بولص آدم: الفنان لوثر ايشو آدم و نقطة المركز في لون النهاية (ملف/21)

إشارة:
بموازاة عراق ينزف تحت سياط الجلد على يد الظالمين والفاسدين، نَزَفَ زهوراَ عراقية مُرَمّمة، ربط سيقانها المُكتسحة بأربطة المعجزة وأحياها بالعزف اللوني لفرشاة الأمل، فمن ذا الذي غيره آمن بخلاص بلاده بالفن و خَلّد الشهداء بالفن وعلم الأطفال والكبار المحبة بالفن وصبح ومَسّى على النهرين بالفن؟ ومن ذا الذي غيره راسم أغلفة عشرات المؤلفات الأدبية العراقية؟.. بدأ بالتجريد والبحث عن الجوهر وودع بالنص البصري، شاعرا في التخطيط، حالماً في المائية، آثارياً سارداً يستخرج الدهشة من رحم المفاجأة في الزيت..غزيرا كان في محبته وانعكس ذلك في فنه. بدأ يرسم مثل الكبار وأنتهى فناناً عالمياً مغموراً! أرسل للعرض عالمياً، لوحات يتربع أسم العراق على عرشها، إنه الفنان التشكيلي العراقي لوثر إيشو آدم، إبن قرية ديري العراقية (1955-2011) التي ووري الثرى فيها أيضاً تحت شجرة البلوط إلى جوار أبيه (أرسم ياولدي شتلة اليوكالبتوس التي زرعتُها للتو. – نعم يا بابا، سأرسمها عندما كلانا يكبر!) رحل الوالد مع بدء الحرب الثمانية بعمر مبكر مثل أبنه الفنان تماماً. رسام اليوكالبتوس في أواخر سنوات الحصارعلى عراقنا، الشجرة يبست من العطش، سقاها فناننا الراحل لوناً وقال (الفن صناعة المستحيل).. في الذكرى التاسعة لرحيله الصادم بالسكتة، فجر الثامن عشر من حزيران، تقدم أُسرة موقع الناقد العراقي، ملفاً عن فنان عراقي بار وتحيي روحه بتأبين رمزي على يد مبدعينا، مُدوني أسطر التقييم والشكر والعرفان لجهده الأبداعي الخلاق، راهب فن صومعته فضاء العراق، آخر كلماته رحمه الله : هواء.. هواء.. ه…
بولص آدم
13-حزيران-2020

ملاحظة: تشكر أسرة موقع الناقد العراقي الأخ المبدع مروان ياسين الدليمي على مساهمته الكبيرة في إثراء ملفها عن المبدع الكبير لوثر ايشو بالمقالات وبلوحات وصور الراحل الكبير.

في مسيرة الفنان العراقي ( لوثر ايشو آدم ) تجسيد مثالي لمبدأ المهارة والأبتكار، العصامية والأخلاص، الصدق في المعالجة والموضوعية في اجتراح الحالات والمؤثرات.. عقل ينساب ليترك آثارا على الكنفاص والورق و الزجاج والخشب والجدران ، على أغلفة عشرات الكتب الأدبية ومثلها من ديكورات المسرح ، زخرف للجوامع ورسم على جدران الكنائس وقاعات الشهداء … بتواضع ونكران ذات وبعيدا عن حب الظهور، وتكرار واستهلاك التجربة الفنية.. البراهين على ذلك في لوحته، هي نتاجه الغزير، ونوعية ذلك المنجز، في الجماليات، والدهشة والمفاجآة الكبيرة، في مجمل ماأشتغل عليه، لوثر كان عدة اساليب في اسلوب عريض ومتجدد وكان عدة محاور في الأسلوب الواحد، وكان فنان مسلسلات لونية عميقة الأيحاء فائقة الأتقان وفي منتهى الوعي بما ينتج. البرهان النقدي على ذلك، تجده في لوحاته، فتنوع وتطور بناه البصرية لم يأت من فراغ او التشبث بعلاقة تشكيلية تحال الى اسمه ويكرر ذلك كنمط يعرف به ويطمئن على ذلك ويختال بقية العمر متبخترا والموتيف علامته التجارية !
ولدت مخلوقات واشاريات الفنان وتنوعت بتنوع الدراسات العملية في فنه والتي استغرقت عمرا بأكمله ، حتى ظهرت تلك النتائج كمفاجآت مذهلة في العقد الأخير من عمره، ثم صب في سنة حياته الأخيرة كل تلك النتائج وجمع ثمار خبرته في سلسلة لوحات رائعة، الموت وحده اوقف تدفقها.

ولد الفنان التشكيلي العراقي ( لوثر ايشو ادم /1955-2011) في قرية ديري القريبة من قضاء العمادية، ودفن فيها ايضا. في السنة السادسة من عمره ، قصفت الطائرات الحربية العراقية قرية ديري ودمرتها بالكامل ، أديرة وبيوت وحضائر حيوانات ومخازن الغلة والخ ،فشهدت عائلته الهجرة الأولى وحطت بهم الرحال بعد تيه و مسيرة شاقة على الأقدام في الموصل ، حيث بدأ والده ايشو القس آدم كعامل في محطة قطار الموصل .
بدعم معنوي وتشجيع متواصل من قبل والده وامه، بدأ رسوماته الأولى بقلم الرصاص والباستيل وذلك في مدرسة الرافدين الأبتدائية ومن ثم مدرسة هلكورد ومتوسطة زازا في مدينة أربيل ومن ثم العودة ثانية عام 1969 الى الموصل وذلك وفقا لتنقلات الوالد الوظيفية في محطات السكك الحديد العراقية، واستمر تحت تشجيع الوالد ودعمه ، على الرغم من الفقر ومحدودية الأمكانيات، مرحلة ( متوسطة الوثبة ) في موقعها القديم على حافة دجلة، حيث ظهرت أولى لوحاته الأنطباعية ونفذت بالألوان المائية،
ومن هناك بدأت خطوته المهمة الأولى في ادراك التماس مع الطبيعة كمنظر، وهو من الفنانين الذين بدأوا مباشرةً بالرسم بحرية وخارج التقاليد المدرسية، وخاصةَ في مجلة مخطوطة ومرسومة قام بأصدارها مرسم المتوسطة، حيث نشر قصة قصيرة (يونان والنمر) توظف حكاية شعبية ، كتبها بشكل واقعي، غير أن الرسوم الملونة المرفقة، انتمت الى مزج بين الفضاء الضبابي الذي يحيط بنمور ( ديلاكروا ) والمصارع الثائر مرسوما بحجم كبير يفوق حجم النمر ، جسدت عضلاته، بالريشة العريضة وبشكل مكثف ومختصر، ولكأنه واحد من الشخوص التي تجدها في لوحات العملاق الألماني المعاصر ( نيو راوخ ) .. كانت تلك الضربات اللونية الوحشية وذلك الأيقاع المتأتي من تبأور متضادين (الوحش/ألأنسان) هو ماعاد الى طرحه بتنوع هائل وحتى لوحاته الأخيرة، رسم لوثر في لوحة موزعة على عدة اطارات أجزاء تلك الحكاية .. ذلك العمل المنفذ بألوان باستيلية ومائية، اي أنه وقبل بدئه بالرسم الزيتي في الصف الثالث المتوسط ، كان قد مارس بعفوية المزج بين مادتين للتنفيذ. وهكذا تنقل في التنفيذ على مواد مختلفة بحرفية الحرفي العاشق للكنفاص والكارتون والجلد وحتى قصاصات الصحف والخ وبدأ بطرق مواضيع رمزية عكست فهمه للحياة

لينتقل الى الأعدادية الشرقية في الموصل التي صادف في مرسمها لقاء مجموعة عاشقة للفن التشكيلي والفنون الأخرى، ( تكرار تلك الظاهرة صعب !) كانت ترسم طبيعة المدينة وآثارها وعمائرها القديمة، أزقتها ومقاهيها وأسواقها، وفي كلماته الأخيرة في فيلم رموز الخاص به وهو من اخراج الفنان والشاعر (مروان ياسين/2005) يختتم لوثر حديثه بالتعبير عن عشقه لمدينة الموصل ، المدينة التي أجبر على مغادرتها عام 2006! وقضى اغلب اوقات دوامه في الأعدادية، خلال سنوات خمس، تخللتها سنة ونصف من الحالة الصحية المتدهورة نتيجة اصابته بذات الجنب، وكانت حالته الصحية ميؤوس منها ولكنه استمر بالرسم والتخطيط والتمرين المستمر على التشريح ، متخذا من آلامه وآمال الشفاء وحب البقاء مواضيعا للرسم، وهنا لعبت المعجزة دورها ومن خلال عيادة الدكتور ( مارسيل بيو ) وهو أحد عباقرة الجراحة الذين شهدتهم مدينة الموصل.. تلك التجربة المريرة ، ادت الى تشكيل رجل بروحية شفافة وأيمان مطلق بالفن.. حيث أنه كان يرد على من ينصحه بعدم بذل اي مجهود على سرير اليأس ذاك .. ( دعوني
أرسم، يساعدني ذلك في تخفيف الألم !)،

تخطيط للفنان المبدع الراحل لوثر إيشو

تلك المفاهيم كانت معاشة ومختبرة وليست مقروءة او منقولة شفاها، وذلك نبهني شخصياَ لدور الفن في حياته وجذبني بشدة الى الفنون وقراءة الكتب التي تنوعت وتوزعت في مختلف زوايا بيتنا الذي يتوسط حديقة داخل محيط محطة قطار الموصل.. مرسم الأعدادية الشرقية، يمكنني القول بأنه كان أكاديمية مصغرة، صقلت فيها مواهب مهمة لفنانين ذوي بصمات مهمة في التشكيل العراقي ( مزاحم محمد صالح، شاهين وليث عقراوي وخليف محمود، وغيرهم ، أنتهاءا بالثنائي رائد فرحان وعاصم مصطفى كآخر فنانين كبيرين أنجبهما ذلك المرسم نهاية السبعينيات، وقد عايشتهما وشاركتهما بلوحة زيتية متواضعة في آخر المشاركات المهمة لتلك الأعدادية التي كانت لوحات طلبتها تستحوذ فنيا على معارض تربية نينوى والعراق، وجناح الأعدادية الشرقية، لم يقل مستوى عن معارض معهد الفنون وأكاديمية بغداد، وليس في ذلك مبالغة.
أن عدم قبول الفنان لوثر أيشو آدم في أكاديمية الفنون لكون مجموع درجات المعدل العام، تنقصه درجة واحدة فقط! لم يثنِ فناننا عن مساره بل زاده اصرارا، و ردد بأكثر من مناسبة، ( ربما عدم رحيلي الى بغداد، في الأعوام الأخيرة من السبعينات، قد خدم اشتغالي الفني، في الوقت الذي أتأسف فيه لعدم قبولي هناك !) ،

علما بأنه حقق حلم الدراسة الأكاديمية ونال شهادة البكلوريوس في الفنون من كلية فنون الموصل/2004 وهو في عمر يستحق فيه التقاعد الوظيفي كمدرس رسم خدم في عدد لابأس به من المدارس والمعاهد والكليات في محافظة نينوى، وخدم المواهب التالية التي خدمت الأجيال اللاحقة وحتى اللحظة الأخيرة من حياته التي انتهت بالسكتة القلبية وذلك في مدينة بغديدا العراقية، وقام بأعداد وتقديم عشرات الحلقات من برنامج تلفزيوني من انتاج قناة عشتار، قدم من خلالها عصارة خبرته وأفكاره ونفذ ما تحدث عنه على سطوح تم التنفيذ عليها بشكل حي ومباشر، وكان موجها للمبتدئين ..كنا كأخوات وأخوة في عائلته بالأضافة الى أبنتيه ، تلاميذا في الفن، تربينا كفنانين على يديه .. وما ميزه بذلك اشترك معه فيه، فنانون كبارخدموا كمعلمين في التشكيل وكانوا او لازالوا في قمة العطاء رغم الكوارث العاصفة التي حلت هناك وطردت قيمة الفن الى أسفل قائمة الأهمية والدور في المجتمع ، ان لم يتعرضوا الى اشد قساوات سؤ الفهم والتهميش والأقصاء، فكل متابع رصين للفن التشكيلي العراقي، لايفوته التوقف عند اسماء مبدعة، علمت الفن ايضا كتربية وتهذيب، مثل، نجيب يونس، ماهرحربي، راكان دبدوب، خليف محمود، او رائد فرحان، وموفق الطائي ( الذكركمثال وليس الحصرمع الأعتذار)

.. لست هنا بصدد تقديم تقريري لمعارض الفنان داخل العراق وخارجه، ولم أسعى هنا لتقديم توثيقي للجماعات التي كان عضوا مؤسسا فيها .. نقدي الفني لأبداع لوثر سيظهر من خلال دراسات لاحقة ، تعتمد على منهج محدد و تستخدم المصطلح بدقة بالأعتماد على المصادر الأصلية، اعتقد وبشكل قاطع، بأن أي عملية نقدية لاجدوى منها، ان لم تكن صادرة من بحث علمي قائم وفق ضوابط علم الفن وتأريخه.

شاهد أيضاً

الدكتور زهير ياسين شليبه: تكريم الكاتب عدنان المبارك (ملف/13)

عجيب أمر هذا الكاتب عدنان المبارك، دخل في عقده السابع لكنه لايزال يتحدث معك بصوت …

قصيــدة وطـن رائية العرب
فكرة القصيدة ومطلعها وخاتمتها الدكتور صالح الطائي
تأليف ونظم مجموعة كبيرة من شعراء الأمة العربية (ملف/15)

إشارة: يسرّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تفتتح هذا الملف عن “قصيدة وطن- رائية العرب” …

سعد جاسم وتحولاته النصّية
قراءة في قبلة بحجم العالم*
حسام كَصاي العاتي (ملف/35)

إشارة: يسرّ أسرة موقع “الناقد العراقي” أن تقدّم لقرّائها الأعزاء هذا الملف الأسبوعي الثر عن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *