تمظهرات الهايكو في قصيدة النثر
(دقيقتان.. ودقيقة واحدة) للشاعرة بلقيس خالد إنموذجاً
خضر حسن خلف

دعتني قراءتي للمجموعة الشعرية (دقيقتان..ودقيقة واحدة) للشاعرة بلقيس خالد، ومن خلال (اللوغو) المثبت تحت العنوان (هايكو عراقي)، الى أن أقلب أوراق ذاكرتي وأضع اليد على ما استطعت أن أخترقه من معلومات لهذا النوع من الشعر، وتأثيره على مانكتب اليوم مما ندعوه بشعر الومضة وقبل الخوض في تجلي جماليات هذه المجموعة الشعرية وما اذا كان هناك تناغم واردا مع حيثيات مصدر الهايكو الاصلي، لابد أن نركز على بعدهِ المعرفي والفلسفي وعلى طريقة تناوله للوجود والأشياء، لأن اعتماده على رسم الصورة بالكلمات المتقنة. ومايتفرع عنها من استعارة ومجاز، لا يلتزم بها كليا كما في لغتنا العربية.
يفسر الشاعر (محمد عضيمة) طريقة علمية لخلق الفني للهايكو في توظيفه ل(كتاب الهايكو) المترجم من اليابانية، (أهم مايميز الهايكو من حيث الشكل هو القصير، ويكتب على يمين الصفحة من الأعلى إلى الأسفل بلغته الأم موزعا على ثلاث أسطر على وفق مقاطع صوتية محددة العدد هكذا،( 5- 7- 5). يعني في السطر الأول خمسة أحرف (أصوات) قد تكون كلمة واحدة أو كلمة وحرفا يجد تتمته في ما يجيء بعده أو كلمتين، وكذلك في السطر الثاني سبعة أحرف قد تكون كلمة أو اكثر أو اقل. وأخيرا تختم أحرف بحيث يتكون المعنى. ويقال عن كل حرف مقطع صوتي. هذا هو الشرط الخارجي للهايكو).-1-ص13.
إذاً هو إلتزام بأصوات محددة كأجزاء التفعيلة في شعرنا العربي الكلاسيكي، يعني أنه استنطاق لمكامن حياة الجمال في روح الطبيعة والكشف عن مدلولاتها بكلمات يومية بسيطة وينسحب عليها المعنى بلحظة، أنها لحظة الوعي المكثفة. فهل استطاعت بلقيس خالد أن تعكس كل ذلك الالتزام لدى شعراء الهايكو الاصليين في مجموعتها الشعرية المنوه عنها في أعلاه!.. أقول لا، في شكله الفني، وشرطه الخارجي!، لأنها اتخذت النثر وسيلة لفراستها في البحث عن حقيقة الأشياء وبالمقابل كانت المقاطع الصوتية المفتتة في عددها هي الوسيلة للإرتقاء بعملية الخلق الفني الى مصاف الكشف عن حقيقة الاشياء المحيطة!.
وأقول: نعم إ باعتمادها على قصر الومضة الشعرية بكلمات بسيطة وقليلة حد لا تتعدى الشطرين.
ثلاث وعشرون قصيدة، يعني ثلاث وعشرون فكرة، وقد تناولت كل فكرة من عدة زوايا لتلظمها في خيط القصيدة الرفيع وقد اختلفت ومضاتها بالمستوى بين القوة والضعف. فماهي أشياء ومكامن حقيقة الطبيعة ترويها (حكايات) القصيدة الأولى:
(الصحراء حكاياتها الواحات..
ومن رواياتها الشفيفة
السراب.
***
الحجر حكاياته بيوت
يروي أهلها سره الدفين
في زينة النساء
****
الزمن حكاياته ذكريات
ترويها التجاعيد) ص9
وفي قصيدة (ضيق جلد أيامنا) نراها تعتمد طريقة استقراء الذات من خلال ما يحيطها من الأشياء المكملة الحضور الموجود الدائم في ملء فراغات نتوهمها في رسم المشهد، فالمهيمن هذا تدور عليه فكرة القصيدة. ومثلما قلنا سلفا أنها لا تترك الفكرة حتى ترويها بمكملات حُلمية ومن عدة زوايا مقسمة على عدد الومضات.. إذاً رؤية الشاعرة في استلهام ابعاد تلك الموجودات المكملة:
( لقمة لذيذة..
يلتهمني ثوبي..
***
حين تدس في الثياب الأنيقة
جسدك
يتوهمونك مبتهجاً.
****
نغطي قديمها
بجديد الثياب
أجسادً نقيم فيها.
***
ماأكثرهم..
وما أوحدني..
ياإلهي..
حين لا أعثر عليك.) ص33
إن الكشف الذي تتولاه الومضة الشعرية هو من مفردات الواقع التي تمتد عميقا في الروح الشاعرة قبل صقلها في صورة شعرية متفردة وتوظفها في الكلمات القليلة الواعية لتكون مختلفة في الطرح والتلقي ولانها تتحرر كذلك من معيارية الخطاب النمطي.. وتتلبس شفرتها الوامضة جماليةً ذا دلالات تريدها متوهجة وصادمة.
وتتابع الشاعرة معاناة المرأة وما تتوارثه من الآلام المتراكمة على مر ّ الأزمنة التي قيدتها وجعلتها اسيرة افرازات الحماقات الضالة وتعنت الذكورية الواهمة فقد اشارت الى الشعر الخاص الذي يقطر حزنا وألما وسمعناه من امهاتنا انموذجا الا وهو (النعي) وقصيدتها: (لامطر.. يروي ازهار المنديل) واحدة من القصائد التي تشتغل رؤيتها على هذا المنحى:
(نتوارثها..
هل النعاوة
خشل الجنوبيات؟.
***
ربما
الجنوبيات
خلقن من ماء
يقطرن العمر دمعاً
****
من وشم وجناتها بالدمع
: المرأة
التي ارضعت الجبهات؟.) ص48
وهكذا تبني الشاعرة بلقيس خالد رؤيتها للعالم الأصغر المحيط، لتجعله واسعاً ذا قيمةٍ معرفية بين يدي المتلقي!. وبوعي تجلت فيه النظرة الانثوية الخالصة دلالاتٍ للواقع الملتبس الحزين. فهي لاتمارس التأويل لايجاد صيغ ذات معنى ضبابي وانما تكتفي بالمعنى الذي يشكله التوجه الشعري الذي تؤمن به! هناك الكثير من الافكار تصلح الى أن تكون قصائد طويلة لوحدها، ولكنها أرادتها بأقل الكلمات ان توخز وتؤشر، ولا تذهب الى تلك الطرق الملتوية . وغايتها تشكيل جمالي وفني:
(تغادرنا..
ولاتشعرنا بالخسارة
أشجارٌ أورثت الأرض
بذوراً تنمو.
***
غصنٌ أخضر
..يخترق الاسفلت
:نداء الأرض.) ص80
من قصيدة (بعض كرمه.. شجرة)
*المقالة منشورة في صحيفة طريق الشعب / 19/ 6/ 2020
1- كتاب الهايكو.. ترجمة وتقديم محمد عضمة.. دار التكوين/ ط/ 2010
2 -نفس المصدر
3- دقيقتان.. ودقيقة واحدة.. هايكو عراقي/ بلقيس خالد/ دار المكتبة الأهلية/ ط/ 2018

شاهد أيضاً

محمد مهدي الجواهري: ما ورد عنه في كتب في ضوء مسح افتراضي
أ.د. صالح جواد الطعمة

مقدمة: أدرك جيدًا أن توثيق منجزات الجواهري عبر قرن وما كتب عنه أكثر تعقيدًا وصعوبة …

شوقي كريم حسن: داود سلمان الشويلي… وضوح الأشتغالات المعرفية

*عند خط الفصل بين سومر بكل ارثيتها العجيبة، وامتدادات زقورة اور، واللاله الجالس في العلو، …

صباح هرمز: بنيات السرد في روايات “محسن الرملي”

1- الشخصية: يقول رولان بارت معرفا الشخصية في الحكاية بأنها: (نتاج عمل تأليفي) كان يقصد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *