لن يثنينا فايروس كورونا المستجد عن تعقب الجمال
أحمد رامي وأم كلثوم ..خمسة عقود من الود والحب الضائع
عبد الهادى الزعر

يرتبط اسم الشاعر أحمد رامي في ذهني وربما في أذهان الكثيرين بشيئين الأول —
أغاني أم كلثوم فقد غنت له كثيراً فجعلت من اسمه معروفاً متداولاً والمتعارف عليه في عالم الغناء العربي ان أم كلثوم متى ما غنت لأحد من الشعراء حتى نراه يتصدر الواجهة وتسلط عليه حزم الضوء من كل مكان ناهيك عن اللقاءات التي لاتعد . وهناك أمثلة كثيرة فمثلاً لم يعرف المؤرخ والباحث اللبناني جورج جرداق إلا بعد قصيدة (هذه ليلتي وحلم حياتي) التي صدحت بها المطربة وكذلك الشاعر (الديواني) د. ابراهيم ناجي فقد عرفه القاصي والداني من خلال قصيدة الإطلال —
. الثاني —
ترجمته لرباعيات الخيام من اللغة – الفرنسية او الفارسية – الى العربية وقد اعتبرت اشهر ترجمة خلدت احمد رامى على مدى عمره السبعيني علماً ان هناك دارسين كثر ترجموا للخيام منهم وديع البستاني ومحمد السباعي والدكتور أحمد زكي أبو شادي والشاعر العراقي طيب الذكر أحمد الصافي ألنجفي لم تحمل تلك الترجمات القاً وإبهاراً كما حملته ترجمة رامى –

.دعوني أيها الأصدقاء أقلب الصفحات على عجل علّ أجد تعليلاً لذلك الصدى الذي لم يخبو لحد الساعة .

فالخيام شاعر وفيلسوف متصوف يعالج مشاكل الدنيا برمتها ويتعمق في الهموم الإنسانية ويقدم لها حلاً روحياً فهو يدعو إلى السلام المبني على الرضا لاعلى اليأس ويحث على الاندماج في الحياة حتى ينسى الإنسان همومه وّاّلأمه ويتغلب على أكبر هم يخافه وهو الموت .وفلسفة الخيام ثرية بالمعاني بناها على التسامح والمحبة والرقة والرأفة فالإنسان بنظره مرهف يستحق الغفران أكثر من العقاب تجد هذا الشعور أجمعه قد تجلى بتصوف اسلامى رفيع ليس له مثيل –

هذا بإختصار شديد عن الخيام فماذا عن أحمد رامي :
– – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – — – – – –
لا يميل إلى التأمل العميق وهو شاعر خواطر إن صح التعبير يسجلها مسرعاً في بيت أو بيتين ويعدو إلى خاطرة أخرى فهو شاعر عاطفي يتحدث عن الحب واللقاء والفراق والوصال والصد ليس إلا ..ولذلك لا تلمح في ديوانه الصادر عام (1964) ملامح متميزة تستطيع أن تقول عنها انها تجربته الخاصة المميزة به كما يقال (بصمته) فأكثرها شائع فى الفن المصرى المتصاعد وهناك من هو اكثر منه جدارة على مستوى الزجل المصرى كالابنودى وجاهين والتونسى ولكن صوت ام كلثوم احاطه بهالة –

أم كلثوم وأحمد رامي

. يقول الأستاذ الناقد رجاء النقاش (*) في كتابه (أدباء معاصرون) الصادر عام (1972) بغداد
(إن الفرق بين شعر الألفاظ البراقة اللامعة والشعر الذي يصدر عن تجربة شعورية عميقة هو الفرق بين المعدن الأصيل والمعدن التقليدي وشعر أحمد رامي من النوع الثانى الذي لا تسيطر عليه تجربة عميقة والذي تغذيه الألفاظ برنينها الخارجي فيجري ورائها ناسياً التجربة النفسية الأساسية)

.(ان أحمد رامي والحديث لرجاء النقاش هو شاعر يستسلم للألفاظ والصور الفنية ذات الوقع المؤثر فى السامع العادى وهي ألفاظ وصور لا ينقصها الجمال الخارجي ولا الأناقة الشكلية ولكنها صور لا تخفي ورائها شيئاً عميقاً في النفس أنه شعر (الصاجات) التي ترن رنيناً عالياً يؤثر في الأذن وليس به عمق حيث أنه خالي من الإيحاء)

نأتي على أم كلثوم لنطل عليها إطلالة سريعة فمن هي :
– – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – –
فهذه المطربة الرائعة امتلكت صوتاً ذات مقامات واسعة وحنجرة ذهبية ضلت على ألمعيتها قرابة الستة عقود وهي تتربع القمة بلا منازع .ولدت عام 1898 في محافظة الدقهلية والدها الشيخ إبراهيم البلتاجي قارئ وإمام لمسجد القرية ومنشد في الموالد والأعياد غنت وهي بعمر ثمان سنين تزوجت من الدكتور حسن الحفناوي الأستاذ في كلية الطب عين شمس ودام الزواج عشرين عاماً لم يفرقهما إلا الموت فقد غنت كل شيء
القصيدة والموشح والدور والأغنية والموال والطقطوقة والمنلوج والأبريت والنشيد والإنشودة وقد لحن لها أكابر الملحنين أمثال أبو العلا محمد وأحمد صبري والقصيجي وداود حسني وزكريا أحمد والسنباطي وفريد غصن ومحمود الشريف والموجي وكمال الطويل وبليغ حمدي ومحمد عبد الوهاب وسيد مكاوي .وأكثر الشعراء من غنت لهم هو رامي فقد غنت له (136) نصاً وأول أغنية زجل لرامي غنتها أم كلثوم (خايف يكون حبك ليه) عام 1925 –
.مثلت ستة أفلام – وداد — نشيد الأمل –عائدة — سلامة — فاطمة وأول قصة مثلتها عن فلمها الأول وداد من تأليف رامي عام 1936 وفيها الأغنية المشهورة (على بلد المحبوب وديني) أما الفلم السابع فقد أدت فيه الأغاني ولم تظهر وهو (رابعة العدوية)أما صوتها فجميل حسن فيه حلاوة ويحمل النفوس الى أجواء ساحرة –
يقول شاعرنا الرصافي عنها
(حسن صوت يزينه حسن خلق – – للسـامعين حسـن بيان )
أما بالنسبة لصوتها على رأي العلماء فهو بين الجهير والرنان والصادح والندي (SOPRA NO) ان هذه الدرجات غير منفصلة عن بعضها بل يوجد قيماً بينهما تداخل وترددات صوت أم كلثوم حسب راي الموسيقيين هو (3996,5) ذبذبة/ ثانية .وأنها بحكم حفظها وتجويدها للقرآن الكريم اكتسبت خبرة تجعلها قديرة على العطاء بكل كلمة وحرف نطقاً صحيحاً سليماً
.يقول المرحوم سعاد الهرمزي : كانت أم كلثوم تشكل عبئاً كبيراً على العازفين كانت أعصابهم تصل الى ذروة التوتر عندما كانت تخرج من صلب الأغنية الى التصرف فهو من معالمها الفنية . توفيت في 3/2/1975 وتركت وراءها تراثاً فنياً زاخراً لازال متجدداً لحد الساعة .رثاها رامي بهذه الأبيات :

(ماجال في خاطري يوماً سأرثيـها — بعد الذي صغت من أشجى أغانيها
قد كنت أسمعها تشدوا فتطربـني واليـوم تسمعني أبكـي وأبكيـه
يامن أسيتـم عليـها بعد غيبتهالاتجـزعوا فلهـا ذكر سيبقيها )
(*) رجاء النقاش ناقد مصرى كبير عمل فى صحف بغداد سنين طويلة وكانت زوجته الكاتبة والشاعرة صافيناز كاطم معه –

شاهد أيضاً

خالد جواد شبيل: خُلِقت جميلاً يا لبنان!

أول الكلام: أستميحك عذرا يا لبنان أن أحوّل حزني عليك وعلى بلدي العراق الى حالة …

بدء العد التنازلي لإطلاق لقاح كوفيد-19!
بوادر نهاية كابوس كورونا تلوح في الأفق
مولود بن زادي أقلام مهاجرة حرة – بريطانيا

منذ بداية تفشي كوفيد-19 في شهر ديسمبر/كانون الأول 2019 والعالم غارق في وحل كابوس مرعب …

عبد الرضا حمد جاسم: الراحل علي الوردي في ميزان: انتفاضة الحي

اعود في هذه والتاليات للبحث في طروحات الراحل الدكتور علي الوردي له الذكر العطر ونحن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *