صباح محسن جاسم: اشراقة الرغيف من على ‘ فحم وطباشير’ – فلاح الشابندر-‘ لكل لون بوّح ’ , ‘ المطر أفكار’

عن دار العرّاب للنشر في دمشق , تسربلت – فحم وطباشير – للشاعر العراقي فلاح الشابندر خلل اربعة وثلاثين نصا شعريا تجمهرت بمائة وثماني وستين صفحة من القطع المتوسط.
واذ يختزل دائرة الكون بفحم الواقع وطباشير فجر قادم انما يسعى عبر تهويمات تفيض بتوصيفات تضاد داخلي يتهشم على ضفافه البناء اللغوي فيغدو مرتبكا ساعة وأخرى منسجما مع تقابل تساؤلاته وتقاطعاتها من على لسان بوحه وهذيانه بنهج  مناجاة عبر رمزية فاقعة الألوان.
المتأوه بصمت والحالم بالأستقرار , تأسره الدهشة والمفاجأة , هو الأب المبتلى بلعنة الوجود لغاية يدركها ويؤسس لها , بذرة الحرية التي ينبغي عليه رعايتها وحمايتها لأشراقة لامتناهية من صورة ابنه- سيف-  وديعته عبر جيل في ان السر قصدي يمتشق مساحته اللونية ما بين تماهي البياض بالسواد ليمتد بحرا هاجرت سفنه سواحلها بعيدا وراء الأفق ومن ان القادم جميل و” أكثر من دنيا”.
لوحة الغلاف اختيرت بذائقة أخاذة  تناسبت وعنوان الإصدار – حبذا لو أشير الى مصممها -.
العارف الرائي المتفقه من كونها ” لعبة مرسومة” بقلق الوجود , منقوشة على وجوه  نرده بالسبابة المجبولة على الغواية , تتقاذفه الأقدار مرتطمة بحدودها المشروطة – على ما يبدو – على الرغم من معمار الكون الرقمي فالصدفة  داخلة – خارجة , تتلبسه وتحتويه  بتساؤل قائم لا استراحة له.
نوافذه الستون المشرعة تستصرخ سنينها عن معنى , على انها سرعان ما تستكين في ” صباح الحديقة”. ” فما معناك” سؤال جريء يتجاوز المألوف ويطالب بشجاعة الحاضر المعاش بقلق وتحت وابل التهديد  , جوابا شافيا.
فتوصيفاته تتجاوز – السوريالية – كما يسميها الكبير سعدي يوسف , فنراه ساعة رساما خبر أدواته فتجاوز حدود الألوان المتقاطعة. يرسم النسيان البارد غارقا في كرسيه الهزاز ما ان يطق بعكازه مستفزا قطه الغافي.
وان يلتقي اشياءه حتى يجهل الشابندر من يكون غير انه يفقه تماما وبصوفية جليّة وجهة سرب عصافيره العابرة وهي تشق الفضاء.
يقول الشاعر وليم بليك في شأن الطائر من قصيدته ”  زواج السماء والجحيم”:
” أتعلم ان كل طائر يشق فضاءه /  هو عالم واسع من فرح أطبق عليه  بحواسك الخمس؟”
متناقض سحقته ” سماوات الأرض” , هو الضحية للرعشة العابرة من بين تروس منظومة غازيَة فرضَت فوضى الأشياء.
الرائي المتحقق من ان الموت يأتي أكثر من مرة وان صنيعة الرب تموت وتموت. مع كل ذلك الخراب فنفسه الشاردة ترفل بـ ” عود اخضر بتيجان صفراء”.الأنتظار بالنسبة اليه مجرد ” مضغٌ جاف”.
أن تغامر وتطالع بوحه ستتعرف على انثيالات الشاعر الأنكليزي – سموئيل تيلَر كولَرِج 1772 ومجتزأ قصيدته الطويلة ” كابلاي كان” . فهو صريع تجليات مفاجئة  يهذي برمزية بما كان يلذ لرواد بواكير الشعر الأمريكي من مؤسسي حركة الشعراء المنتشين Beat poets . فنلاحظ كيف تتسلل الكلمات وتُسلسل بناءاتها الدلالية الخاصة في نص الشابندر المعنون – رسّام -:
واللون المرتعش
رشيقٌ
ما لا يوزن
شفيفٌ
ينحر الزجاج
وتشظى شمل الألوان
في اللحظة المنهوبة
جرحا
فر من ضماده
المساء.
اذ يزجل شيطان الشعر بايقاع ينسجم مع متحسساته المرهفة ( رشيـقٌ —– شفـيفٌ) , ( زجاج — تشظي) واذن المنطق يدلل على احتمالية حصول ( جرح) من ثم ( ضماد) وتألم ( المساء) – بايحاء من حزن. وبالمثل ( الخرقة / الضماد) حين تنتفخ بورم الداخل صانعةً ( كهفه) التاريخي.
وتتسع الرمزية وتضيق كي تختصر الموقف بايروتيكا مواربة في – عباءة ليلى- فليل عباءتها عريض والمهرّج يتأرجح بالهزل والأفق – حدب على هدب / وليلى تتوسل بيت الخيط/ أهلي عباءتي يفجعون الناس .. بالسؤال عني.
الحرية اذن عنفوان وعريّ وإذ يتطلع الى الأستنطاق تندى المرأة بتلقائية فيشير لها – مغررا – ” من هنا الممر” , فرصته كي يرتدي الريح فيشاكس قميصها المكتنز بتشه فاضح. فالـ” ثمرة المدلاة” بمعنى النهد المندلق , نضوج يستحق مغامرة التناول ومحفز لحراك الكسالى” نافرٌ كما الحياة .. كما الحرية..”. لذا يميل الشاعر الى تعرية الأشياء , يفض عنها القيود المفروضة ليطلق طيورا من زنزاناتها , فلا غرو أن نجد التعبير ” عري , العاري , عاريا , عريها, بالتعري , عريه” قد ترك بصمته في تسع عشرة فارزة “.
انما يتفاعل بايروتيكية شفيفة وفي احايين صاخبة عبر معادله الموضوعي – المرأة / الحرية فيتوارى في رحمها وكفها مانحا شفتيه ملامسة قدحٕ من ساحر شراب. فراغه صرخة مدوّية تشكو وتدين حالة – فراغ الوجود- حيث يتلمس المعنى بحثا عنه منذ اثنتي عشرة غيمة. بل وينصح المؤسسة الدينية في اهمية ان تعيد حساباتها الفرقوية .. ذلك ما نتلمسه بوضوح بدلالة تعاشق الصليب بالهلال. علاقة يشخصنها بوحدتهما التاريخية ومنذ انفصالهما تحقق الفراغ. ويعود :
صليب يبكي هلاله الذي
في السماء !!
وإذ يدور المفتاح بيد الريح , تقف الجدران باقدامها أمام مشروع  مصالحة مع الآخر , وما أن تحين تلك الفرصة حتى يركض صوت التاريخ  مهللا ” فينا”.
هنا تلوح اشارة من تي أس اليوت وقصيدة – الارض اليباب – ترجمة دكتور عبد الواحد لؤلؤة  :
لقد سمعت المفتاح / يدور في الباب مرة ويدور مرة واحدة / نفكّر بالمفتاح، كلٌّ يؤكد سجناً / عند هبوط الظلام فقط ، أصداء أثيرية / تنعش لبرهة (كريولانس) مهزوماً.
لنكتشف في ” مرح الفاقة” تثاؤب ذبابة الظهيرة .. ونرْدا على رصيف الصدفة و” نعال مقلوب” غامزا للخرافة بينما الذئب يعوي .. يعوي. على أنه لم يكن غناءً على الأطلاق.
في “لافتة” سؤال بل صوت صارخ , عمودان مشرّعان للصوت والأخير طرزته خيوط على قماشة  ما ان اتمها  حتى غفا بينما الجواب يتلكأ بين حاضر يمضي وماضي يأتي .. اما الحاضر الماضي  فلا “يعرف” حقيقة ما احتسب له من وقيعة. واللافتة قراءة لواقع المظاهرات التي ما زالت تترى في جُمع التلاقي للأحتجاج والرفض لواقع سيء بخدماته صادق الخداع!
النزلاء على الحياة هم ذاتهم في المكتبات مثلهم في المدافن. ومنذ جريمة هابيل لقابيل ظل الشاعر ينتظر مع كودو دون وفاق.. هل جزع من الأنتظار؟ ليفاجيء عالم الشاعر خيال عنكبوت , رسول اشارة ونزيل رابط ما بين سمائين ” برومثيوس ” الباحث عن الحرية وعبورا الى “كودو” الذي لا يأتي بالأمل المنشود ، أنتظار لمن يرشد ضحايا القلق الى ما يبعث فيهم الحياة .
يخاطب امرأته ” لو تكونين غير أنت” من ثم يعود مخاطبا نفسه ” لا أدري من أكون”. أما هل فيه من الحب ما يشفي غليلها ؟ ذلكم  كبير قلق البرجوازي الصغير من يعيش في بحبوحة!
موضوعة الجوع لدى الشاعر اكبر من جوعه  للطعام , للجنس أو للمرأة , تلك معابر الى  حنان مضاع ..بل  للحرية التي يستبقها مران على الرقص. وما خطيئته الآ أمرأة .. هكذا غناؤه الأخير وما يؤذي نفسه  بعد لأي.
ترى هل الإحساس بالحرية مجرد “تابو” نهمس به ما تحت الجلد ؟ انها مرثية للذات الصائرة الى الفناء  وما عليه سوى ان يطلقها بنسيانه. أما كيف يدخل جمجمته بأمرأة فتلك مهمة شيطان الشعر من يستكشف المجهول العصيّ. ففي ثنايا قصائده نتلمس نضوجا ووعيا ضد القسوة والظلم , طلبا لحرية التفكير.
في مرايا سؤاله أرهقه وقض مضجعه سؤاله المتلاحق : ” من أنت؟”  مناشدة للذات الشاعرة عبر تكرار لا يُمل.
من ثمّ يخلّق الشاعر من طائر سفينه حاطا فوق ” عرف الشراع” ليعطيه صفة الشاعر المتصوف أول من يستبق بشارة الفجر. ذلك من تأثره بقراءات مختلفة  فقد تعلم من رامبو وتأثر بسيد قطب. يعشق مالارميه رغم انه لم يقرأ له الكثير. في حين شرعت رؤاه الحياتية تتحرر من شرنقة التقليد المتزمت الى ما هو حداثوي وحر. فتح كل شبابيك المهاتما غاندي ورافق الطائر من على جناحيه المتناغمين.
مقهى الشاعر لا يبتعد عن ” الشابندر” فهو عدسة استكشافاته وملاذه. له فيه شرفة وكنبة وسيريالزم والى حين يتدحرج رأسه , فيما عصافيره اليسارية  تزقزق – فراغه ، غباره ، صمته ، ضياعه ورصيفه.
عيناه تراقبان كل العزلة داخل المقهى ، معوقون ، مجانين ، منحرفون ، سكارى ، مرحون ، طيبون وبطالة.
وما علامات موسم المطر سوى ” فرطة عصافير” وسواقي بملء أقداح , وتحوّل المناجل الى ” فرشاة حقول”, وجرس مدرسة يوقظ برنينه القبرات. ولحظة تشد العجينة ” كف خباز” يتشيأ نهدٌ واعدٌ بقبلة للفتى المدلل “حمدان” سواء في بلوغه أو في صغره ليرضع من براءة البياض.
النصوص في أغلبها تعبر أكثر عن جيلنا الذي عانى ويلات الحرب وعن الآثار النفسية التي تركتها على ذات الشاعر. أما الجديد في النصوص فهو أبتكار أسلوب كتابة (المرتبك تماشيا مع المقلق) وبقدر تتابع التوصيفات , فالوقائع المتناقضة اصلا تتشرذم , تتباعد ثم تلتقي ليعبّر كل نص عن حالة ووضع مغاير عن سابقه والذي يليه. أما النهج العام فيرقى للرمزية الرومانسية التي عشقها نخبة من أدباء وفنانين على مدار القرن الثامن عشر , بدءً من حركة الرواد  من ووردزورث وكوليرج وكيتس وييتس وبليك وامتدادهم , بما كانت تلتهمه ذائقة العراقيين المهوسة بقراءة الوان الأدب  من تراجم للأدب العالمي حتى فترة متأخرة من القرن العشرين من جيل رواد القصيدة الحديثة ومن حذا حذوهم في تجاربهم الشعرية  كالسياب والبياتي وأدونيس وصلاح عبد الصبور وخليل حاوي وأمل دنقل وآخرين , فقصيدة النثر ذات طابع بوحي وتلقائي على نحو يُبرز الشعرية ويحفز المخيال.
في سؤال شخصي عن الكيفية التي يكتب فيها نصوصه , أجاب : ” بصراحه أكثر ما اكتب بعضه لا افهمه وربما لا يفهمنى لان علة المرض لا يعرف بها الا ما يوجع منها لكن الاسباب تبقى بحاجة الى الأستكشاف” – هذا الرجل ينوي أن يضيعنا في غيهب اليم ويعود بالقارب من دوننا! وان اعترض “عاذل”  فسرعان ما يختم :
” أُقفِلَ المحضر” – كوميديا المقهى ص 125
من ثم يعتذر : ” يؤسفني / ان العرض انتهى” *
* قصيدته – عريّ أبكم-

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| جمعة عبدالله : معاناة الانسان المضطهد  في الديوان الشعري “ثلاث روايات” للشاعر عبد الستار  نور علي.

  تشير بوضوح قصائد الديوان الشعري في بدايات السبعينات القرن الماضي , الى ولادة ونبوغ …

| طالب عمران المعموري : بنية الاهداء في المجاميع الشعرية  للشاعر مهند عبد الجبار آل ابراهيم.

لمنتجي النّص الابداعي  في عموم نتاجاتهم الأدبية أسلوبهم   فيما يكتبون  وإن كثيراً لهم بصمةٍ مميزةٍ  …

4 تعليقات

  1. سحر الجنابي

    عرض متكامل لثيمة احدى النصوص الراقية لفلاح الشابندر …بقلم امهر النقاد الأستاذ صباح جاسم

    …بأسلوب بليغ تمّ فيه الكشف عن المعنى الذي في قلب الشاعر … أو الى ابعد من ذلك ..مما سيضطرني الى قراءة الموضوع مرة ثالثة ورابعة

  2. صباح محسن جاسم

    شكرا للست الشاعرة سحر سامي الجنابي متمنيا لك الفوز بفرص دعم ورعاية الثقافة العراقية.
    ممتن واكرر شكري واعتزازي ..

  3. فلاح الشابندر

    اولا اسجل شكرى للاخ الكتور حسين سرمك على هذه الخطور الحلوه واسحلها بصمت من ذهب

  4. فلاح الشابندر

    اولا اسجل شكرى للاخ الكتور حسين سرمك على هذه الخطور الحلوه واسحلها بصمة من ذهب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.