غانم عزيز العقيدي: ســـكان البيوت الأربعة (1)

الإهــداء

الـى الراحلين…
أمي وأبي …

أعمامي وأخوالي …
أولادهم …
أصدقائي …
خيري العساف …
عاكوب الحيالي …
الأستاذ أكرم …

رحمهم الله

غانم العكيدي

مقـدمـة
كما كانت زقاق المدق، وحي الحسين، والسكرية ، وغيرها من ألأماكن الشعبية والريف المصري الخلاق، إلهاماً لكبار الأدباء المصريين، مثل نجيب محفوظ الذي إستوحى معظم رواياته وشخصياتها وأبطالها من تلك الأماكن, و لم أستطع مهما حاولت أن أبتعد في كتاباتي عن المناطق الشعبية التي عشت أو درست فيها، مثل النبي شيت ومحلة السجن وباب الجديد وآخرها وادي حجر، التراث الثر بمعانيه وأحداثه وصوره الذي نسخ قسم منها في الذاكرة أو تبقى، وهرب القسم الأكبر الذي أحاول جاهداً الإمساك به، أو المحاولة على العثور على شيء منه ، وما أريد أن أقول:
أ ننا نستوحي إلهامنا من الأماكن التي عشنا فيها وتأثرنا بها، لذا أحاول جاهداً أن أعود بذاكرتي إلى الوراء بعيداً، كي أنسج رواياتي التي لاأستطيع الإستغناء عن الكتابة فيها أبداً مادمت على قيد الحياة.
وما أقدمه اليوم في روايتي سكان البيوت الأربعة،هو ترابط نسيجي مع الأحداث التي سردتها في رواياتي الثلاثة ومجموعة قصصي،إن الغوص في أعماق الماضي لابد أن يخرج بشيء يساوي مقدار الغوص المتعب في الأعماق، ومحاولة الحصول على مقاطع الأحداث التي كانت حافلة بعوامل الزمن المترامي، الذي نحاول أن نرفع عنه تراكم السنين الغابرة من عمر حياتنا التي مضت.
سكان البيوت الأربعة رواية سلسة وبسيطة، وأقول رائعة في نظري، وإني فخوربعملي المتواضع هذا الذي أضيفه الى أعمالي المنجزة، وأقدمه بين أيديكم وأأمل أن تستمتعوا به.

المؤلف

البيت الأول

زواج أبــي
إستدعاني أبي بعد أن إتّخذ قراره بالزواج الذي كان يلّوح به، بعد وفاة أمي رحمها الله بمرض لم يمهلها سوى أياماً معدودة، لم ينفع حضور خالي الدكتور نافع الطبيب المتمرس الذي يعمل في مفتشية وزارة الصحة ببغداد، في الحد من تدهور حالة أمي الصحية ففارقت الحياة رحمها الله وأحدثت وفاتها في بيتنا فراغاً هائلاً.
قال أبي :
ربما لا تعرف يا واثق أنني قد عزمت على الزواج بعد مرور مدة على وفاة المرحومة والدتك,وما أتخذته من قرار في هذا الجانب, كان عن دراسة ودراية تامة ,بأني لن أوثر بأي شكل من الأشكال على أنحراف مسيرة حياتكم أنت وإخوانك، وقد يهمك أن تعرف من هي التي سأتزوجها؟
إنّها رمزية إبنة خالي وأخت زوجة خالك نافع السيدة مريم, وقد أخترتها لإنها قريبتنا, ولإن عمرها الثلاثيني مناسب وقريب الى من أرغب الزواج بها.
تذكرت الآنسة رمزية قريبة أبي وصديقة المرحومة أمي،وكانت تأتي لزيارتنا بين حين وآخر، وكانت أمي تحبها وترحب بها في بيتنا في كل زيارة لنا ،الأمر الذي ولّد لديّ إنطباعاً جيداً عن هذه المرأة ما زال باقياً في ذاكرتي.
في يوم من أيام الشتاء المرعدة والممطرة و أذكر وقتها كنت في الصف الثاني الأبتدائي، وأثناء عودتي الى البيت من المدرسة راكضاً للقاء أمي فرحاً بدرحتي التي أعطتني إياها معلمتي، وهي عشرة بالقراءة مع أحسنت يادكتور، ،إنزلقت قدمي في الطريق الموحل فسقطت بقوة على وجهي أرضاً ، وأفلتت حقيبتي من يدي وتبعثرت كتبي ودفاتري بالوحل،وقام عدد من التلاميذ بالتخفيف من وطأة سقوطي بالمساعدة على نهوضي ، ولملمة محتويات حقيبتي التي تمرغت في الوحل، وكنت موحلاً وممطوراً من الأعلى الى الأسفل وأحس بألام شديدة في وجهي ومرمفقي وركبتي، وأنا أبكي على ما آلت إليه حالتي، وسط تعاطف أقراني من التلاميذ الذين لازموني الطريق حتى وصلت البيت.
لم تكن أمي التي كنت أريد أن آراها بلهفة ، لتحتضنني وتخفف عني وتنقذني من حالتي المزرية التي كنت فيها،لكني وجدت الآنسة رمزية في بيتنا والى جانبها يمامة صغيرتنا، أما زينب فلم تكن قد عادت من الروضة.
أستقبلتني الآنسة رمزية متفاجئة من الحالة التي كنت عليها وأنا أبكي، وقد زاد بكائي عندما لم أجد أمي في المنزل،قامت الآنسة رمزية بسرعة بنزع ملابسي ، ثم أدخلتني الحمام وقامت بغسل وجهي ويدي ورجلي برفق ،وكنت أصرخ من شدة الألم، وهي تهدّيني وتعقم كدماتي باليود ،الذي كان شائعاً إستعماله في تعقيم الجروح آنذاك، لكنه يحرق وبدأت أصرخ من جديد من شدة الألم، وشاركتني يمامة البكاء عندما رأتني أصرخ،
أخبرتني الآنسة رمزية:
أنّ أمي ذهبت في مشوار قصير داخل الحي وستعود قريباً، هدأت حالتي نوعاً مابفضل الآنسة رمزية ومازالت تلك الحالة عالقة في ذاكرتي.
كان أبي صائب وهذا أسمه في منتصف العقد الرابع من العمر, يعمل في تجارة العقارات، وله باع طويل فيها, وقد أكتسب خبرته ومهارته تلك عبر السنوات التي مارس بها ذلك العمل, وقد أستطاع أبي أن يحوز عدد من البيوت البسيطة التي أستغلّها للإيجار، مؤمناً دخلاً ثابتاً لمعيشتنا في رخاء, غير الدخل الذي يحصل عليه من عمله.
كان بيتنا الكبيربمساحته والذي نسكن فيه يتكون من ستة غرف وسرداب وفناء كبير،يصلح لأن يكون ساحة لكرة السلة أو الطائرة,تشكل أربعة من الغرف المتلاصقة مع بعضها الواجهة الشمالية من بيتنا وهي مبنية على شكل حرف L الأنكليزي, غرفة في الركن الشمالي وثلاث غرف على يمينها في الشمال الشرقي نشغلها نحن ، أمّا الغرفتان الأخريتان المشغولتان من أمي وأبي فيقعان في الواجهة الجنوبية للمنزل , وتحتهما سرداب على مساحتهما ,تخزن فيه المواد الغذائية التي وزعت بشكل جميل ومنسق على الرفوف المعلقة على جدران السرداب, وكان أبي يهتم كثيراً بتنظيم المواد الموجودة داخل السرداب , وكان يحرص على أن يكتب على القناني المتشابهة والموضوعة على الرفوف أسماء المادة التي تحويها, وذلك بلصق ورقة على كل قنينة تسهل على أمي وعلينا معرفة كل مادة، من العسل الى الدبس الى الراشي الى دهن السمن الى الدهن النباتي ومثلها المكسرات والمواد العطارية وغيرها. أما المواد الأخرى المعدة للطبخ مثل البقوليات كالفاصولياء والحمص والعدس وغيرها فتوضع في أواني معدنية.
كان قد مضى على وفاة أمي عدّة أشهر, وكنت ألحظ من خلال تصرفات أبي الأنسان الهادئ والحنون ،وبعد مضي مدة ليست بالقليلة من وفاة أمي, أنّه ضجرويغضب لإسباب قد لا تدعو الى ذلك, ويتغيب بعض الأحيان عن البيت , وغيرها من الأساليب التي تدلل على أنّه يرسم شيء ما , الى أن أعلن لنا عن قراره بالزواج من إبنة خاله.

نحن عائلة مكونة من ستة أفراد , أبي وأمي رحمها الله وأنا واثق الأبن البكر في السابعة عشرة ,وزينب في الخامسة عشرة,ويمامة في الثالثة عشرة وأخيرنا نامق في التاسعة.
في المساء وعند إجتماعنا على العشاء,قال ابي:
الآن وبعد أن علمتم بقراري, الزواج من رمزية, فإني قد قررت الزواج في بيت منفرد في البيت المجاور لبيتنا، بعد أن أبلغت شاغله بإخلائه, لذا فإن أختياري هذا كان لمصلحتنا جميعاً، أولّهما مراعاة لشعوركم من أن تحل إمرأة آخرى محل أمكم،ولو ان رمزية ليست بغريبة عليكم، وتلافياً لما قد يحدث من إحتكاك يؤثر على مسيرة حياتكم ودراستكم، ولاتنسوا إني معكم وقريب منكم , وقد قررت ياواثق :
وهو يوجه الكلام لي ليحملني المسؤولية على إني أكبر أولاده. أن تتركوا الغرف التي تشغلوها الآن، وتنتقلوا الى الغرفتين اللتين كنا نشغلهما أنا والمرحومة أمكم ,و أنت يا واثق وأخوك نامق في غرفة ,وزينب ويمامة في غرفة,وتخلوا تلك الغرف الأربعة من كل محتوياتها، لأني عزمت أن أؤ جرها لبعض العوائل بدلاً عن إيجار البيت الذي سأسكنه، وسأحرص على أن تكون تلك العوائل من الناس البسطاء ومن معارفنا ومنطقتنا.
قلت لأبي:
وكيف سنسكن مع المؤجرين وسيكون ماؤنا و حمامنا ومرافقنا مشتركة مع ناس أغراب عنّا ؟
قال أبي:
لقد فكرت بالأمر من قبل، وقد أتخذت قراراً بأن أفصل البيت بحائط بينكم وبين المؤجرين، مع ترك منفذ للخروج والدخول عبر الباب الرئيسي ،الذي سيكون مشتركاً ريثما نفكر بطريقة نفتح بها باباً آخر, وسأعمد الى أن أفصل الماء وأبني حمام ومرافق لهم ..
بعد خروج أبي , بقينا أنا وإخوتي ينظر بعضنا الى بعض، وسط ذهول ودهشة من القرار الذي أتخذه أبي, ثمّ أجهشت يمامة بالبكاء, وتبعتها زينب ثم نامق, كان منظرهم مؤثر جداً في نفسي ولم أعد اتحمّل , لكني تمالكت نفسي , مهدئاً مطمئناً وقلت لهم :
إن الأمور ليست بالكارثة التي تتصورونها, وسنتغلب على الصعوبات التي ستواجهنا بهمة وثقة عالية ،كأسرة متماسكة كما نحن. ولن يكون أبونا بعيداً عنّا.
إنّها المسؤولية, إنهّا المهمة الصعبة التي حمّلني إيّاها أبي، دون أن يقولها مباشرةً, وما يعني بأنّه قريب, وهاهم إخوتي يتباكون بعد خروجه، كان لابد عليّ أن أظهر بمظهر القوي, ولابد أن أحتضن إخوتي وأطمئنهم.
أستغرقت عملية التغييرفي بيتنا شهراً تقريباً ، بعد أن تم تقسيمه الى بيتين بمدخل واحد ولكل بيت حمامه ومرافقه المستقلة, وانتقلنا أنا وإخوتي الى السكن محل المكان الذي غادره أبي.
أن تفقد أباك خير من أن تفقد أمك,لايمكن لإمراة لها أسرة كبيرة وقد فقدت زوجها، أن تتزوج إلا في حالات نادرة, لأنها ستبقى حاضنة لأولادها وحريصة عليهم وعلى تربيتهم, أما الأب فعلى العكس من ذلك، فتراه بعد مدة من فقدان زوجته قد لا تستغرق ستة أشهر، يعزم على الزواج، ويتزوج الأمر الذي يؤثر بالتأكيد سلباً على أولاده إلا في حالات نادرة أيضاً.
كان القرار والتغيير والتوقيت الذي أتخذه أبي بزواجه، وتغيير نمط حياتنا من الأستقلالية , الى عزمه أن يخالطنا بالمجتمع الغريب في بيت واحد , والى توقيته زمن الزواج ونحن على أبواب الأمتحانات لنصف السنة, تأثير سلبي على معنوياتنا.
بالرغم من أنّ أبي كان قريباً علينا, الا أني أحسست بأ ن الغطاء قد سحب من فوقي, ولابد لي أن أجد طريقة أحتمي بها, وأحمي أخوتي.

أطلّ علينا أبي في اليوم الثاني لزواجه وقد بدا منشرحاً, وقد أحسست من زيارته بأنه يداري ما فعله، بتظاهره أن أمر زواجه وتركه لنا ، هو أمراً طبيعياً , مع أنه في داخله لايقر بذلك.
قال أبي بلهجة بها نوع من الحدة المصطنعة:
بأن زوجته تروم زيارتنا للقائنا والسلام علينا, وأكّد علينا بوجوب أحترامها وحسن ضيافتها،مع معرفتنا السابقة بزوجة أبي إلا أن ماكان يخالجنا من شعور، هو التوجس من كيفية سير الأمور في عائلتنا بعد زواج أبي.
زارتنا الخالة رمزية كما أتفقنا على أن نسميها, وسلمت علينا واحداً واحداً ,وقبلت زينب ويمامة واحتضنتهما قائلةً:
قد تجدون صعوبة في ألإنسجام معي وتقبّلي بينكم, وأنا أعرف مدى شعوركم بالريبة تجاهي في الوقت الحاضر ,لكن عليكم أن تعرفوا إني أشترطت أن أعيش مع أبيكم في بيت مستقل، لأتجنب الحساسية التي ستلازمكم في حالة سكني معكم, وأنا لاأقول لكم إني مثل أمكم، فهذا من غير المنطقي، وأنا أعرف أنكم لن تتقبلوه, ولكني سأحاول قدر أمكاني أن تتعودوا على حضوري بينكم ، وأن نسعى جميعاً لنكون عائلة واحدة متماسكة, وسأعمل جاهدة على أن أكون معكم في كل صغيرة وكبيرة تعترضكم.
بدد كلام الخالة رمزية شيء من الريبة لديّ ، وكذلك لدى إخوتي، وقد أحسست أن كلامها قد أثّر فيهم لكنّهم بقوا في حذر.

البيت الثاني

نجيــمــة
أخبرني أبي في نهاية نيسان: بأنّه قد أجر غرفتين من الغرف الأربعة لشاب وعائلته المتكونة من إخوته الثلاثة بنتان وأصغرهم أخيه, وسيشغلون الغرف أعتباراً من بداية مايس وأضاف قائلاً:
إني قد وافقت على أن اؤجرلهذا الشاب لظروفه التي يمر بها, وقد تتفاجأ إذا قلت لك بأن هذه العائلة المظلومة، قد تزوجت أمّهم وأخذت أموالهم وتركتهم بعد موت الأب, وعليك أنت وإخوتك أن تتقبلوا الأمر الذي سيكون غريبا ًعليكم للوهلة الأولى، إلا أني متأكد من أنّكم ستتعايشوا مع الوضع الجديد وستتكيفوا معه،كان أبي يتعاطف جداً مع الفقراء ويحرص أن يتصدق بالسرعلى بعض من العوائل الفقيرة التي تسكن حينا.
تقبّلت الوضع الجديد الذي فرضه أبي علينا مرغماً, لعدم أستطاعتي أن أفعل شيئاً حيال القرارات التي أتخذها, راضخين أنا وإخوتي للأمر,وكان إخوتي ينظرون إليّ نظرة المسؤول عنهم والحامي لهم بعد أن تزوج أبي وترك البيت.

أوعزت لزينب أن تعد شيئاً من حساء العدس والخبز، عشاءً للعائلة الجديدة التي سكنت في بيتنا، بعد أن فرغت العائلة من تنزيل أثاثها, وقد بان على وجوهم التعب والحياء, كانت أثاثهم المتواضعة جداً تدلل على أنهم عائلة فقيرة وبسيطة.
شكرني الشاب فواز على العشاء بعد أن تعارفنا، وكان من الصدف أن نكون بنفس السن, وله أخت أكبرمنه سنتان، وهي كبيرتهم وإسمها نجيمة, وكانت ذات عينين خارقتين لم أربجمالهما من قبل، نجيمة جميلة جداً ذات ملامح قاسية، ووجه مكفهر يدلل على شخصيتها القوية، وعمق معاناتها من الوضع المؤلم لعائلتها الذي وضعتهم أمهم فيه. أما الأخت الأخرى ردينة ذات الأربعة عشر عاماً, فهي فتاة عادية قد أسلمت أمرها الى أختها التي لم تفارقها كما يبدو من مظهرها ,أمّا الصغير أكرم فهو صبي في الثانية عشرة من عمره، كان قد ترك الدراسة بعد أن تزوجت أمّه وتركتهم.
في اليوم التالي دعت زينب نجيمة وأختها عصراً الى بيتنا للتعارف وتناول الشاي، وكنت قد عزمت الخروج بمشوار الى خارج البيت ، قابلتني لدى خروجي نجيمة وأختها ردينة، وهما يرومان الدخول الى بيتنا تلبية لدعوة زينب,تبسمت في وجه نجيمة وسلّمت عليها مرّحباً بها وبأختها ,فردت على تحيتي بهدوء ولم تبادلني الإبتسامة .عدت مساءً الى البيت,وكان ضيوف زينب قد غادروا, وعلت الإبتسامة وجه زينب عندما سألتها عن ضيفتيها؟
قالت زينب:
يبدو أنّها عائلة بسيطة وفقيرة، وقد مرت بظروف صعبة كما أخبرتني نجيمة عن وضعهم عندما كانوا يعيشون في القرية، وقد توفي والدهم نتيجة لمرض ألمٍّ به، ولم يمضي على موته عام, حتى تزوجت أمهم وتركتهم , وكانت حجتها بأ نّها تزوجت كي تنقذهم من حالة الفقر التي يعيشونها ‘إلا أنهم لم يلمسو ذلك بعد زواجها,وقد أصبحوا موضع سخرية من بعض أهل القرية التي يسكنوها, الأمر الذي إضطرهم الى النزوح الى المدينة , لقرار أتخذه أخوهم الكبير فواز الذي تحمّل مسؤليتهم , وتلافياً للمأزق الذي وضعوا فيه,وقد شجع فواز على أتخاذ قرار المغادرة الى المدينة ,أحد أبناء عمومته الذي يعمل بالموصل مع أحد أولاده في أعمال البناء داعياً فواز للعمل معه.
نجيمة التي شاهدتها لأول مرة يوم أمس، شابة شارفت على العشرين من العمر، فارعة الطول هيفاء ضامرة, ولها عينان واسعتان جميلتان جداً هي أول مايلفت نظرك فيها,وإن تعابير وجهها التي رأيتها فيه اليوم ،ألطف وأهدأ نوعاً ما عمّا شاهدتها بالأمس ,لكنّها ولدت لديّ منذ الوهلة الأولى شعوراً بانهّا ليست بالمرأة العادية.
واظبت الخالة رمزية على زيارتنا في البيت, وقد أعتدنا على مجيئها, وفي أغلب الاحيان التي نكون بها في المدرسة، نجد أنّ الخالة رمزية قد أعدت لنا طعام الغداء, إلا أن ماتحضره من طعام يختلف طعمه عما كانت تعده لنا المرحومة أمي, وكانت الصغيرة يمامة تبدي أمتعاضها, لكننا أخذنا بالتعود على طبخها شيئاً فشيئاً, وكانت الخالة رمزية تحرص على أن نحضر جميعاً لنجتمع على المائدة بحضور أبي احياناً, وتسأل كل واحد منا عن مشواره في المدرسة التي تركتها وهي في المرحلة المتوسطة, ثم نشترك جميعا بالحديث كل حسب الموضوع الذي يطرحه، والذي يشتمل عادةً على مادار بالمدرسة والصف أو الطريق أو ما حدث من مفارقات، كانت طريقة تعامل الخالة رمزية معنا تعامل مرن، أرادت من خلاله على ما أعتقد أن تكسب ودنا، وتجد لها مكانة محببة لدينا وخاصة عند الصغيرين يمامة ونامق وقد حضيت بذلك.
توثقت العلاقة بين زينب ويمامة ونجيمة وردينة، كما توثقت العلاقة بيني وبين نجيمة من تبادل التحية الى الإبتسامة ثمّ الى المزاح البريء، كما كنت أرقب زينب ويمامة فأراهما منشرحتان للعلاقة الجديدة مع نجيمة وأختها, وأحسست من خلال ذلك أنهما قد وجدا متنفساً من بنات جنسهما ,للتخفيف عن الحزن الذي بداخلهما للظروف التي مرت بهما، منذ وفاة أمي وشعورهما بالفراغ الذي خلفه رحيلها, والى موضوع زواج أبي وانتقاله الى بيت آخر. وأحسست أنا أنّ تقارباً قد حدث بيني وبين نجيمة لكن لا أعرف مداه.
بعد عدة أيام من إنتقال فواز وعائلته الى السكن عندنا،دعوته الى أن نخرخ سويةً ، لكي أعرفه على أسواق الموصل ومحلاتها ،وكان صباحٌ من أيام الجمعة وبعد أن كنت قد أنهيت وقتي المخصص للمراجعة استعداداً للإمتحانت، أستأذنت أبي فيها وأخبرته انني سأصحب فواز معي في جولة تعريفية لإسواق المدينه ، عزز أبي مصروفي قائلاً:
أكرمه ياواثق .
خرجنا من البيت ، ولم يكن فواز بعيداً عن معرفة المدينة لإنه كان يزورها بين الحين والآخر، لكنه لم يكن يرتاد الأماكن التي أردته أن يتعرف عليها كما يعرفها أبن المدينة.
سألت فواز إن كان بإستطاعته السير على الأقدام؟أجاب فواز بأنه متعود على السير.
سلكت الطريق من شارع بيتنا الفرعي الى الشارع الرئيسي المؤدي الى مركز المدينة، والذي توزعت فيه محلات البقالة والخضراوات والمطاعم الصغيرة ومحل التصوير وورشة تصليح الراديو ومعرض لبيع الساعات وتصليحها وبعض المقاهي المنتشرةعلى جانبي الشارع وهناك أكثر من عيادة للأطباء بينهم أختصاصي واحد في الباطنية وعيادة طبيبة نسائية مغلقة لسفر الطبيبة الى الخارج للدراسة ، وكنت أشرح لفوازبالتفصيل عن سوق حينا، وقبل أن نخرج من حدود الحي حيث مكان الجامع شرحت لفواز عن الجامع وهو الوحيد الموجود في الحي ،والذي تبرع ببناءه أحد المحسنين ، وشرحت له أن أغلب رواده من المصلين هم من كبار السن في حينا ومنهم أبي .
أخذت فواز الى منطقة باب الجديد الذي تبين أنّه يعرفها جيداً حيث يكون موعد توجهه الى العمل ينطلق من مقهى الصنف الذي يجمع أصحاب مهن البناء وعمالهم،خيث يلتقي يومياً بأبن عمه مصطفى ثم يتوحهان الى العمل.
شرحت لفواز مختصر عن المدينة وعن مركز سوقها الرئيسي المسمى باب الطوب وأخبرته أن هناك شارعان رئيسيان في المدينة هما شارع نينوى والمسمى بالسرجخانه ومحلاته المنتشرة على جانبيه مخصصة لبيع حاجات النساء من الملابس والأحذية وغيرها من أحتياجات النساء ويكاد أن يكون أغلب رواده من النساء وكذلك يتميز هذا الشارع بوجود عيادات الأطباء لمختلف الإختصاصات على جانبي الشارع كذلك،أما الشارع الآخر فهو شارع الدواسة ورواده من الرجال وخاصة من الشباب حيث تنتشر محلات بيع الملابس الرجالية من البدلات والقمصان والأحذية ويتميز هذا الشارع ايضاً بوجود السينمات والمطاعم والمقاهي التي يرتادها الشباب وخاصةً وقت المساء.
سألت فواز إن كان يشعر بالتعب فأجاب ليس تماماً ثمّ أستا نفنا المسيرمن باب الجديد عبر منطقة الجمهورية التي توجد بها سينما الجمهورية وهي المدخل الى شارع الدواسة، وبعد جولة في الشارع الطويل بين المحلات والمطاعم شعرنا بالجوع وخاصةً عندما كانت رائحة المشويات تداعب أنفينا، وبالرغم من أن هناك كثير من المطاعم المشهورة ومحلات الساندويشات،إلاأن مطعم مشويات وكباب أبو طلال المميزبخلطة صلصلة لها مذاق لذيذ و نكهة خاصة وأنا من رواده،تناولنا طعامنا بشهية وكنت أحرص على أن أسأل فواز فيما أذا كان يطلب شيئاً آخر أو المزيد.
بعد عودتنا الى البيت شكرني فوازقائلاً:
لقد أستمتعت كثيرا بجولتنا معاً.
دخل فواز معترك الحياة في المدينة واستمر بعمله كعامل بناء مع أبن عمه مصطفى وولده أحمد, اللذان شاهدتهما عنده أكثر من مرة وخاصة عند العصر وقت إنتهاء العمل، ومع أن فواز كان يبدي تذمره من الأجر المتدني الذي يتقاضاه لكنه كما قال:
بأنّه لم يجد عملاً أحسن من عمله الحالي في الوقت الحاضر، ملمحاً أنه كان سيسعى لإيجاد عمل أفضل، لولا قرب دعوته للخدمة الإلزامية في الجيش, وقد كان فواز في وضع محرج جداً للظروف التي يمر بها ويعاني منها وهو بمدخرات قليلة أو بدونها، ولافائدة ترجو من وعد أمه لهم بانقاذهم من حالة الفقر التي يعيشونها, وسيترك البيت مرغماً للإلتحاق بالخدمة العسكرية.
سعياً منها للتخفيف عن المعاناة التي تعيشها عائلة فواز، بعد إستماعها الى حديث دار بيني وبين أبي عن تلك العائلة, عرضت الخالة رمزية على نجيمة بعد أن أستدعتها الى بيتنا,وقالت لها:
أنّ طبيبة من معارفها تريد خادمة صغيرة في بيتها, مقترحةً على نجيمة, أن تعمل ردينة عند تلك العائلة، طالما انّها لم تنتظم في مدرسة, وللتخفيف من النفقات بعد أن أوشك فواز على الإلتحاق بالخدمة العسكرية وأضافت :
بأنّ عائلة الدكتورة عائلة صغيرة تتكون من أبنين صغيرين ولد وبنت وزوجها الطبيب الذي يعمل في المستشفى العام في المدينة , وأنهما أي الدكتورة والدكتور يمارسان العمل في عيادتيهما الخاصتين عصراً, وأبدت الخالة رمزية وهي تخاطب نجيمة إستعدادها لمفاتحة الدكتورة حول موضوع ردينة, أنا من سيكون ضامنةً لها عند الدكتورة، في حالة موافقتكم أنت وفواز على ذلك.
أختلطت الأمور على فوازولم يعد يعرف ماسيفعله ,ملقياً باللوم على أمه التي تركت تلك العائلة تعاني وسط المصاعب التي تحيط بها, وكان لابد له أن يقبل بما عرضته الخالة رمزية حول ردينة، بعد أن أخبرته نجيمة بالعرض الذي قدمتّه الخالة رمزية.
جاءت نجيمة الى بيتنا عصراً، وكنا قد إعتدنا على مجيئها في ذلك الوقت الذي نكون متواجدين فيه بالبيت بعد مشوار الدراسة, تكلمت نجيمة معي مباشرةً قائلةً:
بأنّها وفواز قد وافقا على عمل ردينة لدى عائلة الدكتورة, ورجتني أن أبلغ الخالة رمزية التي كانت في بيتها آنذاك بالموضوع.
لم تتأخر الخالة رمزية عن وعدها الذي قطعته لنجيمة، وتم الإتفاق مع الدكتورة على أن تعمل ردينة لديها في البيت طيلة أيام الأسبوع، براتب شهري قدره ثمانية دنانير, على أن تتمتع بزيارة أهلها‘ إبتداءً من كل مساء خميس الى صباح السبت.
زيادة في تعاطفنا مع عائلة فواز والسعي لمساعدتها في التغلب على الظروف التي تعيشها والتي تمر بها، عمد أبي أن يشغّل أكرم في معمل للخراطة، طالما أنه قد ترك الدراسة, بعد أن كلّم صاحب المعمل وهوأحد جيراننا القدماء، وهو على علاقة وثيقة مع أبي الذي كان قد سعى له في شراء قطعة الأرض الذي شيد عليه البيت الذي يسكنه. وعمل أكرم في المعمل بأجر زهيد بالبداية ريثما يتمرس على العمل .
كنت وحدي في البيت في صباح أحد الأيام بعد أن ذهب الأولاد الى مدارسهم وأنا في عطلة دراسية تمهيداً لأداء الأمتحانات العامة.
جاءت نجيمة التي عادةً ما تبقى وحيدة بعد أن يذهب كل من فوازو أكرم الى عملهما، جاءت الى غرفتي في مفاجأة لم أتوقعها, وكنت منهمكاً في دراسة مادة التاريخ الحديث المملة التي لم أستطع فيها مراجعة المنهج بأكمله, وأنا أُحضّر لإمتحان البكالوريا، ويكاد الوقت أن يتداركني ،ولم يتبق لموعد الأمتحانات إلا أياماً معدودة, ويتحتم عليّ مراجعة ما تبقى من الدروس الأخرى, وكنت ممدداّ على سريري أقرأ بموضوع المعضلة الإيرلندية والصراع بين الإنكليز الذي يدين معظمهم مذهب البروتستانية، والإيرلندين الذي يدين أغلبهم بالمذهب الكاثوليكي, وغيرها من الإختلافات حول الأراضي والدستوروأختلاف العادات والتقاليد وما الى ذلك.
رحبت بنجيمة وأنا مرتبك ومستغرب من مجيئها.
بعد أن حيتني تحية الصباح، جلست نجيمة من دون إستئذان على طرف سريري حيث قدماي ممدودتان, نظرت الى تعابير وجهها وكان مكفهراً، يدل على أن شيئاً ما قد أزعجها، وقد أستغربت من جسارتها في تعديها الكلفة بيني وبينها، و جلوسها على سريري ونحن لوحدنا.
نظرت إليّ بعينيها الواسعتين المشرقتين قائلةً:
لقد ضقت ذرعاً من هذه الحياة اللعينة ، التي قذفتني في صراعاتها بتحمل مسؤولية عائلتي التي أحبها, وأتألم جداً على الوضع الذي وضعنا فيه، في مواجهة تلك المصاعب التي أطلعتم على جزء منها,وقد تقبلت مارسمه القدرلي, وارتأ يت بل قررت أن أواجه تلك الصعوبات بصبر وشجاعة, الى أن يستطيع أفراد عائلتي الإعتماد على أنفسهم, حينذاك سأفكربما يمكنني أن أفعله.
وما أريد أن أخبرك فيه :
لأني أعرف أنّك أهلاً للثقة ، وأنا أحس بأنّ لي مكانة كبيرة عندك، فإنّ فواز يريد أن يزوجني الى أبن عمي البناء مصطفى الذي تعرفه, وهو متزوج من إحدى قريباتنا، وله منها ثلاثة أولاد، وأنا لاأريد أن أغامر بحياتي من أجل أن أتزوج من أبن عمي وهو متزوج، وأكبر مني بخمسٍ وعشرين سنة، وأن أكبر أولاده أحمد الآن شاب بعمرك، وربما كنت قد رأيته عندنا رفقة أبيه, وليست لديّ رغبة في الزواج من مصطفى في الوقت الحاضر, ولامن غيره وأترك ردينة وأكرم يواجهون صعوبة الحياة لوحدهم, وأخي فوازالمتعب الغائب عنا طوال النهار يستيقظ مبكراً وينام مبكراً، وهو على وشك الإلتحاق بالجيش. لذا أرجوك ياعزيزي واثق أن تفاتح فواز بالموضوع وتطلب منه أن يصرف النظر عن موضوع زواجي, وقد تستغرب من مفاتحتي لك بمثل هكذا موضوع لأني أدرك و أعرف تماماً أن فواز يحبك ويحترمك.
كنت أصغي الى ماتقوله نجيمة, وأنا أنظر الي عينيها الساحرتين وقد إغرورقتا بالدموع, الأمر الذي دعاني أن أنهض من مكاني وأجلس بجانبها, ثم وضعت يدي على كتفها بدون شعوري ومسحت باليد الأخرى دموعها قائلاً:
سأكلّمه سأكلّمه, ثم أدرتُ وجهها اليّ بيدي وقبّلتُ خدّها وأنا أغوص في جمال عينيها ثمّ أنزلت يدي من كتفها وإحتضنتها من خصرها الجميل، وأنا أشدّها اليّ بقوة، ثمّ هممت أن أقبّلها من شفتيها، عندما سمعنا صرير الباب الخارجي يفتح, فنهضت نجيمة بسرعة من على السرير فقلت لها وهي خارجة إنزلي بسرعة الى السرداب وخذي بيدك حاجةً.
دخلت عليّ الخالة رمزية التي جاءت لإعداد الغداء وقد سمعتها تتبادل التحية مع نجيمة,
سألتني الخالة رمزية :
هل أستأذنت نجيمة منك بطلب الغربال؟
قلت لها:
نعم فقد أخبرتني وهي تقف في الفناء أنها ستنزل الى السرداب لأخذ الغربال.
إنهمكت الخالة رمزية التي بدا عليها التأثر بإعداد الطعام, وعدت أنا الى المعضلة الأيرلندية وقد توقفت عيناي على حزب الشين فين وزعيمه دي فاليرا، وكانت نجيمة تحل محله أمامي بعينيها وشفتيها واللحظات التي مرت وكأنّها حلم, ولم أستطع مغادرة الصفحة التي قرأتها مرات عديدة قبل أن تستقر حالتي النفسية المضطربة، ما بين نجيمة ودخولها المفاجئء وما جرى بيننا على غير سابق عهد, وبين الخالة رمزية التي بدا لي من سؤالها, أنها ربما تشك بشيء ما قد حصل بيني وبين نجيمة.
كان مصطفى وإبنه أحمد أغلب الأحيان يعودان صحبة فواز الى البيت عصراً عندما ينتهون من عملهم ، ويبقييان عندهم الى مابعد الغروب, وكانت نجيمة تنهمك ضمن التقا ليد التي عاشتها في القرية، بالإحتفاء بمصطفى وإبنه أحمد والحرص على إستضافتهما وتناولهما العشاء مع فواز, وكان حضورهما الى بيت فواز حضوراً عادياً.
لم تكن نجيمة كما أخبرتني تتوقع أن يتقدم اليها أبن عمها مصطفى، ويكلم فواز بموضوعها وهو المتزوج وأب لثلاثة أولاد، أكبرهم أحمد الذي يعمل معه ويصاحبه أحيانا في زيارة بيت فواز, مع أنها قد لاحظت أن مصطفى لايكاد يرفع نظره عنها، ويحاول أيضاً التقرب إليها عن طريق حديثه عن حياته، ويلمح عند زيارته لوحده دون أن يصاحبه إبنه أحمد ،الى أنّه وزوجته يختلفان في أمور كثيرة، وانّه يسعى الى أن يغير مجرى حياته, لكنه لم يفصح عنه ,وقد ألمحت نجيمة إلى أنها كانت ترحب به وكأنه أخوها الكبير, وخاصةً أنّه هو الذي سعى الى أن يعمل فواز معه ,وأنّها كانت تشعرمجيئه هو نوع من التعبير عن تضامنه مع عائلتها في أزمتها التي تمر بها.
لاحظت أنّ الخالة رمزية لم تعد تتركني لوحدي في البيت, في الفترة التي أكون فيها وحدي، عندما يتوجه الجميع الى مدارسهم أو الى عملهم،وأنا في عطلة المراجعة لإمتحان البكالوريا،ونجيمة لوحدها في غرفتها ، وكانت الخالة رمزية توقظني من منامي بعد أن تعد لي الفطور, وتحرص وهي تحثني على أن أباشر بالقراءة, وأدركت جيداً سبب حرصها على أن تكون الى جانبي في بيتنا بعد أن رأت نجيمة في فناء بيتنا ذلك الصباح.
لابد لي أن أستمر بالدراسة والمواظبة على المراجعة وخاصة أن الإمتحانات العامة على الأبواب، وأنها السنة الأخيرة المفصلية بتقرير مصيري المستقبلي .
بعد عصر ذات يوم وأنا أهم بالدخول الى البيت، ألتقيت مصطفى خارجاً من البيت وكان فوازيودعه,بعد أن تبادلت التحية معهما, نظرت الى مصطفى مليّاً ،فرأيت أنّه كهل قد شارف على الخمسين,وألقيت بنفسي باللائمة على فواز الذي يريد أن يضحي بتلك الشابة الجميلة ، ذات العينين الجميلتين نجيمة التي تصغره بأكثر من خمس وعشرين سنة.
دخلنا أنا وفواز سويّةً بعد أن ودعنا مصطفى ,دعاني فواز الى تناول قدحاً من الشاي عنده , قائلاً :
إن الشاي حاضر وقد شربناه قبل دقائق أنا ومصطفى , قبلت عرض فواز ورأيتها فرصةً مواتية كي أكلمه بموضوع خطوبة نجييمة.
رحبت بي نجيمة ترحيباً حاراً، وكأنها رأت بطلها الذي سينقذها من براثن المفترس, ومع أني أقدر أنّ نجيمة تستقتل ولاتستسلم ,إلا أنّها تريد أن تتجنب حدوث أزمة أو مواجهة بينها وبين أخيها, غمزت لها بعيني قاصداً أني سأكلم فواز حول موضوعها الذي فاتحتني به.
بعد عدّة مقدمات عن عمله وكيف تسير الأمور معه, كلّمت فواز بموضوع خطوبة نجيمة غير المتكافئة من مصطفى, وخاصةً بالظروف التي تعيشها العائلة.
أجاب فواز :
بانه قد فكر بالموضوع مليّاً وأعطى موافقته المبدأية لمصطفى على أن يأخذ رأي نجيمة بالموضوع وأردف قائلاً:
إنّه ذاهب الى العسكرية ،وردينة تعمل في بيت الطبيبة الأمر الذي سيترك نجيمة لوحدها مع أكرم, وانا أفكر ان أرسل أكرم كي يعيش مع أمي حالياً, طالما انّه يعمل, وأن حمد زوجها لايكاد يمضي يوماً أو يومين في الموصل, حتى يعود ليسافر مرّة أخرى الى عمله.
قلت لفواز :
إن القرار الذي إتخذته لا يصب في صالحك, خاصةً وأنت أشد ما تكون الى أحد ما يديربيتك ويرعاك، ولن تبق في عسكريتك طول العمر, وأفرض جدلاً أن ردينة تركت العمل عند الطبيبة، فإلى أين ستذهب؟ ثمّ لاتنسى أنّ نجيمة ربما تكون غير راغبة في زواجها من مصطفى حسبما نوّهت به الخالة رمزية , ولاتنس أكرم الذي لايرغب في أن يعيش مع زوج أمّه، وعليك أن تحرص عليه من الضياع.
إقتنع فوازبالطرح الذي عرضته عليه ,لكنّه أستدرك قائلاً:
انّه سيكلم نجيمة مباشرةً حول الموضوع علّها تغيّر من رأيها.
في إجتماعنا على الغداء الذي أعدته الخالة رمزية في بيتنا, سألني أبي مرّةً أخرى عن فواز وعائلته؟ وكيف تسير الأمور؟
ألمحت له بصورة مختصرة عن مجمل العلاقة بيننا، وبين عائلة فواز, بأنها جيدة ويسودها التفاهم وأن أختاي مسرورتان للصداقة مع نجيمة وردينة, وكذلك علاقتي مع فواز التي يسودها التفاهم والأحترام, ثمّ سألني أبي عن عمل فواز؟ فأوجزت له مايعانيه من صعوبة في العمل وأنه يسعى لأن يجد عملاًً آخر لكنه محبط , لأنه سيلتحق بالجيش لأداء الخدمة العسكرية الإلزامية,وسيترك عائلته بدون مدخرات كما أوضح لي.
قال أبي :
ولمَِ لايسعى الى التقدم بطلب للإعالة لإعفائه من الخدمة العسكرية معيلاً لإخوانه؟
قلت لأبي :
لم يتحدث فواز معي حول الموضوع , وربما يجهل كيف يفعل ذلك.

……….. يتبع

شاهد أيضاً

مقداد مسعود: الأخضر بن يوسف

وَلِهٌ بهذا الليلِ . في النهارات : أنتَ منشغلٌ بالأرض تجتث ُ ما تكدّسَ في …

بعض ذكرياتي فترة الدخول المدرسي(2/2) بقلم: سعيد بوخليط

العمل في المقاهي كالجلوس المتعفف داخل فضائها،يقدم لصاحبه أطباق حكايات حياتية متعددة،تنطوي على ألغاز ثرية …

الأيام الأولى في أوستن، 1998 / جيمس كيلمان
ترجمة صالح الرزوق

من أجل ماك على الطريق السريع للحياة ، سيكون هناك فرص تكسبها على الطريق السريع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *