غانم عزيز العقيدي: ســـكان البيوت الأربعة (2)

حـمــد
في يوم من أيّام الجمعة من أواخر شهر مايس , وكان أبي والخالة رمزية يقضون أيّام الجمعة عادةً بيننا في بيتنا, وتتفنن الخالة رمزية بإعداد طعام الجمعة المميز، من الأكلات التي يحرص أبي على ان تكون دسمة، ونتناولها بعد عودته المعتادة من كل صلاة جمعة.
قرع جرس الباب قبل الظهر بقليل, وخرجت مسرعاً الى الباب الذي كانت نجيمة قد سبقتني إليه,كانا رجلٌ وإمرأة , كانت المرأة في العقد الخامس من العمر تقريباً ليست بالطويلة بدينة , يبدو على وجهها آثار الكبر وقد بالغت في كحل عينيها ، ترتدي الزي العربي وتلف نفسها بعباءة، أمّا الرجل فكان يبدو أصغرمنها بكثير، وسيماً طويلاً ممتلئاً ذو صدر عريض كأنّه رياضي، يرتدي بنطلون من الجينز وقميص شبابي وقد صقل شعره الأشقر المدهون بطريقة لافته للنظر.
بالباب صافحني الرجل ، وسلمت عليّ المرأة فرحبت بهما و دعتهما نجيمة الى الدخول , والتفتت اليّ قائلةً :
أمي وزوجها السيد حمد.
سألتني الخالة رمزية :
من قرع الجرس؟
قلت:
إنها أم فواز وزوجها جاءت لزيارتهم.
علقت الخالة رمزية شيئاً وهي تهز برأسها قائلةً:
لاحول ولاقوة إلا بالله, كلما أفكر في موضوع عائلة فواز البائسة, يزداد حنقي على تلك المرأة، التي أرتضت لنفسها أن تترك، أولادها وبيتها وهي في هذا العمر لتتزوج, وتتركهم ليواجهوا صعوبة الحياة ، وهم أشد ما يكونوا بحاجة الى الإحتضان والحنان وخاصةً صغارها ردينة وأكرم, وما فعلته بتلك العائلة المسكينة التي غامرت بمجيئها الى الموصل هرباً من الألسن التي تلاحقها في تلك الضاحية نتيجةً لذلك.
عاد أبي من صلاة الجمعة, واجتمعنا جميعاً على مائدة الغداء, أخبرته الخالة رمزية :عن زيارة أم فواز وزوجها الى أولادها, لم يعلق أبي العائد من صلاته للتو, والتزم جانب الصمت.
لا أدري مالذي شدني الى نجيمة، وهي تنظراليّ بوجه ملؤه الخجل وهي تكاد أن تجهش بالبكاء, عندما عرفتني على أمها وزوجها العتيد حمد بتلك اللحظة التي وقفناها على الباب سويةً, وقدرت موقفها المحرج أمامي.
لا أعرف كيف شدني التفكير بحمد المتشبب الصقيل، ذو الجسم الرياضي والذي بقيت صورته عالقة في ذهني ،وكيف إقترن بمهدية أم فواز؟ وماهو السر في ذلك, وهي عجوز تشارف على الخمسين من العمر, لا تملك أي شيء من الجمال ولامن مقومات المرأة الجمالية مترهلة ذات وجه عادي وبدن قصير وأم لأربعة أبناء أكبرهم نجيمة ذات العشرين عاماً ..وهو قد قارب العقد الرابع من العمر.

البيت الثا لث

خـولـة وحسـن
ألمح أبي الى أنّه ينوي أن يؤجر إحدى الغرف الفارغة الى شاب من أهل الحي, قد تزوج حديثاً، ويعيش و زوجته مشاكل مع أهله, داخل بيتهم الصغير الذي ضاق عليهم، وهم عائلة كبيرة ولازالت أمه تنجب, ولأسباب أخرى, وأضاف بأنّه يعرف الشاب جيداً, ممتدحاً أخلاقه كما أمتدح أهله, وكنت أعرف أنا ذلك الشاب, وهو فعلاً كما قال أبي عنه, وهو يعمل في أحد محال غسل وتشحيم السيارات القريبة من منطقتنا، وتقع على الطريق الى المدرسة التي كنت أدرس فيها, وكنت أراه أغلب الأحيان في طريقي الى المدرسة, وهويضع على صدره واقية من المشمع تصل الى ركبتيه, وحذاءً مطاطياً كما كان أغلب العمال كذلك ,وكنا نتبادل التحية كلما ألتقينا وكلما كنت أراه.
إستأجرحسن الغرفة المجاورة لسكن فواز, ونقل أثاثه البسيطة مساءً على عربة مسطحة تسحب باليد، وهي صندلية وبعض المنامات, وأواني معدنية من قدرين صغيرين وطاوة من الفافون وبريموس، وغيرها من الأواني البسيطة, وقد ساهمتُ في مساعدته بإدخال أثاثه الى البيت, كما رحب به وبزوجته كل من فواز ونجيمة, التي بدا عليها الأرتياح وهي تهتم بخولة زوجة حسن التي قد بدت عليها آثار الحمل واضحة، وكأنّ نجيمة قد عثرت على شيء ما كانت تبحث عنه من قبل, وقامت على وجه السرعة بإعداد وجبة من حساء البصل والسمن النباتي مع الخبز لضيفيها حسن وزوجته.
إلتحق فواز بالخدمة العسكرية بمنطقة الحبانية ,بعيداً عن الموصل التي كان يتمنى أن يقضي خدمته فيها, وكان لإلتحاقه الأثر الكبير لدى نجيمة التي عادت لاتعرف ماذا تفعل بعد تلك التطورات في مجرى حياتها وحياة عائلتها, وباتت تواجه لوحدها ولأول مرّة المسؤولية, ومع أنّ التحاق فواز بالعسكرية , وبقاء ردينة في عملها ببيت الطبيبة, خفف عنها شيئاً من العبء الذي كانت تتحمله ,إلا أنّها بدأت تعاني من الوحدة,خاصةً أن زينب ويمامة ، مشغولتان عنها بالأمتحانات النهائية، لكنّ رفيقتها الجديدة خولة كانت تخفف عنها همومها النفسية بالهروب من واقعها فيما سببته أمّها لها ولعائلتها.
تعودت رؤية مهدية المتصا بية بين حين وآخر وهي تتردد على أولادها صحبة زوجها الصقيل, وخاصة أيّام الجمع وقد بالغت بكحلها، وهي تضع في معصميها أساور من ذهب وتزين صدرها بقلادة , وكانت العائلة تحس بالإحراج في كل زيارة لتلك المرأة، إلا انّها تتقبلها في نزاع داخلي بين القبول والرفض, وكان الصغيرأكرم أكثر أفراد العائلة تعلقا ًبأمه, وهو يلازمها أثناء تلك الزيارة، وكنا نستمع في الآخر الى الجدال الحامي الذي يدور بين الأم وزوجها من جهة، ونجيمة وفواز من جهة أخرى, وعادةً ماتنتهي الزيارة بمغادرة الأم وزوجها شبه مطرودين.
لقد كانت شخصية نجيمة قوية وناضجة ،الى الحد الذي رفضت به أن تتزوج بالكثير ممن تقدم لها مفضلة البقاء مع إخوتها.
سألت نجيمة:
كيف توافق أن تزوج حمد هذا بأمك مع فارق العمر الكبير بينهما، وأنتم تعيشون بالقرية وهو من سكان المدينة؟

قالت نجيمة :
كما تعلم أنّ من يسكن الريف عادةً لابد له من أن يمتهن مهنة الزراعة، وأن لنا في القرية قطعة أرض زراعية مساحتها سبعون دونم ورثناها عن المرحوم أبي، تزرع ديميا بالإعتماد على الأمطار، وأن قريتنا تقع ضمن الرقعة الجغرافية المضمونة الأمطار،الأمر الذي يكون أنتاجها فيه مردوداً ممتازاً في الموسم المطير، وأقل منه في الموسم قليل المطر. وعادةً كما هو ديدن كل الفلاحين، يقوم أحد المزارعين الكبار بزراعة تلك الأراضي التي بضمنها أرضنا، ويوفر كافة المكائن من الجرارات الزراعية في الحراثة والبذار، والسيارات والحاصدات وغيرها من متطلبات الحصاد الأكثر تحضيراً واستعداداً. وأعتاد ذلك المزارع أن ينّصب مخيمه قريباً من أرضنا، وقد أعتادت أمي بعد وفاة المرحوم أبي أن تخبز للمخيم في فترة البذار والحصاد, وكان الوقت آنذاك في موسم الحصاد، عندما عمل حمد سائق لدى المزارع في ذلك الموسم، بعد أن توقف عمله بنقل البضائع من الموصل الى حلب, والى بيروت والى الموانئ السورية واللبنانية وبالعكس نتيجة لتوتر العلاقات بين الجمهورية العراقية والجمهورية العربية المتحدة التي تمثل سوريا ومصر .وتولى حمد مسؤولية جلب الوجبات المسائية والصباحية من الخبز من بيتنا الى المخيم ،وكانت أمي عادة تستيقظ مع الفجر للقيام بالخبزعلى التنور،إنتظاراّ لمجيء حمد لأخذه ، وحمد شاب وسيم وطويل وذوجسم رياضي وشعرأشقر كما رأيته, وقد علم حمد بأنّ لنا قطعة أرض مزروعة سيتم حصادها، الأ مر الذي بدأ به الرسم على أمي الأرملة واستطاع بعد إغوائها, أن يوقعها بحبائله وتم الأتفاق بينهما على الزواج بالسر بعد أن جاء بعدد من عمال المخيم ،مثّل أحدهم دور الملا وشهد إثنان على زواجهما ، ثمّ أُثيرت بعد ذلك الفضيحة الي جاءت بنا أخيراً الى هنا، بعد أن أخذ حمد أمي ومبلغ الحاصل، ولم تعطنا منه إلا الشيء اليسير الذي بالكاد كان يسد رمقنا.
قلت:
وماذا عنهما الآن؟
قالت:
إن حمد قد عاد الى عمله كسائق في سيارة الحمل، ينقل البضائع من العراق والى بيروت والى الموانئ السورية واللبنانية وبالعكس, وقد تستغرق رحلته في كل مرة أكثر من عشرة أيام , وأضافت أن حمد كان في أغلب الأحيان يصحب أمي معه في سفرياته , ولكن ليس في كل مرّة,وقالت نجيمة :
لقد إكتشفت أنّ حمد يستغل أمي، حين يسمح لها بمرافقته الى بيروت بتهريب الذهب، ذلك الذي أشترته من ثمن الحبوب الذي أستلمته من المزارع ،والذي يتصرف به حمد على سجيته, وقد علمت منها ذلك بعد أن سأ لتها عن سرأختلاف الذهب التي تلبسه عند زيارتها لنا, والذي يختلف في كل مرة عن الأخرى.
أعترفت أمي بأنّ حمد هذا يصحبها معه كغطاء لتهريب الذهب ،بعد أن يلبسه إياها بالخفية وعلى إعتبار أنّها كبيرة بالسن تكون بمنأ ى عن التفتيش وخاصةً بسيارة حمل.ثمّ يقوم ببيعه وخاصةًً في بيروت حيث يكون سعره أعلى لكونه من عيار أثقل من الذهب هناك
قلت لنجيمة:
إن حمد هذا ثعلب ماكر
قالت نجيمة بحرقة:
نعم هو كذلك وقد لا أفاجئك إذا قلت: أنّه يعاقر الخمرة التي تفوح منه في أغلب زيارته لنا ، كما أنّه يتعمّد أيضاّ الى أن يغازلني خفيةً وأنا أتحمله درءاً للفضيحة.
لقد نقلت لي نجيمة صورة قاتمة جداً عن هذا الرجل،وعن الورطة التي إنسحبت إليها السيدة مهدية، والتي من خلالها دفعت تلك العائلة المسكينة ثمن التصرف غير العقلاني لتلك الأم المتصابية.

البيت الـرابع

الحـــاج صــابـــر
أخبرنا أبي بأنّه أشترى بيتاً قديماً في حينا، يقع على الشارع الرئيسي, وإنّه قد أمهل ساكنيه شهراً واحداً لإخلائه, كي يعيد بناؤه بعد هدمه لغرض إنشاء عمارة ، تحتوي على مجموعة محلات وشقق , وأنّه قد قرر أن يؤجر الغرفة الباقية والمجا نبة لغرفة حسن , الى أحد معارفه من أصدقاء الجامع الذي كان ساكناً بذلك البيت، وهو رجل كردي من أهالي السليمانية وزوجته وإبنته الشابة, وإنّه يعيش في الموصل منذ زمن طويل بعد أن جاء ليعيش فيها بعد خروجه من السجن، لقتله أحد الأشخاص على أثر مشاجرة بينهما لايُعرف سببها بالضبط, ولكن ما يشاع عنها أنّها مسألة دفاع عن الشرف, وحسب أبي فقد قضى الرجل سبعة أعوام من السجن بتهمة القتل العمد دون الترصد, وقد تمت تسوية قضيته مع أهل الضحية، على أن يغادر المدينة، الأمر الذي أتى به الى الموصل، وقد أمتدح أبي أخلاقه ومواظبته على الصلاة وأرتياد الجامع وحضور الصلاة في مواعيدها.
لا نستطيع الإعتراض على قرارات يتخذها أبي مطلقاً، وهو السيد الآمر الناهي في هذا البيت, ونحن نعرف أنّ كل حركة تجارية يتحركها , تصب في التا لي لمصلحتنا.
إن الحاج صابر المكنّى بأبو سكّينة، كهل يقارب الخمسين من العمر, يعمل في بيع كباب الطاوة، الذي تصنعانه في البيت زوجته حليمة وإبنتها الشابة آسيا, وتتكون من اللحم المفروم والمنعّم بدقه بواسطة سكّينه الحادة التي أشتهر بها وأقترنت بإسمه, ثم ُيقطّع على شكل دوائر صغيرة تقلى بالسمن النباتي. توضع في جفنة مدورة عميقة ,وتغطى بقطعة سميكة من القماش, يقوم الحاج صابر بحملها على رأسه يومياً الى السوق، بعد أن يضع واقية من القماش السميك تحتها, وكان الحاج صابر قد أخذ مكانه في البيع في شارع العدالة ،بجا نب باب أحد الفنادق القريب من سوق الأحذية. يبيع الواحدة بعشرة فلوس ،وقد مضى عليه زمن وهو في تلك الحالة، وفي ذلك المكان وقد تعود الناس على رؤيته في ذلك المكان طيلة أيام الأسبوع عدا يوم الجمعة الذي يتفرغ به للراحة وأداء صلاة الجمعة في الجامع.
رحـلـــة الحــج
دعاني أبي في المساء الى زيارته في مكتبه صباح اليوم التالي, لأمر هام لم يفصح عنه, الأمر الذي جعلني أتقلب في منامي أفكر في الموضوع الهام الذي يريد أن يكلمني فيه, وقد ذهب بي التفكير الى نجيمة، وإنّه ربّما تسّرب له خبر من أحد إنني على علاقة بها, وكنت أشك أنّ الخالة رمزية ربما تكون وراء ذلك , ثمّ أعود لأستبعد هذا الموضوع وأذهب الى موضوع زواجه من الخالة رمزية، , ثمّ أنصرف الى موضوع آخر، وهكذا بقيت قلقاً تلك الليلة الى ساعة متأخرة من الليل, حتى داعب النعاس جفوني.
في الصباح أفصح أبي أنّه ينوي زيارة بيت الله الحرام حاجاً، وأنّه يعد إستحضاراته وقد أتفق هو ومجموعة من أصدقاءه ومن جملتهم جارنا وصديقه المقرب الحاج غزال على ذلك.
قال أبي :
أنت الآن اصبحت رجلاًً، وهذا يعني أنك مبعث فخر لي ولإخوانك, وأنك جدير بالمسؤولية التي سأحمّلك إيّاها أثناء سفري لأداء الفريضة , وأنت تعرف انّ الذهاب الى الحج ليس بالأمر اليسير،وأن الذهاب والآياب بيد الله سبحانه وتعالى , وتحوطاً لأي طارئ لاسامح الله فإني قد قررت أن أنقل أملاكي بإسمك ،وأسم إخوانك بما فيها العمارة التي أُنشؤها والتي أشتريتها مؤخراً,عدا البيت الذي تسكنه رمزية فهو لي,وقد عملت لها توكيلاً به دون أن أخبرها وسأودعه لديك، ولا أريد ان يطلّع أحدٌ ابداً على موضوعنا هذا , وخاصةً رمزيّة. وأريدك أن تعرف أنّ ما أفعله هو دين للمرحومة أمك في رقبتي ،ولابد لي أن أؤديه,حسب شرع الله, جزاءً ووفاءً, لأنّها هي التي دعمتني برأس المال الذي أشتغلت فيه بالبداية, وكنت دائماً أقول لها:
أنّ كل ما أملك من ما ل فلك نصف فيه ، لأني لم أسجل بأسمها سوى البيت الذي تسكنوه الآن أنت وإخوتك. , و سنذهب الأن الى المحكمة لأهيء لك التوكيل الخاص بذلك على أن تكمل أنت مايتبقى لإنجاز ذلك.
لقد أثرّ فيّ كلام أبي تأثيرا عظيماً، وكأنّه يتحدث عن نهاية العالم، الأمر الذي دفعني الى أن أحتضنه وأقبله، وأنا أردد :ستعود بالسلام ستعود بالسلامة إن شاءالله حاجاً مغفور الذنب.
أهتممنا كثيراً بموضوع سفر أبي الى الحج , الأمر الذي يعني غيابه عن البيت ما يقارب أربعين يوماً، وهي المرة الأولى في حياتنا التي يتركنا فيها أبي مثل هذه المدة الطويلة, وبالرغم من أن أبي وخلال المدة التي سبقت سفره ،كان يهتم بتوفيرمتطلبات بيتنا وبيته من المواد الغذائية التي كان يقع على عاتقي نقلها الى السرداب، وترتيبها حسب القناني التي كان أبي يهتم بتصنيفها، وكذلك الأواني وبعض المساحيق وغيرها من متطلبات البيت حتى يوفرعلينا عناء شرائها خلال مدة سفره.
كان أبي كلّما أجتمعنا سويةً يوصي الخالة رمزية بنا، ويحرص ويؤكد على وجوب رعايتنا في غيابه , كما طلب منها عدم تركنا لوحدنا طيلة مدة سفره والبقاء في بيتنا ،كما كان يحرص دائما على أن نستمع الى توجيهات الخالة رمزية فيما يخص شؤوننا، وعدم مخالفتها في ذلك.
أعدت الخالة رمزية أحتياجات أبي من مستلزمات السفر الطويل، من المواد الغذائية الجافة كالبرغل والرزوالشعرية وقطع صغيرة من دوائر الخبز, وكذلك السمن الحيواني والراشي والدبس والشاي والسكر وغيرها من اللوازم. كما قامت زينب بتحضير مستلزمات أبي من الملابس وأدوات الحلاقة والصابون , كما تمّ وضع المناشف الخاصة بمناسك الحج في حقيبة صغيرة تحسباً لسهولة إخراجها عند الحاجة.
حان موعد سفر الحجاج وأبلغ المتعهد بنقل الحجاج بالتجمع في منطقة باب البيض الساعة العاشرة صباحاً من يوم السبت.
منطقة باب البيض التي يتجمع فيها الحجاج ومن هناك تنطلق رحلتهم الميمونة باتجاه الديار المقدسة لإداء الفريضة، تقع في الجهة الغربية من مدينة الموصل القديمة موازية لسورها القديم الذي لم يتبق منه شيء يذكرن وقد ذكر ان التسمية كانت لوجود سوق لبيع البيض، ومنهم من يقول أنّ البيض بكسر الباء،هي السيوف التي ترمز الى الشجاعة والرجولة والإقدام، وخلاصة القول كانت باب البيض تعتبر مركز التجمع، لإنها واقعة ومحاطة بعدة أحياء في الجانب الأيمن من مدينة الموصل، فيحيط بها من الشرق منطقة الحويرة والقنطرة من جهة باب الجديد، والمنصورية والأوس ومحلة المحمودين، وجنوبا جوبة العكيدات ووادي حجر،وأبرز ماأشتهرت به سابقاً سوق الجمال والخيل، الذي أصبح مركز التجمع فيما بعد، وأما أدارة الحملة تدارمن أبرز جوامعها جامع الزيواني المسمى بجامع باب البيض.
كانت الساحة التي تجمعت بها سيارات القافلة الثلاث, تتضمن باصين خشبيين كبيرين وملحق بهما سيارة حمل توضع فيها حاجيات الحجاج وفق نسق منظم يعرف من خلاله كل حاج مكان حاجياته.
تجمع المودعون من النساء والرجال والأطفال بإحتفالية مؤثرة جداً، و قام الحجاج بتوديع ذويهم وأحتضننا أبي وقبلنا واحداً واحداً، وقد أغرورقت عيناه بالدموع , ثمّ سلّم على الخالة رمزية التي دعت له بالصحة والسلامة وأكدّ عليها بوجوب رعايتنا .
أخذ الحجاج أماكنهم وبدأت القافلة بالتحرك وسط زغاريد النساء وتلويح الحجاج بأيديهم الى المودعين، وقام البعض بإلقاء الحلوى على الحجاج , وكانت زينب التي فاجأتنا إحدى اللواتي قمن بنثر الحلوى.
عند عودتنا الى البيت بعد توديع أبي, أحسست بفراغ هائل بغيابه، ونظرت الى إخوتي والخالة رمزية التي أغرورقت عيناها بالدموع ، وهي تحتضن زينب ويمامة اللتان أجهشتا بالبكاء حال دخولنا الى البيت, أما نامق فلجأ ألي ّ باكياً بعد أن رأى أختاه والخالة رمزية يبكين, أحتضنت نامق وتصرفت بحكمة وثبات , قائلاً :
إنّ أبي ذاهب ليؤدي فريضةً طالما تمناها ،وقد يسرها الله سبحانه وتعالى ففتح عليه , وكم من الناس كان يتمنى ذلك، وكم من الناس يتمنى الآن أن يذهب لأداء تلك الفريضة , فعليه يترتب عليكم أن تكفوا جميعكم عن البكاء, بل يجب علينا جميعا أن نفرح, ونتمنى له حجاً مبروراً وسعياً مشكوراً, ونتمنى له العودة بالسلامة بيننا. ثم قلتُ مخاطباً الخالة رمزية التي أغلقت بيتها وأنتقلت للعيش معنا. إنني أشعر بالجوع وأرجوك ياخالتي أن تعدي لنا مع زينب شيئاً نتعشى به في محاولة لتغيير الوضع الحزين الذي عمّ البيت.
عاد الهدوء من جديد الى البيت وجرت الأمور كعادتها، وقد استأنسنا كثيرأ تلك الليلة ونحن نحيط بالخالة رمزية بعد تناولنا العشاء، وقد أشعرتنا بالقوة والحنان, وهي تقص على الأولاد قصصا إستمتعوا بها, مبددةً كل الشعور الحزين الذي ساد بيتنا بعد رجوعنا من توديع أبي.

عيـــد الأضـحى
لم يتبق على قدوم عيد الأضحى إلا بضعة أيّام, وهو عيد الأضحى الأول الذي يمر علينا بعد وفاة أمي. وهوكذلك العيد الأول الذي لم يكن أبي حاضراً فيه معنا, للتخفيف من وطأة ذكرى وفاة أمي وغيابها في هذا العيد.
قالت زينب والدمعة في عينيها :
كم كانت أمي تتمنى أن تزور بيت الله وقبر الرسول حاجة,إلاأن الله سبحانه وتعالى لم يكتب لها ذلك.
أجهشت زينب بالبكاء, ثمّ تبعتها يمامة, وأحتضنت إحداهما الأخرى, أمّا نامق فقد ظلّ واقفاً في حيرة والدمع ينزل من عينيه، لا يدري ماذا يفعل حتى أحتضنته ورحت أهدئه، وأهدئ زينب ويمامة, تشاركني الخالة رمزية وهي تطمئن الجميع بأن أبانا عائد إن شاء الله.
كانت الخالة رمزية تحاول أن تملأ الفراغ الذي خلّفه أبي بسفره, فقد أعطتني في الصباح مبلغاً من المال كان أبي قد أودعه لديها لشراء حاجياتنا أنا ونامق من الملابس والأحذية , وأصطحبت هي كل من زينب ويمامة معها الى السوق، لشراء ملابسهن وحاجات أخرى , وأوصتني بملازمة البيت لحين عودتهن من السوق. قرع ساعي البريد جرس الباب,وسلّمني رسالة من فوازالى نجيمة .
كانت نجيمة تخبز على التنور، الذي كان فواز قد نصبه لها في فناءهم قرب الحائط الذي يفصل بيننا,وكانت رائحة الخبز العبقة المنبعثة من التنورلاتقاوم, ناديت على نجيمة:
إنها رسالة من فواز وطلبت منها أن تأتي لأخذ ها, فقالت:
تعال أنت الى هنا فأنا لاأستطيع ترك التنور كما أريدك أن تقرأها لي.
لم تكن السيدة آسيا وإبنتها في غرفتهما فقد خرجتا بمشواربعد أن توجه العم صابر الى عمله.
فضضت رسالة فواز وباشرت بقراءتها, ووقفت نجيمة الى جانبي وهي تستمع الى ما اقرأه, كانت رائحة الخبز الزكية قد أمتزجت برائحة الخضيرة العطارية التي تفوح من نجيمة , وكنت أحب تلك الرائحة النسائية التي كنت قد تعودت عليها منذ صغري, فتعمدت أن أتقرب الى نجيمة أريد ان ألامس خصرها الضامر بمرفقي وأنا ممسك بالرسالة,لم تنسحب نجيمة ولم تبتعد, الأمر الذي شجعني ان أطوق خصرها وأشدها اليّ بقوة , وبي من الشوق إليها حد لايوصف وقد سحرتني من قبل بعينيها المشرقتين ورموشها القاتلة,ونحن مستغرقين في قبلتنا , تخلصت نجيمة مني قائلةّ:
توقف يا واثق لقد أحترق الخبز.
رسالة فواز كانت تطمينية عن وضعه في الجيش, وأنه قد قدّم طلباً للإعالة عن طريق وحدته, ويسأل عن أخوته ويحث نجيمة على متابعتهم والحرص عليهم , وألمح أنّه لن يستطيع المجيء في العيد, لكنه سيأتي بعده, وكما حمّل سلامه الى عائلتنا، مستفسراً عن عودة أبي.
أرسلتني الخالة رمزية الى الفرّان , للإتفاق معه حول عمل الحلويات من البقلاوة والمكرونة، التي ستقدم للضيوف الذين سيأتوا للسلام على أبي.
بعد الأتفاق معه, طلب الفرّان مني تحضير لوازم عمل تلك الحلويات،كان كل شيء من اللوازم التي طلبها موجودة في بيتنا، في السرداب وفق الترتيب الذي كان أبي يحرص عليه، لاأدري في الحقيقة ماهية الشعور الذي أعتراني لدى نزولي الى السرداب، وأنا اتناول تلك المواد من على الرفوف، عندما تراءت لي أمي ووجها المنور وأبتسامتها العذبة, وأنا لاأكاد أفارقها وأنا صغير، وهي تفرغ شيئاً من السمن الحيواني الذي كانت تعده للطهي الذي يعجب أبي، وأنا ألاحقها من مكان الى مكان، فأغرورقت عيني بالدموع ولم أتمالك نفسي فأجهشت با لبكاء.
أحضرت تلك المواد، من السمن الحيواني الى الجوز والطحين ومبروش جوز الهند والسكروبعض المواد التكميلية الأخرى، من المواد العطارية وسلّمتها إلى الفرّان الذي أعطاني موعداًلإستلام الحلويات.
كانت الخالة رمزية قد هيأت لنا مستلزمات العيد من الكليجة الى القهوة الى الجكليت , وانهمكت كل من زينب ويمامة بتنظيف البيت وترتيبه, لم نكن أنا وأخوتي نتردد على بيت أبي الجديد,منذ زواجه ونادراً ماكنا نفعل ذلك إلا لأمرمهم يتطلب منا الذهاب إلى هناك.
بدأت الخالة رمزية الأستعداد لأستقبال الحاج , بترتيب بيتها وتهيأة مكان إستقبال المهنئين بعودته, ونحن جميعاً نساعدها بالتحضيرلذلك,وكنت لاأكاد أدخل الى البيت بعد تكليفي بشراء الحاجيات واللوازم إلا وأعود مرة أخرى لشراء متطلبات غيرها, بينما كان نامق وزينب ويمامة يساعدون الخالة رمزية بالتحضير للمناسبة , وقد كلفت الخالة رمزية زينب بأن تعد لنا الغداء, في سابقة لم نعهدها فيها من قبل,ومع أن زينب كانت تتولى الطهي في بيتنا بعد وفاة أمي ,وبعد ذلك عندما تكون الخالة رمزية غائبة في مشوار ما, أو عندما نحتاج الى الطعام ليلاً., إلا أنّها أبدت إستغرابها من تكليفها بتلك المهمة.
أنهينا استحضاراتنا ذلك اليوم و وقد تمّ كل شيء على مايرام,وقد أستمتعنا كثيراً ونحن نترقب عودة أبي حاجاً وقد عاد الينا مغفوراً للذنب , وكما ولدته أمه.
كان الغداء الذي تناولناه من يد زينب ودون تدخل الخالة رمزية لذيذاً, وقد أمتدحت الخالة رمزية طهي زينب, قائلةً :
الآن قد إطمأنيت عليك يا زينب وقد إكتملت كأمراة تستطيع أن تفتح بيتاً جديداً.
قالت زينب :
انّها ليست المرّة الأولى التي أطهو فيها , فقد تعلمت الطبخ من أمي رحمها الله وتوليت الطهي بعد وفاتها.
كنا نستمع بالراديو الى رسالة الحج اليومية التي تقدم من إذاعة الجمهورية العراقية في بغداد,والتي كانت تقدمها البعثة الإعلامية المرافقة للحجاج, ونأمل من خلال ذلك أن نستمع الى صوت أبي أو أحداً من رفقته في الحملة , يطمئننا على سلامتهم كبقية الحجاج الذين كنا نسمعهم,إلا أن ذلك لم يحصل, وبقينا بقلق إلى أن أعلنت البعثة الطبية العراقية المرافقة للحجاج, بأنّ جميع الحجاج العراقيين هم بصحة جيدة , ويؤدون شعائرفريضة الحج بكل خشوع.
وصلت رسالة من متعهد حملة الحجاج الى بيت الحاج غزال خبراً مفاده وصول حجاج الحملة الى بغداد بسلام, وأنّهم سسيصلون الموصل في صباح اليوم التالي,ودعا الأهالي لإستقبال ذويهم في نفس مكان ألإنطلاقة.
كان وقع الخبر علينا رائعاً ومبهجاً، وكنا نعد لهذا اليوم الذي سيصل فيه أبي منذ أيام عدّة, ونحن بأشد الشوق الى رؤيته, فقد عمّت الفرحة بيتنا, وأخذ كل من نامق ويمامة يقفزان من شدّة الفرح, وأشرق وجه زينب بأبتسامة عريضة تنم عن أغتباطها, أمّا الخالة رمزية ,فقد حبست نفسها عن التعبيرعن فرحتها بقوة،وكانت تعابيرها تنم عن مزيج من الفرحة والحياء,وهي تردد الحمد لله الذي أتّم عليه نعمة فريضة الحج.
في صباح اليوم التالي وبإحتفالية كبيرة في منطقة باب البيض، تجمعنا في الساحة التي ستصل إليها قافلة الحجاج مع مجموعة كبيرة من أهاليهم وأقربائهم وأصدقائهم .
أطلت قافلة الحجاج وهي متجهة الى الساحة وسط إطلاق صوت المنبهات , وهي مزدانة بالأعلام الخضراء والبيضاء وعلّقت في مقدمة السيارة الأولى يافطة تعلن عن أسم القافلة ومدينتها ومتعهد الحملة.
علت زغاريد النساء من الفرحة مجموعة إثر أخرى بين قفز الأولاد والبنات فرحين وبتبادل الرجال مع الحجاج السلام بالتلويح بالأيادي .
كانت لحظات من الفرحة العارمة التي عشناها جميعاً ونحن نستقبل أبي الغائب منذ أكثر من شهر.
أخذ الحجاج بالنزول من السيارات تباعاّ، وتجمعتت حشود المستقبلين بالإندفاع نحوإستقبال ذويهم، كل يفتش عن حاجه، وأندفعت أنا كالسهم أقف بباب الباص ،في الوقت الذي كانت الخالة رمزية وأخوتي قريبين من الباص، عندما نزل جارنا العم غزال رفيق أبي وأنا انتظرأن ينزل أبي خلفه، وبعد أن سلّم على مستقبليه ،إستدعاني جانباً, قائلاً:
تعال ياواثق لأكلمك بموضوع ، وأنت الآن أصبحت رجلاً، وماأريد أن أقوله لك هولابد لك أن تتماسك و تملك رباطة جأشك كي تستطيع أن تعود بأهلك الى البيت بسلام .
إنّ المرحوم أباك قد توفي في موسم الحج بعد أن تمرض بالحمى، ولم تستطع البعثة الطبية والمستشفيات أن تفعل له شيئاً، وأن قدر الله سبحانه وتعالى له أن يموت تلك الميتة الشريفة التي يتمناها أغلب الناس, وأوصيك بأهلك خيراّ وأعلمك أن جميع حاجيات أبوك هي عندي في الحفظ..
كانت مفاجأة مرعبة تلكٍ التي أخبرني بها العم غزال، لم أكن أتوقعها بأي شكل من الأشكال ولكن قدرالله وما شاء فعل،لم أكد أملك زمام نفسي، ثمّ جمعت قواي مقرراً أن أكون أهلاً للمسؤولية في الموقف الذي وضعت فيه ، ثمّ التفت الى الخلف كي أواجه الموقف مع زينب ويمامة ونامق والخالة رمزية، وأكثر ما كنت أخشاه أن تنهار الصغيرة يمامة.
راعني مارأيت انّ الناس قد تجمهرت, وكانت عائلتي قد ملأت الساحة صراخاً, ويعمد الناس الى تهدئتهم بأن أبي قد مات أحسن ميتة, وقال بعض الحجاج وهم يحاولوا أن يواسونا ويخففوا عنّا: أنهم كانوا يتمنون الموت والدفن هناك بمقبرة بيت الله الحرام لأنّها أشرف ميته ، وقد تبين فيما بعد أن إحدى النساء المرافقات لأبي قد سبقتني بإخبار الخالة رمزية بنبأ وفاة أبي في مكة المكرمة.
خيّم الحزن على بيتنا بعد موت أبي ، الذي كنّا نأمله أن يعود حاجاً يعود كما عاد أصحابه، وأحسست بثقل المسؤولية الملقاة على عاتقي، بتكفل إخوتي وزوجة أبي ، وعدت بذاكرتي إلى تلك الليلة التي دعاني فيها أبي لمقابلته في الصباح حين بدأت تتقاذفني تلك الأفكار، والشعور الذي إنتابني من الخوف ، من أن يكون أبي قد علم شيئاً ما ،عن علاقتي بنيجمة وغيرها من الأفكار، عندما تبين أنّه كان يفكر بأن يضمن حقوق أولاده وزوجته رحمه الله ، وكأنّه كان على دراية بأنّه لن يعود إلى بيته مرّة أخرى.
ماكان يخفف عنّا هالة الحزن الذي غلفتنا ،هوحضور خالي الدكتور نافع وإبنه مثنى وزوجة خالي مريم أخت الخالة رمزية من بغداد,ومكوثهم عندنا عدة أيّام، وكذلك كان لمواساة الأقارب والجيران التي لم تنقطع الأثر الكبيرفي التخفيف عنّا, وقد تحملت نجيمة دور رئيسي وفعّال في تدارك الموقف الذي وضعنا فيه، بعد أن أخذت على عاتقها مسؤؤلية إدارة منزلنا ولو بصورة مؤقته، حريصة على أن تبعد الجميع عن منطق الحزن الذي كان يلفنا بسعيها الى عودتنا الى الحياة تدريجيا ، وفي الحقيقة كّنا جميعاً،ممتنين لذلك الموقف الذي بدد عنّا نوعاً من ثقل الحزن الذي كنّا فيه.
لم تعد الخالة رمزيه مواصلة العمل في البيت لوحدها،وكانت تستعين بزينب ويمامة لمساعدتها، وأحياناً تكلفني لقضاء بعض الحاجات التي كانت هي من يعملها،وبعد عدة أيّام من حالة الإجهاد التي كانت الخالة رمزيه بها،بدأت تصاب بالغثيان والدوّار.
صحبت الخالة رمزية زينب معها لترافقها الى الطبيبة، التي تبين من خلالها أنّ الخالة رمزية حامل منذ شهرين، أي قبل سفر أبي رحمه الله الى الحج.
بعد أداء الإمتحانات العامة التي دخلتها وكانت مخاضاً عسيراً, أحسست بعودتي الى الحياة من جديد، خاصةً شعوري بأني قد أنجزت شيئاً كنت تواقاً الى أن أصله وهو النجاح في أجتياز المرحلة الأعدادية ، النجاح الذي كنت واثقاً منه وتحقق لدى ظهور النتائج.
علمت عن طريق بيت خالي نافع أنّ مجلس الخدمة العامة، أعلن عن وجود وظائف شاغرة لخريجي الدراسة الأعدادية، بصفة موظف إحصاء في ثمانية متصرفيات ومنها متصرفية لواء الموصل، ودعوني الى بغداد للتقدم بأداء الأمتحان الذي حدد تاريخه.
في تقديمي الى مجلس الخدمة للتعيين بصفة موظف في دائرة إحصاء الموصل سافرت الى بغداد، وقد أرسلت الخالة رمزيّة معي بعض من المكسرات الموصلية الشهيرة والحلويات التي أشتهرت بها المدينة مثل السجقات وحلاوة من السما الراقية وبعض المواد الأخرى إلى بيت أختها.
وصلت بغداد وتوجهت الى بيت خالي الذين رحبوا بي ترحيباً حاراً, وخاصةً أبن خالي مثنى الطالب في كلية التجارة، سألني خالي :عن أحوالنا وعن أخوتي والخالة رمزية ، وكذلك فعلت السيدة مريم ورحبت بي بحرارة،شاكرةً لي ما حملتني به الخالة رمزية، وأخبرتها أنّ الخالة رمزية هي من أرسلت تلك المواد، فتبسمت شاكرة.
أعطاني مثنى عنوان مجلس الخدمة العامة الذي يقع في شارع 52 عبر شارع النضال وسمي ب52 نسبة الى رقم خط سير مصلحة نقل الركاب.
بعد أداء الأمتحان عدت بسيارة أجرة الى بيت خالي متجاوزاً ركوب الباص وعند مروري بشارع النضال قال السائق :
هنا في هذا الشارع المسمى ب52تنتشر بنات الهوى بعد المساء على الأرصفة، وترى الشباب بسياراتهم بين حين وآخر، يحملون واحدة أو إثنتان وآخرين ينزلون واحدة أو إثنتان.

قلت للسائق:
وماذا عن الشرطة؟
قال:
لادخل للشرطة بالموضوع طالما لم تكن هناك صرخات إستنجاد أو ضبط بالجرم المشهود.
بقي الموضوع عالقاً في ذهني.
سألني خالي نافع:
عن كيفية إجابتي في الأمتحان وماهونوع الأسئلة قلت له:
إنها معلومات عامة مثل ما أسم الأمين العام للأمم المتحدة؟ وماعدد نفوس العراق؟ وما هي الزراعة التي يشتهربها العراق ؟ وماهي عاصمة لبنان؟ ومتى أُغتصبت فلسطين؟ وماهي معاهدة سايكس بيكو؟ وغيرها من الأسئلة.
لم أُخفِ ما قاله سائق التاكسي عن بائعات الهوى عن مثنى، الذي لم يستغرب لسماع حديثي وقال:
إنّها حالة تكاد تكون طبيعية,قلت له :
هل ذهبت الى هناك ؟
قال :
نعم للمشاهدة أكثر من مرّة وإذا رغبت فلا مانع لديّ أن أصحبك، ولكن للمشاهدة فقط.
قلت لا:
لاحاجة لي بذلك ،وشعرت أن الخوف قد تملكني للإقدام على خطوة من هذا النوع.
إستقرحسن وزوجته بعد مضي فترة ليست بالقليلة من الزمن، وتوثقت علاقته معي ومع فواز،وكذلك توثقت علاقة خولة مع بقية البنات وخاصة مع نجيمة، وكانا لايكادان يفترقان عن بعضهما, وكانت خولة تكن الأحترام للخالة رمزية وتتعامل معها بكل أدب.
في طريق عودتي الى البيت من مشوارفي أحد الايام، تفاجأت برؤية نجيمة وخولة يمشيان أمامي، وقد عرفت نجيمة من مشيتها التي أعرفها جيداً, ولما وصلت إليهما تبادلنا التحية وقد أظهرتا إستغرابهما للصدفة التي جمعتنا في طريق واحد.
سألت نجيمة:
أين كان مشواركما؟
قالت نجيمة:
في عيادة مستوصف الهلال الأحمر,لإنه أقرب إلينا من الذهاب الى شارع نينوى،كما أن عيادة الدكتورة في حينا مازالت مغلقة، وقد ذهبنا لعرض خولة على الطبيبة لأنها تشكو من بعض الآلام، وقد رافقتها خوفاً من أن يصيبها مكروه في الطريق.
كانت خولة لاتكاد تستطيع مواصلة السيروقد أخبرتني زينب من قبل أنّ خولة حامل كما كنت أنا ألاحظ عليها ذلك.
قلت لهما توقفا هنا :
ثم عمدت الى أن أوقف سيارة تاكسي لتقلنا الى البيت سويةً.
إغتسلت وغيرت ملابسي ،ثمّ قمت بإطلاع الخالة رمزية على ماقمت به تجاه خولة و نجيمة.
قالت الخالة رمزية :
إن خولة حامل في شهرها الآخير,وقد أخبرتني نجيمة للتوأنهما كانتا في مركز رعاية الحوامل لتحديد وقت ولادتها التقريبي الذي أستبعدت الطبيبة المختصة حدوثه مبكراً , وأضافت الخالة رمزية قائلة:
إن هذه البنت وتقصد خولة خائفة كثيراًً من حملها، وتريد أن تفرغ منه بالسلامة في أسرع وقت.
في اليوم التالي عادت آلام المخاض خولة من جديد ,إلاّ أنّها لم تسعف في حينها الى المستشفى لأنها كانت بالأمس تحس بنفس الآم المخاض التي أستبعدته الطبيبة.
حضرت القابلة الى بيت حسن تصاحبها أم خولة ولم تستطع لساعات طوال أن تولد خولة, وكاد صراخها يُسمع الحي بأكمله, أذكر ذلك اليوم جيداً, كان يوم جمعة وكنّا مجتمعين في البيت, وقد طلبت الخالة رمزية من زينب أن تنتبه لما تعده للغداء , ريثما تذهب للإطمئنان على صحة خولة, بينما كنت أقف مع حسن الذي كان بوضع حرج، وهو يترقب بين لحظة وأخرى أن تتم عملية الولادة, قائلاً:
إنه يريد أن تقوم خولة بالسلامة مهما كلّف الثمن.
إنهارت خولة تماماً فاقدةً للوعي، من الإ رهاق الذي عانته وهي تعتصر آلامها, تداركاً لإنقاذ حياتها ,نقلت خولة الى المستشفى بسيارة الإسعاف, وفارقت الحياة بعد إنجابها طفلها الذي بقي على قيد الحياة.
كان لموت الشابة خولة المأساوي، وهي تدفع بطفلها الى النور تأ ثيراً كبيراً علينا جميعاً, وقد ساد الحزن سكان بيتنا جميعاً, إنها المرة الثانية التي يموت فيها أحداً في بيتنا بعد وفاة أمي, وقد أثار موت خولة فينا تلك الذكريات الأليمة، عندما كانت أمي على فراش الموت، وهي توصي أبي بنا خيراً, ونحن نحيطها من كل الجوانب نبكي وينظر بعضنا الى بعض لاندري ماذا نفعل .ثمّ سرقني التفكير ماذا إذا مرت الخالة رمزيه حين يحين موعد ولادتها، بمثل ما حدث الآن لخولة المسكينة؟
لم يهدأ صراخ وعويل نجيمة التي فقدت صديقتها الجديدة التي كانت تركن إليها إلا بعد حين, وكنت أحس بما كانت تعانيه نجيمة لفقدانها من كان يستمع إليها ويبعدها عن آلامها من الظروف التي تعيشها .
قدمنا تعازينا وتضامننا الى المسكين حسن , الذي آلمه فقدان زوجته المفاجئ من هول الصدمة.
في مساء كل خميس كانت تحضر ردينة الى أهلها, لكنها لم تعد كما كانت عليه سابقاً, فقد نزعت عنها ثوبها الريفي التقليدي التي كانت ترتديه كما نجيمة, إرتدت قميص وتنورة وحذاء ذو كعب, وغيرت تسريحة شعرها وفق الموضة السائدة, والأغرب أن ردينة بدأت تتكلم اللهجة الموصلية التي يتبين من حديثها أنها لا تجيدها كما يتكلمها سكان المدينة.
من خلال عملها أستطاعت ردينة التي تكفلت بالمساهمة بدفع إيجارالغرفتين اللتين أشغلوهما، وأن توفروبتدبيرمن نجيمة لها، مبلغاً من المال أودعته لدى نجيمة، التي تعهدت لها بشراء حاجة ذهبية تلبسها وتحفظها لعاديات الزمن, كما كان أكرم قد أمّن له مكاناً دائماً في عمله، بعد أن تعلم المهنة بجدارة، وتكفّل هو الآخر ببعض من أتعابه لتدارك مصاريف البيت، واستقرت حالة عائلة فواز الغائب بالتحاقه بالعسكرية.
بعد أن كانت نجيمة قلقة جداً، وخائفة مما قد يخبئه القدرلها بعد غياب فواز.أخذت حالتها النفسية بالإستقرار،بعد ترتيب أوضاع بيتها الصغير,لكنها لم تغادر مرحلة القلق الذي تعيشه وينتابها بين مرة وأخرى, وهي تبحث عن مستقبلها ومصيرها في الوضع الذي وجدت نفسها فيه.
لن تستمر الحياة على وفق ما نريد، فقد عادت ردينة الى البيت بعد مغادرة عائلة الدكتورة الى خارج العراق، لإكمال الدراسة, حسبما أوضحت، وقد بان عليها التأثرمن الوضع الذي أصبحت فيه فجأة، بعد أن كانت قد خطت خطوات في تغيير مجرى حياتها، التي كانت تعيشها لدى عائلة الدكتورة، بتغيير ملبسها ولهجتها وتصرفها، إضافةً الى مردودها المادي الذي حصدته وأودعته لدى نجيمة.
لم تتقبل ردينة الوضع الذي عادت اليه بدايةً، إلا بعد مرور مدة من الزمن ، بعد أن عاشت حياة بعيدة كل البعد عن حياتها التي عاشتها بالقرية.
في زيارة مفاجئة الى فواز العائد بإجازة, قدم مصطفى وزوجته وأولاده الثلاثة بعد أن إنقطع عن زيارته منذ مدة طويلة، يوم رفضت نجيمة أن تتزوجه, وقد قمت بتحيته والسلام عليه وعلى عائلته، ورحبت بهم ترحيباً حاراً,دعاني فواز الى الجلوس فشكرته وقلت له :
بأني منهمك في عدة أعمال.
تبين الغرض من زيارة مصطفى، تقدمه لخطوبة ردينة الى إبنه أحمد الذي كان حسب فواز قد أستقر بالقرية, وقد وافقت عائلة فواز على الخطوبة بما فيهم ردينة، وتولت نجيمة مهمة التجهيز والتحضير للزواج بمساعدة الخالة رمزية وزينب، وكانت نجيمة قد ساهمت في مناسبات زواج أخوات حسن، واطلعت على الطريقة التي يتم بها التحضير لمثل تلك المناسبات، وحسب ماأوضحت زينب: فقد كانت ردينة راضية بزواجها من أحمد، لكنها غير مغتبطة لأنها كانت تفضل أن تعيش في الموصل وليس بالعودة الى القرية.
ظهرت نتائج قبولي كموظف إحصاء في دائرة إحصاء الموصل، بعد أن نجحت بأمتحان الكفاءة بمجلس الخدمة، وتمت مباشرتي بعد أن قابلني مدير الدائرة مرحبّاً, وأعطاني نبذة مختصرة عن ماهية عمل الدائرة، وأوعز الى مدير الإدارة بتسجيل مباشرتي وبلّغه ترشيحي لأول دورة إحصائية تقام في بغداد, وكان من حسن حظي أن مركز الدائرة كان لا يبعد عن بيتنا سوى مسافة تزيد على الخمس دقائق قليلاًً.

شاهد أيضاً

رحلة طائر الكاتبة
خلود الشاوي

ذاتَ يومٍ خرجَ طائرٌ عن سربِهِ لأنه كان منزعجا من قوانينِهِ الصارمةِ ،راحَ يُرفرفُ مسرورا …

لوحة ذالك الفلاح الذي اختار التحليق
محمد محجوبي / الجزائر

بين السمرة التي رسمت ملامح الفصول وبين وهج الطين الذي حفظ أنفاس الرجل تشابهت أوراق …

في ذكرى وفاة ميّ زيادة
كم مثلك يا ميّ من تخشى أن تبوح بأسرار قلبها
فراس حج محمد/ فلسطين

{الكلمة التي لا تموت تختبئ في قلوبنا، وكلما حاولنا أن نلفظها تبدلت أصواتنا، كأن الهواء …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *