إسماعيل ابراهيم عبد: شاعرية شذى.. حياة لذوات غير عاقلة

قد تلجأ الشاعرات , ومنهن شذى اسعد , الى بث الحياة في الأشياء غير العاقلة , تلبسهن روحها , تحملهن ليكن نديمها او ندّها او شاهدها على ما يتبعثر من الحياة .. شذى أسعد مثال حيوي لهذا الاتجاه , اتجاه حيوية الأشياء غير العاقلة. انها تعطي من روحها شيئاً للنافذة وشيئاً للممحاة , وشيئاً للصور والاوراق البيضاء. والملفت للنظر ان للشاعرة روحاً قادرة على ان تهب حيويتها وحزنها لجيرانها من الموجودات , لا تبالي ان سمعنها او شاركنها او أهملنها او صددنها.. هي تذوب بهن وهن لهن ما يبغين .. لن تسألهن الوفاء لأن الأشياء مُلكُ الوجودِ , لا وصاية عليهن سوى ذاتهن.
ومن الذات العاقلة الحزينة الى الذوات غير العاقلة , غير الحزينة تمنح الشاعرة ذاتها وعقلها ووجدانها لأشيائها.
تُرى كيف؟
أولاً : حريتها وحرتهن
في قصيدة لها طرس تحت كلمة (النافذة……..) طاقة حلم وطفولة تليق بنزق الشاعرة وتوقها لأن تكون مثل الأشياء , او تكون كل الأشياء , او تكون زمناً للأشياء الخالدة .. لنخلوا لبعض قراءة في :
[النافذة ……..
كل صباح كانت العصافير ترسم على النافذة فماً لأغاني طازجة.
وكنت حين أذهب مسرعة الى المدرسة ،
أنثر الزقزقات على البيوت ،
والأزقة ،
وأشجار النارنج ،
وأحلامي الكثيرة ،
التي طالما تعثرت بحصى الطرقات ،
وأحصت على باب أعوامها التالية..
نافذة كبيرة ، تضج بالكثير من السكون …]( ).
ـ الصباح والعصافير والرسم والنافذة والأغاني الطازجة كلها فتنة جمال لحلم صبية في مدرسة الطفولة , كلها لوحة للسائرات الى احتفال الطبيعة بعصفورة الحدائق (شذى) , أليس الشذا عطر الحدائق في الصباح , أليس الصباح من يبعث الشذا الى كل طفلة وطالبة وشاعرة , أليس كل طفلة وطالبة وشاعرة يغنون للصباح انغام الفرح والسلام وجمال السير الى المدرسة.
ومثل هذا الصباح لابد ان تحمله الروح الى البيوت والأزقة وأشجار النارنج وحصى الطرقات , وسنين العمر … والنافذة الساكنة , فالطفلة الشذا زقزقة طازجة , هي عصفورة الغناء , حاملة جمال ضياء النهار .. هي من ستنثر الشدو عند الموجودات غير العاقلة , تهبها العقل والأمان ..
لكن هي الآن تتحمل السكون بدلاً عن عذابهن ..
هي الآن تحزن لخمول وجودهن غير المتنقل , غير المُسهم في تغيير سكون عمرها , سكون العودة المدرسة والعصافير, والعمر تحت نافذة لن تغير مصير الزمن المتقدم سريعاً نحو السكون.
ثانياً : طاقة تعطيل المكان
سيأخذ التعطيل أولاً وقبل أي شيء , إلغاء الحركة الانتقالية واستبدالها بحال نفسية سديمية , لا تداولية . أي وضع الأشياء في تشيئ جديد يرفع درجتها المادية الى مقاربة المكونات الشعرية أفعالاً وتعابيرَ . سنجد في قصيدة (أصابعي) للشاعرة شذى أسعد ـ على موقعها في الفيس بوك المنشورة في 10/1/2019 ـ اجراء يلائم فرضنا أعلاه .. لنقرأ :
[أصابعي
الصحف الملقاة عند حافة الدرج ..
المصباح المتدلي من أعلى سقف الغرفة ..
الجدران الطاعنة بالاصفرار ..
ستائر النافذة وهي تمسح ضجيج الصباح بأحاديث معتمة ..
الأوراق المصرة على ان تكون بيضاء فقط ..
الزهور المخبأة بين صفحات الكتب..
المرآة المركونة عند أحدى الزوايا..
الوسائد المخنوقة تحت وطأة الغياب ..
كلها تبدو على غير عادتها..!!
يوم أشارت اصابعي إليك في مساء موحش كهذا …. ] لنتابع على النحو الآتي :
ـ الصحف المُلقاة عند حافة الدرج .. : لا الصحف تتحرك ولا حافة الدرج تُغير مكانها , ولا هما يتغيران في كميتهما , هما شبه ملغيين . أي انهما خرجا من وظيفتهما التعيينية ليصيرا شيئين نفسيين .. الفتنة في هذه الجزئية تُضمر في طاقة التعطيل , في تغيير وظيفة المكونات هذه , وتحويلها الى طاقة في وعاء الشعر , وعاء المشاعر الجليلة التي ترحل بالكائن المادي الى العالم اللامادي المضمخ برؤى الوجد .. تتحول الأشياء الى اصبع كوني يخلق ما يشاء.
ـ المصباح المتدلي من أعلى سقف الغرفة .. : المصباح هو الآخر لا يؤدي وظيفته لا الاضاءة ولا الإظلام . انه كائن شعري يبدو على غير طبيعته , بدون وظيفة , دونما أهمية لوجوده , بل لا معنى من وجوده لولا ان الشاعرة تريده مجرداً من ماديته لتحوله نحو وجدانها , تخلقه من جديد صديقَ سكون مركوناً في اللا جدوى المفعمة بجدوى عدم اداء وظيفة الرتابة البكماء , (الإضاءة والإظلام) , تريده هيأة دالة على عزلة ملائكية تشارك السماء والأرض سكونهما وفرديتهما.
ـ الجدران الطاعنة بالاصفرار .. / ستائر النافذة وهي تمسح ضجيج الصباح بأحاديث معتمة .. : الجدران والستائر والصباح يؤدوا وظيفة مستحيلة , يتحولوا الى صوت , صوت من صمت دلالي .
ان الشاعرة تضمهم الى جرار حاجاتها المخبئة , تريد الغاء الجدران بالقِدَم , والستائر بالحديث والصباح بالضوضاء. انهم ملغون من وظيفتهم الأصيلة. هم ليسوا للستر والنور , انهم موقوفون على فعل الإلغاء الذي يديم وحدة السكون مع الصحف والدرج والمصباح ..
ـ الأوراق المصرة على ان تكون بيضاء فقط .. / الزهور المخبأة بين صفحات الكتب..: هؤلاء (الأوراق , الزهور , صفحات الكتب) مكونات أخرى يجمعها البياض الذي هو محو للكلمات , لكلمات الكتاب ولكلمات الأوراق , بل هن موجودات بلا قيمة وان كان الورد رفيق حالهن , كأنهن غير مرئيات , ولا معينات , لأجل ان يسهل الإلغاء لهن جميعاً. ـ المرآة المركونة عند أحدى الزوايا.. / الوسائد المخنوقة تحت وطأة الغياب .. : المرآة والزوايا والوسائد خُنِقَ وجودُهن , وغُيّب حضورُهن , وأُنهيتْ ماديتهن بقصد صريح مباشر , لأجل ان يبقى السكون رهين فعل شعري أخير هو :
[كلها تبدو على غير عادتها..!!
يوم أشارت اصابعي إليكَ في مساء موحش كهذا ….] هكذا تصل بنا الشاعرة الى اصبعها , فـي (عنوان القصيدة : أصابعي) .. وبما ان السكون اشارة إصبع فهو أُمنية وليس حركة , ولأنه كذلك , فهو دعوة او إدانة لحبيب او ندٍّ او شيءٍ مخيفٍ , وهو أخيراً دليل سابق ولاحق على يومين موحشين , نُقَدِّرُ انهما , يوم فراق عاشقين , ويوم فراق أبدي لعمر او زمن جميل .
تلك هي فلسفة تعطيل الزمان!
ثالثاً : ظلال الايقاعية
لنمارس القراءة , ثم نقوم بلمس التأويل :
[لمس
لمسك بممحاة حارقة
يكسر حظر المرور
عليك..
ويتركني
جثة باردة…] في الومضة السابقة , يكون المحو والحرق والحظر والترك , اشارات تتجه دلالياً الى مؤدى تأويلي واحد هو (البرود العاطفي) , لذا سيتصير لتلك البرودة ندٌ , تصنعه الشاعرة بان تقابل البرود العاطفي بجثة باردة , (ميتة او متوقفة عن الحب).
ان الشاعرة لم تتجه الى هذا التقابل مباشرة , إذ لابد من قوة اقناع علمية او منطقية او شعرية ..
لقد اختارت الشاعرة شذى أسعد الطريق الثالث الوعر جداً جداً , فما أسهل ان تقول علمياً : (الموجودات الميتة باردة بلا عاطفة) , او تقول بمنطق : فاقد الشيء لا يعطيه. لكن ان تقتنع وتقنع الآخرين بذلك شعراً فان أُسلوبها بإزاء مجازفة .. لقد حققت الشاعرة ـ بمجازفة شعرية متزنة ومحسوبة ـ توافقاً رصيناً بين الاقناع العقلي والوجداني بصدق فني عبر وسائط لغوية هي :
ـ جعل اللمس يعادل الكلام ويعلو على الصراخ ويغلو في قدح فعل الامحاء .
ـ فعل الامحاء أوصل الى الحرق ليفتح سبباً الى فعل المرور نحو الفرد المعني , الحبيب مثلاً.
ـ فعل الحرق والمرور أوصلا الى بطل القصيدة , وله ان يتقدم نحو البطلة بقوة اللمس والمسك والتشبب … لكنه لم يفعل …
ـ ولأن الفرد البطل لم يفعل قفد حكم على البطلة بالموت برودة وكمداً وخيبة.
رابعا : الصورية
نعني بها الصور التي تميل لتكوين مضمر دلالي يعاكس سطع التدوين , أي ينمي قوى المعنى المتحول من التبسيط الى التعقيد , بافتراض ان المؤول على دراية بالتناص الموازي ..
لنتابع صورية الشعر في قصيدة بلا عنوان , وضعنا لها عنواناً افتراضيا هو (الصور) .. لنطّلع عليها:
[الصور
تلعق الصور أسماءنا ..!!
تتوهم اننا داخل شرنقة العمر .
فتحرص ان تبتاع جميع
الاحلام .
والمواعيد .
والقبل .
والورود .
واشجار النارنج.
والمكائد .
واللعب المركونة

عند اول الخطى.
وتدسها مع الكثير من الدموع..
في كوب الشاي
كل صباح] ـ موقع الشاعرة شذى اسعد في الفيس بوك في 10 /1/2019
تحرص الشاعرة على اقامة التوازي بين نصها والنصوص البيئة المجاورة له ضمن ثقافة أُنسية التأمل في التفكير المنفرد . وبمتابعة صورها الشعرية يبان لنا :
1 ـ الحفاظ على وظيفة الشعر الأزلية (الغنائية) , وهي في عبارة (تلعق الصور اسماءنا..!) تذكرنا بمقطع غنائي لفيروز(أسامينا شو تعبوا أهالينا) , وهذا التقابل تشكيل دلالي لإشارة الى الغنائية بأُغنية! فضلاً عن ان ألفاظ العبارة فيها غنائية انشادية لو قرأناها بتحريكٍ ومَدٍّ لفرضية الكلام الممحو في (..!).
2 ـ وفي عبارة (تتوهم اننا داخل شرنقة العمر) توجد مبطنات دلالية تخالف المظهر, فالوهم يعطي فهماً يمحو الداخل من شرنقة العمل , وشرنقة العمر تمحو الوهم لكونها شبكة أيام متداخلة تقترب من حال عدم وجود الأيام وبقاء أثرها واضحاً , ثم يمكن إقامة عبارة صادمة هي ان المخاطب غائب ولا سبيل للوصول إليه سوى بالوهم , ومن هنا تشاد الدلائل الموازية لتقيم نصاً على انقاض نص التوهم الأول , نص يخص الوهم الثاني الذي تؤشره عبارة (فتحرص ان تبتاع جميع / الأحلام).
3 ـ وزيادة في تجسيم وتعظيم الوهم الثاني تضع له الشاعرةُ ثلاثةَ اطراف هي :
(القبل / والورود / واشجار النارنج).
تلك هي مجسدات تفيض على الوجود بالجمال البيئي , إذ القُبل جمال بيئة الأنسان , والورد جمال بيئة الود والعطر الزكي المُهدى للأحبة , والنارنج جمال بيئة الاثمار.. ومن جانب آخر فهذه الثلاثية بيئة شعرية اذا عرفنا ان القصيدة عن الاسماء التي تشكل الصور , بمعنى انها موجودات مخلوقة لتتوافق مع الجو النفسي لبيئة القصيدة.
4 ـ وفي عبارة ( تبتاع …./ المكائد / واللعب المركونة / عند اول الخطى) , قلب دلالي جديد يحول الجمال الى بيع للمكائد واللعب القديمة للخيانة ـ مثلاً ـ , يجري ذلك في اول خطوة نحو البكاء المزيف , بكاء مثل دسيسة منافق!.
5 ـ تقع القصيدة كلها متهاوية المعاني عند (وتدسها مع الكثير من الدموع../ في كوب الشاي / كل صباح)..
* وفي هذه القصيدة يبدأ المعنى من التبسيط الدلالي للعبارة (الصورة) , وصولاً الى ما يشبه التعقيد الدلالي للفعل الشعري الأضخم لما نسميه (التناص الموازي) للأصل , ونراه قصيدة ثانية تخالف مظهر التدوين الأول للمدونة الكتابية للقصيدة. * في هذا الدس عودة الى مبدأ القصائد السابقة الذي يمثل غربة النفس البشرية المُفَكِّرَة التي تتأمل الوجود بفردية موحشة .

 

شاهد أيضاً

محمد مهدي الجواهري: ما ورد عنه في كتب في ضوء مسح افتراضي
أ.د. صالح جواد الطعمة

مقدمة: أدرك جيدًا أن توثيق منجزات الجواهري عبر قرن وما كتب عنه أكثر تعقيدًا وصعوبة …

شوقي كريم حسن: داود سلمان الشويلي… وضوح الأشتغالات المعرفية

*عند خط الفصل بين سومر بكل ارثيتها العجيبة، وامتدادات زقورة اور، واللاله الجالس في العلو، …

صباح هرمز: بنيات السرد في روايات “محسن الرملي”

1- الشخصية: يقول رولان بارت معرفا الشخصية في الحكاية بأنها: (نتاج عمل تأليفي) كان يقصد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *