دفاتر قديمة
بلابل
ناطق خلوصي

كان الفنان الرائد خليل شوقي قد قال في برنامج ” في المرايا ” الذي عرض عام 1995 أن ” أول تمثيلية كتبتها للتلفزيون كانت ( في مهب الريح ) وكانت قد عرضت عام 1957 وهي ثاني تمثيلية تقدم في التلفزيون لكنها أول تمثيلية تكتب خصيصاً للتلفزيون ” . وإذا اعتمدنا هذا الموعد تاريخاً لبدء الدراما التلفزيونية في العراق ، فإن عمر هذه الدراما يكون قد تجاوز الستين سنة أي أنها رافقت بدايات البث التلفزيوني في العراق وهو أول بث رسمي في المنطقة العربية ( بدأ تلفزيون العراق بثه الأول في 2 مايس1956 و تلفزيون البصرة في 25/1/1968 ، أما تلفزيون الشباب من دار السلام فقد بدأ بثه في 17/7/1993 ، في حين كان نلفزيون بغداد الثقافي قد بدأ بثه التجريبي في 16/7/1994 ) . وحتى أواخر العام 2002 ، كانت الدراما التلفزيونية العراقية قد شهدت تطوراً كمياً ونوعياً متصاعداً وسط منافسة حامية من الدراما العربية فتواصل حضور أعمال متميزة كتبها كتّاب دراما بارزون : بوسف العاني ومعاذ يوسف وصباح عطوان وعادل كاظم وفاروق محمد وعلي صبري ، وأخرجتها نخبة من المخرجين الكبار:عراقيين ومصريين ( لا أريد أن أنسى أحداً منهم ) وكانت وزارة الاعلام قد رفعت شعار : ” ليكن العام 1989 عاماً للدراما التلفزيونية العراقية ” . لكن هذه الدراما بدأت بواكير انتكاستها مع عام الاحتلال الأمريكي للعراق ( 2003 ) لاسيما حين أفتى بريمر ( الحاكم المدني لسلطة الاحتلال) ، من بين ما أفتى به ، بحل وزارة الاعلام وتبعتها شركة بابل ، وجاء بشبكة الاعلام العراقي التي لم تقدم شيئاً مهماً على مستوى الدراما فبدأت مرحلة التراجع منذ ذلك الحين .
كنت قد بدأت أرشفة الدراما منذ العام 1983 ، وخلال السنوات العشرين بين 1983 وبداية 2003 ومن بين بضعة آلاف من الأعمال الدرامية التلفزيونية استطعت توثيق ما يزيد على 120 مسلسل عراقي وأكثر من 400 تمثيلية عراقية ، مما يدلل على تزايد نشاط عملية الانتاج الدرامي العراقي آنذاك وقد رافقنها حركة نشاط نقدي رصين تواصل على امتداد السنوات العشرين مع أن عدد النقاد لم يتجاوز الخمسة .
يحار المرء أن يخص هذا العمل الدرامي أو ذاك بالمديح لكثرة الأعمال التي تستحق ذلك ، لكن تمثيلية ” بلابل ” التي اتخذتُ عنوانها عنواناً لهذا المقال ، قفزت إلى الذاكرة لتستأثر بموقع متميز. هذه النمثيلية من تأليف فاروق محمد ( اعتمد فيها التحليل النفسي )واخراج الدكتور حسن الجنابي وكانت قدعرضت مساء يو م 10/ 1/1984 وجاءت في ثمانين دقيقة وقد استقطبت فناناً كبيراً مثل يوسف العاني وفنانة كبيرة مثل عواطف نعيم وحازت على جائزة مهرجان قرطاج .ترى كم من التمثيليات والمسلسلات العراقيةً من انتاج الشبكة المعنية بالأمر قد تم انتاجها وعرضها خلال سنة الاحتلال والسنوات التي تلتها؟ لابد من أن نجد الجواب لدى المسؤولين عن الدراما في شبكة الاعلام وإدارة تلفزيون العراق إذا كانوا قد قاموا بأرشفة ذلك النتاج كما يفترض بحكم مسؤوليتهم المباشرة عنه .
لقد قامت الدولة بغلق كل نوافذ الابداع في وجه الشباب بشكل خاص : لا مسرح ،لا سينما ، لا نشاط موسيقي ، وربما كان مثل هذا الحرمان أحد المسببات الخفية لانتفاضة تشرين . ولكي تتلافى الدولة مثل هذا الخطأ الذي وقعت فيه ومن أجل فك الاشتباك أو التداخل بين مهام وزارة الثقافة ومهام شبكة الإعلام العراقي ، وهي مهام معطلة في الواقع بذريعة نقص التمويل، نرى من المناسب أن يتم في الدورة الانتخابية القادمة ،استحداث وزارة بإسم ” وزارة الثقافة والإعلام ” تضم العاملين في وزارة الثقافة وشبكة الإعلام بعد غربلتهما من الطارئين على الثقافة و الإعلام، على أن ترفدها شركة انتاج فني يفضّل أن تكون من القطاع المختلط ، تتولى المسؤولية عن الانتاج السينمائي والمسرحي والتلفزيوني والإذاعي والموسيقي ، فتستقطب العاملين والعاملات في هذه المجالات ومنهم من يعاني من البطالة . وبخلافه ستظل بلابل شبكة الإعلام العراقي الحبيسة ، خرساء في أقفاص مركونة على الرفوف وتظل مؤسسات وزارة الثقافة تستلقي باسترخاء مكتفية ً بالنشر، والنشر المتعثر في الواقع ( تحولت المجلات الشهرية إلى فصلية مثلما تحولت دار الشؤون الثقافية العامة إلى ما يشبه دار نشر أهلية )، وعلى ما يبدو لقد أصبح هذا النوع من النشر مهمة وحيدة تحرص الوزارة على النهوض بها دون غيرها من المهام .

شاهد أيضاً

وليد الأسطل: فيلم The words

لَوْ كُنتُ قد شاهَدتُ محتوى فيلم the words قَبلَ أن أعرِفَ عنوانه، ثُمّ طُلِبَ منّي …

التشكيل المعاصر في العراق
بطباعة الصورة ومعالجتها وبأسلوب:Lambda Print. فن الديجتال
د.عايده الربيعي

قراءة للعمل الفني (الحب الخفي). للفنان العراقي المغترب حليم كريم. وصف العمل: يمثل الشكل عالم …

شوقي كريم حسن: صالح الطائي الطائي.. تأملات في فلسفة السرد!!

(اعلم ان كل فرد في المجتمع له رأيه الخاص ولكننا يجب ان نتفق في النهاية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *