجود، إلى فكر آخر أقل تعقيدا، والنزعة الإنسانية فقدت معناها على أنها ماهية ميتافيزيقية .لن يكون فكر المستقبل فلسفة أبدا، لأنه سيفكر بشكل أصيل بالنظر إلى الميتافيزيقا حيث ترادف هذه الكلمة الفلسفة . إن فكر المستقبل لن يكون بإمكانه أبدا، كما أعلن هيجل التخلي عن اسم “حب الحكمة”، إذ يصبح هو نفسه حكمة في صيغة علم مطلق(16)، هذا الفكر الجديد ينهي النزعة الإنسانية التي تبلورت في روما، والعصور التالية، والقيم الراسخة التي علقت بالفكر الإنساني من هيمنة الوضعية العلمية والعقلانية .
نهاية الإنسان الحتمية بالموت، لذلك يشعر الكائن الإنساني بالقلق من العدم والمصير، هذا القلق الوجودي من الحياة والوجود يدفع الكائن الإنساني إلى مساءلة الوجود والموجود معا، وطرح البدائل في حرية الإنسان الذي يصنع ذاته في ظل الاكراهات والحتميات. فالإنسان قذف إلى العالم، يعيش هنا في مجتمع، وشبكة معقدة من العلاقات الإنسانية، لا يستطيع الهروب من المسؤولية، ومن المشترك بين الإنسان، والوجود الأصيل قيمة فلسفية في الشعور بالارتياح والمعنى، لهذا شعر مارتن هايدغر بالحاجة للعودة للفكر السابق على سقراط، للحكمة وللشعراء، وذوي النزعة الشعرية الفياضة، للقبض على معنى الوجود في رحلة شاقة وملتوية لمنح الوجود الإنساني قيمة ومعنى بعيدا عن المزيف والأقنعة. أما الحديث عن البنيوية يستلزم الأمر الإقرار من البداية بالفهم المغاير للنزعة الإنسانية والتاريخية، والتأويلات الفلسفية للإنسان في الوجودية والماركسية،

هيدغر

لأن الإنسان هنا كائن مغمور باللاشعور، مطمح الانثروبولوجيا البنيوية يتمثل في إرجاع مظاهر التعدد والتنوع في الثقافة إلى مجموعة محدودة من الإمكانيات اللاشعورية التي عن طريق تركيباتها وتحويلاتها تنشأ جميع الأشكال. ولعله مطمح كبير بدون شك(17)، والثقافة مجموع الأنساق الرمزية للتواصل والتبادل، الذي يعني أن المجتمعات الإنسانية تتبادل مجموعة من القيم والرموز، ويأخذ التبادل شكل تواصل اقتصادي، وتواصل النساء في مسألة الزواج، والتواصل اللساني، ويعتبر الشكل الثالث من أبرز اهتمامات الانثروبولوجيا البنيوية، كقاعدة ومبدأ للفصل بين الطبيعي والثقافي، حيث تنتهي الطبيعة وتبدأ الثقافة، والتغلغل في طبيعة العقل البشري باعتباره عقلا كليا بدون ذات، يناقض بالتمام النزعة التاريخية، وتمجيد التاريخ، والتهويل من قدرة الإنسان في تغيير الأحداث، والنزعة الإنسانية التي صنعت من الإنسان الغربي ذات تتحكم في التقدم من خلال القول بالاتصال والاستمرارية، وهذا يعتبر تفكيرا جديدا يعيد الاعتبار للمجتمعات الإنسانية، من هيمنة النزعة المركزية الغربية، ويفتح نقاشا جديدا عن جدوى الأيديولوجيا في تحليل المجتمعات التي تدعي بداية وأخيرا الاهتمام بالطاقات والقدرات التي يتوفر عليها العقل البشري، في التركيب والتحليل والبناء، وثبات العقل البشري يدل أن ليفي ستراوس تأثر كثيرا بوحدة العقل البشري عند ديكارت، ومبادئ العقل الخالص عند كانط، وبالطبع النزعة العلمية الموضوعية في اعتماد الملاحظة بالمشاركة عند دراسة المجتمعات البدائية . كما تغض البنيوية الطرف عمدا عن الإنسان كذات له كيان واقعي، مقومات الوعي والإرادة، والقدرة النسبية على المبادرة والإبداع . فالذات كقوام لتلك الصفات هي طفل الفلسفة المدلل الذي “طالما حال دون القيام بأي عمل جدي، لرغبته المستمرة في الاستئثار وحده بكل اهتمام” (18)، وكل الأشياء لا تعود للذات الواعية، إنما إلى البنيات اللاشعورية ، والى قوانين خفية وجدت قبل فكرنا .
إذا كان الإنسان يعتقد جازما أنه يتكلم باللغة، ويمتلك الحرية في الكلام والكتابة، وتغيير أحواله فإن الإنسان مقيد بالبنيات اللاشعورية التي تفعل فعلها، وتلزمه في التعبير انطلاقا من قواعد حتمية، وما يعاب على الانثروبولوجيا البنيوية أنها استلهمت المضامين والقوالب الجاهزة من الدراسات البنيوية في اللسانيات الحديثة، وإسقاطها مباشرة على المجال الاجتماعي والثقافي، ونفي الإرادة والحرية والوعي عن الكائن الإنساني، والنزوع نحو التجريد، واستبدال مضامين تلك الظواهر وشحناتها العاطفية بنماذج صورية . إنها تتجاهل الواقع الاجتماعي، والعلاقات الاجتماعية، والمعاناة والتجارب الصميمية للإنسان، وتختزل ذلك في بنيات ذات طابع آلي(19) ، وتنتهي البنيوية إلى إفراغ الذات من مضمونها الفعلي وإفراغ التاريخ والنزعة التاريخية من التقدم، والنزعة الإنسانية من مركزية الإنسان، والإعلان عن اختفائه وأفوله لتحل البنيات اللاشعورية، والقوالب الصورية، والطموح هنا إدماج الإنسان في الطبيعة.

الهوامش:
(1)علي الوردي “خوارق اللاشعور ” مكتبة الوراق –لندن ، الطبعة الثانية 1996 ص141
(2)ميشيل فوكو ” جينيالوجيا المعرفة “ترجمة احمد السطاتي وعبد السلام بتعبد العالي ، دار توبقال للنشر، الطبعة الثانية 2008 ص49
(3)محمد أندلسي “نيتشه وسياسة الفلسفة ” دار توبقال للنشر ،الطبعة الأولى 2006 ،ص32
(4) م .فوكو “جينيالوجيا المعرفة ” ص96
(5) عبد الرزاق الدواي “موت الإنسان في الفكر الفلسفي المعاصر ” ص16
(6)عبد الرزاق الدواي . نفس المرجع السابق . ص102
(7) عبد الرزاق الدواي . المرجع السابق. ص57
(8)عبد الرزاق الدواي . نفس المرجع . ص168
(9)م . فوكو “الكلمات والأشياء ” الترجمة مركز الإنماء العربي (فريق) ،ص289
(10) م. فوكو “الكلمات والأشياء ” ص284
(11) م .فوكو ” الكلمات والأشياء ” ص286
(12)عبد الرزاق الدواي “نفس المرجع . ص 158
(13)عبد الرزاق الدواي – مرجع سابق – ص 30
(14)مارتن هيدغر “الفلسفة والهوية والذات “ترجمة محمد مزيان، منشورات ضفاف ،منشورات الاختلاف ،الطبعة الأولى 2015 ص126
(15) م. هيدغر “الفلسفة والهوية والذات ” ص164
(16) هيدغر ” الفلسفة والهوية والذات ” ص 164
(17) عبد الرزاق الدواي – مرجع سابق – ص93-93
(18) عبد الرزاق الدواي –نفس المرجع – ص111-112
(19)عبد الرزاق الدواي –نفس المرجع –ص114

شاهد أيضاً

تهافت الصناعة الثقافيَّة في مجتمع الجمهور:
قراءة في محاولتي أدورنو وهوركهايمر
الحسين أخدوش

«أيَّة عبثيَّة هي تلك التي تريد تغيير العالم عبر الدعايَّة: الدعايَّة تجعل من اللغة أداة، …

د زهير الخويلدي: النظرية والتجربة عند كلود برنار

“الملاحظة هي التحقيق في ظاهرة طبيعية، والتجربة هي التحقيق في ظاهرة معدلة من قبل المحقق” …

الحسين أخدوش: كيف تخدم الأيديولوجيا تحالف السلطة والمصلحة؟

تخدم الأيديولوجيا شبكة المصالح للفئات المهيمنة في المجتمع، وهي إذ تفعل ذلك، تبرّر للناس النظام …

2 تعليقان

  1. حسن عبد عودة حميدي الخاقاني

    تحياتي: هذا من الموضوعات الحيوية في الفكر النقدي والفلسفي الحديث، وقد كانت لي وقفة مطولة معه في كتابي: (تذويب الإنسان) .. شكري للأخ الباحث الكريم على تجلية جوانب مهمة من هذه القضية الملحة، ولا سيما ان مشكلة العلوم الإنسانية ما زالت موضع نقاش وجدل وبها حاجة إلى مزيد من الإغناء العلمي لكي تتضح الصورة لمعارضيها الذين يغضون من بعض شأنها، بل يصل الأمر إلى عدم الاعتراف بوجودها أصلا، في حين هي تمثل – في بعض وجوهها – منابع التفكير العلمي المنهجي الذي أفادت منه حقول المعرفة الإنسانية في تاريخها الطويل…
    شكرا لموقع الناقد العراقي الذي يتحفنا بكل ما يثير الحركة الثقافية الرفيعة، وشكرا للباحث الكريم على هذه الإثارة الفكرية النافعة. د. حسن الخاقاني

  2. شكرا أخي الأستاذ حسن الخاقاني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *