قيس كاظم الجنابي: مقامات بديع الزمان الهمذاني

بديع الزمان
هو بديع الزمان، أحمد بن الحسين بن يحيى بن سعد، أبو الفضل الهمذاني. ولد سنة 358هـ/968م، وسكن هراة ، وكان من مفاخر البلدان، وأحد الفصحاء، يتهم بمذهب الاشاعرة، ويقال أنّه جُنَّ في آخر عمره الى أن مات، قدم جرجان وأقام بها مدة على مداخلة الاسماعيلية، كان صاحب عجائب ،ورد نيسابور سنة 392هـ /1000 م، وتوفي سنة398هـ/1007م(1).
البديع والمقامات
يعد بديع الزمان الهمذاني مبتكر المقامات العربية، على الرغم مما قيل عن تأثره بأحاديث ابن دريد او غيره، وهو ما تشير اليه ترجمة حياته ، وما حمله عليه أبو بكر الخوارزمي من مطاعن هي بنت الحسد والغيرة، ولكنها تشير الى بحثه الدائب عن فن نثري مبتكر يتخلص فيه من التكرار والركود والعقم الذي أصاب الحياة الثقافية. ولكننا نستطيع ان نكتشف ما واراء ما رواه ياقوت الحموي عنه بقوله: رأيت ذكر البديع في عدة تصانيف من كتب العلماء، أملى أربعمائة مقامة نحلها أبا الفتح الاسكندري في الگدية وغيرها ،وضمنها ما تشتهي الأنفس وتلذ العين.(2)
بينما يروي ياقوت نفسه عن أبي اسحاق الحصري القيرواني في كتابه (زهر الآداب) أن البديع رأى أبا بكر محمد بن الحسين بن دريد الأزدي أغرب بأربعين حديثاً وذكر أنه استنبطها من ينابيع صدره ،وانتخبها من معادن فكره ،وأبداها للأبصار والبصائر، وأهداها الى الأفكار والضمائر، في معارض حوشيه ،وألفاظ عنجهية ، فجاء أكثرها عن قبوله الطباع، ولا ترفع حُجب الأسماع ، وتوّسع فيها، اذ صرّف ألفاظها ومعانيها ، في وجوه مختلفة، وضروب منصرفة ، عارضه بأربعمائة مقامة في الگدية تذوب ظرفاً وتقطر حُسناً، لا مناسبة بين المقامتين لفظاً ولا معنى ، عطف مساجلاتها ،ووقف مناقلتها ، بين رجلين سمّى أحدهما عيسى بن هشام والآخر أبا الفتح الاسكندري، وجعلهما يتهاديان الدرر ويتنافثان السحر، في معانٍ تضحك الحزين ،وتحرّك الرصين ،وتطالع منها كل طريفة، ويوقف منها على كل لطيفة، وربما أفرد بعضها بالحكاية وخصَّ أحدهما بالرواية.(3)
وهو أول من عمل المقامات ،وفتح الباب ونسج الحريري على منواله ،ولكن التي للبديع أربعمائة مقامة في الكدية وهي قصار الى الغاية وتجيء كل أربعة أو خمسة مثل مقامات الجزيري.(4)
انّ المتأمل لاحاديث ابن دريد ن يجدها فناً معروفاً، كان متداولاً في الادب العربي، يستمد حضوره من ادب الحكاية النثري؛ بينما تبدو مقامات الهمذاني ابتكاراً جديداً لم يسبق اليه، لهذا احتذى به الحريري، وذاع صيته، وحذا حذوه ،واقتفي اثره.(5) لانه اسس لقوالب جديدة في بناء الحكاية التراثية المبتكرة، والتي سميت بالقوالب الغربية.(6) وان كانت تعد نوعاً من المناظرات والمبادهات التي عبرت عن صراعه مع ابي بكر الخوارزمي.(7) ومن هنا عدّ بعض الباحثين هذه المقامات نوعاً من المجالس، التي ترتبط عن ثقافة العرب الشفاهية ،وهو ما كان له أثره في طبيعة بنائها، لذا تمثل هذه المقامات (اقوالاّ) او اشبه بـ(المقالات) التي تمثل حديث المجالس والمحافل على شاكلة ما تبرزه (( المقامة المطلبية))(8). لأنها كانت تعبيراً عن المرحلة الشفاهية في المجالس الادبية وحلقات التعليم ،او مجالس الخلفاء وذوي السلطة عامة، فكان اشعاعها اذن ضيّق الحدود ، مقتصراً على اناسٍ محدودين، هدفهم الاستمتاع بها ثم نسيانها بعد ذلك.(9)
ولكن تبقى ريادة الهمذاني محل اهتمام كبير بين القدماء والمحدثين، فالقلقشندي يرى بأنّه أول من فتح المقامات ، وهي في غاية البلاغة وعلو الرتبة في الصنعة. ثم تلاه ابو القاسم الحريري في الخمسين مقامة المشهورة، فجاءت نهاية في الحسن وأتت على الجزء الوافر من الحظ وأقبل عليها الخاص والعام حتى أتت مقامات البديع وصيرتها كالمفروضة.(10) واذا كان هذا الابداع بأربعمائة مقامة ، فأين الباقي ، من هذه الاحدى والخمسين مقامة؟
ان المنطق يشير الى أن البديع كتب هذا العدد الذي وصلنا، وان الاكثار من العدد كان من مبالغات الاخباريين ، للتقليل من شأنها، وخصوصاً وان هذه المقامات تميزت – على خلاف الحريري – بسهولة المأخذ ،وعدم التقيد دائما بالازدواج ،والسمع وروعة الدعابة والظرف ومرارة التهكم والهجاء.(11)
وثمة من يعتقد بأنّ مقامات بديع الزمان الهمذاني جاءت صدى لأستاذه ابن فارس اللغوي ، لأنه أول من وفاه حقه، وعنه أخذ الحريري نسق مقاماته؛ بوصف المقامة حكاية صغيرة ،موضوعة على لسان رجل خيالي تنتهي بعبرة أو موعظة او نكتة. والمراد بها في الاكثر التفنن بالإنشاد وتضمينه الحِكَم.(12)
وهذا لا يتفق مع ما طرحه عبد القاهر البغدادي في كتابه (خزانة الأدب) في انّ الهمذاني نظم المقامات وسبك العلوم في تلك القوالب الغريبة ، وعلى منواله نسج الحريرين واستعمل بعض مقاماته وقفى اثر عيس بن هشام بالحارث بن همام، وعارض طرح الاسكندري بما نسجه ابو زيد السروجي.(13)
وهذا يكشف لنا أنّ الموقف السابق كان نوعاً من التحامل على الهمذاني، وهو ما يتفق مع بعض الآراء التي تشير الى ومؤثرات فارسية، في حين أن الرأي يخالف ذلك، في أنّ المقامات العربية هي التي كان لها تأثيرها على نشأة المقامات الفارسية والمقامات العبرية؛ وأن ما يطرح بشأن تأثر الهمذاني في مقاماته بقصيدة لأبي دلف هو غير منطقي ، لأن الشعر العربي كان حاضراً في ثقافة البديع بشكل أو بآخر؛ فضلاً عن كونه شاعراً معروفاً، ومن ذلك وجود القصيدة الساسانية التي تعد معلقة الشحاذين ، وهي تتكون من( 190) بيتاً، أو تزيد تناولت حياة المعدمين والمهمشين وأخبارهم وطرق تگديتهم، ثم كان الحريري أبرع وصفاً وأغزر حيلاً.(14)
ولعل هذه الطعون بشخصية البديع، والتقليل من ابداعه، متأتٍ من تقلبه المذهبي؛ فقد عُرِفَ بتقلبه، حتى قيل أنه لم يكن شديد التعصب لأهل الحديث والسُّنة ، على الرغم مما ذكره ياقوت الحموي وغيره عنه بأنّه كان أشعرياً، متعصباً لأهل السّنّة ،وأنّه عاش على موائد الاسماعيلية ؛وهم فرقة شيعية ، وانّه لم يكن امامياً شيعياَ.(15) مع العلم بأنّ مذهبه الأشعري، لم يضف اليه شيئاً ، لأنه نشأ وتطور في بلد لا يهتم بهذا الأمر، وان ريادته لابتكار فن المقامات لم يكن كلاماً محدثاً، ذلك أن الحريري نفسه اعترف بهذه الريادة حين قال في مقاماته: (وبعد)، فانّه قد جرى ببعض اندية الأدب الذي اكدت في هذا العصر ريحه، وخبت مصابيحه، ذكر المقامات التي ابتدعها بديع الزمان وعلامة همذان ، رحمه الله تعالى، وعزّى الى أبي الفتح الاسكندري نشاءَتها؛ والى عيسى بن هشام روايتها ،وكلاهما مجهول ، لا يعرف، وفكرة لا تتعرف ، فأشار من اشاراته حُكُم ،وطاعته غنم، الى أنشئ مقامات أتلو فيها تلو البديع ،وأن يُدرك الظالع.
ولم يجد زكي مبارك من يرتاب في سبق بديع الزمان الى هذا الفن ،وانّما رأى من يعلل سبقه بنزعة فارسية ،وان الفرس فيما يظن بعض الناس أحرص من العرب على القصص وأعرف، بموضوع الأحاديث.(16) وهذا الرأي يحيل الى علاقة المقامات بقصيدة أبي دلف المعروفة بـ(معلقة الشحاذين)، وهو نوع من الرثاء للدولة الساسانية الزائلة؛ ولكنه ليس تعبيراً حقيقياً، عن نزعة المقامات العربية وصولها المبتكرة من ادب المجالس، ذلك لان البديع يعد (( أحد الفصحاء صاحب المقامات التي أخذ عنها الحريري))(17).
وكل هذه المحاولات لا تعدو أن تكون وجهات نظر هدفها النيل من ابداع الهمذاني ؛ فحتى أحاديث ابن دريد التي قد نرى فيها نوعاً من التجديد النثري، لم تكن هي المصادر التي طوّرها الهمذاني، ذلك لأن ابن دريد انشأ هذه الأحاديث للتعليم ، لهذا اعتقد بعض الباحثين أنّ البديع الزمان تلقف الفكرة وهذّبها وادخل عليها عناصر الحياة والحركة والمفاجأة وجعلها من اسس المقامة.(18) وهذا رأي لا يستند الى دليل منطقي مقنع، لا بناء المقامة يختلف عن بناء الحديث في الموروث العربي العريق، ولم يكن ابن دريد أول من ابتكره ،ولعل وجود السّند في تلك الأحاديث يوحي بذلك، وان كان بناء الحديث يتعلق برواية الأخبار والأحاديث النبوية.
وقد زيد على ذلك أن الهمذاني اشتغل على ابن فارس، أحمد بن فارس بن زكريا الرازي اللغوي(ت 390هـ/ 999م، أوت 375هـ/ 985م)، لأنه كان مقيماً بهمذان.(19)
بناء المقامة
اذا كانت مقامات بديع الزمان الهمذاني والحريري، هي قصة قصيرة أو حكاية، في ثوب منمق من اللفظ ، يتلاعب فيها بمقدرته التعبيرية ،ويرويها بضروب البديع؛(20) فإنها – وفقاً لذلك – تعد مقدمة لنشأة الرواية في العالم، لهذا عدها (مونرو) من حيث تجنبها الأدبي بأنها من القصص (المعارضة البطولية) أو (قصص البيكاريسك) والتي تعد نظيرة لما نجده في الرواية الرومانسية (ساتيريكون) لبترونياس، وكذلك تراث البيكاريسك الاسباني ،من نماذجه القصصية الأولى.(21)
كتب الهمذاني خمسين مقامة جعلها متصلة الواحدة بالأخرى، وجعل ترتيبها أشبه بترتيب حكايات (ألف ليلة وليلة) بفعل بنية التنضيد التي تقوم عليها، فهي تتواصل عبر تتابع قصصي ، اشبه بتتابع القصص القصيرة، كل مقامة مستقلة عن الأخرى لكنه يصل فيما بينها بشخصية واحدة.(22) وهذا التتابع يسير على وفق نسق من الواصل ، يشبه الأنساق الثقافية التي يطرحها النقد الثقافي الذي يعد فرعاً من فروع النقد النصوصي، وهو معني بنقد الانساق المضمرة التي ينطوي عليها الخطاب الثقافي بكل تجلياته وانماطه وصيغه ، ما هو غير رسمي وغير مؤسساتي وما هو كذلك سواء بسواء؛(23) ذلك أن بديع الزمان، كسر حاجز الأدب السائد، وحاول تأسيس جنس أدبي جديد، هو أدب يقترب من حياة الناس البسطاء، ويصور حياة الشخصيات المهملة، فقدم (( حياة الناس اليومية بأسلوب فكه، خفيف الظل، ونقل في مقاماته الفكاهة نقلة نوعية جديدة ، فجعلها فناً هادفاً أدبياً متكاملاً))(24). ذلك أنه فتت شخصية البطل المركزي وجعله شخصيتين تتوزعان بين عيسى بن هشام وأبي الفتح الاسكندري، وفتت قوة هيمنة تلك الشخصية المتعالية وجعلها تتوزع بين عيسى بن هشام القوي وبين أبي الفتح الاسكندري المهمش؛ مما يوحي بتفتيت مركز الخطاب وقوته واحاله الى مواقع جديدة تطل برأسها على الحياة الانسانية البسيطة، وهذا ما يجعل هذه الشخصية ترتبط بشخصيات ثانوية لها أدوارها الثانوية ؛ فقد ظهرت شخصية الراوي عيسى بن هشام في كل مقامة ، بينما توارت شخصية أبي الفتح الاسكندري عن بعض المقامات ، كما هي الحال في المقامات البغدادية والصيمرية والبشرية.(25)وهذا تعبير عن حضور مركز المجلس/ المقام ومحاولته الامساك بهذه التشظيات ، ومحاولة الكاتب سدّ الثغرات التي قد تحصل بين المقامات، بوصفها مجموعة وحدات منضدة عبر نسق قصصي؛ فالمقامة القريضية التي تتحدث عن القريض ( الشعر)، هي أولى مقامات الهمذاني ، تبدأ بقوله:
حدثنا عيسى بن هشام قال:
طرحتني النّوى مطارحها حتى اذا وطئت جرجان الأقصى.
فجرجان والمجلس هما المركز الذي تدور فيه الأحداث، وتتمركز فيه الشخصيات فالمكان حاضنة أو سوق مضمر لحركة الأشياء والشخصيات. فهو يقول عنه: (( فجلسنا يوماً نتذاكر القريض واهله وتلقاءنا شاب قد جلس غير بعيد ينصت وكأنّه يفهم)).
فطريقة التلقي تبدو شفاهية تقترن بالمجلس/ المقام/ المكان؛ وهذا نوع من التوظيف للفن السردي لأن يبقى مشحوناً بطاقات سمعة/ شفاهية، احتراماً للموروث العربي الذي استند الى هذه الطاقات في تاريخه الطويل، بما يشير الى المقامة هي في بداية التحول من الانشاد / التلقي الشفاهي المرتبط بالمكان / المجلس، الى السرد التدويني، أي أنها تعبر عن مرحلة من مراحل التحول من انشاد الشعر ، أو سرد الحكاية الى تدوين السرد المقامي الذي يقترب من التلقي المسرحي / التمثيلي ؛ نتيجة ثبات المكان / المجلس وتأثيره الكبير على حركة الشخصيات ،وهذا يعني التحول من اللغة الرسمية الى اللغة غير الرسمية (الشعبية/ الجماهيرية)، ذلك أن مقامات الهمذاني التي (( تسامت من الصياغة وتعالت في الأسلوب أطنبت في الزخرفة وعبرت عن عصرها تعبيراً عن العمر الذي عاش فيه بديع الزمان وتأثره به ومقدار اصالته في فنه المعبر عن أساسه وشعوره))(26). وهذا ما دفعه ليستحضر نسقاً من الخطاب المضمر الذي يتهكم عبر المفارقة ويحاول أن يعري الواقع المتهالك بطريقة واضحة تكشف عن بلاغة التعبير بالحجة الدامغة ، مع تقعر العبارة ، لا جزالتها، وهو واحد من الأساليب التهكمية الساخرة التي تتهكم على الواقع؛ لذا كان يقول: (( حتى اذا مال الكلام بنا ميله. وجرّ الجدال فينا ذيله)). فالسجع ليس بلاغة بقدر ما هو تندر، وتعبير عن موقف ساخر مضمر، لهذا عاد المتحدث عيس بن هشام به الى بدايات الشعر والشعراء العرب، في محاولة منه لكسر هيبة النظرة العربية في تقديس القديم، ومنه الشعر الجاهلي؛ ذلك أن المفارقة -هنا- هي أن تقول شيئاً وتقصد العكس.(27) من خلال المفارقة اللفظية التي تتأسس على التلاعب بالألفاظ، حينما يقدم الذمّ بلسان المدح، وخصوصاً حين يصبح الموضوع بعيداً عن الوعظ والارشاد الفجين ، عبر نوع من الموضوعية والاستغلال.(28) ذلك لأنه يجيب عن اسئلة شخص من غمر الناس، يدخل المسرح فجأة، فيقيم كبار الشعراء، وبطريقة مثيرة، بأسلوب فيه شيء من الغرابة اللغوية، أو ادخال اللغة في المنفى في العودة بها الى الماضي بما لا يتناسب والمرحلة التاريخية التي هي فيها، في ظلّ مهمة وعظية غير مباشرة تعبر عن محاولته الكشف عن القوة الكامنة في النص، لأن العنصر الحواري في المقامة عنصر مضمر، لا يظهر الاّ لماماً، ولكنه يتمتع بقوة عالية من الفهم حين يصفه بالقول: (( فدنا وقال: سلوني أجيبكم. وسمعوا اُعجبكم. فقلنا ما تقول في امرئ القيس . قال: هو أول من وقف بالديار وعرصاتها. واغتدى والطير في وكناتها. ووصف الخيل بصفاتها. ولم يقل الشعر كاسباً. ولم يُجدِ القول راغباً. ففضل من نفتَّق للحيلة لسانه. وانتجع للرغبة بَنانُهُ)).
وهكذا هو مع الشعراء الآخرين، وهو يحكي لجمع يستمعون اليه، فاذا هو أبو الفتح الاسكندري ،ولكن عيسى بن هشام لا يعرفه الاّ في نهاية المقامة؛ مما يشير الى استثماره لفن الحكاية، في اثارة المتلقي وخلق التوتر أو التشويق المطلوب ، بطريقة تجعلنا تعتقد بانّ المقامة فن كتب ليمثل، او يسرد امام الجمهور، كما الحال في فن السيرة الشعبية. فهو يقول على لسان عيسى بن هشام في نهاية المقامة: (( فقلت: الاسكندري والله. فقد كان فارقنا خشفاً. واوفانا حلفاً. ونهضت على اثره. ثم قبضت على خصره. وقلت: ألستَ أبا الفتح . ألم نربك فينا وليداً)). في اقتباس خاص من القرآن الكريم، ثم احالة الى مدينة سامراء، العاصمة البديلة لبغداد، والتي تمثل سيطرة العنصر التركي على مقدرات السلطة العربية، لهذا يحيلنا الى حكايات (ألف ليلة وليلة) بوصفها احالة مضمرة الى بغداد أيام عزها، وليالي هارون الرشيد في هذه الحكايات.
توالي الحكايات
اذا كان الراوي هو عيسى بن هشام، هو البديل المعلن عن الكاتب بديع الزمان، فانّ هذا الراوي يسرد الأحداث على لسانه وعبر ضمير (أنا)، بعد أن يقدمه بجملة بـ( حديثا عيس بن هشام قال). فانّ الفعل (قال) هو احالة الى الكلام القادم ، أو ضرورة تداول الكلام، لأنّ ما يسرده هو قول على لسانه، والقول هو جزء من سيرورة خاصة تكشف عن العلاقة بين السارد والمتلقي، أو عبر تداولية الكلام، ذلك أنّ لكل مقام مقال؛ وهذا القول جزء من كينونة ذاتية ترتبط بين السارد والشخصية الصعلوكية الاخرى التي تروي الاشعار حيث ينهي المقامة ، على لسان عيسى بن هشام حين يقول: (( فأماط لِثامَهُ فاذا والله شيخنا أبو الفتح الاسكندري فقلت: ويحك أي داهية أنت)). وهذا ديدن المقامات التي ترتبط بها مثل حبات المسبحة في سيرورة متتالية لتنتهي نهاية قريبة من البداية في المقامة البشرية.
في مقامات الهمذاني ، غالباً ما ترتبط كل حكاية بمكان معين ، مثل : ( جرجان، بغداد، بلخ، سجستان)، وغيرها. وهذا يعني أنّ علاقة المقامة بالمكان مقامية / مجلسية ، لأنّ عناصر بناء المقامة تقوم على استثمار الصلة بين الراوي ، والبطل ،والسرد ،والموضوع/ الفكرة، والمقام/ المجلس؛ بوصف المقام عنصراً مهيمناً له صفة الاحتواء، واللقاء والتداول أو الحوار بين المجتمعين، وهو ما يحاول أن يطعم هذا الحوار بالشعر ذي المواصفات الخاصة، من حيث اختيار الالفاظ المقعرة ، مع شيء من التخفي تحت ظل مظاهر الصعلكة ،والگدية، التي تعد من أسباب نشأة المقامات العربية، بشكل مباشر أو غير مباشر؛(29) والتي أصبحت تعبيراً عن سيميائية الشخصية ودورها في كشف الجانب المظهري للشخصية فيها، حتى أنه كان يضمّن أشعار هؤلاء ، كما فعل في مقاماته وخصوصاً المقامة القريضية.(30) وهو فعل مقصود الغاية منه منح المتلقي لذة في السمع ،كما يحصل في سرد حكايات الليالي العربية لكي يتحقق لديه شعور بفاعلية العقل، وصواب مداركه، وكأن الهمذاني يحاول عبر اللعب بالألفاظ والصور أن يقنع القارئ برجاحة العقل وقوة التأثير على الآخر، في ظل مفارقات مضمرة في اللعب بالكلام كالظرف وخفة الروح؛ وهو ما كان له تأثيره – فيما بعد – على الحريري.(31)
أما في مقامته (البلخية) فانّه يبدأها بقوله: (( حدثنا عيسى بن هشام قال: نهضت بي الى بلخ تجارة البزّ فوردتها وأنا بعُذرة الشباب وبال الفراغ وحلية الثّروة لا يُهمني الاّ مُهرة فكرٍ أستقيها أو شرود من الكلم أصيدها. فما استأذن على سمعي مسافة مُقامي أفصح من كلامي)). فالسرد الذي يأتي على لسان الراوي عيسى بن هشام يتعلق بالمقام (مقامي)، وبالسمع أو التلقي الشفاهي ؛ فيستمر الحوار بين عيسى بن هشام والبطل ابي الفتح الاسكندري الذي يشير الى لقائه به، ثم يأتي السؤال: (( فأين تريد قلت الوطن. فقال بُلغت الوطن: وقضيت الوطر)).
ثم تكشف عن هدفه من الحوار الحديث، وهو البحث عن المال ، حين يصف الدينار بانّه(( ينافق بوجهين)) ، فلما أعطاه عيسى بن هشام الدينار، تكشفت صورة أبي الفتح الاسكندري، فسأله بعض من حضر: (( ألست بأبي الفتح الاسكندري، ألم أركَ بالعراق. تطوف في الاسواق مُگدياً بالأوراق . فأنشأ يقول:
إنّ للهِ عبيدا أخذوا العُمرَ خليطا
فهم يمسون أعرا باً ويضحونَ نبيطا))
أي أنهم يتقلبون من أجل مصالحهم ، فيكون لهم في كل مقام مقال؛ وهنا في هذه المقامة وغيرها من المقامات تبرز أهداف الكاتب في وصف سيمياء الطبقة الفقيرة، وخصوصاً شخصية المگدي والمنافق / الانتهازي الذي يتقلب من موقف الى آخر؛ مما يعني أن المقامات كانت قراءة ايديولوجية مضمرة لحياة المجتمع الانساني في ذلك العصر، وان اختيار شخصية مثيرة مثل أبي الفتح الاسكندري هو محاولة للكشف عن سلطة تضيّق الخناق على الناس ، ويحيلهم الى مجرد أناس باحثين عن لقمة العيش.
أما في المقامة السجستانية، فانّ عيسى بن هشام يتحدث عن حلوله بسجستان ؛ وهو ليختار منزلاً، متحدثاً / سارداً، وموظفاً الأمثال في تحقيق فكرته، ممهداً لظهور شخصية ممسرحة ، على فرسه مشيراَ الى نفسه بانه ( باكورة اليمن)، في كلام مسجع له وقع خاص في التغريب، مشيراً لنفسه بـ(أنا)، وبأبي (العجب) الو يقترب من نهاية المقامة حيث يكشف عن غايته من الگدية ، فاذا هو ابو الفتح الاسكندري في مفارقة جميلة ،ولعبة ذكية.
أما المقامة البشرية، وهي المقامة الأخيرة من مقامات الهمذاني، فهي منسوبة الى حكاية عن بشر بن عوانة العبدي الصعلوك، والصعلوك سمة ظاهرية تتعلق بسيمياء الشخصية وملامحها الخارجية وفكرها الذي يتصل بأوضاع غمار الناس وفلسفة حياتهم، ثم يديم نسيج الحكاية حول هذه وكيف أغار على قوم فأصاب منهم امرأة جميلة فتزوج بها، فحاكت حوله حكاية، غالبها لعب بالكلام، فأغوته بالزواج من بنت عمه، لكي تتخلص من عار الأسر، وذلّ الزواج بالقسر.
نسق النهايات
عند نهاية مقامات الهمذاني تنتهي السلسلة، فيكشف عن بناء المقامات المنضد، ذلك أنّ السرد الأكثر بساطة هو دوماً، أكثر من أن يكون مجرد تسلسل زمني للأحداث، لأن النشاط السردي يجمع بين نسقين: نسق التسلسل الزمني والنسق التّشكُّلي: فإنّ المتابع جريان حكاية ما (نسق التسلسل الزمني)، يعني قبل كل شيء التفكير في الاحداث، بغية تناولها في شكل دال واحد (النسق التّشكّلي)، بواسطة فعل حُكم تأملي.(32) لأن النسق، كما يرى الجاحظ: هو((الذي لا يُتخطى ولا يغادر))، بينما النظام هو الذي (( لا يتقطع ولا يختلط))(33).
وهذا ما يشير الى أن ثمة رابطة بين الراوي عيسى بن هشام ،والبطل المگدي ابي الفتح الاسكندري؛ وهما يتصلان اتصالاً مباشراً بطبيعة بناء المقامات جميعاً، من خلال الموضوع العجائبي القائم على استثمار المفارقة لتأكيد التحولات الفكرية والاجتماعية التي تحيط بمجتمعه، وفي المقامة البشرية يهيمن الشعر على موضوع البحث، حتى يتفوق – أحياناً- في تأثيره على النثر العربي، وقد وظف الكاتب حكاية جحدر اللص مع الحجاج بن يوسف، من اجل يسوق المقامة نحو نهايتها تماماً، عبر نوع من التناص، بشكل يشير الى أن التناص منذ البدء في هذه المقامات يأخذ جانباً مهماً، ولكنه في البداية كان غير مباشر، ثم يعود الى الحكاية الأفعى في موضع (الاُلاهة)(34)، في عرض السماوة ؛ عبر نزعة سيميائية تستفيد من رمزية الأفعى، وصورتها، فيوظفها في هذه المقامة، ثم تتوارد أكثر من حكاية وأسطورة لانعاش وادامة التواصل لاستمرار السرد، وهنا يبدو وسرده النثري مهزوزاً ؛ بسبب هيمنة الثقافة الشعرية، لهذا يستخدم الشعر الصعب المراس في سرد المقامة، الى جانب توظيف المثل العربي في تفوق الابن على الأب ، فكرة الانتساب الى الأم، في احالة الى رمزية الأم الكبرى ودورها في قيادة المجتمع. حيث تنتهي الحكاية مع لقاء الابن الذي أنجبته الأسرة بالأب الذي يريد أن يرضي عمه فيتزوج ابنته ، اذ يبدو أنّ اقتراح الأسيرة لزواج بشر من ابنة عمه هو نوع من الابتعاد المدبر للخلاص من ذلّ الأسر، فتنتهي المقامة بضربة تقوم على المفارقة تقول: (( وحلف لأركب حصاناً، ولأتزوج حصاناً. ثم زوّج ابنة عمه لابنه)).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- إرشاد الأريب، المعروف بمعجم الأدباء: ياقوت الحموي، تح إحسان عباس، دار الغرب الاسلامي (بيروت، 1993م)، 1/ 234-236؛ وفيات الأعيان : ابن خلكان ، تح إحسان عباس، دار صادر (بيروت، 1397هـ/ 1977م)، 1/ 127؛ مسالك الأبصار، 12/ 56.
2- معجم الأدباء، 1/ 236.
3- معجم الأدباء، 1/ 237- 238 .
4- عيون التواريخ، 12/ 133.
5- وفيات الأعيان، 1/ 127-128 .
6- خزانة الأدب: عبد القاهر البغدادي، تح نبيل طريفي و اميل بديع يعقوب، دار الكتب العلمية (بيروت، 1998م)، 1/ 295.
7- معجم الأدباء، 1/ 234-236.
8- نظرية الأجناس: شبيل، 411.
9- سيمياء التأويل : الادريسي، 163.
10- صبح الأعشى، 14/ 125؛ وفيات الأعيان، 1/ 127.
11- تطور الأساليب النثرية، 337،387.
12- تاريخ آداب اللغة العربية: جرجي زيدان، منشورات دار مكتبة الحياة (بيروت، 1992م)، مج1/ 585.
13- خزانة الأدب: البغدادي، 1/ 595.
14- الظرفاء والشحاذون في بغداد وباريس: صلاح الدين المنجد ، المؤسسة الأهلية ، ط2( بيروت، د.ت)، 113، 118.
15- ينظر: تاريخ الأدب العربي، عصر الدول والإمارات: شوقي ضيف، دار المعارف (القاهرة، د.ت)، 667
16- النثر الفني: مبارك،2/ 42.
17- تاج العروس: الزبيدي، دار صادر(بيروت، د.ت)، مادة( بدع).
18- الحريري صاحب المقامات : مأمون محيي الدين الجنّان ، دار الكتب العلمية (بيروت، 1414هـ/ 1994م)، 55.
19- وفيات الأعيان، 1/ 119.
20- الأدب في العصر المملوكي: محمد زغلول سلام، منشأة المعارف ( الاسكندرية، 1415هـ/ 1994م)، 2/99.
21- فن بديع الزمان وقصص بديع الزمان الهمذاني وقصص البيكاريسك: جيمس توماس مونرو ، مجلة فصول الهيئة المصرية العامة للكتاب، مج12، ع 3 (القاهرة، خريف 1993م)، 153.
22- ينظر: نظرية المنهج الشكلي- نصوص الشكلانيين الروس، ترجمة ابراهيم الخطيب، الشركة المغربية للأبحاث – مؤسسة الأبحاث ( الرباط – بيروت، 1982م)، 146.
23- النقد الثقافي ، قراءة في الأنساق الثقافية : عبدالله محمد الغذامي ، المركز الثقافي العربي ،ط5( بيروت، 2012م)، 83-84.
24- السخرية في أدب اميل حبيبي: ياسين فاعور، دار المعارف للطباعة والنشر (سوسة – تونس،1993م)، 51.
25- أثر المقامة في نشأة القصة المصرية الحديثة، 28.
26- أثر المقامة، 29.
27- المفارقة: ميوميك، ترجمة عبدالواحد لؤلؤة ، وزارة الثقافة والإعلام ( بغداد، 1982م)،16-17.
28- المفارقة في مقامات بديع الزمان الهمذاني (نماذج مختارة): أحمد خريس، مجلة جذور ، النادي الثقافي ، ع10، س5(جدة، 1423هـ/2002م)، 358، 362.
29- أدب الگدية في العصر العباسي، دراسة في أدب الشحاذين والمتسولين: أحمد الحسين، دار الحصاد للنشر، ط2( دمشق، 1995م)، 156-157.
30- أدب الگدية في العصر العباسي، 160.
31- السخرية في أدب اميل حبيبي، 51.
32- السرد : جون ميشيل آدم، ترجمة أحمد الوردني ، دار الكتاب الجديد المتحدة( بيروت – ليبيا، 2015م)، 96.
33- الحيوان : الجاحظ، تح عبدالسلام هارون،ط3(بيروت،1388هـ/ 1969م)،2/ 145.
34- معجم البلدان: ياقوت الحموي، دار صادر (بيروت، د.ت)، 1/ 243.

شاهد أيضاً

أنشطارات السرد في(1958) للروائي ضياء الخالدي
مقداد مسعود

الرواية لا تنتظم في حيز عنوانها بل تنفتح على مديات من تاريخنا العراقي ويرافق الانفتاح …

العزف الكوني في (ثمة عزف في السماء) للشاعرة ليلى عبد الامير
قراءة انطباعية ذوقية
بقلم طالب عمران المعموري

بين يدي مجموعة شعرية بعنوان (ثمة عزف في السماء ) للشاعرة ليلى عبد الامير الصادرة …

المرآة والعري قراءة في رواية (ذهاب الجُعَل الى بيته)
د. قيس كاظم الجنابي

-1- ولد الدكتور فرج ياسين، في مدينة تكريت (ولادته 1946م) ،ترك الشعر واتجه صوب القصة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *