صباح هرمز: “النوم في حقل الكرز” لأزهر جرجيس

مثله مثل يوسف زيدان في المقدمة التي كتبها لروايته (عزازيل) بأسم المترجم، في سعي منه لإيهام المتلقي بأن روايته هذه مكتوبة باللغة السريانية، ويعود زمن كتابتها الى عام 431م، كذلك يلجأ أزهر جرجيس في المقدمة التي كتبها لروايته (النوم في حقل الكرز) الى الطريقة نفسها في المقدمة التي كتبها لروايته هذه بأسم المترجم أيضا، لإيهام المتلقي، في محاولة منه لإقناعه بحقيقة وقوع أحداثها، وذلك من خلال التعويل على المخطوطة التي كتبها سعيد ينسين باللغة النرويجية وترجمتها الى اللغة العربية من قبل المؤلف الذي ينوب عنه السارد الضمني في سرد الأحداث، أثر وقوع ساعي البريد بخطأ غير مقصود، في وضعه لبطاقة الدعوة الموجهة لجاره في صندوقه، ليغدو هذا الخطأ عاملا مساعدا لتعارف السارد على رئيسة تحرير صحيفة داغ بوستن الواسعة الإنتشار، لحضوره حفل يوبيلها الذهبي، حيث تسلمه (هيلينا يورستاد)، وهذا هو أسمها، في هذا الحفل مخطوطة نرويجية مكتوبة بخط اليد لنشرها، منتظرة كل هذا الوقت من أجل ان تعثر على مترجم للعربية.
نستدل من هذه المقدمة، بغض النظر من أن السارد الضمني هو الشخصية الرئيسة في الرواية، أن أحداثها مبنية على التناقض أو الإيهام، إبتداء من إستلام السارد رسالة جاره التي وضعها ساعي البريد عن طريق الخطأ في بريده، مرورا بأسمه (سعيد)، وإنتهاء بمفردة (الجنة) الموعودة في النرويج، والتي تتكرر كثيرا في الرواية، فضلا عن الظروف الكارثية التي حلت في العراق، بسبب الغزو الأمريكي والأحزاب التي جاءت بها أمريكا لتحكم العراق بعد سقوط نظام صدام.
واللافت للنظر أن هذا التناقض يخلو من الغرائبية وتهويل الأحداث، ويستند الى الأحداث الحقيقية التي مرت بكل فرد من أفراد الشعب العراقي بالتعبير عنها بأسلوب ساخر وبدون زعيق ولا مغالاة أو خطل. ورغم ذلك نجد المتعة في قراءتها، والجمالية في أسلوبها الميتا السردي. أقول بالرغم من ذلك، لصعوبة بلوغ الرواية هذه الثنائية، بمعزل عن التزاوج بين الخيال والغرائبية، أو بين الواقع والخيال التي تعيشها شخصيات الرواية، وتمر بها أحداثها. ذلك لندرة من الروايات التي أتخذت من هذا الأسلوب نهجا لها، أستطاعت أن تشق طريقها بنجاح، وروايتنا هذه هي واحدة من هذه الروايات. ولكن هذا التناقض لم يكن ليظهر في هذه الثنائية، بمنآى عن تطعميها بالسخرية، ليفضي الى وضوح خطاب الرواية من جهة، وإشاعة الكوميديا السوداء فيها من جهة ثانية، وتجلي بنياتها السردية المستقاة من أسلوبها السهل الممتنع من جهة ثالثة.
يظهر أول ما يظهر هذا التناقض في أسم بطل الرواية الذي هو (سعيد)، بينما هو عاش الى آخر يوم في حياته تعيسا، فقد ولد دون أن يرى والده، لأنه كان قد أعدم لأفكاره اليسارية، وترك العراق وأمه ودراسته الجامعية، لنكتة تافهة عن قائد الضرورة، وعانى الأمرين في طريق هجرته الى النرويج، وماتت الفتاة التي أحبها في هذا البلد، ودهست الشاحنة جمجمة والده الذي أخرج جثته من أحد القبور الجماعية على أمل أن يدفنها في حقل كرز كي يتحول الى شجرة كرز، شانه شأن جاره النرويجي (ياكوب يوندال) الذي أشترى بعد بلوغه السادسة والثمانين عاما حقلا للكرز، أوصى أن يدفن فيه بعد مماته. إلآ أن لوضعه من قبل جنديين بلا رتب في الحوض الخلفي المكشوف لسيارة البيكاب، وهو يحمل الكيس الذي بداخله جثة أبيه، وبسبب إرتفاع البيكاب الى الأعلى وهبوطها، ما أدى الى سقوط الكيس وما فيه على الطريق:(مرت في الأثناء شاحنة نقل سريعة ودهست الجمجة وسحقت العظام المتناثرة.).
وإذا كان التناقض الأول يقترن بأسم بطل الرواية، فإن التناقض الثاني يكمن في مفردة (الجنة) التي تتكرر أكثر من خمس مرات. تأتي في المرة الأولى مرتين على التوالي على لسان صديق سعيد (جمال)، من خلال تأكيده على أن العراق بعد سقوط النظام، سيصبح جنة مثل لاس فيغاس، وفي المرة الثانية على لسان السارد وهو يخاطب صديقه جمال مازحا، مع أنه يعد ما يقوله نكتة الموسم، لعدم قناعته بأن نرويج هي جنة: (خلاص يا باش مهندس! قررت الذهاب الى لاس فيغاس.). وفي المرة الثالثة تطلق هذه المفردة من قبل عبير، وهي تدعو سعيدا بالعودة الى بغداد قائلة: (أن بغداد قد تحولت الى جنة، وأنه لا يمر عليها شهر دون معرض فني أو نشاط ثقافي. .). وفي المرة الرابعة ساخرا سعيد وهو يقول: (لماذا تأخرت كثيرا بالعودة الى بغداد؟ بغداد جنة يا ناس. . ).
وإذا ما تابعنا مدى مصداقية أصوات الشخصيات المتعددة (البوليفونية) التي نعتت النرويج وبغداد بالجنة، لنرى أن الأحداث التي تواجه بطل الرواية، سواء في بغداد أو النرويج، تقع بعكس ذلك تماما. فالدلال الذي تحظى به الجالية العراقية في النرويج، كما أخبره أحد أصدقائه في عمان، لم تكن سوى كذبة، أو كما تأتي في الرواية آخر نكتة الموسم. ذلك أنه لم يحصل على اللجوء في النرويج إلآ بشق الأنفس، وأن رئيسته في العمل: (هذه العجوز الستينية النحيلة، تكرهه بالفطرة، وتشعر حين تراه بأن عقربا قد لدغها في ما بين فخذيها). أما بخصوص إقامة المعارض الفنية والنشاطات الثقافية شهريا في بغداد وبدون توقف، يكفي أن السارد أثر عودته الى بغداد وهو في طريقه الى الفندق، أن يرى نصب الحرية وهو من أبرز الرموز الفنية والثقافية في العراق، مصفرا وقد نالت الشظايا من ساعديه، ليفهم أن (عبير) التي ترتبط به بعلاقة حب هي الأخرى تكذب عليه، في سعي منها لربما الى تطوير هذه العلاقة الى زواج. بينما الجملة التي تأتي على لسان السارد في تساؤله عن سبب تأخره بالعودة الى بغداد، بوصفها جنة. ما هي إلآ صرخة سخرية مقرونة بغضب بوجه الذين أوصلوا بغداد الى الدمار والخراب: (كانت الميليشيات قد بدأت آنذاك بفرض سيطرتها على أحياء بغداد، وامست لكاتم الصوت الكلمة الفصل في التنافس بينها. مصطلحات جديدة هي الأخرى باتت تردد في المقاهي والصحف ونشرات الأخبار، سيارة مفخخة، حزام ناسف، عبوة لاصقة، ميليشيات شيعية، ميليشيات سنية. . الخ.).
أتبع السارد النظام الترقيمي في سرد أحداث روايته، موزعا إياها على ثلاث وستين رقما، شارعا بها في ثلاث صفحات للإستهلال، وصفحتين للخاتمة بعنوان (تتمة). تبدأ الرواية بحلم السارد بأبيه الميت، وتنتهي بهذا الحلم كذلك. ويتكرر هذا الحلم في الرواية تسع عشرة مرة بالتمام والكمال. كما أن أحداثها لا تسير بشكل متسلسل ونظامي سليم، وإنما وفق طريقة القفزات التي تتداخل فيها الأحداث، لتتقدم الأحداث المتأخرة على الأحداث المتقدمة، وبالعكس الأحداث المتقدمة على المتأخرة. وعمد الى إتباع هذه الطريقة، إبتداء من مستهل روايته التي تبدأ من حيث تشرف على نهايتها، وعبير تحثه بضرورة العودة الى بغداد فورا، لأمر هام وغير قابل للتأجيل. وهذا الأمر الهام يتمثل بالعثور على مقبرة جماعية تضم أربعين جثة لليساريين الذين أعدموا في زمن صدام، وقد تكون جثة والد السارد ضمن هذه المجموعة، ليقوم بدفنها في قبر يليق بالتضحية التي قدمها لأبناء شعبه، جاعلا من حياته قربانا له.
تزحف الأحداث المتأخرة هكذا على هذا المنوال في الرواية الى الرقم (9) تحديدا الصفحة (32)، حيث تشرع الرواية من البداية الى الرقم (13) ص44، حيث تبدأ بتقدمها المتأخر، وهكذا دواليك الى نهايتها، يستمر السارد في لعبته الفنية هذه القائمة على أسلوب المبنى الميتا – سردي في الرواية، من خلال التعويل على الوثيقة، أي مخطوطة الرواية المكتوبة باللغة النرويجية، وظهور صوت السارد وأصوات عدد من الشخصيات الثانوية فيها، بالإضافة الى إستخدام أسلوب ظهور الأب في أحلام أبنه السارد. وفيها غالبا ما تتلاشى صورة الأب، وتكون ملامحه غير بادية للعيان، والأصح هو يتعمد ذلك، وهذا التعمد ما هو إلا صرخة التنديد والإحتجاج بوجه الذين تحملوا مسؤولية قيادة العراق، ولهثوا وراء مصالحهم، ناسين ضحايا القبور الجماعية، وقد يوحي هذا التلاشي الى صعود الأب الى السماء، بإعتباره شهيدا.
إن السارد تجنبا لإنزلاق أحداث روايته بإتجاه المباشرة والتقريرية من خلال الثنائية التي عول عليها، فقد واجه هذه الثنائية بأسلوب يقف بالضد منه تماما، لغموضه. بسبب إعتماده على تفسير وتأويل الرموز المقرونة بالأحلام التي تترآى للسارد، ألا وهو الأسلوب السوريالي. وهو بذلك خلق نوعا من التوازن بين الأسلوبين. الأسلوب الغارق في الواقعية، والأسلوب السوريالي.
ولأن حبكة الرواية تكمن في قبر الشهيد، وأحداثها تتجه نحو تعرية الذين حكموا العراق بعد عام2003، فقد لجأ السارد من خلال تكرار الأحلام الى التصدي لكل المثالب التي جاءت بها الأحزاب الحاكمة، معبرا كل حلم عن مثلب لا يشبه المثالب الأخرى ويختلف عنها.
وإذا كانت ملامح الأب غير بادية للأبن السارد في الحلم الأول، فإنه في بقية الأحلام تتلاشى، كما في الحلم الثاني، عندما تحجب سرب الخفافيش عنه الضوء، في إشارة واضحة الى خيانة وغدر أزلام السلطة التي أستلمت زمام الحكم بعد زوال نظام صدام للشهداء الذين أعدموا في زمن الطاغية: (تراءت لي حين قرأت التقرير جثة أبي نائما على ظهره في حفرة يكشف عنها القمر، فندهت عليه، لكن سرب خفافيش سوداء حجب عنه الضوء وتلاشى.). أما الحلم الثالث يوحي عبر أرتفاع منسوب الدماء في الحافلة، الى دماء العراقيين التي سالت بفعل الإقتتال على الهوية: (أرتفع منسوب الدماء وبدأت أختنق، التفت الرجل النازف نحوي، فكان أبي.). والحلم الرابع في إحتراق المنزل الى دمار وخراب بيوت كل العراقيين: ( مددت يدي كي أزيل القماشة اللعينة عنه، لكن أمي خرجت من بين النار وهي تحملني، فسقط السقف علينا، وتلاشت صورة أبي من سقف الغرفة.). وفي الرابعة الى كتابة التقارير عن أبيه أقرب الناس اليهم وهو خاله الحزبي: (أشعلت سيجارة أخيرة لعل دخانها يكمل وجه أبي، لكن كلب الجيران وقف تحت الشرفة ليطلق نباحا على دفعتين: هف. . هف، فأنتبهت، وتلاشى.). وفي المرة الخامسة متسائلا ومعاتبا رفاقه عبر جملة: (أين قبري؟). : (مددت يدي كي أمسك به محاولا الوقوف لكنه تلاشى. .). وفي السادسة، بالإيحاء بنظرة تشاؤم الى مستقبل العراق: ( وهو ينظر نحو أبنه بشفقة على غير العادة. كان مكشوف الوجه تماما، وسيما ومشرقا رغم أنهار الحزن المحفورة في جبينه. مددت يدي نحوه، فأمسك بها أخيرا، وتلاشينا.).
وإذا ما حاولنا ثانية تحديد الجمل والعبارات التي يوحي اليها السارد، لفك رموزها للأحلام التي تترآى له، لوجدنا أن الخيانة في الحلم الثاني تستمد ركيزتها من سرب الخفافيش السوداء التي حجبت ضوء الشمس عن الضحية. وفي الحلم الثالث من مفردة (الحافلة) الرامزة لبيوت كل العراقيين، والرابع الى كلب الجيران، والخامس الى رفاق الضحية، والسادس الى الشفقة بأبنه لقراءته لمستقبله ومستقبل العراق، بما يوحي الى المجهول أو الطريق المسدود. ولكن في هذا الحلم لم يتلاش الأب لوحده فيه فقط، بل تلاشى معه السارد، عبر مفردة (تلاشينا) في إشارة واضحة الى تلاشي الكل، في إيماءة توكيدية الى صعوبة عودة العراق الى سابق عهده.
بالإضافة الى الثنائية التي وظفها السارد في بناء معمارية روايته هذه، بالتوازي مع الأسلوب السوريالي الذي يعتمد على الرمز المشبع بدلالات موحية، فقد وظف حبكة الرواية المتمثلة في قبر الأب المفقود أيضا، للغرض ذاته، بإعتبار هذه الحبكة، تكشف عن تناصها مع نصيين آخرين، وتلعب دورا بارزا في تجلي أبعاد خطابية الرواية، وهما نص مسرحية: أنتيكونا لإسخيلوس وسوفوكليس. ونص رواية: حدائق الرئيس لمحسن الرملي.
مثلما تبدأ الرواية بجملة:(أين قبري)، كذلك تنتهي بالجملة نفسها. كما أنها مثلما تبدأ برسالة عبير التي تحث السارد بالعودة الى بغداد، لإكتشاف مقبر جماعية، كذلك تنتهي بمحتوى الرسالة نفسها والموجهة اليه من قبل عبير أيضا.
ويكشف تناص هذه الرواية مع مسرحية أنتيكونا من خلال إلحاح أنتيكونا على دفن جثة شقيقها، بالضد من سعي خالها كريون الرامز للنظام، بعدم دفنه، ومع حدائق الرئيس عبر مناهضة قسمة دفن رأس والدها دون العثور على جثته، بيد ان سعيها بهذا الإتجاه يبوء بالفشل لإعتراض رجال القرية عليه. شأن نظامنا الحالي الذي لم يكتف بعدم الإهتمام بقبور الشهداء وإهمالها، وإنما قام بدهس جمجمة الأب، لتتبعثر عظام هيكله العظمي في كل الإتجاهات، وهو بذلك من خلال ممارساته هذه فاق بأضعاف ما مارسه كريون تجاه أنتيجونا، وأضعاف ما مارسه رجال القرية حيال قسمة. :(لقد سمعت صوت أبي وهو يصرخ قبل أن يتهشم رأسه تحت إطارات الشاحنة).
بالرغم من ان الغلبة في الرواية هي للسرد الذاتي، بوصف السارد الضمني هو بطل الرواية، إلآ أنها تبدأ بالسرد الموضوعي، من خلال الوصف الخارجي للأب، وهو يقف على ساق واحدة مثل تمثال أصابته شظية تائهة. وبعد أربعة أسطر ينتقل الى السرد الذاتي، عبر جملة :(حاولت الإقتراب منه)، وبعد كلمة واحدة وهي:(لكنه) ينتقل الى تعدد الأصوات الصامتة، المتمثلة في إشارة الأب نحوه ألآ يقترب، وفي الصفحة نفسها يمتزج صوت السارد بصوت الأب، وهو يقول: (أين قبري؟). ثم مرة أخرى يعود الى السرد الذاتي: ( أقتربت منه بغية التعرف على ملامحه.). ومن جملة: ( كان يملك ثقبا واسعا في جسده، الى آخر جملة في الصفحة: ( في الجزء السفلي منه.)، الى السرد الموضوعي، بالتعويل على الوصف الخارجي الذي بدأ به وبالسرد الموضوعي في بداية الرواية.
في هذا الإستهلال المتضمن صفحة واحدة فقط، لم يشتغل السارد على كافة أنماط السرد الروائي الى حد ما فقط، وإنما على حبكة الرواية أيضا، كاشفا عن الحدث الرئيس لها، من خلال الإيحاء الى موت الأب بشكل غير طبيعي، وعدم العثور على قبره. ومثل ما أشتغل السارد في الإستهلال على مختلف الأنماط السردية، كذلك فإنه بالطريقة نفسها يشتغل في نهاية الرواية، وبالتأكيد على جملة (أين قبري؟) التي تأتي مرتين الرواية، مرة في إستهلالها، ومرة في نهايتها. متنقلا من السرد الموضوعي، كما في جملة: (كان ياكوب قد أشترى بعد بلوغه السادسة والثمانين. ..). الى السرد المخاطب، كما في: ( سيد ياكوب لماذا تريد الدفن في هذا الحقل؟). وفي هذه الجملة أيضا التي تدل على السرد المتكلم المخاطب، والسارد يخاطب والده ليكشف من خلالها خطاب الرواية وإنغلاق نهاياتها، عبر القرار الذي يتخذه السارد بالرحيل الى النرويج: (لكني أود أن أصارحك بأنك قد فشلت مرتين، مرة في حياتك، ومرة في مماتك، فلا حياتك حياة ولا مماتك ممات! عذرا يا أبي لا أريد أن أكون فاشلا مثلك، لذا قررت الرحيل.
( النهاية المقفلة هي طريقة في إنهاء التعبير عن فكرة ما أو محاججة، لذا فإن طرح النهايات المقفلة وإستبعادها يعني الولع بالمحاججات المفتوحة النهايات، وهو ما يعني أن ثمة رغبة ملحة لدى الكاتب في التلميح بان الكثير مما يمكن قوله في هذا الشأن.)1.
إن السارد على إمتداد الرواية لا يخفي تعاطفه مع اليسار، ربما بحكم إنتماء والده الى هذا الطرف، ولكنه في النهاية يتحرر من هذا الإنحياز، وذلك عقب إطلاعه على حقيقة موقف الأحزاب التي جاءت بعد عام 2003 من الشهداء. وهذا الإنحياز غالبا ما ينطوي على الروايات التي تنتهج منحى السرد الذاتي، أو الروايات التي يقوم بسرد أحداثها البطل المركزي، شأن روايتنا هذه. وبهذا التحرر، يتخذ السارد موقفا محايدا من شخصيات وأحداث الرواية من جهة، كما تتغير شخصيته من السلب الى الإيجاب من جهة أخرى، بإتجاه عدم الإنحياز لأي طرف دون الآخر أو على حساب الآخر. وتتماهى شخصية البطل المركزي في هذه الرواية الى حد كبير مع شخصية بطل رواية (الحلم العظيم) لأحمد خلف. إذ كلا الشخصيتين يتخليان عن اليسار الذي كانا يتعاطفان معه، في روايتنا هذه بالرحيل، وفي الحلم العظيم بالإنتماء الى الطرف الفلسطيني. ليعود كلا الساردين في الروايتين المذكورتين الى تدوير إنحيازهما في نهاية الرواية.
المصادر:
الرواية المعاصرة، مقدمة قصيرة جدا. تأليف روبرت إيغلستون. ترجمة وتقديم لطيفة الدليمي. الناشر دار المدى. الطبعة الأولى 2017.

 

شاهد أيضاً

محمد مهدي الجواهري: ما ورد عنه في كتب في ضوء مسح افتراضي
أ.د. صالح جواد الطعمة

مقدمة: أدرك جيدًا أن توثيق منجزات الجواهري عبر قرن وما كتب عنه أكثر تعقيدًا وصعوبة …

شوقي كريم حسن: داود سلمان الشويلي… وضوح الأشتغالات المعرفية

*عند خط الفصل بين سومر بكل ارثيتها العجيبة، وامتدادات زقورة اور، واللاله الجالس في العلو، …

صباح هرمز: بنيات السرد في روايات “محسن الرملي”

1- الشخصية: يقول رولان بارت معرفا الشخصية في الحكاية بأنها: (نتاج عمل تأليفي) كان يقصد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *