أضواء على أدب ال facebook
ألحلقة العاشرة إختراق المرئي للمقروء في نصوص أفضل فاضل
تعالق نصّي ، أم تكامل دلالي ؟
ليث الصندوق

هذا شاعر جاء إلى عالم الشعر الصاخب والمتمرّد من عالمه المهنيّ الأكثر هدوءاً وانضباطاً ، بل ربما على الضدّ من هذه الصورة هو انتقل إلى عالمه المهني الهاديء والمنضبط هرباً من عالم الصخب والضجيج . ومهما تكن جهة الإنتقال فما يهمنا هنا ليس عالم المنضبطين الذين يقيسون خطواتهم بالمسطرة ، كما لا يهمنا سلوك شاعرنا المهني فيه بقدر ما يهمنا صدى الصخب الذي أحدثه خلال وجوده في عالم الصاخبين ، ومدى ما ساهم به معهم في إقلاق سكون النائمين الحالمين . كتب أفضل فاضل في كل أنماط الشعر بادئاً بالقصيدة التقليدية التي أسِرته واستحوذت على كامل اهتمامه ، فلم يتخلّ عن أبّهتها وانتظامها ليلحق بتيارات أقل منها التزاماً ، وأكثر منها دعوة للخروج عن طاعة الأبوين . واستمرّ الأمر على هذه الحال حتى فترة متأخرة من مراحل نضوجه وتطوره . فبينما كان أقرانه ، وحتى الأكبر منهم عمراً وتجربة قد قطعوا أشواطاً مع التجريب والتمرّد سواء من خلال قصيدة التفعيلة أو قصيدة النثر ، كان هو ما يزال مصراً على اختياره ، يُجاهر متغنياً به حتى من على المنبر الشعري الوحيدة في العراق ، وأعني به ( مهرجان المربد الشعري ) الذي تحفظ لنا مدونات دورته الثالثة عشرة لعام 1997 مشاركته بقصيدته ( أرفق بروحي ) (1) :
بلدي العراقُ وهل أقول تملقاً لا كنتُ ما وردَ الخنا أحرارُها
ولربما نحار في إيجاد مسوغات لهذا الإنجذاب إلى القديم ، والإلتزام بقواعد انضباطه اللغوي والتعبيري ، والتحسب لكل خطوة خارج سياقات حساباته النمطية التقليدية ، والتوجس من كل اندفاعة تمرّد وتفلّت ، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بشاعر ما زال في زهرة العمر . وقد نبالغ فنردّ دواعي هذا الإنجذاب إلى تأثر الشاعر بشروط عالمه المهني الذي ألمحنا إليه سابقاً والذي هو أكثر التزاماً بالقواعد التنظيمية والأطر المنهجية من عوالم الشعر والشعراء ، وعوالم الفنّ بعامة .
وبالرغم من ان المعجزة قد حدثت في غفلة منا ، وكسر الشاعر فيما بعد قيوده ، ووسّع من حدود تمرده محاذياً ، بل ومتجاوزاً أحياناً تمرّد المجددين من مجايليه مخترقاً حدود مملكة قصيدة النثر ، إلا أنه ما زال حتى اليوم يحنّ إلى هواه الأول ، فيعود بين فترة وأخرى يكتب القصيدة التقليدية ، وينشرها على صفحته في ال facebook . ولكن الملاحظ أنه حتى إذا ما تخلى عن قصيدته التقليدية واتجه إلى أكثر أنماط قصيدة النثر تمرداً وتنمّراً فانه يتخلى عن تلك الأولى ليستحضرها في تلك الثانية ، فإذا بالقصيدتين المفارقتين لبعضهما ظهراً لبطن قد تحولتا إلى أختين توأمين ، وإذا بقصيدة النثر تُشابه أختها بلغتها القاموسية الفخمة المتباهية التي لا تتهيب حتى من الحوشيّ والمندرس ، وبإيقاعاتها الداخلية العميقة ، وسلسلتها البنائية الموضوعية المتراصّة ، لتصدم ذائقة القاريء ، وتُربك أفق توقعه ، فيحار بأي سياق يوجه قراءته .
هكذا قد تبدو الأمور نوعاً من التوفيق ما بين المتناقضات إذا ما أردنا أن نقاربها بسوء الظن الذي عادة ما يحكم العلاقة ما بين المستهلك / القاريء ، وما بين المنتج / الشاعر ، بيد أنّ شاعرنا نظّم العلاقة ما بين نقائضه الإبداعية ليخلص إلى منحى يكون له ميزة نشط في إطارها ، واستثمرها بعد أن طوّرها فصارت خصيصته ، وبالعموم يمكن توصيف نصوصه النثرية اليوم بانها تواشج ما بين رصانة لغوية هي أقرب إلى رصانة الأقدمين ، وانزياحات صوريّة حرّة هي أبعد من انفلات المتمردين .
هذه القراءة غير معنية بالدرجة الأولى بتلك الميزة ، ومع ذلك فعبرها ستنفذ إلى تقنية كتابية جديدة لا تقل عنها توقاً للتجريب وارتياداً للمغامرة ، بل ربما تفوقها لفتاً للانتباه ، مع ملاحظة أن المقصود بالجدّة هنا ليس السبق في الإكتشاف ، فقد سبقه إلى التقنية المعنية شاعر عراقي آخر ، وهذا ما سنأتي عليه لاحقاً ، بقدر ما تعني الجدّة التطوير والإنضاج بقصد ووعي حاضرين . والتقنية التي أعنيها هي نمط من التوسع في مفهوم التعالق النصّي الموازي ليشمل الفوتوغراف تحديداً ، ليس من باب الشرح أو التفسير أو التبسيط ، بل من باب التكامل ، لتتحوّل بذلك القراءة من اللسان وحده ، إلى اللسان والعين معاً مما يدفع بالقاريء إلى مساءلة الميثاق الأجناسي الناشيء عن هذا المزج من أجل توصل الطرفين المرسل ، والمرسل إليه في النهاية إلى إجابة يعيدان من خلالها وضع تعريف جديد للرسالة وجدواها في ضوء المتغير الجديد المقروء والمرئي .
وكما سبق القول فإن تلك التقنية ليست جديدة تماماً على الشعرية العراقية ، فقد سعى إليها في ستينيات القرن المنصرم – ضمن محاولاته التجريبية الكثيرة – الشاعر فاضل العزاوي ، وتحديداً في المقطع ( 8 ) من قصيدته ( تعاليم ف . العزاوي إلى العالم ) المنشورة في مجموعته الشعرية ( أسفار )(2) حيث رافقت المقطع صورة الشاعر الفوتوغرافية بالبيض والأسود . وفي حين اقتصرت الدلالة النصية على الإشارة إلى الصورة ، أو إلى الرجل في الصورة ، أي أن حركة الدلالة في المقطع النصي هي باتجاه واحد من النص إلى الفوتوغراف ، لم تقدّم الصورة أية دلالة فارقة متجهة بالعكس إلى النص .
ويبدو أن الشاعر العزاوي قد فطن إلى عدم فعالية محاولته الأولى والوحيدة هذه فلم يكررها ، ولم يطورها ، بل أنه غضّ البصر عنها حين طبع مجموعته الشعرية الكاملة(3) بعد أكثر من ثلاثين عاماً على نشرها للمرة الأولى والأخيرة في ( أسفار ) ، فظهرت القصيدة فيها خلواً من الفوتوغراف من دون أن يؤثر ذلك على تقبل القاريء الذي لم يسبق له الإطلاع على النص الأول في الطبعة الأولى من مجموعته سالفة الذكر .
ثمّ عاد العزاوي ثانية إلى تكرار المحاولة ذاتها ، بيد أنه لم يعد إليها هذه المرّة شاعراً ، بل عاد في نص ترجمه عن الشاعرة البولونية ( فيتسلافا تشيمبورسكا ) من مجموعتها ( ناس على الجسر ) (4) . وعنوان النص هو ( الصورة الفوتوغرافية الأولى لهتلر ) وقد ألحقت بالنص صورة فوتوغرافية لطفل في عامه الأول ، والصورة تتبادل اكثر من إشارة مع النص المكتوب . وهذه المحاولة التي ليس للعزاوي فيها سوى فضل الترجمة هي أنجح من محاولته الأولى الخاصة به في ( أسفار ) .
وعدا ذلك ، فحسب علمي ان الشعرية العراقية لم تقدم – عدا تجربة العزاوي غير المكتملة – نموذجاً آخر مماثلاً في استخدام الفوتوغراف تحديداً ، وليس في التحرر الجزئي من نمطية الحروف الطباعية ومقاربتها بأنماط من الرسوم اليدوية والأشكال الهندسية ، والرموز الكتابية ، والتلاعب بالبياض والسواد ( فتلك المحاولات يمكن أن تُقرأ في سياق آخر ) كما في مجموعة الشاعر رعد عبد القادر ( جوائز السنة الكبيسة ) (5) التي كتبها ورسمها بخط يده حكمت الحاج ، ومن قبلها مجموعة قحطان المدفعي ( فلول ) (6) التي يمكن عدّها محاولة في الكتابة الميكانيكية مستنسخة عن تجارب غربية أفرزتها الظروف المضطربة في أعقاب الحربين الكونيتين الأولى والثانية ، أكثر من كونها محاولة لخلخلة القيم السائدة في الكتابة الإبداعية وفرض شعرية جديدة .
ثمّ جاءت تجربة الشاعر أفضل فاضل في الكتابة المتعالية الغيرية لتقدم تجربة تستحق الإنتباه والفحص . ولكن السؤال الذي تطرحه هو كيف يمكن تصنيف أو تجنيس هذا النمط من الكتابة ؟ وكيف تحدد العلاقات التي تحكم هذا النمط من التعالقات ما بين نوعين ينتمي كل منهما إلى آليات قراءة مغايرة ؟ وما هي وظيفة الفوتوغراف في النص ؟ ومدى تكامل أبعاده الدلالية مع ما يشعه النص المكتوب ؟
حدد جيرار جينيت خمسة أنواع من العلاقات الخاصة بالمتعاليات النصية ، هي :
1 – التناص
2 – ألنصيّة المصاحبة
3 – الميتانصيّة ( أو النصية الواصفة ، أو البعدية )
4 – النصية الجامعة
5 – النصية المتفرعة
وما يهمنا من تلك الأنواع ما يتعلق بالنصية المصاحبة التي قد توهمنا بنوع من العلاقات النصية المقاربة لما نحن بصدده ، فهي تشمل ( ألعنوان ، والعنوان الفرعي ، وألعنوان الداخلي ، والديباجات ، وألتذييلات ، والتنبيهات ، والتصدير ، وألحواشي الجانبية ، والحواشي السفلية ، والهوامش المذيلة للعمل ، والعبارة التوجيهية ، وألزخرفة ، وألأشرطة ، والتزيين الذي يتخذ شكل حزام ، وألرسوم ، ونوع الغلاف ، وانواع أخرى من إشارات الملاحق والمخطوطات الذاتية والغيرية التي تزوّد النص بحواشٍ مختلفة ، وأحياناً بشرح رسميّ ، وغير رسمي ) (7) . ولو بحثنا لقصائد أفضل فاضل عن مكان بين هذه التمثلات فلن نجده ، ذلك لأن فوتوغراف الشاعر هو جزء أساسيّ وجوهريّ من بنية الدلالة العامة ، لا تكتمل إلا باجتماع النوعين معاً ( المقروء والمرئي ) ، وأن أحد النوعين يشوّه معطى كليهما ويُقدم قراءة ناقصة لا تتوافق مع ما ألمح إليه جيرار جينيت من إمكانية إبقاء تلك العتبات خارج النص في مرحلة ما من مراحل إنتاجه ، وذلك في معرض حديثه عن العناوين الفرعية التي خصّ بها جيمس جويس روايته عوليس في مرحلة إعدادها الأولى ، والتي أسقطها عنها فيما بعد حين أصدر الرواية في كتاب مطبوع ، وبهذا الصدد يتساءل جينيت ( أيمكن اعتبارها جزءاً من نص عوليس أم لا ؟ ) .
من اليسير ملاحظة أن صور افضل فاضل تختلف عن العتبات في كون الدور الوظيفي للأولى لا يتوقف عند حدود النص / المكتوب ، كما أن وجودها العلاماتي ليس تزويقاً خارجياً يحيط بالنص الأصلي ، بل هي تخترق النص وتتوحد فيه بحيث يصبح الفهم متعسراً بدونها . وبدونها أيضاً تجنح العلامات الكتابية منعزلة نحو تأويل ضدّي مخادع قد يُسيء إلى نية النص ومقاصده . فالصورة ليست هنا نظاماً إشارياً خارجياً موجهاً أو وسيلة إيضاح ، بل هي الجزء المرئي من نظام خطابي متكامل ومركب واحد ، تتبادل فيه الإشارات حركة الدلالة باتجاهين :
– من ( النص / المكتوب ) – إلى – ( النص / المرئي )
– ومن ( النص / المرئي ) – إلى – ( النص / المكتوب )
وإن الإستغناء عن أحد النصين يقطع حركة الدلالة ، ويُربك المعنى .
وبالرغم من أن الفوتوغراف هو صور بأجهزة الإتصال selfie ألتقطت بعفوية دون تكلف أو حِرفية لنقل وقائع محددة ضمن إطارها العاطفي وفي لحظتها الآنية ، إلا أنها لا تفتقد وضوح القصد ولا تنحرف عن هدف الرسالة خصوصاً حين تقترن بظهيرها النصّي / المكتوب ، عندئذ يذوب النوعان في بعضهما متحولَين معاً إلى خطاب جديد متكامل في طبيعته التكوينية أو التجنيسية ، لا يحتكر أحدهما فيه المعنى ، ولا ينفرد بتمثّله ، بل يفتح حدوده لاختراقات النص الآخر لينتقل مركز التلقي بانسيابية وعفوية ما بين النصين ، وتتولد علاقات جدل متبادلة بينهما . وبذلك ، فوظيفة الصورة ضمن استراتيجية القراءة هي توليد وضخّ دلالات نوعية يفتقر إليها النص المكتوب بنفس الطريقة التي يولّد فيها ذاك الأخير دلالات وإشارات تفتقر إليها الصورة ، ومن التقاء نمطي الإشارات يتولد المعنى ويكتمل بصيغته المفتوحة دوماً على مفاجآت التأويل . وبالتالي يمكن النظر إلى كلّ نص من الإثنين على أنه مولّد شفرات من جهة ، ومن جهة أخرى أنه مستودع لشفرات الآخر .
وبالعودة إلى سؤال جيرار جينيت السابق حول إمكانية اعتبار النصيّة المصاحبة جزءاً من نص عوليس أم لا ، لا بأس من البحث عن إجابة أولية على هذا السؤال في نصوص الشاعر أفضل فاضل ، و ( ألنص – 3 ) يمهّد لهذه الإمكانية ، كما أنه يفتح مجالاً لردود محتملة عن إجابات الأسئلة التي سبقت عرض متعاليات جيرار جينيت الخمس .
يُشكّل ( النص – 3 ) بسطوره الطويلة المتداخلة ببعضها كتلة طباعية شبه متراصة تجعله أقرب شكلاً إلى قصيدة النثر الفرنسية . أول ما يُلحظ على سطح النص هو لغته في مستوى بنائها الأقرب إلى اللغة التراثية التقليدية والتي تنبّه الشاعر إلى إمكانية توظيف طاقاتها الصوتية وتفجيرها لتكون إطاراً تعبيرياً خارجياً مائزاً يُشير إليه ، ويُذكّر بشعريته من جهة ، ومن جهة أخرى لتكون حاضنة لانزياحاته المبنية في أغلبها على قاعدتي المفارقة والضدية وهذا ما سنأتي عليه لاحقاً .
أما ثاني ما نلحظه على سطح النص ، والذي سيتبين لنا فيما بعد بأن تأثيره لا يقتصر على السطح ، بل يتسلل إلى بنيته المعنوية العميقة فهو إقامته على قاعدة نصية مزدوجة ، لسانية ملفوظة ، وصورية مرئية . فالنص لا يمكن أن يُفهم بأحد هذين العنصرين ما لم يتمازجا ، ويتعالقا معاً ، ويتبادلاً بينهما الدلالات كلّ بأدواته . فالصورة الفوتوغرافية هنا تقدم نصاً مرئياً لشباب الإنتفاضة التشرينية العراقية / 2019 ، وتلك التوصيفات هي عناوين عامة تكشفها الإشارات المرئية في الصورة والتي سنأتي على تفكيكها وربطها بدلالاتها لاحقاً .
تبرز في إطار تشكل الغرض الهجائي للنص الكتابي ظاهرتان بلاغيتان هما الطباق والمقابلة ، الأولى عُرّفت عند البلاغيين على أنها الجمع ما بين اللفظ وضدّه في سياق واحد ، بينما الثانية فهي الجمع ما بين أكثر من معنيين متضادين في سياق واحد (9) ، وقد عدّ البعض هاتين الظاهرتين أو النوعين نوعاً واحداً أو ظاهرة واحدة وأضاف إليهما تسمية ثالثة هي التضاد (10) . يفتتح الشاعر نصه بالظاهرة الثانية ( المقابلة ) التي تهيمن على كامل الجملة الخبرية ( تأكل من حنظل تاريخها زاداً يومياً ) ، حيث :
– ألضدان الأولان : هما ( حنظل / زاد ) على افتراض عدم استساغة السليقة السليمة للزاد ما لم يكن لذيذاً ، ومن البداهة أن صفة اللذاذة هي على الضدّ من مذاق الحنظل .
– ألضدان الثانيان : هما ( تاريخ / يوم )
أما بالنسبة لظاهرة الطباق ، فهي في النص على نمطين :
ألنمط الأول : يتجلى في الجمع ما بين لفظ واحد لضدّ واحد ، كما في :
– حفيها / كلّ عتلّ زنيم
– كريمها / ممتهن
– شريفها / منبوذ
– فراشها / قراد
– مشربها / مهل
– مأدمها / ضريع
ويلاحظ انعكاس أثر هذه الأهاجي من الناس / الأمة على كل ما يحتازونه من جماد ، ومن مأكل ومشرب .
ألنمط الثاني : يتجلى في الجمع ما بين لفظ واحد وضدّين معطوفين على بعضهما إمعاناً في تضخيم وتعدد معاني الهجاء .
– سُراتُها / سقط المتاع – و – السفل
– زرعُها / خضد – و – قنب
مع نفس الملاحظة السابقة في انعكاس أثر الأهجية من الناس على زروعهم .
هذا ، ويمكن تمثيل بنية النص بمادة كتابية محصورة بين مزدوجين ملفوظين مجازاً ، ألملفوظ الأول تمثله جملة الإستهلال ( أمة من تراب ) مع ملاحظة أن نسبة الأمة إلى التراب تكتسب طابعاً دنيوياً منحطاً هو على النقيض من طابعه الديني المتعالي لدى المتصوفة والزهّاد والذي يكتسب دلالته العميقة من قوله تعالى ( أو مسكيناً ذا متربة )(11) ، والمتربة هي الفقر الشديد الذي هو من صفات المتصوفة والزهاد ، كما في قول إبن الخوّاص ( ألفقر رداء الشرف ، ولباس المرسلين ، وجُلباب الصالحين ، وتاج المتقين ، وزين المؤمنين ، وغنيمة العارفين ، ومنية المريدين ، وحصن المطيعين ، وسجن المذنبين ، ومُكفّر السيئات ، ومُعظّم الحسنات ، ورافع الدرجات ، ومُبلغ الغايات ، ورضا للخيار ، وكرامة لأهل ولاية الأبرار )(12) . أما مزدوج الختام في النص / المكتوب فيمثله مقتطع الحديث النبوي ( رفعت الأقلام وجفت الصحف ) بعد إجراء تحوير عليه ، وهذا ما سنأتي عليه لاحقاً .
تقود جملة الاستهلال الإسمية سلسلة معاني الهجاء بدءاً من موقعها ، وحتى نهاية النص ، ثمّ تهيكلها ضمن ستة مستويات من الجمل الخبرية ، وفي جميعها يفيد خطاب المتكلم / الهاجي الأحكام التي تضمنها الإخبار .
ينماز كل مستوى عن الأخر بعناصره النحوية ، ووجهته الدلالية ، وإيقاعاته الصوتية والبلاغية بما يمنح كل مستوى إستقلاليته السياقية النسبية عن المستويات الأخرى ، ويتولى الصوت الوحيد / صوت الهاجي تنظيم تلك المستويات على شكل ملفات ، كلّ ملف / مستوى يتناول المهجو / الأمة من جانب نحويّ محدد ، ومن ثمّ يوصله بدلالته وبشكل يضع ( داخل النص ) و ( خارجه ) متقابلين ضمن مستوى حواري واحد :
ألمستوى الأول : هو المستوى الفعلي ، وعبره تتكشّف دواعي الهجاء من خلال فعلي الأمة الترابية النقيضين ، فعل المَلءِ ( تأكل ) وفعل التفريغ ( تغتسل ) ، مع تجاوز الفعل الثاني دلالته التطهيرية الظاهرة إلى المجاز الذي لا يفيد معه الغسل الجنابة ، فهي أي ( الأمة ) :
– تأكل / من حنظل تاريخها الخطيئة
تغتسل / من الجنابة
ألمستوى الثاني : هو مستوى إسميّ ، وعبره يتجلى الهجاء من خلال الإخبار عن المبتدأ ممثلاً بالخواص من أبناء الأمة ، مع ملاحظة خلو النص من أية قرينة بينة تجعل للصنفين الأوليين دالة في امتهان ونبذ الصنفين الأخيرين ، وربما تُقدّم عناصر النص المرئي القرينة ، وهذا ما سنحاول تبيّنه لاحقاً :
– سراتها / سقط المتاع والسفل
– حفيها / كلّ عتلّ زنيم
– كريمها / ممتهن
– شريفها / منبوذ
ألمستوى الثالث : عود إلى صيغ المستوى الفعلي الثاني مع التقنين في استخدام الأفعال والإقتصار على فعل واحد ( تطيع ) من دون تكراره لأكثر من مرّة واحدة ، والتعويض عنه بأداة العطف التي من دونها كانت حلقات هذا المستوى ستبدو بالشكل التالي :
تُطيع ( كالقطيع ) – كلّ أكمه عقل
تطيع ( كالقطيع ) – كلّ أكمه روح
تطيع ( كالقطيع ) – كلّ أكمه بصيرة
تطيع ( كالقطيع ) – من ليس تحت جلبابه إلا الزور
تطيع ( كالقطيع ) – من ليس تحت جلبابه إلا البهتان
ألمستوى الرابع :عود إلى صيغ المستوى الثاني ، ولكن بعد إسقاط المهجو البشري والإستعاضة عنه بملحقاته الدنيوية المادية ، وقد أشرنا سابقاً إلى هذه الملحوظة :
– زرعها / خضد وقنب
– فراشها / قراد
– مشربها / مهل
– مأدمها / ضريع
ألمستوى الخامس : وهو مستوى القرار النهائي بالمفهوم القانوني ، حيث كف الشاعر عن تعداد اتهاماته وتفصيل أهاجيه ليُعلن رأياً نهائياً في الإصلاح ، مع ملاحظة تعارض إتجاهي قوتي الإصلاح ( سماء × أرض ) واللتين تمثلان كل مصادر القوى الأخرى المفترضة ( ألسماوية × الأرضية ) وكلّ الإتجاهات الموقعية التي يُحتمل أن تنطلق منها ( شرق × غرب ) و ( شمال × جنوب ) ، مما يعني بالضرورة أن إمكانية الإصلاح كما يرى الشاعر معدومة ، بل مستحيلة :
– ليس يُصلحها أمر من السماء
– ليس يُصلحها فعل في الأرض
ألمستوى السادس : عود أخير إلى صيغ المستوى الرابع حيث ينسف الشاعر كامل القاعدة الروحية والأخلاقية التي قامت عليها الأمة مُبرئاً ذمته من تبعات اللوم :
1 – لم تتعلم بالقلم
2 – لم تتعلم بالصفعات
3 – صحفها كتب مزورة
4 – هداتها أنصاب
مع ملاحظة أن ترقيم وحدات المستوى السادس ضروري وذلك لتيسير الإشارة إلى نوع من الإرتباط السببي ما بين التسلسلين الفرديين ( 1 × 3 ) ، في مقابل نوع من الإرتباط السببي ما بين التسلسلين الزوجيين ( 2 × 4 ) :
– فعدم تعلم الأمة بالقلم ( ألتسلسل الأول ) سببه أن صحفها كتب مزورة ( ألتسلسل الثالث ) فأيّ علم يُرتجى من كتب مزورة ؟
– وعدم تعلمها بالصفعات ( ألتسلسل الثاني ) سببه أن هداتها أنصاب ( ألتسلسل الرابع ) ومن البديهي أن الأنصاب لا تحسن التعليم حتى ولو بالصفع .
وكما ألمحنا سابقاً يُختم النص بالمزدوج الثاني ممثلاً بالجملة المجتزأة من الحديث النبوي المروي عن طريق عبد الله بن عباس ( رفعت الأقلام وجفت الصحف ) بعد أن استبدل الشاعر ما للأقلام بما للصحف ، وما للصحف بما للأقلام ( جفت الأقلام ورُفعت الصحف ) وكأنه يشير إلى إنسيّة خطابه وخصوصية انتسابه إليه بذاته ، وذلك بانحرافه عن سماوية الحديث النبوي ( وما ينطق عن الهوى ) . أما فحوى الخطاب المحوّر فهو تلميح إلى أن النص بظاهره أهجية ، لكنه في الباطن إنذار بمُقدّر واقع حتماً ، من دون تحديد طبيعته .
وابتداءً من الجملة الأولى / المزدوج الكلامي الإستهلالي الأول ( أمة من تراب ) وحتى المزدوج الكلامي الأخير / ألحديث النبوي المحوّر أو الإنسي ، وما بينهمل من الإنتقالات لا تُسعف كلها في إنضاج قراءة مقنعة لدلالة التعميم في مفردة ( الأمة ) بل هي تزيد القراءة التباساً وغموضاً ما لم تتم الإستعانة بنص مكمل آخر ، فالنص الهجائي الملفوظُ لا يُحدد إطار الأمة التوصيفي بدقة ، بل يُذيب ملامحها التاريخية في بوتقته البلاغية فيشكُلُ على من يكتفي بالمقروء تبيّن القصد ، وسيظنّ أن الشاعر لا يستثني من أهجيته أحداً في أمته ، على العكس من ملفوظ المتنبي الهجائي :
هل غاية الدين أن تحفوا شواربكم يا أمة ضحكت من جهلها الأمم
إذ جمعت آليات الهجاء في بيت واحد ما بين المعموم ( غير المقصود بالهجاء ) وهو ( الأمة ) وبين المخصوص ( ألمعني بالهجاء ) وهم الذين يَرَون أن غاية الدين أن ( يحفوا شواربهم ) ومن اليسير على القاريء الوقوع على القصد وتبين المستثنى منه . أما في نص أفضل فاضل / المكتوب فليس هناك سوى مهجوّ واحد هو ( الأمة ) مما يوهم القاريء المكتفي بالمكتوب بأن الشاعر لا يستثني بأهجيته منها أحداً .
هذه القراءة لم يقصدها بالتأكيد شاعرنا أفضل فاضل فهي قراءة في نصف النص ، أي هي للنص المكتوب فحسب ، أما النصف الثاني الذي بدونه لا يكتمل المعنى فيمثله النصف الآخر / المرئي ، أي الصورة الفوتوغرافية . وإن كان جزء من الوظيفة الخبرية متحقق في النص المكتوب ، إلا أن المعنى ما زال غير مستقر ، وهو يتأرجح – بحسب البلاغيين – ما بين احتمالين ، فإما أن يحتمل الصدق ، وأما عكسه . وعلى الضد من ذلك فأن الوظيفة الإخبارية للنص المرئي لا تحتمل سوى احتمال واحد هو الصدق فهي قراءة العين التي لا تكذب ، وبهذا الإحتمال الذي لا بدّ من الرجوع إليه يستقر المعنى الذي حاذاه النص المكتوب ولكنه إبقاه رجراجاً .
وبستراتيجية مخالفة لستراتيجية المتنبي في أهجيته التي جمع فيها معاً في بيت واحد ما بين المعموم والمخصوص ، أو بمعنى آخر هجى فيها المعموم وأراد المخصوص ، فإن أفضل فاضل فرق بينهما ما بين نصّيه المكتوب والمرئي وجعل لكل منهما وظيفته التي تباين الأخرى ، وبذلك فإن تشخيص المخصوص منهما بالأهجية لا يتحقق من تفحص أحد النصين أو النمطين . فوظيفة النص المكتوب أن يعمم الأهجية ، ووظيفة النص المرئي أن يستثني ويُخصص ويُقصر الأهجية فقط على من تسبب في ( إهراق الدماء على الأرصفة ، ودفع بموقدي الشموع إلى الشوارع ) . وفي ضوء ما يقدمه الفوتوغراف من إشارات يمكن إعادة تأويل القصد من شمولية الهجاء / المكتوب على ( الأمة ) باعتباره من قبيل ( دلالة الكلّ على الجزء ) ، وبمعنى أدق دلالة الأمة على سراتها ، وليس على ضحايا أولئك السُراة .
ولا بأس من استدعاء عناصر صورية إضافية من النص المرئي لتدعيم الرأي بالاستثناء والتخصيص والقصر ، فالفوتوغراف يقرن المعموم / الضحايا بالورود والعلم والشموع ، وكلها عناصر رمزية كريمة تدعم تداولياً مفهوم المناصرة والتعاطف من دون اضطرار إلى إقحام المفردتين في النص المكتوب وتحويله إلى خطاب إيديولوجي موجه . بل أنه بالإمكان دعم هذه الدلالة بقراءة نص صوريّ موازٍ آخر لنفس تلك الإشارات المرئية مجتمعة في الفوتوغراف المقرون مع ( نص – 5 ) موجه – بلغة أكثر تعاطفاً – إلى أحد ضحايا المهجو / الأمة ( أمة من تراب ) وهذه المرة في صيغة المخصوص وليس المعموم ، فقد تغير القصد ، وتغير معه المقصود ، وحلّ الرثاء مكان الهجاء :
( و أُمُّكَ مازالت تنتظر ،
تُكذِّبُ في رحيلِك القبرَ
و الثياب )
مع ملاحظة كثافة دلالات العناصر الصورية في الفوتوغراف المرافق لهذا النص ( نص – 5 ) ، حيث التركيز على الثوار ، وعلى العلم الذي لفوا به جثة أحد ضحايا ( الأمة ) . كما يقدم ال ( نص – 6 ) المرئي علامات أخرى لعل أكثرها إيلاماً الصورة الفوتوغرافية لوجه الشهيد بعد استشهاده وهو مغمض العينين وملطخ بدمه وقد وضعت الصورة على مقربة من نعشه المكلل بالورود يحفّ به زملاؤه ومحبّوه ، ويجاور العلامات المرئية النص المكتوب مستحضراً من عمر الشهيد المقابلة ما بين ( الغياب / الحضور ) و ( الكبر / الصغر ) من أجل أن تستمرّ دورة الحياة ، ويحدث التمازج ما بين الموتى والأحياء من خلال اكتهال الأولين في الآخرين :
( في غيابهم الممعن بالحضور
سيكبر الشهداء الصغار
سيكتهلون فينا )
وأنه لمن البداهة القول بأن دوافع الهجاء وأطرافه المخصوصة والمعمومة التي ترشح من وحدات وعناصر الصور الثلاث المرافقة للنصوص ( نص – 3 ) و ( نص – 5 ) و ( نص – 6 ) ليست بحاجة إلى مزيد من التنقيب والبحث فهي مفهومة بدلالاتها الصورية المرئية العامة .
من كل ما سبق يتبيّن لنا إن القراءة المزدوجة ( اللسانية البصرية ) لدى افضل فاضل ليست صرعة إبداعية أو نزوة فنية كتلك التي تستهوي المرء في فترة ما من مراحل تدفقه العاطفي ، وتحت تأثيرات آنية سرعان ما تزول ، وتُزيل معها ما أتت به من نزوات وصرعات . إن الأمر مع الشاعر يوشك أن يكون نهجاً خُطط له بوعي ونُفذ بإصرار ، ولعل من المدهش في معطيات هذا النهج أنها تمثل محطات فارقة من مسيرة النضال الوطني في صيغته الشعبية الشبابية ضد الفساد والظلم والرجعية في صيغتها البدائية وضد الإجتراء على الإنسان وحقوقه . وإن كان ( النص – 3 ) يمثل إحدى حلقات الإدانة والهجاء ضمن سلسلة الحلقات التي تُشكّل المشهد البانورامي لتلك المسيرة ، فإنّ ( النص – 10 ) يمثل حلقة أخرى نوعية تنفتح على مشهد المأساة العراقية عبر ضحية حيّة من ضحايا النظام السياسي ، ليس عبر نافذة الهجاء هذه المرّة ، بل عبر نداء الجوع والعوز الذي يدفع الثائر / الطريد إلى ساحة المواجهة .
يستهلّ الشاعر المستوى اللساني ل ( النص – 10 ) بنداء إلى مخاطب ما / طريد ، وإن كان النص قد عرّف المنادى بصفته النمطية العامة كما هي في القواميس والمدونات الأدبية والإجتماعية ، إلا أن النص المرئي / الفوتوغراف قدمه بذات الصورة ذات الملامح النوعية التي أصبحت ذات يوم إيقونة من إيقونات ثورة شباب تشرين / 2019 . وبمعنى أدق إيقونة لإدانة الظلم في نظر الثوار ، بينما نظرت الطبقة الحاكمة إلى تلك الإيقونة نظرة إستعلائية وأطلقت عليها تسمية ( حسين الوسخ ) ، وتلك ميزة الثورات على مدى التاريخ أنها تصنع المفارقة ، ومن ضمنها المفارقة اللغوية ، حيث كل فريق من المتخاصمين يرى الشيءَ ذاته وكأنه نقيضه ، وبذلك تتعدد التسميات بتعدد الجبهات .
يشرع الشاعر بعد افتتاحيته الخطابية بتفصيل تداعيات مشهد المواجهة غير المتكافئة ما بين الجوع من جهة ، والطريد من جهة أخرى ، والتي ستفتح فيما بعد جبهة أخرى أوسع ، ولكنها متداخل مع الأولى . والجبهة الثانية هي ما بين الموت / الرصاص من جهة ، والطريد والرفاق الهاربين من جهة أخرى . وعلى مشارف الجبهة الأولى يواصل الشاعر نداءه إلى الموصوف مباشرة بضمائر المخاطب من دون الإضطرار للاستعانة بالتوصيف أو بأداة النداء ، فقد توحّد الإثنان عبر تراجيديا الجوع والفقر وعبر أواصر التعاضد والتعاطف الإنسانيين والتي فتحت جميعها أمام الشاعر بوابات المجاز على مصاريعها لتحوّل جسد الشاعر إلى مأدبة :
( فإذا انتهيت من نهش قلبي فانتظر
فما تناثر من الوليمة ، فُتاتي
فاجمعني
وادّخرني لجوعك القادم
لا مجدَ أعظم من أن تسدّ رمقاً لثائر فقير )
وتفتح الوليمة الجسدية التناصّ مع الكتاب المقدس – العهد الجديد :
( وفيما هم يأكلون أخذ يسوع خبزاً وباركَ ، وكَسَرَ ، وأعطى تلاميذه ، وقال : خذوا كلوا هذا جسدي . وأخذ الكأس ، وشَكَرَ ، وأعطاهم ، وقال : اشربوا من هذا كلكم . لأن هذا هو دمي . ( متى / 26 – 28 / الفصل السادس والعشرون )(8)
مع تجريد التناص من وظيفته التقديسية ، والاستعاضة عنها بوظيفة دنيوية هي من متطلبات التعاطف الإنساني الذي لا يكتفي من المشهد بالمساواة ما بين المتكلم و المُخاطب ، بل يجعل من الأول أقل مقاماً من الثاني في الموازين السماوية :
( وفي الميزان
عند خالق الجوعى
تميل كفة الماعون
فهل لي أن أقاسمك
مائدة انتصارك النحيلة )
وفي هذه المرّة أيضاً يجترح التناص صورة جديدة أخرى للشاعر هي أقرب إلى صورة المذنب الذي يقرّ بهزائمه وانكساراته في مشهد أقرب إلى مشاهد الإعتراف الكنسية امام الراهب الذي تجلى في صورة ألطريد :
( فهزائمي بضّة وسمينة ،
ولي انكسار سافر لا يقبل بالمشاركة
سأبقيه لنفسي )
وفي كلّ الأحوال فتلك المفاداة هي صدى الحاضر لتلك المفادة المسيحية الأولى مع الفارق في المقامين والهدفين ، بل حتى في الوظيفتين . فبالرغم من أن المفاداتين تستندان إلى قاعدة روحية واحدة مفادها تمجيد المطلق ، إلا أن الفارق هو في المفهوم ، فالمطلق المسيحي هو الله ، بينما المطلق النصّي عند الشاعر هو الإنسان في صيغته المسحوقة والمعذبة / ألطريد ، والتي هي أقرب ما تكون إلى صورة المسيح قبل الصلب ، لأن المسيح بعده تحول إلى إله يعلو على ناسوتيته ، وعلى آلآمه وانسحاقه .
هذا ، ولا نعدم أن نجد أصداء أخرى لهذه الروح الفادية مبثوثة في أكثر من نص من نصوص الشاعر مع تنويع في ( المَفدِين ) ، فمفاداته غير مقصورة على أبناء جلدته وأخوته في الإنسانية والمعاناة فحسب ، بل تتجاوزها إلى عناصر الطبيعة وكائناتها في تجسيد لمبدأي وحدة المصير ، ووحدة الوجود كما في المقطع التالي من ال ( نص – 2 ) :
( لو فقط
أعرف كيف أدلّ أفواه الجياع إلى جسدي
إلى دمي
والعصافير ، تلك التي صمتت
لحنجرتي
لو فقط
أعرف كيف انثر جسدي بذوراً
وعوداً إلى ( النص – 10 ) / المكتوب ، حيث يتعاطى صوت المتكلم / الشاعر أخذاً وردّاً مع فضاء الصورة إذ يتجلى فيها الطريد غير عابيء بالموت ، يجلس قبالته القرفصاء في ساحة المواجهة ، ينظر إليه بعينين جاحظتين ، فارشاً خوانه الفقير ليأكل ، دافعاً لقمته باصبعه في فمه المفتوح في مشهد يتراوح ما بين السخرية من الموت ، أو تحديه ، أو الرضوخ لسطوة الأقوى منه وهو الجوع ( لكنّ الجوع أقوى من الرصاص ) بينما يتوافق النصان المكتوب والمرئي على رصد حركة هروب انعكاسية من المشهد لزملائه الثوار الآخرين ، واتجاه حركة الهاربين في الصورة يحدد موقع السلامة ، وبعكسه اتجاه موقع انطلاق الرصاص / الموت :
( رصاص كثير
رفاقك يهربون )
وفي المواجهة مع الجوع والموت يُظهر النص المرئي تمسّك الطريد بالعلم ، يُثبته في طوق سترته ولا يحمله بيده دلالة على حرصه ألا يسقط فيما لو خارت اليد برصاصة . وتلك ابرز دلالات الشريد النوعية التي من أجلها كُتب النص الملفوظ . وبالرغم من محدودية الإشارات المتبادلة ما بين الفضاءين المرئي والمكتوب ، إلا أن المتيسر منها كان حاسماً في تقديم نص متكامل ، فبدونها كان النص الكتابي سيفقد مرجعيته الموضوعية ، واستقراره الدلالي النسبي ، ولم يعد للشريد أكثر من المعنى القاموسي العام والمفتوح على دلالات لا نهاية لها ، والتي لا يقصد الشاعر بالتأكيد أياً منها ، فشريده المعني هو رمز لقضية تختزن دلالات محددة بدقة ، ولا يمكن فهم النص من دون الإلمام ولو بطرف منها .
وفي نص مدهش آخر عن الموت من دون أن يسميه الشاعر ، أو حتى من دون أن يتوجه بخطابه إليه مباشرة ، بل هو يتوجه إليه عبر مخاطبته لضحية من ضحاياه في لحظة صعود روحها إلى السماء التي تحولت في النص إلى ( مدى ) . هكذا ينفتح ال ( نص – 4 ) على مشهد السفر ما بين مكانين نقيضين مبتدئاً من مكان الوصول / المدى وهو مكان واسع ، بينما المكان الثاني موقع الإنطلاق فهو على نقيضه ( زقاق البيت ) ، أي بيت الراحل ، وهو على عكس المكان الأول مكان ضيق . والمقارنة تحث القاريء على أن يفتح بوابات النص المغلقة مزوّداً بحساسيته التأويلية بحثاً عن الدلالة المتوارية خلف السطرين الأوليين :
( واسع هو المدى الذي تطير به روحك الآن
وضيّق زقاق بيتك )
وبالتأكيد لن يُسعف النص الملفوظ بمفرده القاريءَ في حل دلالات الإشكال العلاماتي المتواري خلف الطباق البلاغي في السطرين الأوليين من دون توسط عامل خارج المكتوب يستدعيه الشاعر من فضاء الفوتوغراف في محاولة لاستنطاق الخارج وإدماجه في النص بحيث يتحول المرئي / الخارج ، إلى جزء حيوي ومؤثر من المكتوب / الداخل ، يتبادلان ما بينهما الدلالات ، ويملأ أحدهما فراغ الآخر وذلك باقتراح وسائل تعبيرية تتجاوز الحواجز التقنية ما بين اللسان والعين .
تقدم الصورة الفوتوغرافية الملونة الملحقة بالنص توضيحاً تراجيدياً لجماعة من المشيعين يحملون فوق رؤوسهم نعشاً يحاولون جاهدين إخراجه من زقاق ضيق لا يتجاوز عرضه عرض النعش إلا قليلاً ، ولعل دلالة تفكيك المقابلة البلاغية ، أو بمعنى آخر دلالة المقارنة ما بين طرفي كل من الثنائيتين الضديتين المكانيتين في السطرين الأوليين من القصيدة ( واسع / ضيّق ) و ( المدى / زقاق بيتك ) لا تستقيم من دون دخول الصورة الفوتوغرافية إلى أفق التأويل كمفتاح ييسر الوصول إلى المقطع الثاني من النص / الملفوظ ، وهو مقطع مخصص لذات المقارنة المكانية مع فارق جوهري يتمثل في هيمنة دلالات الطرف الثاني من الثنائية الضدية الأولى ( ضيّق ) وانعكاس دلالاته على طيف واسع من عناصر المشهد الأرضي ، لتتحوّل المفردة من دلالتها المكانية إلى كناية ذات بعد شمولي تحيل إلى ضيق الحال ، بل وضيق كل منافذ الحياة ، ف :
– ألتابوت الخشبي الرخيص = ضيّق ( مع ملاحظة المفارقة الذكية التي أوجدتها العلاقة ما بين المنادى بصفته السامية ( أيها الأمير ) وبين تابوته ( الخشبي الرخيص )
– زقاق بيتك = ضيّق
– ألشبابيك = كذلك ( أي ضيّقة )
– أنفاس المشيعين = تضيق
– ألغبار = يضيق
– ألمرآى في العيون = يضيق
– حيطان بيتك = تضيق
– ألعراق = يحفّ ويضيق
– كلّ شيء = ينهار ويضيق
ويتحقق التبادل العلاماتي مع المرئي / الفوتوغراف من خلال عناصر المشهد ، فالزقاق في الصورة ضيّق والبيوت ضيقة وواطئة والنعش ضيق ، بل وحتى بقية العبارة على جدار البيت الأمامي في الركن الأيسر بخط يدوي مرتبك والتي التقطت عين الكاميرا جزءاً منها ( دار للبيع ) كلها علامات تؤكد معنى الضيق سواءً بشقه المكاني أو بشقه الحياتي والمعاشي .
وعدا هذه العناصر الأرضية الضيقة والقريبة ، يبقى المدى ، وهو الكناية الجامعة والوحيدة في النص لكل العناصر السماوية البعيدة ، يبقى هو الإستثناء الوحيد الواسع ، أو هو فرصة الإنفراج والخلاص الوحيدة من هذا الضيق الأرضي الخانق والشامل :
( إلا المدى الشاسع الذي به تطير روحك الآن
واسع جداً ، وبعيد )

_____________________________________
(1) مربد التضامن العربي – وقائع مهرجان المربد الشعري الثالث عشر – ألجزء الثاني – إعداد وتقديم عبد الجبار داود البصري – دار الشؤون الثقافية / 1998 . ص – 57
(2) أسفار – فاضل العزاوي – مطبعة أوفسيت الحديثي – الطبعة الأولى – بغداد / 1976 . ص / 65
(3) ألأعمال الشعرية الكاملة – فاضل العزاوي – الجزء الأول – منشورات الجمل – ألطبعة الأولى / 2007 . ص / 174
(4) ألرائي في العتمة – شهادة – فاضل العزاوي – دار الجمل / 2016 . ص / 285
(5) ألمجموعة الكاملة للشاعر رعد عبد القادر – الجزء الأول – دار الشؤون الثقافية العامة – بغداد – 2013
(6) فلول – قحطان المدفعي – شعر – مطبعة الأهالي – بغداد – 1965
(7) أطراس – جيرار جينيت – ترجمة المختار حسن – فصل من الأنترنيت
(8) ألكتاب المقدس – العهد الجديد – أنجيل ربنا يسوع للقديس متى – دار المشرق – أيلول 1987 – ألفصل السادس – ص _ 50
(9) صورة بخيل الجاحظ – أحمد بن محمد بن أمبيريك – دار الشؤون الثقافية – ألنشر المشترك – 1986 . ص / 75
(10) ألإيضاح في علوم البلاغة للخطيب القزويني – حققه وعلق عليه وفهرسه الدكتور عبد الحليم الهنداوي – مؤسسة المختار – ألقاهرة – ألطبعة الثالثة 1998 . ص / 288
(11) قرآن كريم – سورة البلد – الآية / 16
(12) في التصوّف الإسلامي – قمر كيلاني – دار مجلة شعر 1962 . ص / 33

( ألمرفقات )
نماذج من نصوص أفضل فاضل

( نص – 1 )
في غفلة ٍ من السماء
صار الجميعُ أنبياء
المُهرّج
و الطَبّال
و الجارُ بالجَنب ِ
و البَهلوان ….
مِن بَعد جَلالة الوَحي ِّ
و قَـداسَة المُرسَلين
صارَ للدّيـن ِفي حَيينـا
فِـرقة ٌ للتَرفيـه ،
رائعة ……..!

( نص – 2 )
لو فقط
أعرفُ كيف أدلّ أفواه الجياع الى جسدي
والسواقي التي نَضَبتْ
الى دمي
والعصافير ، تلك التي صمتَتْ
لحنجرتي …
لو فقط
أعرف كيف أنثر جسدي بذوراً
فيأكل الطيرُ
و يُعشبُ المرعى …
لو فقط
أعرف كيف أقنعُ هذا الأفق أن ينفقني
مطرا
يشتري به قيظ المنتظرين
على تخوم اليباب ،..

الناسُ هزائمٌ
تملأُ القبور
( إنّ موتي انتصار )

( نص – 3 )
أُمّةٌ من تُراب ، تأكلُ من حَنظل تأريخِها زاداً يومياً هُوَ الخطيئةُ عينُها و تحرص أن تغتسل من الجنابَة .
سُراتُها سَقطُ المَتاع و السِفَل ، و حَفِيُّها كلّ عُتُلٍّ زنيم ؛ كريمُها مُمتَهَن وشريفُها منبوذ ، تطيعُ كالقطيع كُلَّ أكمَهِ عقلٍ و روحٍ و بصيرة ، و مَن ليس تحت جلبابه إلّا الزُورٌ و البُهتان ، زَرعُها خَضَدٌ و قُنَّب ،
و فَرَاشُهـا قِـرّاد ، مَشرَبُها مُهَل ومأدَمُها ضريع ، ليس يصلُحها أَمْرٌ من السماء ولا فِعلٌ في الأرض ،
لم تتعلّم بالقلم ولا بالصفعات ؛ صُحُفُها كـتُبٌ مزوَّرة وهُداتُها أنصاب ْ
جفّت الأقلام و رُفعتْ الصُحُف . .

( نص – 4 )
واسعٌ هُـوَ المدى الذي تطيرُ به روحُك الآن
و ضيّقٌ زقاقُ بَـيـتِـك ،
هل للأسى مِن لُغةٍ أُخرى غير خَشَب التوابيت ِ !
أعرفُ أنّ لقَلبِ أُمّكِ الآنَ سكاكينٌ موغِلَة في الرَهافةِ ،
و لأَهْلِكَ زَهرتان تذبلانِ ، هُما عيناك ،
و لَهُم ، مما تبقّى
قُبلةٌ أخيرةٌ سَقَطَتْ مِن خَدّك عند باب البيت في عُجالَة الوداع الأخير ،
لم يَعُد هناك مِن فرصة ٍ لعناق ٍ جديد ،
لماذا لا تَشِـي اللحظاتُ بقُرب حلول السَفَر الأخير !
لكان العِناقُ قَبَل أن يجيءَ أطول َ
و إغفاءة الشِفاه على أعناق مَن نُوَدّعَ
أشَدّ وَطأةً و اشتعالا…
..
تابوتُك الخَشبي ُّ الرخيصُ – أيّها الأميرُ – ضيّق ٌ
و زقاقُ بَيتِك ضَيقٌ ،
و الشبابيكُ المُتعَبةِ من الإنتظارِ الطويلِ كذلك ،
و أنفاس المُشَيّيعين َ ، أيضاً تضيق ،
و الهواء المَشنوق بغبار الدرب الذي سيفتقد خطواتكَ يضيق ،
و المَرأى في العيون التي يَزحَمُها الدَمعُ يضيق
و حيطان بيتك التي تتشبّثُ بملامح وجهك عليها و هي تهربُ ،
تضيق
بل حتّى العراقُ ، ذو النهرينِ ، فوق الخرائط يَجِف ُّ،
و يضيق …
كلّ شيء ينهارُ ،
و يضيق
إلّا المدى الشاسع الذي بهِ تطيرُ روحُكَ الآن َ ،
و اسعٌ جداً و بعيد ..
….
لَـوِّح ْ لنا الآن َ
مِـن هناك َ
لَـوِّح ْ
إنّا نَـراك ……

( نص – 5 )
و أُمُّكَ مازالت تنتظر ،
تُكذِّبُ في رحيلِك القبرَ
و الثياب
……
الثياب التي مازالت في غرفتك
مُعلّقة ،
أشرعة ً
لرحيلٍ مُقيم ،
هيَ تعرفُ حقّاً
أنّك لن تعود
لكنها
عراقيّة ٌ
تتناسلُ في عمرها انتظاراتُ الأرضِ كُلِّها،
و تُقيم
فتعلّمتْ أن تنتظر ،
لها ، في تمادي الأسى
بُرهةٌ
من الأَمَل الرَثّ تسقطُ فيها
كلّما استفاقتْ من نوم ٍ رَخـو ٍ
( لعلَّ موتهُ كان كابوس نوم ٍ)
( لعـل َّ …….. ،
كلّا ،.. … .. )
لتوقن بعدها رحيلك من جديد ،
و تفتحُ باب القلب
لانتظار ٍيَنهَش ُ
ذي أنياب ..

( نص – 6 )
في غيابِهم المُمْعن بالحُضور
سيكبرُ الشهداءُ الصِغار ُ
سيكتهلون َ
فينا
غيابةً للفَقدِ الفادح ِ
و نشتاق ُ
إلى نظراتهم الأخيرة
تلك التي ظلّت معلقةً منهم على شفاهِنا ،
قُبُلات ……
سينتظرهم العراق ُ
عند أقصى الوصول ،
و أنتظرُهُم
أنا أيضاً
عند أقصى العمر ، مُكتَهلاً ،
عَلّ واحداً منهم
يقفزُ راجعاً
من الطلقة إلى رأسه
و من دمِهِ المسفوح في الشارع
الى قَلبه ،
فيُبعث ُ
عِراقاً
بين يديه ِ
– مُطمئِنّاً –
أموت ..
…. .

( نص – 7 )
لا أدري إن كانوا سيعودون إلى البيت )
و أنا حزينٌ جداً ،
و مُشفقٌ جداً ،
و قلبي وجوهُهُمْ
مُذ غابوا عن البيت .
أنا حقّاً لا أدري
إن كانوا سيعودون يوماً إلى البيت
لكنني أذكُرُ أنهم كانوا دائماً يقولون لي
ماجدوى العودةِ إلى البيت
و الوطن
قد خرجَ – منذُ أن وِلِدوا –
و لم يعدْ …
أنا لا أدري إن كانوا حقّاً سيعودون إلى البيت
و هذا يُدمي حدّ النَزف ِ
قلبي
فأنْثَني ، على كبِدي
مُؤثّثاً حُزنا ،
فكلّما ناديتُهُم ،
سَمِعوا الوطن
و ازْدَروني !
و كلّما توسّلت ُ
أوغلوا في الرحيل إليه
و تركوني ؛
يقولون َ:
ليس الوصول مانبغي
بل الرجوع َ يوماً
إلى ضِفَّة ٍ
غادَرَنا منها ؛
نريدُ
أن نعودَ كُلّنا إليه ِ
لا إلى ما يُشبهُ البيت
لأنّـه ُ ….
– ثمّ أشاروا للوَطَن –

( نص – 8 )
مت ّ ُ،
وفي الطريق الى السماء
أعاقني الغَمام ،
أحالَ بَرقُهُ هُلامَ روحي مطرا ،
هَطَلتُ غزيراً
غزيراً
غزيرا ،
فوق قَبري ،…. فأَعْشَب ْ !
…..
… ألم أقُل لكِ ،
لأنّكِ معي ،
آخرتي
عُشبٌ وماء ْ ………. !

( نص – 9 )
تعالي معي نحلمُ بالمَطَـر ،
تعالي ،
دائماً ما يحتاج البَـرقُ الى حُلُمَـين
ليُومِـض …
واليقينُ ،
الى وَهْمَـين ،
ليكون !
تعالي معي نحلمُ بالمَطَـر ،
دائماً ما يحتاج البَـلَـل ُ إلى قطرتين
ليكتمل ،
والذَنْـب ُ
الى براءتين ،
وَوَهْـم ٍ
وامرأة ٍ مثلُك ِ ،
مَعَها ،
كُلُّ خطيئةٍ مَغْفِـرة ….

___________________________________________-

( نص – 10 )
يا طَريد
هل لي أن أُقاسِمك ؟
ربّما في الصَحْنِ الوَرَقيّ الرَثّ مايكفي للَوْعَتَين ،
و في اللُّقمَة التي تكاد ُ
و لا تكاد ُ
مايكفي من العَنى
لقَضْمَتين
و دمعتين
و شَهقَتين ؛
فإذا انتهيتَ من نَهْش قلبي فانتَظِر ْ
فما تناثر من الوَليمَةِ ، فُـتاتي
فاجمَعْني
و ادّخِرني لجوعِكَ القادم ِ
لا مَجْدَ أعظَمَ من أن تَسدّ رَمَقاً لثائر ٍفقير .
…..
رصاصٌ كثير
و رفاقُك يهربون
لكنّ الجوع أقوى من الرَصاص ِ ،
و في الميزان ِ
عند خالِق الجَوعى
تَميل كفَّةُ الماعون
فهل لي ، أن أُقاسِمك
مائدةَ انتصارِك النَحِيلَة
فهزائمي بَضّةٌ و سمينة ،
و لي انكسارٌ سافرٌ لا يَقْبل المُشاركة ،
سأُبْقيه لنَفْسي
حتى إذا ما رُحت ُعنك َ
و رُحت َ عَنّي
و استَفْرَدْتُ بروحي خالياً
بكيت ُ
و دعوتُ لك :
يا مُطعِم الطَير ، أعْطِهِ جناحين ،
يا مُنزِل المَطَر ، أَنْزلْهُ هنا ،
عليه ِ
حيث يَتَفَتّتُ طِينُك ،
يا مُنبِت َ الفَلَوات أنْبِتْ بين يديه القَمْح َ،
و ازرَعْ تُرابَ جَسَده القَحْط بالطواحين ؛
يا ربَّ الجائعين
إنّي لا أُشيرُ إلى ما نسَيت َ
بل إلى ما يَفِتُّ كبدي ،

يلوكُ السُحتُ و للجوع فَم ٌ
يدعو الله
ببراعـة
خلف كلّ دجّال ٍ بَطيـن !

( نص – 11 )
تعالَ نطِر …..!
هناك احتمالٌ ضئيلٌ ،
لكنّهُ
جديرٌ بالمحاولة ..!
تعالَ نتسرّب
مثل قطرة ٍ
الى أيّ جذرٍ بعيد ،
تعال نفعل أي شيء ٍ
غير هذا التشبّث المضحك بأطراف المهزلة ،
بعيداً
عن كلّ هذا الغبار ،
والقُبح ِ
واللاجدوى ……
تعال ….

( نص – 12 )
أبـي
مِن أين لي بوجهك َ الآن ؟
و المَدى ، شاسعٌ وضنين ْ
و بغدادُ
بعيدة ٌ،
إلّا عن الوَجَع …
من أين لي بكَ ألانَ ،
و الطفولة ُ
أوصَدَتْ بابها الطريّ في وجهي
منذُ سنين ،
و كهولتي ،
لا تُصدّق أني مازلتُ طفلا ً
لقد حَلَفتُ لها
بما تبقّى من دَبَق الحلوى القديمةِ على أصابعي !
فَمنْ أين لي الآن براحَتَيكَ ؟ ،
إنّ عطشي شديد ….
وأنا ،
أستحي أن أطلبَ الماء
فموسمُ الأمطار ما زال بعيدا
واللقاء ،….. بعيد ْ …….
..
..
..
في شتائي القَصيّ هذا ،
الصباحات ُ
مازالت – كما كانَتْ في الطريق الى المَدرَسَة –
باردة ً ،
ولكن هذه المَرّة ،
أنتَ بعيد …..

( نص – 13 )
أُمّي
لماذا تصنعين من نشيج دُعائك جسراً
للعبور إليَّ
وحَبْلُ البكاءِ قصير ،
والسماءُ شاهقة !؟
أُمّي
كيف يشفّك الحزنُ مثل صبّارة ٍ ، وأنتِ المَطَـر !؟
كيف لاشتياقي إليكِ أن يمشي على قدمين ،
وهو من ماء ؟
وكيف سيلتقي الماءُ بالمَطَـر ،
والغيومُ انقرضَت ْ
والسمواتُ حديد !؟…..

كانت خلسةً ، ليلاً ، تُوصدُ بابَ غرفتي بعد أن تُعبّئ نومي بما يكفي من أحلام ، وتنسى دائماً بابَ الحنين ، على مصراعيه مفتوحاً ….!
. . .
وفي مرّة ٍ هرَبتُ
من ذلك الباب ! ،
……
من غيركِ أنتِ ، يُرْجعُني ويوصدُ الباب …….!؟
. . .

..
.
طفلُكِ أُمّاهُ
مازال ذاك ….
يخاف أن ينام
وقلبُهُ مفتوح …!

( نص – 14 )
سيكونُ مؤلماً جداً أن أموت َ هذا الصباح !
تبقّى فيَّ الكثيرُ ، من الحُبِّ
ليتّسعَ قبرٌ ، لمداهُ الشاسعْ !
سيكون حزيناً ؛ وصادماً
وهتكاً ، لحُرُمات الله !
فأصابعي ، ليستْ لي …
بل هيَ للشجَرِ الذي أزرع
وللفَجر الذي أوقِظُ ؛
كُلَّ صباح ٍ
قبل أن يستفيق الناس
وعيناي َ ،
ليسَتا هُما … عيناي
بل شُرفتان حَطّتا على وجهي
مصادَفَة ً
وخطوتان ِ، لقَمَرٍ هارب ْ!
وجسدي ، …
قايَضْتُهُ ، بحقلٍ مُعشبٍ
منذُ خمسينَ عاماً
و ……… ونسيَ الحقلُ أن يأخُذه ، !!
،،
سيكونُ مُمِضّاً ، رحيلي
ولمّا يزل ذلك الطفلُ فيَّ
في انتظار العيد ، والحلوى
سيكون عاصفاً
وكُلّ تلك الزوابعُ المُخبّأة ؛ تغادرُني
وجارفاً،
وأنا انزفُ بحاري ؛ دُفعة ً واحدة !
،،
سيكونُ خطأ ً أن أموتَ ،
قبل التأكّد من استمرار مواسم المَطَر
وسيكونُ خسارة ً ؛ أن أموتَ
وقد بدأت تَوّاً مواسمُ المطر …!
وسيكون ظلماً مُجحفاً ، كَذلك
أن أموت
في يومٍ ، لم يَتَساقط من مَطَر
… هل لي رجاءاً أن أنتظر
… إلى يومٍ مطير ؟!!
فكيف يسقي الله الأرض بالمطر
دون جسدي !؟
ومن سيُدلُّ _ غيري _
قطراتِهِ التائهه ؛ تحت التراب
إلى مسارب الجذور ؟!
،،
سيكون مُعضلة ً
أن أموت
فلم أُعطِ _ حتى الآن _ أي تصريحٍ لأحّدٍ بذلك
وما قرّرتُ
حتى الساعة َ
إن كنتُ سأُدفَنُ
دون موافقة الحقل ِ ؛ _ الذي قايَضْتُهُ _
أو تصريح ٍ خَطيّ من المطر
،،
سيكون مشكلة ً لا حَلَّ لها ، حتماً
فالأمر ليس سهلاً ، حين يخلقُكَ الله أُفقاً ،
وحقلاً ،
ومَطَراً …
ويريد النَّاسُ جمْعكَ في حفرة !!
.
.
.
الله
كم سيكون مُدهِشاً
بعد كلّ هذا
أن أموت َ
كلّ صباح ….!
.
.
_______________________________________-
( نص – 15 )
ها قد عاد الجميعُ الى ما كانوا عليه ،
الجنودُ الى ثكناتهم
والناسُ الى أعمالهم
و حَجَرُ الأرصفة ِ إلى وَجَع الخطوات
والشوارعُ ،
إلى اللغَط البَشَريّ المُريع ؛
…………….
وَ حْدَها ،
عيونُ الأُمَّهات
ظلّتْ تَرتَقب
مَن راح َصباحاً بعدَ ( وْداعْةَ الله يُمّهْ )
و لم يَعُدْ

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

____________________________________________________

( نص – 16 )
في غيابِهم المُمْعن بالحُضور
سيكبرُ الشهداءُ الصِغار ُ
سيكتهلون َ
فينا
غيابةً للفَقدِ الفادح ِ ؛
و نشتاق ُ
إلى نظراتهم الأخيرة
تلك التي ظلّتْ معلقةً منهم على شفاهنا ،
قُبُلات ……
سينتظرهم العراق ُ
عند أقصى الوصول ،
و أنتظرُهُم
أنا أيضاً
عند أقصى العُمر ، مُكتَهلاً ،
عَلّ واحداً منهم
يقفزُ راجعاً
من الطلقة إلى رأسه
و من دمِهِ المسفوح في الشارع ،
الى قَلبه ،
فيُبعث ُ
عِراقاً
بين يديه ِ
– مُطمئِنّاً –
أموت ..
….
. .

( نص – 17 )
ليس ثلجاً
هذا الذي يَتَساقَط ،
قلب ٌ أبيض هناكَ في الأعالي ،
يَـتَـفَـتّـت ْ

 

 

 

 

 

 

( نص – 18 )
ستجدونهم هناك َ
حتماً
واقفين بانتظاركم ؛
نحيلينَ
مثل وتر الرَبابة
و منكسرين ،
مثل حُزنِـها …
يحتفلُ عند أرواحِهِم وجعٌ لم يُغادر
منذ أن اخترق الرصاص أبدانَهم !
ستعرفونهم ببساطة :
لهم في جراحِهِم مَساربُ للضوء لا تنتهي
و من عيونهم يطلُّ وطن ٌ، هو العراق …
قَبّلوا لي عيونهم
قَبّلوا الجِراحَ المُمطِرَة َ التي فيهم
قَبّلوا
إنّكم ، حقاً ، تُقَبّلون العراق ،

_________________–

 

( نص – 19 )
في الحفلِ الأخير ،
أَلبَسوا الوطن المُوغل بالنخيل
ثيابَ الراقصات ،
……. كان عُريُـهُ مُمِضّاً ….
والأكفُّ التي تُصَفّق ، ليرقُص
تَصفَعُني ، …
…. سأُعيرُكَ دمعي ثوباً ، وأنا أَشيحُ
عن جسدِك َ المُسْتَباح .
وطـنـي
كُلُّهم حضروا الحَفْل ،
كُلّهم …
تمادوا بنَهْش لحمكَ العاري
واقترفوا الحضور …..
….. و وحدي ،
بعيداً كُنـت ُ
أستُرُ ماتبقّى من ظِلّك في روحي بالغياب …..

 

( نص – 20 )
في اليوم الأوَّلِ
بعد موتي،
كان مؤسفاً أن أرى
أنَّ كلَّ شَيْءٍ تركتُهُ بعدي
بقيَ تماماً
كما كان قبلي!
ظلّت الأشجارُ التي كُنْتُ أراها خضراءَ ، خضراء !
والبحرُ ،
أزرقَ الوجهِ ،
ندوبُهُ الموجات
والرملُ ، ظَلَّ كما كانَ
مَهيل عطشٍ ، يلفظهُ الملحُ ..
والسماءُ ،
ظلَّت ، كما كانت
تتزَوَّقُ بالغيمِ
وتبكي بالمطر….
ظلَّ كل شيء تماماً كما هُوَ ،
حتى الدروب التي كانت في خطوي تُسافر،
والعصافير التي تلتقطُ الحَبَّ من حُنجرتي كل صباح ،
بل حتى أرغفة الخبزِ
تلكَ التي حَشَتني تنانيرَ ، وجَذَوات …
كلّ شَيْءٍ ظلَّ كما هُوَ،
كل شيء …….
…… ماعدايَ أنا!
أنظرُ في صورة الأشياء غيابي
وأنكَسِر،
أوصِلُ ظِلّي الى مكاني الفارغ
وأنتفي !
….
..
.
ياأيّها الموتُ:
ماأيقنتُ حقّاً قبلكَ حضوري ،
فلماذا تتعسَّفُ في مَحوي
لتُسفِرَ لي عن غيابي ؟!
.
..
…..
الحضورُ ، رماد
والغيابُ ، رماد
خَمَدَت نارُ الحطب ،
طابَ خبزُكَ
ياصاحبَ التنور ……!

.

————————————————–

شاهد أيضاً

تجلّيات اللغة في القصيدة السرديّة التعبيريّة
التعبيرية القاموسيّة
غافلة .. للشاعرة “عائشة أحمد بازامة”/ بنغازي–ليبيا
بقلم: كريم عبدالله

يقول سركون بولص : ونحن حين نقول قصيدة النثر فهذا تعبير خاطىء , لأنّ قصيدة …

شوقي كريم حسن: نجاة عبد الله….قصة الشعر!!

*هل يولد الشعر من رحم القهر الاجتماعي الذي يرافق الانسان منذ لحظات الاكتشاف الاولى حيث …

بلقيس خالد: إنطباع أول : رواية (هذيان / أيام فرناندو بيسووا الثلاثة الأخيرة)

ربما مَن لم يقرأ بيسوا، سيكون عمل الروائي أنطونيو تابوكي في روايته (هذيان) عملا ً …

تعليق واحد

  1. علي رحماني

    دراسةموضوعية ونقد جاد لقصائد عالية البناء شاعرها تجاوز الخطوط واصبح صوتا مهما …هكذا وجده الشاعر الناقد ليث الصندوق الذي عرفناه منذ ثمانينات القرن الماضي شخصية شعرية ثقافية متنوعة جادة …تحيتي ومحبتي وجل احترامي للأستاذ ليث وللشاعر المبدع الجميل افضل ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *