الروائي العراقي حميد الربيعي: مصيبة الكاتب العربي أنه يتحرك في حقول ألغام مازالت فعالة
حاوره: مروان ياسين الدليمي (ملف/4)

بنية الخطاب السردي في العمل الروائي تتعامل في تقنياتها بمستويات مختلفة في الممارسة الدالة الإنتاجية، حيث تلتقي وتتشابك فيها الأنا (ذات المؤلف) مع ذات الكاتب السارد، هذا من جانب، ومن جانب آخر تنطوي هذه البنية على ضرورة الوعي بالتاريخ، مع توفر رؤية فنية تتولى إعادة صياغته وتدوينه من جديد. من هنا يأتي منطلق حوارنا مع الروائي حميد الربيعي، إذ اخترنا أن يكون مشروطا بهذا الإطار من الأفق السردي، الذي يتحرك في فضائه الفن الروائي، وبذلك نكون قد انفتحنا على ما يمتلكه الكاتب من رهانات وتصورات وأدوات، عندما يتوغل عميقا بين عوالم الذات والتاريخ والتخييل، وهذا الإجراء يجيء وفقا للملاحظات التي توفرت في سياق تجربته بعالم السرد، التي أثمرت الأعمال الروائية الآتية: «سفر الثعابين» 1987 «تعالى.. وجع مالك» 2010 «جدد موته مرتين» 2012 «دهاليز للموتى» 2014 «بيت جني» (قصص) 2016 «أحمر حانة» 2017.

■ هل يمكن أن تكون الرواية بالنسبة للكاتب بمثابة تصفية حساب مع العالم؟ أم أنــها عملية مخاتلة للاعتراف؟
□ يا ليت هذا يحصل، بل إنها فتق للجروح، فالأحداث والشخصيات والأزمنة تصير حية، وتطالب بحقها في الوجود اليومي، بمعنى تبدأ تعتاش مع الكاتب بكل تفاصيل حياته.الأنكى من هذا أن تلك الشخصيات والأحداث سوف تفتق الكوامن عن أزمنة سبق للمؤلف أن حاول طيها عبر النسيان، أو التراكم في أسفل ذاكرة ممتلئة، بمعنى جلبها للآني، سيقود حتما إلى إشكالات من تلك التي توجع الدماغ، فمهما حاول الكاتب تجنب منطقة الاحتكاك هذه، فلابد أن تطل في أي صورة تشاء، كأن تكون على هيئة مقاربة أو انزياح، بيدها أنها ستظل في النهاية على هيئة كتاب، فتح توا، وعلى الكاتب تسديد ما فيه من ذمم تجاه التاريخ والحياة. تبقى الرواية في النهاية محاولة لمجابهة الوقائع والأحداث التي تمر.
■ هل من سمات معينة للذات المؤهلة لكتابة السرد؟
□ الذات الواعية لحركة الكون، من أقصاه إلى أدناه، بما فيه من قوانين وقيم، طبيعية واجتماعية، أو ما وراء ذلك من مفاهيم، التي شكّلت وعي العالم، على مرّ عصوره السابقة، وصولا إلى السؤال المهم، لماذا هذا الجريان، الحراك، وبهذا الشكل؟ ليس الشكل الجاهز الفيزيائي، بل بما اعترك معه، أثناء مسيرة البشرية، من تعقيدات اجتماعية وإنسانية، تضاف لها الخبرة الحياتية، التي تؤهل الكاتب لإدراك مفاصل الحياة، وتجعله ذا دراية، تمكنه من النظر إلى الأمور، ليس من باب الأحداث اليومية، بل من باب: لمَ يحدث؟ بمعنى الخبرة التي تغوص في عمق الأشياء وتستشف تفاعلاتها بمجمل نواحي الحياة. والنقطة الثالثة هي السليقة، تلك التي تربت ونمت وتطورت بمعرفة عناصر الرواية وإدارة السرد فيها، من حيث شكل التقنية وتطورها وتشعبها ونوع مدارسها الحديثة، ويتأتى هذا بالمران والمعرفة والمتابعة والمقدرة الذاتية، التي تعني التأهيل الذاتي لخوض مجال كهذا في الأدب والإبداع فيه.

التجربة تخلق لدى الكاتب إمكانية التجريد، وهي خطوة مهمة في إعادة تخيل الحياة، من خلال تجريد المشاهد اليومية من كل ما علق بها من حكايات جانبية أو رتوش واختزانها كفكرة مجردة.

■ هل الفشل في كتابة الرواية سيرافق من لا يملك تجربة حياة طويلة؟
□ بالتأكيد، لا يمكن أن تدرك كنه الحياة، بدون الخوض في سجالها، ذلك الاحتكاك المباشر مع الوقائع ومن ثم اختمارها وتبلورها وتشذيبها، ثم امتلاك ناصية إعادة تكوينها، فالتجربة تخلق لدى الكاتب إمكانية التجريد، وهي خطوة مهمة في إعادة تخيل الحياة، من خلال تجريد المشاهد اليومية من كل ما علق بها من حكايات جانبية أو رتوش واختزانها كفكرة مجردة، عندها تبدأ المخيلة بالعمل على هذا المجرد وطرحها بسرد مباشر. الحياة هي خزين صور متعددة، تمتلكها الذات ويشذبها السرد بما يلائم الصورة الجمالية، هذه العملية المعقدة، التي تجري تلقائيا في منطقة اللاوعي هي التي تدفع بالكاتب إلى الإبداع باستحضار الأشكال المبتكرة في السرد. أحد الأصدقاء، ومن باب المزاح، طرح فكرة أن لا يكتب الرواية إلاَّ مَن تجاوز الأربعين من عمره.
■ كل رواية فيها قدر معين من السيرة الذاتية للكاتب، متى تصبح السيرة الذاتية عامل فشل للروائي؟
□ متى ما طغت السيرة على مكونات الرواية وتقنيتها وأصبحت الهاجس الذي يشغل بال المؤلف ويجعله المسبار لسير العملية السردية، هذا الطغيان من السهولة عدم أدراكه لدى الكاتب غير المتمرس، إذ يتراءى له إنه يكتب سردا مميزا، لكن في الحقيقة أن ذاكرته تضغط باستمرار نحو البوح الذاتي، وكأنه لا فاصل أو تمييز بين مكونات الحكاية، وتلك السيرة. الإشكالية صعبة، بيد أن إدراكها هو الأهم في كتابة الرواية، لأن السيرة سوف تسيِّر حوادث الرواية باتجاه المبتسر من يوميات المؤلف، بينما الرواية تتطلب الرسم الهندسي لأحداثها وشخوصها وأزمنتها وأماكنها، وهي التي غالبا ما تمحى من السيرة، إذ تصبح الحكاية الذاتية الشخصية هي المعيار الذي يقود حركة الأشياء، في حين تتطلب الرواية أحيانا التوقف أو الانتقال بالسرد من صورة إلى أخرى، أو من زمن إلى آخر، بينما في السيرة تهيمن الذات وسيرتها على السرد. قد نستفيد من السيرة في كتابة الرواية في بعض المشاهد، لاسيما المشاهد التي يحدث فيها التبيئر على مستوى الحدث أو الزمن، لكن بشرط أن لا تخرج السيرة عن خط كتابة الرواية، نستطيع أن نلمس ذلك بوضوح لدى كتاب مرموقين، لكن مع ذلك يخطؤون في هذه الجزئية، باعتبار أنها تعميق للصورة السردية، لكنها في الحقيقة تنحية جانبية عن مجمل السرد، لذلك حين نقرأ رواية ما، نضطر إلى تجاوز صفحات عدة، في أثناء القراءة، إذ نشعر بها خارج إطار السياق.
■ كيف يمكن إمساك الحد الفاصل بين ما يحدث في النص الروائي والواقع التاريخي العياني، من قبل المتلقي وكذلك من قبل المؤلف؟
□ القارئ الفطن يدرك بالضرورة تلك الفروقات الطفيفة أو العميقة بين الاثنين، ما سيدفعه إلى إدراك هدف المؤلف. قد تكون بعض الوقائع غائبة عن ذهن القارئ وستحتم عليه الأخذ بما يطرحه المؤلف، كمسلمات بأنها حقائق تاريخية، من هنا تتأتى الصعوبة، بيد أن المؤلف من جانب آخر عليه أن لا يوقع قارئه في منطقة الالتباس هذه، فهو بهذه الحالة سيصبح أحد مزوري التاريخ، ولإزالة الإشكال، لابد له من خلال السرد الفصل بين ما هو تاريخي وما هو متخيل، بمعنى آخر: هل المؤلف يسحب ما هو تاريخي إلى المتخيل أم العكس؟ أعتقد أن مهارة الروائي تتجلى في هذه الخاصية، التي يدرك المؤلف سلفا مقدار الإجادة والمران اللتين امتلكهما في طريقة إعادة خلق تلك الحوادث فنيا. إن العالم والحياة صور، وإعادة تركيبها يتطلب مهارة ليس في صياغتها، إنما في تجريد صور الحياة من ارتباطاتها اليومية، ومن ثم النسج عليها ومقاربتها من الواقع، التي تعني بأن المخيلة هي التي تشتغل على التاريخي وتسحبه إلى منطقتها، بهذه الحالة سوف يصبح التاريخ ليس تلك الحوادث المنتظمة، إنما هو حكايات تمت بلورتها بشكل مغاير. الوعي بالتاريخ ضرورة تنظم سير السرد الروائي وتكمن العبرة في ما يطرح من أفكار، بدلا من الحكايات ومدلولاتها، إن زحزحة التاريخي عن قدسيته وإعادة تشذيبه تتطلب الفهم العميق لمادة التاريخ وطريقة تشكيلها، بما كانت عليه سابقا، ومن ثم إعادة هذا التشكيل بشكل مختلف، يتناسب مع السرد الروائي.

حاولت التخلص من سطوة التاريخ والتلاعب بحكاياته بما تمليه المخيلة وما يطلبه السرد الروائي. وقد فعلت هذا بشكل مكثف في رواية «دهاليز للموتى» وبأشكال متنوعة في كل من رواية «أحمر حانة» ومجموعة «بيت جني».

■ هل قيمة العمل الروائي تتجلى في قدرته على استحضار الشعور بأن الحياة كما وصفتها الرواية؟
□ تجاوز السرد بمدارسه الحديثة واقع النقل المباشر كما كانت تطرحه «الواقعية النقدية»، فالحياة أصبحت أكثر تعقيدا ووسائل الاتصالات أضحت متاحة أمام القارئ، بأن يطل على الحياة، من أوسع أبوابها، حتى صار القارئ على دراية بالحوادث اليومية، بل لا نجازف حين نقول إن القارئ أكثر معرفة بتفاصيل الحياة من الكاتب ذاته، بيد أن الرواية عملية فنية يعاد من خلالها الإطلال على هذا العالم من زاوية الجمال، لذا على الكاتب أن يكون أكثر وعيا بهذه النقطة، بحيث أن عليه الأخذ بيد القارئ إلى المناطق البعيدة عن تلك اليوميات، من خلال إعادة صياغة الحياة فنيا، وأيضا من خلال الوعي بحركة الحياة، في أي اتجاه تسير.
■ الكاتب الغربي ليس أمامه حدود يقف عندها، بينما الروائي في المنطقة العربية أمامه الكثير من المحاذير، هل يمكن أن يكون ذلك عامل دفع له حتى يبتكر أساليب فنية لاجتياز الممنوع؟
□ مصيبة الكاتب العربي أنه يتحرك في حقول ألغام مزروعة منذ أزمنة قديمة ومازالت فعالة، بينما وعيه وكتابته تتطلب تحريك الساكن في هذه الحياة، مما يجعل الصدام واقعا لا محالة في أي منعرج يخوض به، وبسبب تكشف مكنونات الحياة لم تعد التورية والمواربة مفيدة، كما كان يستعملها الكتاب في بدء عصر التنوير، فالسلطة، أي سلطة، لها من الإمكانية بأن تراقب مثل هذه الخروقات وتقف لها بالمرصاد، ونتيجة المواجهة الحتمية التي خلقتها وسائل الحياة أصبح رأس الكاتب هو الثمن لأي محاولة يقوم بها في هذا الصدد، لدينا الكثير من الأمثلة الدالة على فداحة ما يقدمه المثقفون من تضحية، لكن الأمر لا يخلو من مزاريب، هنا أو هناك، فبمقدار ما تشدد السلطة والمجتمع من قبضتهما باتجاه التغيير، بمقدار ما الكاتب يجد أمامه من زوايا، يستطيع أن يمرر بها خطابه الثقافي. والمحظورات في منطقتنا لم تعد ذلك الثالوث الأبدي، بل صارت تشمل معظم مناحي الحياة، بسبب الردة التي انتكست بها، ومن التطور الذي أرساه التنويريون، في بداية القرن الماضي رأينا المنطقة تعود إلى بداية عصور الظلام، مما تطلب جهدا جبارا من الكُتَّاب، ليس في الحفاظ على حياتهم من القتل، بل في طرح أساليب فنية، تشق عباب ذلك الظلام. أعتقد أن الرواية بهذا الصدد، لها الكأس المعلى في ريادة تجاوز عالم المحظورات والطرق بقوة على قدسية التاريخ والأنظمة، حينما انتقلت في بداية الألفية الجديدة من حضن البنى الفوقية للدولة إلى أحضان المجتمع ، ما وفر لها مساحة طيبة للحراك.
■ العلاقة بين التاريخ والخيال فيها جانب كبير من التوريط من قبل أحدهما للآخر، أنت شخصيا كيف تحدد هذه العلاقة، وما الذي يشغلك عندما تسحب التاريخ إلى منطقة التخييل الروائي؟
□ هذه ميزة مهمة في السرد الروائي الحديث، وأحد أهم أركان الرواية الجديدة، التي اشتغل عليها، ومنذ بدء

المحاور الأديب مروان ياسين الدليمي

كتابتي للرواية وضعتها نصب عينيّ، أولا من خلال الخوض فيها، وثانيا من خلال إعادة تشكيل هذه العلاقة، لتكون محورا تجديديا في السرد. ولدى الغالبية من الكتاب تعد معضلة، بسبب النظرة تجاه مادة التاريخ، بينما أنا تجاوزت هذه العقدة، حينما كنت في الخارج تحررت من قيود السلطة والرقابة، ولي من السعة مكانيا وزمانيا، بأن أجدد رؤيتي للتاريخ. وقراءتي المتواصلة لمادة التاريخ القديم والحديث جعلت النظر إليه خارج القدسية المفروضة عنوة، وإعادة قراءة هذا التاريخ بمنظور عصري، يتناسب مع تطور الحضارة العالمية، بما وصلت إليه من منجزات، ما حتم عليّ أن أمتلك توجها خاصا، بموجبه أغربل مادة التاريخ، ليس باعتباره كتابا دونه الملوك والسلاطين، لكن باعتباره حركة حياة للناس، الذين اشتركوا في صناعته. وسرديا نتيجة تراكم الخبرة في الكتابة، وجب عليّ التفرد عن الآخرين، بأن أجعل المتخيل هو الذي يسحب التاريخ إلى مرابعه وليس العكس، كالذي نراه لدى الكثير من الكتاب، الذين يرون بسحب التاريخ إلى المتخيل، إن من مارس كتابة كهذه سيبقى أسير المادة التاريخية، بينما طريقتي أتاحت لي الفرصة لأن أتخلص من سطوته والتلاعب بحكاياته بما تمليه المخيلة وما يطلبه السرد الروائي. أعتقد إني فعلت هذا بشكل مكثف في رواية «دهاليز للموتى» وبأشكال متنوعة في كل من رواية «أحمر حانة» ومجموعة «بيت جني».

شاهد أيضاً

الكاتب حسن سالمي: لا يمكن لرواية واحدة أن تقول كلّ شيء حاورته: الصّحفيّة وحيدة المي- تونس

فاز هذه السّنة بجائزة توفيق بكّار للرّواية العربيّة، يعكس الحياة في كتاباته بكلّ تناقضاتها ويحاول …

صابرحجازي يحاور الشاعرة المغربية جليلة بن الدويبية

في إطار سلسلة اللقاءات التي أقوم بها بقصد اتاحة الفرصة امام المهتمين بالشان الثقافي والابداعي …

دردشة على صهيل الفصول مع الشاعرة اللبنانية
د.دورين نصر سعد حاورتها: آمنة ونّاس

وقفت أعدّ زفرات الريح الصافعة للجدران القديمة، لينشقّ صمت من رفوف الصدى، يناظرني بابتسامة، مستسلمة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *