“رؤيا الغائب” رواية للعراقي سلام إبراهيم: وصف الجحيم على أرض عربية
راسم المدهون* (ملف/55)

إشارة:

مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي “سلام ابراهيم” نصوصه بدم التجربة الذاتية ولهيبها. وفي اتفاق مع إشارة خطيرة للباحث الأناسي العراقي البارع د. علاء جواد كاظم الذي اعتبر روايات وقصص سلام إبراهيم من مصادر الدراسة الأنثروبولوجية الناجعة في العراق نرى أن نصوص سلام يمكن أن تكون مفاتيح لدراسة الشخصية الوطنية مثلما استُخدمت نصوص ياسانوري كاواباتا لدراسة الشخصية اليابانية ونجيب محفوظ لدراسة الشخصية المصرية مثلا. الفن السردي لسلام ابراهيم هو من عيون السرد العربي الذي يجب الاحتفاء به من خلال الدراسة الأكاديمية والنقدية العميقة. تحية للروائي المبدع سلام ابراهيم.    

رواية الكاتب العراقي سلام إبراهيم “رؤيا الغائب” تراجيديا سوداء، تستحضر صورة الحياة الآفلة، تمتحها من مخيلة مقموعة، يحاصرها اليأس من كافة الاتجاهات. فلا تجد سوى الحلم نافذة مفتوحة على رؤيا تتجول هنا وهناك، في الأزقة المعتمة، والمتاهات المسكونة بالرعب والبشر الضائعين، حيث الحياة فسحة عذاب لا ينتهي وحيث الموت أمنية بعيدة المنال، حياة تحتاج إلى بلاغة دانتي في كوميدياه حين أطلق في وصف أصحابها قوله الخالد: رأيت في الجحيم بشراً، لا يحيون ولا يموتون. إنها بكلمات أخرى قراءة المخيلة المحمومة لذلك العالم الجهنمي الذي لا يقع في أية بقعة، أو تحتوية أية جغرافيا، لأنه في الحقيقة يقع في الأرواح المحطمة، والقلوب الكسيرة، عالم الارتطام الإنساني بالحد الأقصى من القسوة والفجيعة، ارتطاما يذهب بما ظل في النفوس من قدرة على استحضار الأمل، وما يعتمل في القلوب من حرارة العيش، إذ هو عالمنا الذي يلتصق بنا في الوقت الذي هو أيضاً العالم الذي ينأى عن مساحة الرؤية التي تقدرها عيوننا في حالاتها كلها.

“رؤيا الغائب” ( منشورات دار المدى ـ دمشق 1996 ) تقارب القمع الذي يعيشه الإنسان البسيط حين يجد نفسه منساقاً إلى موقف سياسي لم يخطط له، مدفوعا بإعجابه بأخيه الرسام المشغول بالسياسة والقضايا الكبرى، والذي يعيش حياة تشبه الألغاز فيما يكتنفها من عدم وضوح، وتنقل سريع لا يستقر إلا ليفضي إلى تنقل أخر، فيما على الحائط لوحاته المترعة بحيوات تفور بالانفعالات الجامحة والأمل المفتوح، حيوات تنبض في خطوط اللوحة، فيحاورها الأخ الأصغر، مشغوفاً بعالمها وما يشي به ذلك العالم من نبض يقارب بطريقة ما، غامضة وسحرية لواعج روحه، وانشغالاتها في الصباحات والأماسي. أخوان في عائلة واحدة تباعد بينهما آلة القمع الجهنمية وتوحدهما في الوقت ذاته حين يجد الأخ الأصغر نفسه جندياً فاراً من الخدمة في حرب ضروس صار من العبث عدَ شهورها وسنواتها… جندياً يرتطم عند كل منعطف بهاجس الموت الطالع من بنادق دوريات الجيش والشرطة، أو رعب الأهل، والأقرباء حين يدق أبوابهم في الليالي بحثاً عن ملاذ آمن ليكتشف في تلك الوجوه والعيون قسوة الخيار الصعب الذي يضعهم في لهيبه حيارى بين واجب الحماية الذي تفرضه قرابة الدم، وبين نذر الانتقام الذي ترتبه هذه الحماية على كل من يتجرأ على حماية جندي فار من الخدمة العسكرية في زمن الحرب ” هو الأخر ملَّ شعور الذل الذي ينسحق تحت وطأته وهو يتحاشى وجوه الأحبة المتضايقة المرعوبة والكارهة حضوره المربك الخطير ” ص9.

الحكاية الروائية في “رؤيا الغائب” تستخدم شواهد من الواقع. وتشير إلى أمكنة معروفة وزمان بعينه ولكنها مع ذلك تستعير من الكابوس لغته ولا معقولية أحداثه واللانهايات التي يفضي إليها. فبطل الرواية الذي يرفض أن يصدق قصة إعدام أخيه ـ الحبيب إلى قلبه، ومثله الأعلى ـ يلتقي في مشواره الصباحي امرأة بارعة الجمال تلفظ أسم أخيه على عجل وفي ارتباك، ما يدفعه إلى انتظارها في اليوم التالي ليعرف شيئاً عن أخيه الغائب. تأخذه المرأة الجميلة الغامضة إلى غرفة جانبية في بناء كبير مهجور تخلعت شبابيكه وتراكمت فيه طبقات الغبار حيث تهمس له أنها زوجة أخيه، تجمع أرغفة يابسة وتأمره أن يتبعها، يصعدان درجاً خرافياً لا ينتهي إلا بشق الأنفاس حيث تتركه هنالك بين مخلوقات بشرية شائهة، مبتورة الأعضاء ومفقوءة الأعين، يلعب كل منهم دوراً مختلفاً عن الآخر، غير أن ما يجمع بينهم أنهم يحملون ملامح ـ هو واثق أنه يعرفها ـ ملامح أصدقاء وأقرباء وأحبة يجاهد عبثاً أن يمنحهم أسماءهم الحقيقية أو أن يجعلهم هم يتعرفون عليه، لكنه يفشل في الحالتين، فيحاول أن يغادر المكان ليكتشف أن أدخل إلى متاهة جهنمية تكتظ بالأدراج الحلزونية التي لا تفضي إلى أي مكان. يحاول السير مع مشيعين بالآلاف يحملون نعشاً ولكن الازدحام يمنعه فينكص على أعقابه عائداً إلى طريق أخر، لعله يصل إلى منافذ العالم الواقعي، عالم المدينة التي يعيش فيها.

هذا العالم الكابوسي، الغريب والموحش، عالم افتراضي يستحضره الكاتب في لحظات الرعب القصوى ليكون معادلاً فنياً لذلك العالم الخفي والمسكون بالغموض والقسوة الذي يخبئ الغائبين الذين طالتهم يد القمع الرهيبة وأخذتهم إلى حيث الغياب الأبدي. أعتقد أن اختيار الكاتب لهذه اللوحة الكابوسية المرسومة بعناية فائقة والملتحمة بفنية عالية مع نسيج الرواية وخصوصا أحداثها الواقعية قد أضفى على هذا العمل فرادة بين كل الأعمال الروائية العراقية التي قاربت موضوعة القمع وحاولت تصوير أجواء المطاردات البوليسية للمعارضين. والكاتب ـ إذ أختار لروايته جواً كابوسياً ـ وجد المعادل الفني الحقيقي لأساليب القمع اللامعقولة، والتي لا يحيط بها خيال البشر العاديين أو الأسوياء، فمادام يجري في الغرف المظلمة والسرية شائهاً وغريباً إلى تلك الحدود اللامعقولة، فسوف تعجز اللغة الروائية السردية ـ الواقعية عن التعبير عنه أو الإمساك بمناخه العام وتفاصيله وجزئياته. إذ أن لا معقوليته تدفع نحو بنية روائية ترتكز بالأساس على خلق عالم يقع في المساحة الحرجة بين الواقع والخيال، بين الوجود المادي الملموس والقوة القهرية الجارحة في تحكمها والتي يمكننا أن نتلمس أذاها ورعبها باختلاجات الروح ربما، وبتهدج الأنفاس ربما، غير أننا كثيراً ما نعجز عن التقاط مشاهدها في عدسة التصوير لأنها باختصار حاضرة بطغيانها دون أن تكون بالضرورة مرئية للعين المجردة.

سلام إبراهيم يجعل بطله يتعرف على ملامح أخيه بين وجوه البشر المشوهين. إلا أننا نتمكن من عقد قراءة أخرى للحدث تقول لنا دون مباشرة أو تصريح أن ما نراه هنا ملامح البطل ذاته، في هذه اللحظة بالذات، أو ربما في لحظة أخرى حين يسقط فريسة الاعتقال، وما ذلك العالم السري الغامض بكل بشره المشوهين سوى الاختصار الموحي للبلاد كلها في حقيقتها الصحيحة ودون رتوش أو مساحيق. إنها مرآة كبرى، باتساع وطن بكامله. مرآة تطلع من حوافها صور مرعبة وتسيل على صفحتها جداول الدم الأحمر ولهاث المعذبين، الحائرين في الممرات الحلزونية والطرق التي تشبه ذلك الطريق الخرافي في ألف ليلة وليلة ” طريق الندامة”.

جريدة الحياة اللندنية العدد 12296 الجمعة 25 تشرين الأول “أكتوبر” 1996 الموافق جمادي الأخيره1417 هـ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

• ناقد وشاعر فلسطيني مقيم بدمشق

 
تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *