حيدر حسن جابر: البنية السردية في روايات سلام إبراهيم (رسالة دكتوراه) (13) (ملف/57)

الدكتور حيدر حسن علي

إشارة:
مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي “سلام ابراهيم” نصوصه بدم التجربة الذاتية ولهيبها. وفي اتفاق مع إشارة خطيرة للباحث الأناسي العراقي البارع د. علاء جواد كاظم الذي اعتبر روايات وقصص سلام إبراهيم من مصادر الدراسة الأنثروبولوجية الناجعة في العراق نرى أن نصوص سلام يمكن أن تكون مفاتيح لدراسة الشخصية الوطنية مثلما استُخدمت نصوص ياسانوري كاواباتا لدراسة الشخصية اليابانية ونجيب محفوظ لدراسة الشخصية المصرية مثلا. الفن السردي لسلام ابراهيم هو من عيون السرد العربي الذي يجب الاحتفاء به من خلال الدراسة الأكاديمية والنقدية العميقة. تحية للروائي المبدع سلام ابراهيم.

الفصل الرابع: المبحث الثاني تقنيات زمن السرد
1- تسريع السرد
لعل من الواضح أن النص الأدبي شعرا كان أم نثرا لابد له من وجود إيقاع داخلي وخارجي يبنى بموجبه هيكل النص وتتحدد أبعاده , فإذا كان الإيقاع في النص الشعري يتكون من خلال علاقات صوتية وبلاغية تنتظم داخل القصيدة أو العمل الشعري وهي سمات وروابط بلاغية وصوتية ومنها الوزن والقافية فان النص الروائي ينتظم إيقاعه من خلال مجموعة العلاقات الزمنية التي تعتمل في النص في مَدَيَات اشتِغَالِيَة تعمل على ضبط عملية الإيقاع السردي التي يقدمها المؤلف والتي يتحكم بها من خلال ركائز تعمل على مد أو تقليص المسافة الزمنية للأحداث في النص ويعد جيرار جنيت من أهم الباحثين في مجال تلك الطرق – حركة السرد في النص – والتي هي أربعة أشكالا أساسية للحركة السردية منها اثنان يعملان على تسريع العملية السردية أو إبطائها وهما الحذف والوقفة السردية وهما من الحركات المتناقضة كون الحذف هو تسريع كبير جدا فيما الوقفة هي تعطيل لحركة الزمن السردي ووسيطان يتعادل فيها الحركة السردية هما المشهد والمجمل أو المختصر وقد جعلها تحت مسمى الحركات السردية الأربعة هذه الحركات السردية هي طريق المؤلف للخروج من الخط التسلسلي التتابعي للأحداث فالحاجات المتولدة إثناء نمو النص السردي تتطلب العودة للوراء أو القفز إلى الأمام أو الإبطاء أو الإسراع فمثلا ( ظهور أكثر من شخصية رئيسية في القصة يقتضي الانتقال من واحدة إلى أخرى وترك الخط الزمني الأول للتعرف على ما تفعله الشخصية الثانية إثناء معايشة الأولى لحياتها فالتزامن في الأحداث يجب أن يترجم إلى تتابع في النص ويتطلب ظهور كل شخصية جديدة عودة إلى الوراء لكشف بعض العناصر الهامة) لذا سيقوم الباحث في الباب الأول من هذا المبحث في دراسة طرق تسريع النص السردي من خلال تقنيتي الحذف والخلاصة أو المجمل وفي الباب الثاني سيقوم بدراسة طرق إبطاء النص السردي من خلال الوقفة والمشهد ( أن دراسة الأشكال الأساسية للحركة السردية تجعلنا نقف على ماهية الحركة الداخلية للزمن السردي في علاقاتها بزمن الحكاية ومن خلال الأشكال نستطيع تلمس إيقاع الزمن الروائي من حيث السرعة والبطء ) وهذا ينتج من خلال المعالجة المعيارية والتطبيقية لمظاهر السرعة والإبطاء في النسق الزمني السردي الذي يتواشج مع زمن الحكاية من خلال الخطاب الروائي المقدم من قبل المؤلف.
1- الخلاصة
لعل من أبسط مفاهيم الخلاصة هي الإيجاز السردي حيث يغدو زمن الحكاية أكبر من زمن الخطاب وذلك عند لجوء مؤلف النص تلخيص الواقعة أو الحدث من دون الولوج إلى تفاصليها الجزئية ,بل على العكس يعمد إلى الإشارة إليها عن طريق العمومية في التناول ,فالخلاصة أو التلخيص كتقنية زمنية تتجسد (عندما تكون وحدة من زمن القصة تقابل وحدة اصغر من زمن الكتابة تلخص لنا فيها الرواية مرحلة طويلة من الحياة المعروضة وتحتل الخلاصة مكانة محدودة في السرد الروائي بسبب طابعها الاختزالي الماثل في أصل تكوينها والذي يفرض عليها المرور سريعا على الأحداث وعرضها مركزة بكامل الإيجاز والتكثيف ) من خلال هذا المفهوم يعتقد الباحث إننا يمكن الاستنتاج بأنها ستتناول أحداثا على الأغلب ستكون مسترجعة فمن (الواضح إننا لا نستطيع تلخص الأحداث إلا عند حصولها بالفعل أي عندما تكون قد أصبحت قطعة من الماضي ولكن يجوز افتراضا أن نلخص حدثا حصل أو سيحصل في حاضر أو مستقبل القصة) لكن تبقى الوظيفة الاشتغالية للخلاصة كتقنية أكثر فعالية من خلال تناولها الأحداث الاسترجاعية كون تلخيص ما لم يحصل أو كونه محتمل الحصول سيبقى مرهونا باحتمالات عدم وقوعه فتكون سببا للإطالة كونها تناولت ما لم يحدث من الأحداث ومن هنا قد يحصل تناقض بين الدور الوظيفي للخلاصة الذي يسعى من خلاله المؤلف إلى إيجاز وتكثيف الحدث السردي ,ولقد حدد النقاد والباحثين للخلاصة أدوارا مهمة في بنية النص السردي منها ما يراه جيرار جنيت بان الخلاصة – أو ما يًطلِق عليها تسمية المجمل – بأن مفهومها ( ظل حتى القرن التاسع عشر وسيلة الانتقال الأكثر شيوعا بين مشهد وآخر) إذن فالخلاصة تؤدي وظيفة اللُحمَة بين أجزاء النص السردي الواحد حيث إن الاتصال بين أجزاء النص من الأمور التي تشغل بال المؤلف الروائي وذلك ما تراه الناقدة سيزا قاسم من إن (عملية تلاحم مقاطع النص الروائي من المشكلات الأساسية بالنسبة للروائي ) ويرى الباحث حسن بحراوي إن للخلاصة وظيفة مهمة وان اختلف زمن امتدادها بين الماضي أو الحاضر فهو يقول ( سواء كانت الخلاصة استذكارية تمنح موضوعها من أحداث الماضي أو كانت خلاصة مستجدات ترتكز أكثر على ما وصلت إليه الأحداث في الحاضر فإنها تكشف لنا بكامل الوضوح عن طبيعة العلاقة الجذورية التي تقيمها مع الزمن داخل القصة بحيث تتحول الخلاصة إلى ما يشبه البوصلة التي تخبرنا بما حصل أو يحصل من أحداث ) ,ومن الأمور التي تخص سمات الخلاصة الاشتغالية – أي ميدان اشتغالها في أرضية النص السردية – والتي كانت مثارا للبحث عند نقاد السرد هو المدة الزمنية التي تستغرقها الخلاصة وكيفية احتسابها والآليات المعتمدة في ذلك ,ولعل اختلاف المدة الزمنية التي يسعى المؤلف إلى اختزالها من خلال الخلاصة هي المسبب لذلك البحث عن طرق قياس أو تبويب الخلاصة إلى أبوابا معلومة (فهناك فرق وظيفي وبنيوي شاسع بين خلاصة تختزل عشر سنوات من زمن القصة وأخرى تختصر لنا يوما أو جزءا من اليوم ..بل يمكن القول بأنه كلما زاد طول المدة الملخصة كلما ازدادت سرعة السرد الذي تتم به الخلاصة ) , إن البحث عن وسيلة لقياس المدة الزمنية المختصرة والملخصة في يستدعي استخراج القرائن من النص ,وتلك القرائن أما أن تكون حوادث حقيقية تاريخية ,يقترن بها النص السردي من خلال توظيف الكاتب لتلك القرائن في أحداث نصه كما فعل المؤلف سلام إبراهيم حين وظف أحداثا تاريخية عدة في رواياته مثل الانتفاضة الشعبانية في آذار عام 1991 والحرب العراقية الإيرانية والاجتياح الأمريكي للعراق ,أو عن طريق ذكر تواريخ الأعوام والسنين بشكل مباشر,إلا إن انعدام القرينة التاريخية المباشرة استدعى أن تقسم الخلاصة كما يرى الناقد حسن بحراوي على ( ا- خلاصة غير محددة أصلا يكون من الصعب تخمين المدة التي يستغرقها بسبب الغياب الكلي للقرينة الزمنية المباشرة الدالة على طول الفترة الملخصة ,.. 2- خلاصة تشتمل على عنصر مساعد يسهل علينا تقدير تلك المدة عن طريق إيراد عبارة زمنية من قبيل بضع سنوات , أو أشهر قليلة ) , هذه القرينة قد تساعد على تحديد جزئي للمدة التي تستغرقها الخلاصة زمنيا ,ولقد اشتملت روايات سلام إبراهيم على أغلب أنواع الخلاصة تقريبا ففي روايته(في باطن الجحيم ) يورد المؤلف خلاصة في مقطع سردي يستمر لما يقارب الثلاث صفحات من الراوية عن تاريخ علاقة صداقة خالصة امتدت منذ أواسط السبعينيات من القرن الماضي حتى عام 2004 وهو وقت لقائهم مجددا فيقول الراوي :
( فتحت بريدي الالكتروني في صبيحة يوم ممطر عاصف من شتاء 2004 فوجدت رسالة مقتضبة من زميلي وصديقي ورفيقي – يحيى غازي رمضان – كان طالبا في المعهد الزراعي الفني ببغداد 1973-1974 حيث نشطنا وقتها بتنظيمات – اتحاد الطلبة العام – السرية وهو واجهة من واجهات الحزب الشيوعي العراق المتحالف وقتها مع البعث التي منعتها سلطة البعث بعد ستة 1975) يقدم لنا المؤلف خلاصة عن ماض من الأحداث تم حصولها فعلا فهي خلاصة استرجاعية هذه الخلاصة تم تحديدها من خلال الزمان والمكان فهي تمتد لتاريخ علاقة بين الصديقين منذ عام 1973 في بغداد إثناء زمالتهما في المعهد الزراعي الفني إلى وقت لقائهما في الدنمرك حيث يقطن البطل- وصديقه القاطن في السويد- في عام 2004 ,الخلاصة هنا تقترن بحوادث تاريخية عن ماض العراق السياسي تم إيرادها وهي من ضمن القرائن التي يمكن أن تحدد المدة الزمنية التي استغرقتها الخلاصة المقدمة عندما كونت الجبهة الوطنية للأحزاب المتحالفة مع حزب البعث آنذاك , مع إن النص تم تحديده بفترة معلومة من السنين المحددة بتواريخها وهي من عام 1973 إلى عام 2004 ,بعد هذه الخلاصة العامة التي أشار بها إلى مجمل تعريفي عن البطل وتاريخ علاقته مع الشخصية يورد لنا المؤلف مجموعة من الخلاصات المتعلقة بهذه الشخصية – يحيى غازي الأميري- فيقدم مثلا خلاصة تعريفية عنه بالمقطع الأتي قائلا :
( تذكرت كيف أخذني إلى مدينته – العزيزية- التابعة لمحافظة الكوت واللحظة التي دخلت فيها بيتهم مساء كنا نجتاز المدخل فلمحت من باب غرفة الاستقبال النصف مفتوح أباه بلحيته البيضاء الطويلة وثوبه الأبيض الطويل يمارس طقسا غريبا علي عندها فقط عرفت إن يحيى من الطائفة الصابئية ..أخذته إلى مدينتي -الديوانية – فأصبح صديقا لأخي الرسام كفاح عبد إبراهيم الذي قتلوه في أقبيتهم لاحقا ,ها انذا في طريقي إلى قطعة من ماض يذكرني باسطع أيام شبابي ) الخلاصة هنا مرتبطة بالمقدمة الزمنية التي حددها المؤلف بتواريخ زمنية امتدت من 1973الى عام 2004 وهي خلاصة استرجاعية تشخيص ملامح يحيى فيها عن طريق السرد فمن الخلاصة نستنتج انه يسكن مدينة العزيزية في محافظة الكوت في جنوب العراق وهو من الطائفة الصابئية وهي من الديانات القديمة التي كانت تقطن قرب حافات الاهوار في جنوب العراق ثم يستطرد المؤلف بالاسترجاع عن علاقته بيحيى بمقطع خلاصة لتلك التفاصيل بقول
( أفضى كل منا للأخر قصته منذ فراقنا عام 1975 لخصت سيرتي حتى الأنفال وتشردي مع زوجتي في معسكرات اللجوء التركية والإيرانية بالمقابل سرد أي ماكنه : استقال من وظيفته زمن الحصار وفتح محلا لبيع الذهب بالجملة قرب سوق السراي وانشغل بأمور الطائفة الصابئية والوسط الثقافي العراقي ) الخلاصة هنا هي استكمالا لمجرى السنوات التي مرت بعد أن تفرقا عام 1975 وعادته – سلام إبراهيم – يوظف الحدث التاريخي في ترصين الحدث السردي عنده فهو يورد زمن الحصار مما يحمل خلفية للنص تحيل إلى خارج النص وتعطي للمتلقي بعدا زمنيا يستطيع من خلاله أن يميز امتداد تلك الفترة الزمنية التي لخصتها واختزلتها الخلاصة . وفي روايته حياة ثقيلة يقدم لنا المؤلف سلام إبراهيم على لسان البطل خلاصة استرجاعية سريعة خاطفة تمثل رحلة عمر البطل فيقول:
(وحدي ..وحدي .. وحدي والستون تفرش أيامي تحتل لحظتي تحيط بي تحاصرني في سهري في سكوني في حركتي في أنفاسي في نومي في يقظتي أحملق في جدران الصالة التي امتلأت بصورهم حشد من الأحباب حشد من الوجوه المنيرة الضاحكة حشد غادر الواحد تلو الآخر هناك بعيدا في الرحم الدامي ) المقطع خلاصة لرحلة عمر تقف سنونها في العقد السادس من عمر الإنسان السريع فالبطل يصرخ متألما من وحدته وتكرار لفظة وحدي مع التنقيط بينهما هي صورة صوتيه أراد أن يرسمها المؤلف في ذهن المتلقي فهي امتداد لصوت الألم والعذاب من جراء وحدته القاتمة وهو يلاحق في كل تفاصيل الحياة في النوم واليقظة من تلك الذكريات المؤلمة وهو يحملق في صور الذين فقدهم على مدار تلك السنين الستين من عمره الماضي الخلاصة هنا غير محددة بتاريخ لكنها تحمل لفظة الستون مما يساعد على معرفة المدة الزمنية التي امتدت بها هذه الخلاصة وهي خلاصة تحمل طابع المناجاة والحديث الباطن مع النفس .وفي روايته (حياة ثقيلة ) يقدم لنا المؤلف خلاصة عن حياة شخصية احمد صديق طفولة البطل حيث تقدم بها شخصية احمد خلاصة لعقود من الزمان هي فترة الفراق بينهما منذ هجرة البطل إلى دول اللجوء وحتى لقائهما بعد الاحتلال الأمريكي لبغداد فيقول :
( قصصت كل شيء عن أولادك الثلاثة وبناتك الست ,عن عملك والمكتبة التي بنيتها في حديقة البيت تبيع فيها الكتب الدينية وصور الأئمة وأقراص تربة الصلاة والسبحات والشغل ماشي عن جهادكم زمن الحصار حيث صارت اللقمة صعبة عن تنقلك بين مهن عجيبة غريبة حمال نجار حداد ماسح سيارات صباغ أحذية وعمل زوجتك كخياطة وأولادك في شتى المهن والبيت الذي ستركم قرع الباب ثم دخلت زوجتك القصيرة بحجابها الأسود سمنت كثيرا وهرمت ) في هذه الخلاصة تم اختزال عقود من الزمن هي مجرى حياة الشخصية احمد وهو رفيق البطل في رواية حياة ثقيلة الذي اختفى من مدينة الديوانية بعد سفر البطل سلام والذي قام بالبحث عنه بعد عودته طويلا حتى وجده متخفيا في بغداد الخلاصة من خلال مفرداتها الخاصة بشخصية احمد تعطي انطباعا بأنها تمتد إلى ما يربو على العشرين عاما فعدد أولاد احمد التسع -البنين والبنات – تمثل عملية ولادتهم إلى فترة طويلة من الزمن وكذلك زوجته احمد – التي وصفها البطل وهو الراوي بأنها قد هرمت ,والفترة الزمنية التي تنقل بها أحمد بين الأعمال المختلفة , حداد , نجار, ماسح سيارات , صباغ أحذية …جميعا توحي بامتداد زمني يربو على العشرين عاما وتبقى القرينة الزمنية التي توحي بفترة الخلاصة هي الحصار الاقتصادي المرعب الذي طبق بقسوة على الشعب العراقي بعد استعادة صدام حسين للكويت وما تلاها من قرارات ظالمة ضد الشعب العراقي والتي عانى بسببها شتى أنواع الألم .
وفي خلاصة أخرى عن سعد صديق البطل الذي فقد في ظروف غامضة حين اختفى في الجبل أيام فترة الكفاح المسلح حين كان يرافق البطل يقدم لنا مجموعة من المقاطع السردية تمثل خلاصات متعددة مختصرا مصير مجموعة من الشخصيات حين عاد من جبهة الحرب بين العراق وإيران عام 1985 بقوله :
(اعتقل قبل شهر صديقي معلم الابتدائية جميل مكحط الذي له صلة حزبية بزوجتي سيعدم وتسلم جثته في العام نفسه ,يضاف إلى ما أسر به في آخر إجازة صديقي الشاعر علي ألشباني عن كتاب معمم على كل وحدات الجيش العراقي من مديرية الاستخبارات العامة َقرأهُ صديقنا ناظم كتان وكان جنديا احتياطا في قلم مركز تدريب الحلة سيقتل ناظم في جبهات الحرب العراقية الإيرانية ) نجد أن المؤلف قدم خلاصة عن شخصيات تعد هامشية في البنية السردية من حيث موقعها من البنية السردية لكنها تمثل نماذج من أنماط الشخصية العراقية المضطهدة في أيام حكم النظام السابق فالمعلم جميل كحط ضحية للعنف والاضطهاد الموجه من قبل السلطة ضد المعارضين والجندي ناظم كتان أنموذجا عن ضحايا الحرب العراقية الإيرانية التي أزهقت فيها أرواح العراقين مما كان يمثل كابوسا من الرعب الدائم الخلاصة هنا لواقع حال يمتد عمرا من السنوات هي حصيلة عمر المعلم جميل والجندي ناظم وكلاهما انتهى لمصير واحد هو القتل ,الخلاصة هنا انتهت في الثمانينيات كما يشير المؤلف للزمن ,إلا إننا يمكن أن نستنتجها من قرينة الحدث الحاصل في الحرب العراقية الإيرانية التي مر ذكرها في المقطع ,وعن شخصية سعد وهي شخصية رئيسية في الرواية وتدور حولها الجزء الثاني من الرواية (وينك يا بلدي ) يقدم لنا المؤلف مجموعة من الخلاصات التي تمثل مضامين مختلفة منها بيان حال عائلة عبر حقبة زمنية وهي عائلة زوجة سعد صديقه فيقول :
(أبوها كاتب عرائض محله مقابل مركز الشرطة المدينة القديم مات باكرا قبل زواجه منها بعام أما أمها فكانت قارئة حسينية ممن يقيمن مآتم ذكر الأئمة للنسوة في غرف الذكر ورثاء الموتى ستساهم هي وثلاثة من أبنائها في انتفاضة آذار 1991 عندما سيطر المنتفضون على المدينة وسيأخذها الجيش هي وأبنائها ويضيعون إلى الأبد أما بقية الأبناء فقد تناثروا في بقاع الأرض أكبرهم عالم ذرة يقيم في لندن قبل المذابح وأصغرهم صعلوكا قتل صبيا في عراك بالأيدي ) لخلاصة هنا تتعلق بشخصية زوجة سعد -الشخصية الرئيسية – وما يتفرع منها من علاقات فالأب كاتب عرائض متوفى وألام قارئة للنسوة في المآتم والمجالس الحسينية تختفي مع أبنائها الثلاثة عقب اعتقالها من قبل السلطة بعد اشتراكها في الانتفاضة الشعبانية عام 1991 وهو مصير مجهول لمئات الآلاف من العراقيين الذين غيبوا في معتقلات وزنزانات النظام إلى الأبد وبقية العائلة تناثروا مابين دول اللجوء حيث يقيم الأخ الأكبر في لندن وهو عالم ذرة فيما يقضي الأصغر عقوبة المؤبد بعد قتله صبيا ,هذه الصورة البانورامية عن هذه العائلة تم اختزالها بعدد من الأسطر إنما هي مسيرة حياة عبر سنوات طوال تمكن من خلالها المؤلف ان يبني عند المتلقي العمق التصويري المتخيل في مخيلة المتلقي عن عائلة زوجة سعد وأيضا تم توظيف الحدث التاريخي العام مع الحدث السردي الخاص للرواية حيث تمت التوأمة بين الحدث التاريخي وهو الانتفاضة مع مصير الجزء الأكبر من العائلة وهو إلام وأبنائها الثلاثة. وفي مقطع لخلاصة عن أصدقاء البطل وسعد الشخصية الرئيسية يقول الراوي وهو البطل :
(لم يتذكر سعد احد ولم يرد ذكره في مقاهي ومساجد وأسواق المدينة بعد أكثر من ثلاثين عاما من غيابه عنها فمن يتذكره والكثير ممن يعرفهم من أبناء جيله قتلوا في جبهات القتال مع إيران وفي السجون وفي قصف الطائرات والصواريخ الأمريكية وفي حربي 1991 – 2003 ومن تبقى مريضا يلوذ في المقاهي يجتر أيامه ) خلاصة لتاريخ شعب في ثلاثين عاما من السنوات العجاف توزع فيها البؤس على العراقين تمثلت في الحرب العراقية الإيرانية وما حصل فيها من إزهاق لأرواحهم وما حصل من تغيب وإعدامات لهم في زنزانات الموت وأقبية السجون وما حصل لهم تحت وابل قصف الطائرات الأمريكية في حربي عام 1991 بعد استعادة صدام حسين للكويت وما جرى من حرب مهولة استخدمت بها ترسانة الموت للجيش الأمريكي وحلفائه من الجيوش الغربية والعربية معا ضد الشعب العراقي وبعدها حرب عام 2003 واجتياح العراق وأخيرا تأتي حصة الزمن بأمراض الشيخوخة وعلل نهاية العمر تلك العوامل التي اجتمعت على افتراس الشعب العراق طيلة ثلاثين عاما تم اختزالها في الأسطر التي مثلتها الخلاصة الماضية الذكر وهي خلاصة استرجاعية تمثلت بالجانب التاريخي العام أكثر منها من الجانب الخاص للشخصية – سعد – وعن زوج ابنة سعد التي كبرت وتزوجت وأنجبت و ترملت يقدم لنا المؤلف خلاصة ذكية ذات ارتباط تاريخي بالحدث العراقي العام وهو الاحتلال الأمريكي فعند زيارته لبيتها تلبية لطلب شخصي منها بغية معرفة مصير والدها المجهول- سعد – يقول عن تلك الحادثة مختصرا مصير الزوج القتيل :
( ضغطت زر الجرس ورجعت خمس خطوات مبتعدا فتح رجل أشيب الشعر الباب ورحب بي عرفني بنفسه كان أخوك الذي يصغرك بأعوام دعاني للدخول وقال إن زوج بنتك قتله الأمريكان قبل ستة أشهر على الطريق السريع حينما اقترب بسيارته من رتلهم دون قصد وكان في طريقه إلى الديوانية من بغداد حيث كان يعمل أستاذا محاضرا في كلية الهندسة ) إن الاختزال العالي للحدث في هذه الخلاصة يتمثل في عودة البطل سلام بعد ثلاثين عاما ليجد إن بنت سعد تبحث عنه لمعرفة مصير والدها المجهول فتم اختصار بلوغها وزواجها وإنجابها لطفلين ومن ثم ترملها بعد قتل زوجها على يد الأمريكان وهي من الحوادث التي تكررت إبان الغزو الأمريكي للعراق , فالخلاصة هنا تركزت حول بناء صورة الشخصية -بنت سعد- واختزالها للمتلقي .ومن الخلاصات المحددة بقرينة المدة غير المرتبطة بتاريخ يقول عن سعد حين فقد توازنه اثر سماعه لخبر طلاق زوجته منه وزواجها بأحد ضباط الأمن فيقول :
(رقدت شهرين كاملين في غرفة الطبابة الكئيبة كنا نزورك كل يوميا وقليلا قليلا نهضت من صدمتك راجعا إلى حياة الثوار التي لا تعرف الهدوء ولا التراخي فالمقاتل مشغول على مدار الساعة في تفاصيل اليوم ) الخلاصة هنا تعرف مدتها بقرينة الشهرين الكاملين التي رقدها البطل في غرفة الطبابة اثر تعرضه للازمة النفسية الحادة بعد علمه بطلاق زوجته منه واقترانها بأحد ضباط الأمن وأخذها أطفاله معها .

2- الحذف
إذا كانت الخلاصة تعني تقديم إيجازٍ مختصر عن أحداث فترة زمنية فان الحذف هو القفز و تجاوز وعبور تلك الفترة , وكلاهما – الحذف والخلاصة – من طرائق تسريع السرد التي يلجا إليها المؤلف الروائي لتسريع وقع سير الأحداث وحذف ما لا يمكن استيعابه منها أو ما هو غير ضروري بغية تسريع سرد الأحداث زمنيا ,حيث إن (السرعة درجات أقصاها الحذف أي إغفال فترة من زمن الحكاية وإسقاط كل ما تنطوي عليه من أحداث:يلجا الراوي إلى الحذف حين لا يكون الحدث ضروريا لسير الرواية أو لفهمها ) ,إن النص السردي هو صنعة المؤلف التي يعمد إلى إظهارها وفق رؤيته الحرفية في التقديم الذي يستدعي دائما جلب انتباه المتلقي إلى العمل السردي ,فلكل رواية سرعة في الحركة و( لا توجد رواية تظل بنفس السرعة من أولها إلى آخرها وفي الحقيقة فان أوضح ما يحدث التوتر والإثارة هو استخدام سرعات مختلفة داخل الرواية وفي هذه الناحية يبدي الكاتب أكبر قدرة من مهارته) من خلال استغلال التقنيات التي يتبعها في سرعة سير الأزمنة في الرواية فهذه السرع المختلفة هي التي يتم من خلالها اختصار وإضمار أحداثا ما أو العكس من ذلك تطويل أو إبطاء الزمن السردي لرواية ويعد الحذف هو أعلى حالات السرعة في الزمن السردي وقد قسم الحذف عند أغلب النقاد وبالمقدمة منهم جيرار جنيت إلى
1- الحذف الصريح والتي تصدر عن إشارة محددة أو غير محددة للمدة الزمنية المحذوفة أي يمكن أن نقسم هذا الصنف من الحذف إلى
ا- الحذف الصريح المحدد كما في عبارة بعد شهر أو بعد سنة
ب- الحذف الصريح غير المحدد كما في عبارة بعد أشهر أو بعد سنوات
2- الحذف الضمني وهو القفز بين الحين والآخر بين الفترات الزمنية الميتة ولا تنوب عنه أية إشارة زمنية أو مضمونية وتكون من المهام التي تلقى على عاتق المتلقي حيث يسعى إلى اقتفاء اثر الثغرات الزمنية والانقطاعات الحاصلة في التسلسل الزمني
3- الحذف الافتراضي وهو قريب من الحذف الضمني كونه يشترك معه بعدم وجود قرائن واضحة تدل عليه أو على مكان وقوعه أو المدة التي استغرقها فليس هناك من وسيلة لمعرفته سوى افتراض حصوله من خلال ملاحظة الانقطاع الزمني وما يفترض من حصول أحداث خلاله من التقسيمات الماضية للحذف نستنتج إن الحذف يمكن أن يعتمد على الخبرة التحليلية التي يتسلح بها المتلقي عند غياب القرينة الدالة عليه والتي تختلف من متلقي لآخر حسب الدربة والدراية والتحليل الموضوعي والتي قد لا تتطابق مع ما أراده المؤلف للنص من وظيفة أو رسالة يحملها وفي المحصلة ( يبقى الحذف بمختلف وجوهه احد ابرز التقنيات المستعملة في الرواية ومن بين اعرق التقاليد السردية التي شهدت تطورا محسوسا في مظهرها وفي طريقة اشتغالها واقامت الدليل على أهميتها كتقنية زمنية وكعنصر بنائي لا غنى عنه في كل عمل روائي ) . وبالعودة إلى هذه الطريقة في تسريع النص في روايات سلام إبراهيم نجدها كباقي الأساليب والأركان السردية متوفرة بالكثافة والغزارة المعهودة عنه في رواياته حياة ثقيلة يقدم لنا في المقطع السردي القادم أنموذجا عن الحذف الممتد إلى مدة زمنية طويلة حيث يقول واصفا عملية اعتقاله مع صديقيه حسين وميثم بقوله :
(وقع بصري على يدي الأخرى مربوطة إلى قنينة غاز مليئة وجواري حسين دون حراك وكأنه ميت لم أجد ميثم ولم يقع بصري عليه إلا عام 2010 أي بعد ثلاثين عاما حينما دعيت إلى كربلاء لإقامة ندوة أدبية فرايته مبتسما بنفس ملامح شكله تلك الليلة يطل بنظرة ثابتة من صورته الفوتوغرافية المعلقة على حائط غرفة وسط حشد من شهداء شيوعي كربلاء بمقر الحزب الشيوعي ) الحذف هنا محددا بفترة زمنية هي ثلاثين عاما وهي الفترة الفاصلة بين اعتقالهم معا وبين رؤية صورة ميثم جواد الكربلائي وهي معلقة مع صور الذين تم تنفيذ الإعدام بهم الحذف هنا يمتد لحقبة زمنية طويلة جدا تمتد إلى عقود طويلة وهو حذف من النوع الصريح أو المعلن والمحدد بفترة زمنية واضحة هي الثلاثين عاما التي انقضت من حياة البطل منذ لحظة الاعتقال حتى لحظة مشاهدته لصورة زميله مع صور المعدومين ,حقبة من الآلام والأوجاع والاغتراب واللجوء في البلدان البعيدة ومن ثم العودة إلى الوطن ليجد زميله ميثم صورة من ضمن صورا معلقة لقوافل الشهداء في هذه الأرض . وفي نفس الراوي يقدم لنا المؤلف مقطعا يستخدم به تقنية الحذف لتسريع الحدث حين يصف مدة مكوثهم في الاعتقال مع أصدقائه في مديرية الأمن العامة في بغداد بقوله:
( لا ادري كيف انقضى الوقت لا ادري إذا كنت قد نمت أم لا كنت في ليل اظلم وسكون ورأيت نفسي في أمكنة موحشة عاريا ارتجف بردا وحبيبتي الصبية المطحونة سمارا صارت نائية بعيدة ) الحذف هنا من النوع الصريح الغير محدد بفترة زمنية بل هو زمن مفتوح والقرينة اللغوية الدالة عليه موجودة بعبارة محددة – كيف انقضى الوقت – فالبطل لا يعرف كيف مضى الوقت ولا يعرف حاله فهو معتقل في مكان موشح ,عاريا يرتجف خوفا وبردا وجوعا يحلم بالحبيبة البعيدة النائية عنه ,والذي باتت أخيلتها تمثل له استراحة الأمان للهروب من وحشة هذا المكان المرعب الذي تضيع فيه تقاسيم وعلامات الزمن فيغدو وحدة متصلة من الوحشة والظلام وفي مقطع آخر من نفس الرواية يقدم لنا المؤلف سلام إبراهيم استخداما لتقنية الحذف المسرعة لزمن السرد بقوله:
(في إرهاص أول للصراع الطائفي والقتل على الهوية الذي سيستفحل في الأشهر القادمة كنت استمع صابرا ومستقبل العراق يتارحج في الحوار بين من يقول بأنه سيكون زاهرا وجنة مستشهدا باليابان وألمانيا في أعقاب الحرب العالمية الثانية وكيف تطورتا بعد الاحتلال الأمريكي وآخر يراه مجهولا وثالث يصفه بالجحيم لم اشا الإفصاح عن وجهة نظري المخيبة لهم وانأ عابر أجيء شهرا أو عدة أشهر وأعود إلى مستقري الآمن في الدنمرك لم اشا فأمريكا طوال تاريخها لم تبن بلدا) الحذف هنا جاء في أكثر من موضع في هذا المقطع السردي فالحذف الأول ورد في عبارة الأشهر القادمة التي مثلث استباقا لموضوع العنف الطائفي الذي اجتاح العراق بعد الاحتلال في عامي 2005 – 2006 فالحذف هنا صريح ولكن مدته غير واضحة المعالم بل هي مجرد إشارة إلى كونها مجموعة من الأشهر القادمة والحذف الآخر وهو من نوع الحذف الضمني والذي يمثل انتقالا بين الأزمنة بدون وجود القرينة اللغوية الدالة عليه حيث تم تحديده من خلال سياق المعنى العام فقد ورد هذا النوع من الحذف في جملة اليابان وألمانيا في أعقاب الحرب العالمية الثانية ,فهي مدة طويلة من الزمن تم حذف تفاصيلها ولكن تم الاستشهاد بما جرى فيها من تطور لألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية أما الحذف الثالث فهو في جملة أجيء شهرا أو عدة أشهر فهو حذفا من نوع الصريح وغير المحدد كونه شهرا أو عدة أشهر وهي مدة متأرجحة وغير محددة بالضبط أما القرينة فهو موجود في الجملة , فيما جاء الحذف الأخير وهو أكثر أنواع الحذف ضمورا واختفاء في النص وهو الافتراضي في جملة فأمريكا في طوال تاريخها لم تبن بلدا , هذا الكم الكبير والمختزل من الحذف أعطى للنص انتقالات زمنية واسعة مها الفكرة الاستباقية لما سيحصل في فترة العنف الطائفي التي اجتاحت العراق ومنها الغور عميقا في تاريخ ما بعد الحرب العالمية الثانية فيما يخص ألمانيا واليابان ومن ثم المدة الزمنية لحركة البطل في ذهابه وإيابه ما بين العراق والدنمرك وأخيرا تاريخ أمريكا المعاصر ,هذا التنوع الهائل في استخدام الأزمنة والقفز عليها إنما هو دليل الاحترافية العالية وسعة الثقافة مضافا إليها الدربة العالية التي تمكنه من امتطاء الزمن والتنقل من خلاله وفيه .
وفي رواية في باطن الجحيم يقول يقدم لنا حذفا يتجاوز به مدة الأيام المعدودة غير المحددة برقم معلوم وهي فترة مكوث البطل وزوجته مع جموع المواطنين العراقيين الهاربين من السلطة إلى احد معسكرات اللجوء على الحدود العراقية التركية فيقول على لسان الراوي :
( مرت أيام ونحن في هذه الدوامة ومع زوال الصدمة حيث بدا الهاربون يتأقلمون مع الوضع الجديد ,خيم ,أرزاق منتظمة الوصول جلها تبرعات من أثرياء أكراد المنطقة الأتراك اشتد وضعنا تأزما ) الحذف هنا من نوع الحذف الصريح لوجود القرينة اللغوية وهي عبارة مرت أيام لكن المدة غير محددة فهي أيام غير معدودة فهو حذف صريح ومعلن غير محدد المدة , وهذا التسريع كان لتشابه الأحداث اليومية فهي عبارة عن انتظام اللاجئين داخل المعسكرات في الخيام وتلقي المساعدات مع التأكيد على شدة الوضع الخاص للبطل وزوجته بالتأزم .وفي مقطع آخر من نفس الرواية يقول واصفا حال المتهمين وهو يشاهد محاكمة رجال السلطة وهم في قفص الاتهام – بعد الاحتلال الأمريكي للعراق – ومقارنا بين أحوالهم وأحوال المعتقل العراقي في سجون السلطة أيام كانوا هم في سدة الحكم فيقول :
(لسبب جوهري أنهم لم يذيقوا الذل الذين كانوا يذيقونه لأبسط سجين على ابسط قضية .فما أن يلقون عليك القبض – وهذا ما صار معي في المرات الأربعة التي اعتقلت بها بين عام 1970 – 1980وانت في المدخل يبدؤون بضربك وشتمك ويستمر الإذلال طوال وجودك في المعتقل حتى ينزعون إنسانيتك فترى نفسك شيئا تافها يشبه الحشرة يسحقونها متى شاؤوا) المدة التي يستغرقها الحذف هنا مدة طويلة تمتد إلى عشرة أعوام منذ عام 1970 إلى عام 1980 وهي المدة الممتدة لفترات اعتقال البطل المتتالية والحذف هنا من النوع المعلن والصريح والمحدد بفترة زمنية معلومة ,فهو يقارن بين الإذلال الذي يتعرض له المعتقل العراقي في حال تم إلقاء القبض عليه لأبسط الأمور وبين حال رموز السلطة المعتقلين بعد الاحتلال عند السلطة الجديدة ,والسمة التي تجمع المدة المحذوفة هنا هي المدد التي استغرقتها عمليات اعتقاله المتكررة ونوع المعاملة التي كان يتلقاها وهي الإذلال والاهانة التي كانت تهدف إلى تدمير الإنسان من خلال الحط والتحقير, وفي نفس الرواية أيضا – في باطن الجحيم – ومن خلال استذكار البطل سلام لحياة رفيقه أبو جواد الذي مات تحت القصف الكيميائي في موقع زيوة في محافظة دهوك فالبطل – سلام- كان يسأله لماذا يخرج في المفارز القتالية رغم تهرب اغلب المقاتلين منها فيجيبه بأنها أحسن من الموت تحت القصف فيقول :
( نفس المكان الذي قضى فيه حكى لي قصته كونه لجا إلى إيران فاعتقل وذاق المر في سجن – ايفين- الإيراني قبل إطلاق سراحه فعاد إلى الثوار في الجبل وصار بهذا الحال يخرج في كل مفرزة مشغولا بالتنكيت والضحك والمرح حتى صار وجوده خفيفا يرفه من عناء يوم الجبل وثقله ) الحذف هنا من نوع الضمني الذي لا يوجد قرينة لغوية دالة عليه أو تحدده بوضوح لكن المتلقي يمكن أن يدركه من خلال الثغرات الزمنية الواضحة والقفر بين الأزمنة السردية التي يتحدث عنها الراوي فالحادثة كما هو مثبت بعد عدد من الصفحات من الرواية حصلت في 5-6- 1987في منطقة زيوة والحذف تم من خلال اختزال العديد من السنوات القاسية التي مر بها -أبو جواد- في إيران واعتقاله في سجن ايفين ومن ثم عودته لشمال العراق متسللا ومكوثه في معسكرات المعارضة في الجبال وأخيرا موته تحت القصف الكيميائي هذه الحذف لا يتم تحديده بواسطة قرائن لغوية دالة بل هو عملية استنباط من النص قد تصعب على المتلقي غير المتسلح بالخبرة والدراية العالية فاستنتاج مثل هذا الحذف هو مهمة ملقاة على عاتق المتلقي أو الباحث وفي مقطع آخر من نفس الرواية واصفا شعور والدته وهي تفجع بالمصائب المتوالية على عالتهم بقوله :
(ستفجع بعدي بابن بنتها أختي الكبيرة – وداد إبراهيم – مدرسة مادة الكيمياء في إعدادية الديوانية للبنات منذ مطلع السبعينيات فسوف يشنقون ابنها – محمد حازم مرتضى- مواليد 1973 ويسلمون جثته عام 1995 بعد مشاركته في انتفاضة آذار عام 1991 ) الحذف هنا محصورا بمدة السنين الأربع الممتدة ما بين عامي 1991 -1995 وهي فترة مشاركة الضحية في الانتفاضة العراقية التي حصلت عام 1991 في آذار ضد سلطة البعث والتي تم سحقها بالقوة المفرطة ومنها دفن المشاركين بها أو من يشك بأنهم شاركوا بها أو من ذويهم في مقابر جماعية ,والحذف هنا من نوع الحذف الصريح المحدد بفترة زمنية امتدت بين مشاركة الضحية -محمد- وتسليم جثته بعد تنفيذ الإعدام به .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.