النصّ وفعل القول في نصوص الشاعر العراقي سلام دواي
الإهداء: إلى شهداء انتفاضة التحرير المجيدة
كتابة: علاء حمد-العراق

إشارة :
أمام هذا النشاط الثر والمُثقل بالأطروحات الجديدة للناقد العراقي المبدع “علاء حمد” لابُدّ من تقديم التحية له على هذه السلسلة من الكتب والدراسات التي تحمل بصمة نقدية مُميّزة وسمة أسلوبية خاصة ، والأهم هو وفاؤها للابداع العراقي ورموزه التي تعاني قلّة الاهتمام من نقّاد وطنها برغم علوّ كعب منجزها. تحيي أسرة موقع الناقد العراقي الناقد علاء حمد وتشكره على ما يخص به الموقع من دراسات وتتمنى له الصحة الدائمة والإبداع المتجدد. كما تحيي روحه العراقي الغيور وهو يهدي دراساته (إلى انتفاضة ساحة التحرير المجيدة).

إذا تطرقنا إلى أشكال القول، فسوف نستقر على قول واحد، ولا نمتلك غيره، وهو القول الشعري، ولكن، يتوقف هذا القول مع أنواعية النصوص كمنظور خارجي، وأنواعية الصور الشعرية المنسوجة في الذهنية كقول مقروء، قبل أن يكون قولا مكتوبا، إذن يتوقف القول في بعض المناطق التجريبية على فعل القول، ومنه نستنتج القول المكثف، والقول الإشاري، والقول الدلالي .. ولم نتوقف في خصوصية معينة في دعم القول الشعري في النصّ الشعري الحديث، فالعوامل الجدلية تقودنا خارج مناخات الحضور المباشر، لذلك يتدخل القول الفلسفي في اللغة الشعرية التي لها أنواعها في النصوص التي يعتمدها الشاعر عادة؛ فعندما نكون في اللغة الإبلاغية، فسوف يكون فعل القول يميل إلى هذه اللغة، وإن كانت بشكل جزئي، وإذا كنا مع اللغة الرمزية فسوف نلاحظ أن فعل القول، من الأفعال الرمزية في الخطاب الشعري؛ وهكذا تستمر الموضوعات القصائدية بشبكة قولية، تخرج من القول المباشر إلى التأويل، لمنح النصّ الثقل الشعري بزوايا عديدة..
نميزّ بين فعل القول من خلال الفعل الشيئي والفعل التصويري، فالأول تلتقطه البصرية لكي يتحول إلى فعل قولي، والثاني تلتقطه الذهنية لكي يصبح ضمن النصّ المقروء، حيث أن الصورة الذهنية تكون تجريبية قبل أن تكون قولية مكتوبة، ومن خلال المسلكين تساعدنا ثقافة الشاعر وميزتها على كيفية التحولات التعبيرية وضمانة الموضوعي التواصلي، قبل أن يكون مضمونا قوليا مترددا في العمق الذهني.
نتقدم بتقاسيم محتملة لفعل القول بين الدراما الشعرية، وعلاقتها بجدلية اللغة، فالباث ينظر بمنظور درامي وهو على خشبة المسرح، وكأنه يمسرح النصّ قبل ظهوره، وهذه العلاقة، هي علاقة تجريبية مع فعل القول الشعري، حيث تكون الصور الشعرية هي العائمة في النصّ، بالرغم من أننا ننظر للنصّ الشعري الحديث كصورة كبرى، وفي حالة تفكيك النصّ سنواجه الصور الجزئية والتي تتكون منها الصورة الكبرى وخصوصا إذا تواجدت تلك العلاقات بين الصور الجزئية، كعلاقات جدلية تقودنا إلى البعد الخيالي وحركة المتخيل من خلاله..
لايبتعد فعل القول عن الفعل المتخيل، فقد يصبح الجزء من الكل، والكلّ يشترط حضوره مع الجزء، فيصبح لدينا، فعل القول = فعل المتخيل، وذلك بسبب انتماء القول إلى الثقل الشعري، وهو ليس بالقول العادي المتعارف عليه، وكذلك ليس بتلك الذات التي نتعامل معها بشكل يومي، فالتحولات باستمرار مع كلّ نصّ جديد..
في الليل يسألني أبي
متى تعود إلى البيت
ينسى أبي أنّ استراليا بعيدة
وأنّه قد مات
وأنا لا أعود إلى البيت
لكي لايشعر
بأنّه ميّت !.

قصيدة : إلى أبي – ص 9 – أغنية شخصية
افتتح المجموعة الشعرية الشاعر العراقي سلام دواي، بقصيدة ( إلى أبي )، وقد أحال المعاني بشكلها المباشر بعلاقة إلى العنونة، ومن خلال هذه المباشرة، تكون العلامات متبينة أيضا، وكذلك الإشارات التي اعتمدها في نصّه الشعري، وتكون المسألة طردية وذات علاقة معادلة مابين العنونة وجسد النصّ.. كأننا نقول بالشرط المادي ( ب ج )، أما بالشرط الطردي نقول : ( ب ج )، فالعلاقة متبادلة مابين ” ب ” و ” ج ” ونستنتج من ذلك، بأنّ الشرط، هو شرط تحليلي بين نمطين، الأول يؤدي ولا يتبادل، والثاني يؤدي بتبادل تام من خلال العلاقة..
في الليل يسألني أبي + متى تعود إلى البيت + ينسى أبي أنّ استراليا بعيدة + وأنّه قد مات + وأنا لا أعود إلى البيت + لكي لايشعر + بأنّه ميّت !.
يستند الشاعر من خلال نصه على المدلول، والمدلول لايعود في تفكيكه إلا إلى معنى، أي يبتعد عن الشيء المحسوس، ولكن وفي نفس الوقت اشتغل الشاعر على محسوس حاضر عندما انطلق من بيئته الجديدة ” استراليا ” فالعلاقة التي كونها من خلال المحسوس ” خارج الأشياء المادية ” هي علاقة الدال بالمدلول، فقد أشار إلى البيت وإلى أبيه، وأشار إلى الموت وكذلك إلى بلدين متباعدين، فقد وضعنا بمنظور واحد، ومركزية في القول الواحد، وكان هوالحدث الشعري كهدف منقول؛ من خلال المخيلة ومنطقة الفلاش باك ( عندما تذكر أبيه )؛ إذن نحن في حالة تفكرية للغة، واللغة التي وظفها الشاعر مستندة على استحضار الغائب وهو بعلاقة لايحدها الاقتراب.
كان رجلا يقرأ كثيرا
جاء مصادفة إلى بغداد
واكتشف مصادفة
أنّ له خالا في الكرادة
فتزوج مصادفة بنته
فأتيت أنا مصادفة
ومدت لعشر مصادفات
فانشغلت أمي بخياطة ملابسنا
وجدتي بإعداد الطعام
وجدي بسرد الحكايات
أما الرجل الذي كان يقرأ كثيرا
والذي هو أبي
فقد كان يعمل باستمرار
ويسترخي حين يتعب في كتاب
بيت مزدحم بالمصادفات

من قصيدة : أعمال أبي الكاملة – ص 23 – أغنية شخصية
يتابع الشاعر العراقي سلام دواي نصوصه التحويلية، فيتحول من الانسجام النصّي إلى الانسجام السردي، وقد بين ذلك من خلال نظرية الاتصال واشتغل على المتعلقات بالذات، ومن أبرزها، ظهور الممكنات التي حوله من خلال العائلة وتعددها في النصّ، معتمدا على عبارات متواصلة ضمن القول الشعري الذي لم ينفكّ عن خصوصية النصّ لدى الشاعر..
لو تابعنا تحليل المقروء قبل المكتوب، فسوف نلاحظ أنّ الشاعر كان بمهمة استطلاعية بين مكونات العائلة، واستطاع أن يحول هذه المكونات إلى ممكنات دائرة قرب الذات، فالتقطتها الذات من خلال تحولها لتنجب لنا التفكر المنفرد لدى الشاعر؛ ولكن وفي نفس الوقت، كان للعنونة ميزة شعرية، بالرغم من سقوط الشاعر بتفاصيل الحدث في جسد النصّ، لكنه وحسب العنونة ( أعمال أبي الكاملة ) فقد ابتعد عن الكثير من الأعمال، ومن الطبيعي ألايستطيع شاعر أن يوجز تلك الأعمال بنصّ إشاري ويعتني بتفاصيل حياة كاملة لرب الأسرة ..
كان رجلا يقرأ كثيرا + جاء مصادفة إلى بغداد + واكتشف مصادفة + أنّ له خالا في الكرادة + فتزوج مصادفة بنته + فأتيت أنا مصادفة + ومدت لعشر مصادفات + فانشغلت أمي بخياطة ملابسنا + وجدتي بإعداد الطعام + وجدي بسرد الحكايات + أما الرجل الذي كان يقرأ كثيرا + والذي هو أبي + فقد كان يعمل باستمرار + ويسترخي حين يتعب في كتاب + بيت مزدحم بالمصادفات
نميل إلى النصّ وما رسمه الشاعر العراقي سلام دواي، ونبحر في مسلكين كاستنتاج لمّا طرحه في النصّ المكتوب:
الأول : الاسترجاع الجزئي .. حيث أن الشاعر استطاع أن يتواجد في منطقة الفلاش باك بشكل جزئي، لذلك فالحالة الماضوية حضرت من خلال التفكر الآني، وهو ينتقل من خلال بعض الأفعال المضارعة الحركية وبعض أفعال الماضي؛ فالفعل يقرأ من الأفعال الحركية، فطالما هناك قراءة، فإذن هناك حركة وتفكر، وكذلك الفعل يسترخي، نعتبره من الأفعال الحركية أيضا، فمن خلال الاسترخاء، قد يؤدي إلى النوم، إذن حركة النصّ غير متوقفة وخصوصا أن الشاعر قد أشار إلى بعض أفراد العائلة وحاول أن يرسم بعض الصفات التي لازمتهم..
الثاني : الإشارات والدلالة.. المعنى يعني لنا الموضوع، فالإشارات عبارة عن مهيجات في النصّ، وهي على علاقة نصية مع بقية الحواس، وتعمل على تنشيطها، حيث تجعل للنصّ حركة استثنائية؛ لذلك عملية الاشتراك بين المنشطات واردة، وذلك لتعيين المنظور الذهني من جهة، وتعيين الصورة التي تشتغل عليها الذهنية من جهة أخرى، ولا تفوتنا علاقة الإشارات مع العوامل الخارجية، فتلتقي تحت مسميات معينة، ومن هذه المسميات، العلاقة الطبيعية بين الأشياء للنصّ المقروء.. عندما رسم الشاعر سلام دواي مفردة ” مصادفة “، والتي تكررت عدة مرات في النصّ، فقد أشار إلى تلك المصادفة والتي تعبر عن برهة زمنية، إذن أحد المنشطات له علاقة مع الزمنية، مما نعتبرها دلالة مركزية تحرك المعنى من خلالها من جهة، وتحرك النصّ من جهة أخرى.. وقد دلت لغة التخصيص على ملامح لكل شخص ذكره الشاعر في قصيدة ( أعمال أبي الكاملة )..
هناك بعض المتعلقات التي تتجانس مع فعل القول الشعري، وهي تقودنا إلى هدف النصّ الجمالي من خلال المعاني أولا، ومن خلال اللغة ثانيا، وفي طبيعة الحال، إنّ فعل القول لم يكن جامدا، وإنما كانت له حركته الوظيفية واتصالاته الطبيعية، ويستمد قوته من الذات العاملة والتي تفرش مقتضياتها في مساحة الخيال، والتي نعتبرها أقرب مساحة قولية تشتغل الذات عليها، وهذا الجانب يهمنا جدا ونحن نخوض بتجربة الشاعر العراقي سلام دواي من خلال مجموعته الشعرية ( أغنية صغيرة )..
فعل القول الشيئي
فعل القول التصويري
لا نرغب بتعددية لأفعال القول، ولكن نقترب شيئا فشيئا من هذه الأفعال، وخصوصا تلك التي تتسم بقوة حركتها الانتقالية، والتي تقودنا مع حركة النصّ إلى المغايرات والاختلافات القولية في النصّ الشعري..

فعل القول الشيئي
الشيء؛ هو المنظور الموجود والذي تراه العين وتميزه، فكلّ شيء ينتج من الأشياء، والشيء الملتقط من تلك الأشياء هو الأكثر ظهورا والأكثر قربا من بقية الأشياء، ولكن العين لاتحتفظ بجميع الأشياء، فهناك ما تلتقطها ولكنها تزيلها، وهناك ما تبقى في المحفظة، حسب مستويات التأثر الذي يدور أو يلبس تلك الأشياء، فالنار عندما تهب في مكان معروف ليس من السهولة إزالة ذلك الحدث، ولكن النار كمشهد متواجد ضمن الأشياء وتستطيع الذات أن تستحضرها متى رغبت..
إنّ التبصير والتسميع يجتمعان أحيانا ويتحولان إلى كلام؛ أي إلى قول، والقول يتحول بمهارة الشاعر إلى قول شعري فيتواجد فعل القول الذي ننتمي إلى حضوره في النصّ الشعري الحديث، لذلك ومن خلال هذه التحولات تجتمع في النصّ البنيات المنطوقة والمسسموعة والمكتوبة..
في الانحصار الشيئي نحافظ على الدلالات التي تلازم الأشياء، ونستعين بالإشارات التي تقودنا إلى لوازم الأشياء وضرورة تواجدها، ولكن هذا لايمنعنا بأن يكون التفكر الذهني، ذا تفكير شيئي؛ فالمقود هنا، ليس البحث عن الشيء كشيء بين الأشياء، وإنما مقود شعري تحسسي متواجد في الخيال، ومتواجد في الطبيعة، فعندما نكون في البحر ونحن نسكن الصحراء، فهنا قد استحضرنا البحر كشيء متواجد من خلال إطلاق التفكر نحو البحر وعالمه الخاص، وعندما نذكر البحر فهناك الممكنات حوله وفي أعماقه، كأن تكون السواحل أو الغيوم الكثيفة أو العواصف الرعدية، وعندما نكون في البحر فسوف نكون مع المراكب والصيادين وتبتعد البصرية لتذهب إلى البواخر وهيجان البحر.. (( ماهو الشيء، إذاً ؟ نواة تحيط بها خصائص متغيرة كثيرة، أو حامل تقوم عليه هذه الخصائص، إنّه ما يمتلك آخر، مايتوفر فيه هو ذاته على آخر. مهما قلبنا الأمر وأدرناه، فإنّ بنية الأشياء تتبدى بهذا الشكل؛ وحولها يقوم المكان والزمان بصفتهما إطارها. – ص 68 – السؤال عن الشيء – ماترن هايدغر – ترجمة: د. إسماعيل المصدق )).. تختلف صفات الأشياء من شيء إلى آخر، والصفة الظاهرة والتي تحمل مميزات أكثر، ينوبها التوظيف، أو الاستعمال البصري التي تتأثر به. وعلى هذا الأساس يظهر لنا الفعل الشيئي والذي سنواكبه في نصوص الشاعر العراقي سلام دواي..
ذلك الرجل
الذي لايجيد الكلام
كسر الإطار
وتسلل إلى الصورة
والقاعة غافلة
والكراسي نيام
بماذا كان يفكر
الرجل الذي في الصورة
ذلك الذي اقترب من المايكرفون
هل كان خائفا

من قصيدة: صورة للكلام – ص 35 – أغنية شخصية
نميل إلى خصوصية الكائن( خصوصية الشيء)، فقد أشار الشاعر إلى رجل، وإلى صورة، ولكن لم يذكر مكان الصورة، فبعض الصور لا تُعلق على الجدران؛ وبما أنّنا أمام قاعة وكراسي، فإنّ المعنى يتحول إلى موضوع؛ ونعتمد هنا على العلاقة التي أوجدها الشاعر سلام دواي، وهي علاقة بصرية، والواضح أمامنا مشهد درامي ينقله الشاعر مترجما إلى كلمات وعبارات في نصّه المكتوب..
ذلك الرجل + الذي لايجيد الكلام + كسر الإطار + وتسلل إلى الصورة + والقاعة غافلة + والكراسي نيام + بماذا كان يفكر + الرجل الذي في الصورة + ذلك الذي اقترب من المايكرفون + هل كان خائفا
ذلك الرجل = أشار إلى الرجل من خلال اسم الإشارة، ونعتبر التوضيح هنا بأننا سننقاد إلى دلالات توضيحية أيضا، بالإضافة إلى الرموز التوضيحية، وهذا النوع من الكتابة والنزول إلى عبقرية المتلقي، من الكتابات المشوقة بالنسبة لي.. فالمحمول هنا من قبل الأشياء المخالفة؛ رسم بعض الخصائص الدالة على كينونته، بينما الشيء الذي تحدث عنه، كان شيئا انفراديا، ومن خلاله جمع الشاعر كائناته، لتشييدها من جديد، أي أصبح لدينا هدم وبناء، فالهدم هو إعادة توضيب الأشياء من خلال البصرية، والبناء تحويل تلك الأشياء إلى جمل شعرية ناطقة..
الصورة ضيقة، حجمها لايتسع لذلك الرجل، ومن خلال هذا المنظور رسم مشهدا تصويريا الشاعر العراقي سلام دواي، وإلا لم يكسر إطار اللوحة لكي يدخلها، ويذكرني هنا بأسطورة صينية، عندما دخل فنان لوحته، وإلى الآن لا الباب وجد، ولا الفنان خرج..

إشارات :
جزء من مادة مطولة لكتاب عربة الشعر – الجزء الثالث
المادة خاصة بالناقد العراقي
علاء حمد : عراقي مقيم في الدنمارك

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: حسب الله يحيى… تنويعات على اوتار السرد.

* هو لايشبه مجايليه، رغم انتماءه اليهم كلياًْ ، جيل اراد ان يمزق كل حكايات …

وليد الأسطل: فيلم The words

لَوْ كُنتُ قد شاهَدتُ محتوى فيلم the words قَبلَ أن أعرِفَ عنوانه، ثُمّ طُلِبَ منّي …

التشكيل المعاصر في العراق
بطباعة الصورة ومعالجتها وبأسلوب:Lambda Print. فن الديجتال
د.عايده الربيعي

قراءة للعمل الفني (الحب الخفي). للفنان العراقي المغترب حليم كريم. وصف العمل: يمثل الشكل عالم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *