أحمد الشطري: رواية منازل ح17 لرغد السهيل بين التاريخية والسيرية

بدءا لابد من عرض بعض المفاهيم التي من خلالها يمكن ان نقترح توصيفا تصنيفيا لرواية منازل ح17 للروائية رغد السهيل الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت عام 2019. وهل يمكن اعتبارها رواية سيرة تاريخية ام رواية تاريخية؟
وارى قبل ذلك انه من الضروري هنا ان نشير الى انه لا يوجد تحديد مفهوماتي مانع جامع يمكن ان يفصل بين النوعين، كما من الضروري ايضا ان نميز بين السيرة الذاتية (الوثائقية) -ان صح التعبير- والسيرة الروائية سواء شخصية او غيرية فالأولى هي سرد تاريخي جامد مقيد بواقع تاريخي محدد، بينما الثانية وهي ما يعنينا نص ادبي يمتزج فيه الواقعي بالخيالي، وهو ما يمنح الجماليات البلاغية والوصفية مساحة واسعة للتجلي، مكونة حافزا اغرائيا؛ لإيجاد علاقة تفاعلية بين الراوي والمتلقي.
بينما يمكن ان نشير الى ان من خصائص الرواية التاريخية انها تستثمر الحدث التاريخي بشخوصه ومسمياته الجغرافية لتتخذ منه مبنى حكائيا للعملية السردية، مطلقة العنان للخيال احيانا ان يضع لمساته ويمتزج مع الواقع وهذا ربما ما أشارت له الروائية هيلاري مانتل بقولها:” أية رواية- تاريخية-، ما إن تنتهِ منها حتى تعجز عن فصل الواقع عن الخيال. إنها أشبه بمحاولة إرجاع المايونيز للزيت وصفارِ بيض. إن أردتَ أن تعرف كيف أُنشئتْ، سطراً بسطر، فإن ما أخشاه هو أن يكون أملك الوحيد أن تسأل المؤلف. لهذا السبب، بعض القراء مرتابون- بشدة- من الرواية التاريخية. يقولون: إنها، بطبيعتها مضللة”.
ووفقا لما تقدم يمكننا ان نحدد طبيعة قراءتنا لرواية ( منازل ح17), التي تتخذ من سيرة حياة امرأة تدعى(الطاهرة) مركزا وسندا لها، هذه المرأة التي مثلت احد رموز الدعوة البابوية التي انتشرت في القرن الثامن عشر في ايران والعراق، يشكل المنظور الايديولوجي لبطلة الرواية محورا اساسيا وباعثا مهما من بواعث الخطاب الروائي الذي شكل ركيزة اساسية للحدث السردي، والذي يسعى بشكل من الاشكال الى نقد الفهم السائد للفكر الديني ومحاولة تقديم فهم جديد لبعض موروثاته سواء من خلال اعادة توجيه تأويل النص السماوي لمعنى يختلف عما هو سائد او متوارث او عن طريق تقديم فهم مغاير للنص الروائي الديني وهو ما كانت تتبناه الشخصية الرئيسة للرواية والملقبة بـ (قمر الزمان).
لقد عمدت رغد السهيل الى تقديم سند توثيقي لكل فصل من فصول الرواية عن طريق الايهام بعنعنة المروي مجاراة لإسناديات النصوص التاريخية وهو فعل قصدي استند في بنائه الشكلي ايضا الى وثائقية تاريخية لمخطوطات رسائل قرة العين والتي جمعت في كتاب بكاء السيدة الطاهرة الصادر عن دار المدى لمجموعة مؤلفين. ومن خلال الرجوع الى الوثيقة التاريخية ومقارنتها بالخطوط العامة للمبنى الحكائي للرواية نجد ان هناك تطابقا تاما في كل او معظم تفاصيلها، ومن هنا فإننا نرى ان التوصيف الأكثر ملائمة وانطباقا لهذه الرواية هو انها رواية سيرية (بيوغرافية) و اعتبارها رواية تاريخية لمجرد انها تتخذ من الحفريات التاريخية مرتكزا لها هو مجازفة تصنيفية فيها الكثير من الالتباس، فثمة فارق بين استخدام البعد التاريخي كفضاء مسرحي للمتخيل السردي، وبين سرد الوقائع التاريخية التي تتناول شخصا ما في مجراها الواقعي بغض النظر عما يتخللها من متخيلات حدثية او حوارية.
بمعنى ان ماضوية الزمن ليست هي المحدد الوحيد في دفعنا لتصنيف الرواية على انها تاريخية، فلا بد من وجود عناصر اخرى قد يكون من بينها عمومية الحدث الروائي وتعددية الفواعل، وان انحسار السرد بالنمو الزمني لحياة شخصية ماضية ارى انه يقع ضمن اطار السرد السيري ومن الممكن ان نقول انها رواية سيرة تاريخية كما هي رواية رغد السهيل التي هي مدار البحث.
لقد ركزت الرواية في محتواها الايديولوجي على ثلاثة متبنيات فكرية منسوبة حقيقة او تلفيقا كلها او بعضها الى قمر الزمان او ما عرفت بالطاهرة او قرة العين الشخصية الرئيسة في الرواية وهي:
1- الدعوة الى وحدة الاديان من خلال البحث عن المشترك وغض النظر عن المختلف فيه.
2- الدعوة الى المساواة بين الرجل والمرأة ونفي افضلية الرجال على النساء. من خلال تفسير وتأويل للآيات القرآنية مغاير لما هو متوارث. متهمة تلك التفاسير باستنادها الى الفلسفة اليونانية التي تجعل من المرأة تابعا للسيد الرجل وهو ما تجسد بتصدي قمر الزمان لموضوعة الاجتهاد الفقهي وامامة المصلين وقيادة منبر الخطاب الديني.
3- الدعوة الى تبني مفهوم جديد لفكرة المخلص والتي تكاد ان تتفق كل الاديان السماوية والارضية على تبنيها وان اختلفت مسمياته واساليب ظهوره.
ان اشكالية المتبنيات الفكرية للرواية والتي هي في حقيقتها متبنيات استفزازية وتحفيزية تفتح في ذات المتلقي مساحة مهمة للحوار الداخلي والخارجي رفضا او تأييدا ومن هنا فأني ارى ان الاعمال الادبية التي تنطوي متونها على افكار جدلية لا يمكن ان تجعل متلقيها مستسلما لعملية الاصغاء السلبي بما تقدمه من اغراءات جمالية، فلا بد للحس الجدلي المضمر في ذات المتلقي ان يمزق غشاء الدهشة الجمالية ولو بعد حين.
ومما يمكن ان نشير اليه من خلال قراءتنا للرواية ان الروائية عمدت الى استخدام ما اسماه جيرار جنيت بتقنية (الانصراف السردي) او ما اسماه آخرون ما وراء السرد او الميتاسرد ومن خلال هذه التقنية تتجلى شخصية الروائي كطرف مهيمن على العملية السردية وهو نوع من الإيحاء كما اعتقد بتماهي شبح الروائي مع شخصية البطل في الرواية سواء بمتبناه الايديولوجي او بتحولاته النفسية.
كما ان من الملاحظات التي يجدر الاشارة اليها اننا لم نلمس ما يمكن ان يشعرنا بتعددية الرواة رغم ان هناك ما يشير الى ذلك في مسند الحكي فقد بقي السرد محافظا على احادية الاسلوب مع اختلاف وتنوع ثقافة الرواة.
ومن المهم ان نؤكد هنا الى ان الروائية رغد السهيل استطاعت من خلال رصانة اللغة ان تعكس لنا انسجاما ملفتا بين مميزات لغة الشخصية الحقيقية (قمر الزمان) ولغة السرد، وهو ما شكل عنصرا جماليا مضافا الى جماليات الرواية الاخرى والتي تمثل قوة جذب وتحفيز للمتلقي.

شاهد أيضاً

عدنان ابو اندلس: طلال الغوّار.. المسكون بالحب التكاملي

دراستي المنشورة في مجلة ” الموقف الادبي ” العدد 592- آب -2020 ، والتي يصدرها …

فاروق مصطفى: الدكتور فائق مصطفى وجهوده في دراسة الادب المسرحي العراقي

صدر كتاب جديد للدكتور فائق مصطفى الناقد و التدريسي الاكاديمي في كلية اللغات جامعة السليمانية …

خليل مزهر الغالبي: الخطاب العابر للأدلجة لرواية السماء المقَسَمة للروائية الالمانية كريستا فولف ترجمة الدكتور رياض احمد طه

الكاتبة الألمانية ” كريستا فولف (1929-2011)كاتبة حرة من جمهورية “المانيا الديمقراطية” انذاك، حصلت على عدة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *