الرئيسية » نقد » ادب » د. فاضل ثامر: رواية الحلم العظيم بوصفها رواية شخصية أشكالية

د. فاضل ثامر: رواية الحلم العظيم بوصفها رواية شخصية أشكالية

رواية القاص والروائي احمد خلف الموسومة ” الحلم العظيم” “الصادرة عام 2009 عن دار المدى في دمشق تكشف عن جوهر ميتاروائي او ميتاسردي منذ بدايتها فالرواية تدورحول تجربة بطلها الشاب”الولد” الذي يكتشف لاحقا ان اسمه عبد الله والذي كان حلمه العظيم ـ احالة الى العنوان”ان يصبح مؤلف قصص وروايات “ص22″ ولذا تحفل الرواية بحوارات وافكار مهمة عن السرد والكتابة الروائية مستمدة الشيء الكثير من السيرة الذاتية للقاص احمد خلف الذي احال الى تجارب شخصية مرت به في مرحلة شبابه وتكونه الثقافي من خلال اختيار حي شعبي بغدادي عاش فيه المؤلف يطلق عليه اسم ” مدينة الحرية” حيث إستقى الكثير من شخصياته واحداثه من تلك البؤرة المكانية ، كما ان الرواية تدور زمنياًُ في اواخر ستينات وبداية سبعينات القرن العشرين ولامست من خلال ” مرقاب” الولد العشريني بطل الرواية الكثير من الاحداث الاجتماعية والسياسية العاصفة التي عاشها العراق ومنها مشاركة عدد من المناضلين اليساريين العراقيين الذين ينتمون الى تنظيم حزبي يساري في العراق هو تنظيم القيادة المركزية في الحزب الشيوعي العراقي في اشعال انتفاضة الاهوار في جنوب العراق والتي كانت موجهة ضد النظام السياسي الشمولي آنذاك، ومع ان الرواية تكتفي بتدوين نتائج الانتفاضة التي سحقها النظام آنذاك ودون ان تقترب منها من الداخل ، الا انها نجحت في الاشارة الى ماكان يدور آنذاك من صراعات وتوجهات وتحركات سياسية في عراق سبعينيات القرن الماضي و التي تادت الى ترسيخ دعائم نظام بوليسي قامع في العراق، والرواية من جانب آخر هي رواية “شخصية ردائية” بمعنى انها تتمحور حول التجربة الشخصية لبطلها” مؤلف القصص والروايات” وتكشف عن تاثر هذه الشخصية بالمناخ الفكري والثقافي الذي ساد العراق في الستينات والسبعينات حيث بدا البطل الشاب في بعض مراحل حياته نسخة عراقية من ” يرسو”بطل رواية الغريب لالبيركامو، ومع ان البطل يتعاطف جزئياً مع الفكر الماركسي لكنه يبدو أكثر ميلاً لمفهوم الحرية الذي بلورته الفلسفة الوجودية وبشكل خاص على يدي جان بول سارتر والبيركامو.
لكن الرواية ، على الرغم من تمحورها حول شخصية منفردة، لم تتحول الى رواية مونولوجية أحادية الصوت بل ظلت رواية بوليفية في الجوهر.
ويبدو ان احمد خلف قد أدرك نزوع بطله الشاب لمحاكاة أبطال الروايات في سيرة حياته وخياراته، لكنه المح في الاقتباس الاستهلالي المأخوذ من احد منولوجات البطل الى مخاطر” ان نقلد أبطال الروايات كما لو كانوا أشخاصا حقيقيين” ويدعو” التمرد وعليهم بعد حين من الزمن”،حيث يقول” حياتنا التي ينبغي ان نعيشها كما نشاء نحن،لا كما يريد ابطال الروايات او مؤلفوها”(ص5)و(ص93).
والرواية منذ عتباتها النصية الأولى المتمثلة في العنوان والاستهلال المؤرخ في 2003(ص5) تذكرنا باخفاق” الحلم الأمريكي” الذي عاشه عدد من الروائيين الأمريكيين امثال سكوت فينزجيرالد مؤلف رواية “غاتسبي العظيم”فهي ايضاً عن “حلم عظيم” او ربما مجموعة احلام ابرزها في ان يصبح البطل مؤلفاً للقصص والروايات وان يكون عاشقاً حقيقياً ، وربما ايضاً تشير من طرف خفي الى حلم عدد من الثوريين العراقيين اليساريين في مطلع سبعينات القرن الماضي لاحداث تغيير ثوري واسقاط النظام الشمولي آنذاك من خلال انتفاضة الاهوار، كما ان التجربة العاطفية للبطل تنتهي ايضا لسلسلة من الاخفاقات يتورط فيها بارتكاب جريمة قتل زوج المراة التي احبها فعلياً او تخييلياً بما يجعله شبيهاً بشخصية (راسكو لينكوف) بطل دستويفسكي في رواية” الجريمة والعقاب” وشخصية البطل تبدو وكانها نتاج مجموعة من التخيلات والاوهام والتمنيات التي تغلغلت في اعماق البطل ووجهت سلوكه وافعاله وتفكيره ، حتى لتبدو الشخصية على حد تعبير رولان بارت مجرد شخصية رقية وان اقول ايضاً شخصية سانيلوفية “صنعتا الكتب والافكار والمخيلة، اكثر مما هي شخصية حقيقية عركتها الحياة الانسانية ونجد ذلك مثلاً في تماهي شخصية البطل مع ابطال حكايات الف ليلة وليلة وخاصة” حكاية حمال بغداد”.
يقترب احمد خلف في بناء شخصية البطل من الخارج بصورة تدريجية وخدره ولكنه، مع نضج هذه الشخصية، يمنحها حرية كاملة في التحرك والتفكير والسلوك، وسردياً يتمثل ذلك في كون الروائي يستهل روايته بتوظيف ضمير الغائب”هو” في الاقتراب من البطل بما يضع مسافة بين السرد وهذا البطل ، لكنه يترك الحرية له احياناً بالتعبير من خلال ضمير المتكلم الذي يوحي بمصداقية ووثوقية وحميمية اكبر.
يستهل احمد خلف روايته بالاستهلال التالي:”ذات ليلة باردة، اكتشف الود ان همس المتزوجين في غرف النوم يسمح بعد الحادية عشرة”(ص9).
وطريقة السرد هذه قد تثير اللبس لدى القارئ غير الفطن الذي قد يظنها تنتمي الى السرد الخارجي كلي العلم، لانها في الحقيقة تطل احد اشكال السرد الذاتي البؤر الذي يديره” راو ضمني” او الذات الثانية للمؤلف وهو سرد غالباً ما يستطين وعي الشخصية الروائية في سلسلة مونولوغات داخلية تمنح السرد جوهراً ذاتيا مبؤراً.
لكن المؤلف بين الحين والحين يحيل الى ضمير المتكلم اذي يوحي بمنزع سيري ذاتي( اوتوبوغرافي)
” الحق أقول، كنت في ذلك الوقت الذي نسيت لونه وشكله لانه كان قابلا للنسيان والاهمال”(ص51).
لكننا علينا ان نعترف بان السمة المهيمنة في السرد وهي من خلال توظيف ضمير الغيبة الذي هو في واقع الامر صور مموهة عن ضمير المتكلم اطلق عليها تودورف بـ( انا الراوي الغائب).
والرواية تنحو في جوانب كبيرة منها نحو تقديم تحليل نفسي لشخصية البطل بما يجعلها تقترب من الرواية السيكولوجية في بعض ابعادها، فالبطل الشاب ذو الرابعة والعشرين عاماً يبدو متوحداً ويعاني من الكابة، ويحاول ان يجد في الكتابة القصصية ملاذاً له للخروج من وحدته وكآبته ، ويخيل لي ان البطل في بداياته المبكرة المراهقة كان يعيش داخل قوقعة صغيرة شبه مغلقة لاتتعدى حدود غرفته وأسرته بدا لنا بلا اصدقاء وبلا علاقات اجتماعية تربطه بالخارج، وكانت علاقته بالخارج تطل من خلال نافذته الصغيرة التي اتخذها مرقاباً ومرصداً ” يتلصص” خلاله على حركة العالم الخارجي، فمنذ المنفتح الاستهلاكي نكتشف بانهماك البطل بالاصغاء الى حركة العالم الخارجي ، حيث تشغل حاسة السمع لديه، موقعاً متصدراً في بناء تصوراته عن العالم الخارجي:” مرصدة كان نافذة غرفته في السطح، المطلة على الزقاق ،يكتفي بمراقبة واحدة منهن، واحدة لا اكثر”ص1″.
كما يدرك شخصياً انه منذ ذلك اليوم والولع بالنوافذ المضيئة يتلبسه”(ص10) وانه كما يقول” كان يجيد التلصص على نافذتها بعد منتصف الليل عله يسمع نأمة او صوتاً او مفاجأة”(ص14).
لكن البطل الذي يعيش داخل شرنقة كبيرة بدأ يتحرك قليلاً نحو الخارج لتكتشف علاقته المحدودة والباردة مع اسرته اولاً ومدرسته ثانياً واصدقائه في المحلة لاحقاً، حيث يتعافى في تدريجياً من الشرنقة المغلقة نحو عالم خارجي اكثر انفتاحاً ورجاحة وان ظلت شرنقة غرفته الصغيرة هي ملاذه الاخير والأثير، والتي يستبد لها احياناً بشرنقة بديلة هي شرنقة الكتب التي يقرأها ويتماهي مع شخصياتها وعوالمها.
ويحق لنا ان نقول ان روايته” الحلم العظيم” هي رواية شخصية الى حد كبير شخصية صنعتها الاوهام والخيالات والاحلام والكتب من الصعب تقرير ان شخصية البطل تنتمي الى نمط ” اللامنتمي الرغم من كل المشاعر والافكار الايجابية التي تنتابه احياناً ،وواضح ان البطل يتماهى الى حد كبير مع الشخصية الوجودية في بحثها الشخصي عن الحرية، اذا يقول بان عمله الوحيد هو البحث عن وسائل للفوز بالحرية وقد وجدها في صياغة القصص.(ص176).
” انت تشبه البيركامو، لقد نسيت ذلك، انت وجودي النزعة منذ غادرت بطن امك”ض25) ويورد البطل حكاية تنسب الى سارتر عن الحرية مع اشارة صريحة الى مقولة سارتر المعروفة “الاخرون هم الجحيم”(ص124)، ويحلو للبطل ان يتفلسف احياناً يكارت ومقولته” الكوجيتو الفلسفي المشهور”” انا افكر اذن انا موجود”(ض121) ويبدو ان البطل ادرك لا انتمائه ووقوعه تحت تاثير الفكر الوجودي كما يفهمه بسذاجتة وفكرية احياناً.
“كان يقول انا لا اصلح لشيء من هذا قط، لقد عطلني سارتر بما فيه الكفاية، ان لم تكن بذرة الخراب في داخلي منذ الطفولة(ص219) ويكاد البطل يدرك ذلك فني مونولوغ طويل يتداخل مع صوت الرواي الضمين نجد تحليلا سيكولوجياً لشخصية البطل يشير فيه الى تاثير الواقع الاجتماعي على شخصية”
ولكن أي واقع ذاك الذي عاشه المؤلف ذلك الواقع المرير قد اقسم بالحرمان وشظف العيش، مما ولد في نفسه الاصرارباستبدال عالمه الضيق بعالم آخر، ولكن اليس ما يكتبه الان، وما يشير اليه هو صدى لقراءات متفرقة عن الحقيقة ممكنة الحدوث وعن احتمالية التغيير من خلال الخيال(ض37).
ويبدو ان عريف الامن كان محقاً في حيرته امام انتماء البطل عند ما قال له بغضب بعد عجز عن معرفة ميوله او انتمائه:
” ايها الحقير ، لقد حيرتنا، من تكون بحق الجحيم، هل انت شيوعي، قومي، بعثي، خرافي، من تكون وماذا تريد بالضبط(ص156)”
ويخيل لنا ان البطل كان يعاني من كابوس هيمن على حياته وعقدة خوف واحساس غامض بالاضطهاد والبارانويا، اذ كان يلاحقه حلم كابوسي يكشف عن الرضوض النفسية العميقة لشخصيته:
” حلم واحد ظل يطارد المؤلف بعدد من السنين… كان الرجل بملامحه الغامقة يلوح به في بئر عميقة ليلقيه دفعة واحدة الى قاع لا قرار له، ثم يعاود الرجل الكرة ثانية”(ص68).
هذا الحلم الكابوسي، ربما ملخص الى حد كبير طبيعة شخصيته شبه العصابية الهشة وعطبها الداخلي، ولكي ينقذ نفسه من السقوط في كان يهرب الى الخيال والكتب والاصدقاء والى الجنس واحياناً ، حيث قادته تجربته الجنسية الى مازق روحي واجتماعي وقانوني كبير من خلال تورطه واقعياً او تخيليا في ارتكاب جريمة قتل زوج المراة التي احبها ربما متشبهاً براسكولينكوف بطل دستويفسكي في رواية” الجريمة والعقاب” ويخيل للقارئ احياناً ان جريمة القتل لم تكن الا لعبة او هماً او تخيلاً اصطنعه البطل مؤلف القصص والحكايات، اذ يعلن في احد مونولوغاته الداخلية الطويلة.
” كاد يقول لنفسه انها مجرد لعبة العبها وحدي، فليس هناك رجل قتلته، ولا عاشقة تهيم في فلكي، انها كلها اوهام وربما انا واقع تحت كابوس طويل”(ص251):
ان الطبيعة السيكولوجية للرواية تتاكد على مستوى البنية السردية من الاعتناء ببناء العالم الروحي والفكري والنفسي للبطل ومحاولة الكشف ذلك داخلياً من خلال سلسلة من المونولوغات الداخلية المطولة التي ترود بقاع مجهولة في حياة البطل وشخصيته.
وبالتاكيد لا يمكن الزعم بان احمد خلف كان يعمل عن قصد لخلق هذا البعد السيكولوجي في شخصية بطله، وانه ربما كان مثل دستويفسكي يقدم درساً في علم النفس وعلم تشريح الشخصية الانسانية من زاوية السرد اولاً والولوج الى اقبية النفس السرية تاركاً المجال للمحلل النفسي ،لاحقاً، لاستنباط ما يراه من قوانين الوعي واللاوعي في الشخصية الانسانية.
ومن المهم ان نشير الى الشخصية التي خلقها لنا احمد خلف هي الى حد ما شخصية اشكالية ، بمعنى انها تجد صعوبة في التلاؤم التواصلي مع العالم الخارجي، كما انها دائما محملة بهموم واسئلة وشكوك تجاه الاخرين والعالم، وانها بالتالي قد تقترب من نمط البطل الضد(anti-hera) او اللابطل او البطل اللابطولي، لانها تظل في الغالب في موقف المراقب والهامشي وقلما تنتقل الى ممارسة الفعل.
مرة كتب القاص فؤاد التكرلي عن مجموعة ” نشيد الارض” للقاص عبد الملك نوري وميز في وقت مبكر هو العام 1954 بين تمطين من القصص: قصص الشخصيات وقصص الواقع اليومي والاجتماعي، وهو يرى ان النمط الاول أي قصص الشخصيات ينظر الى الانسان في العالم، اما النمط الثاني أي قصص الواقع الاجتماعي فينظر الى العالم من خلال الانسان، فالكتاب المعاصرون ـ والقول للتكرلي، والتراثيون بصورة عامة وبعض الكلاسيكيين يضعون الانسان مداراً لانتاجهم افني، ولا يعني هذا انهم هم وحدهم يبحثون عن مشاكل الانسان ، ولكن يعني ان هؤلاء الكتاب يقدمون لنا في الاساس انساناً ثم يعرضون العالم من خلاله ويعبرون عن احتكاك هذا الانسان بالعالم الذي يحيطه، فالمحتوى الموجود في قصصهم هو الانسان ثم العالم، ومن هؤلاء دستوفبسكي وسارتر وكامو وكافكا … وهناك قسم آخر من الكتاب ينظرون الى الانسان كشيء في العالم ليس له ميزة الابتداء به ـ فوصف العالم عندهم كوصف الانسان الاثنان موجودان على اساس واحد، ومن هؤلاء غوركي وشتاينبلك وكالويل”.
“راجع مدارات نقدية” فاضل ثامر، 1987ص 344ـ345).
ويتضح لنا ان احمد خلف هو من الكتاب الذين يقدمون لنا شخصيتهم الروائية اولاً ثم يعرضون العالم من خلاله، أي ان الجوهر هو الانسان، اما الواقع الخارجي فهو مجرد اطار او ديكور خارجي قابل للتعديل.
ومن الواقع اننا نتفادئ هنا الإحالة الى مرجعيات النقد البنيوي في دراسة الشخصية القصصية لانها كما نرى قاصرة في هذا المجال، وربما تمثل “عقب أخيل في المنظور البنيوي في السردية الحديثة بسبب النظر الى الشخصية بوصفها تجريداً فهي مجرد كائن ورقي يكشف عن وظيفة او حافز او فاعل وغيرها من الوظائف التي حددها بروب او رولان بارت او غريماس او بريمكون للشخصية القصصية.
ولهذا نجد أنفسنا مضطرين للإحالة الى التراث السردي الذي سبق البنيوية إعتماداً على مقولات فورستر واودين ميور وبرسشي لبوك وهنري جيمس وغيرهم حول الشخصية القصصية ولاحقاً الى المفاهيم التي طورها في ثمانيات القرن الماضي الفيلسوف الفرنسي بول ريكول الذي رد الاعتبار للشخصية القصصية والتجربة الانسانية، وبشكل خاص في كتابه الموسوعي الكبير” الزمان والسرد” والذي صدر عام 1984 وترجم حديثاً الى العربية من قبل الكاتبين والمترجمين العراقيين” سعد الغانمي وفلاح رحيم”.
ومن هذا هذا المنطلق ان نقول ان شخصية بطل رواية احمد خلف هذه هي شخصية نامية ومتطورة “round character” لانها كشفت عن تطور ونمو ولم تظل ساكنة او مقولبة كما هو الشان في الشخصية المسطحة”flat character” او الشخصية النمطيةproto_ type”” .
واحمد خلف في روايته هذه، ربما في عدد غير قليل من رواياته وقصصه الاخيرة يشتغل بوعي ضمن فضاء ميتاسردي واضح اتضح ربما في روايته القصيرة “تيمور الحزين” والتي انطوت على وثيقة سردية تراثية وشخصية قصصية كانت منشغلة بمحاولة كتابة تاريخ للبلد برمته، وهو اتجاه وجدناه ايضاً في رواية” موت الاب” الصادرة في بغداد في بغداد عام 2002 كما لمسنا ذلك بصورة اوضح في رواية ” محنة فينوس” الصادرة في طبعتها الثانية عام 2010 وربما كنا قد لمسنا جذوراً جنينية لهذه النزعة الميتاسردية في روايته الاولى ” الخراب الجميل الصادرة على نطاق محدود نسبياً.
احمد خلف يدخل لعبة ماوراء السرد او الميتاسردية بدراية ومهارة وهو يصنع لنا عوالمه السردية المدهشة، ولكن السؤال الذي يحاصر قارئ هذه الرواية بالذات من روايات احمد خلف والتي غامر فيها ـ ربما لأول مرة للاقتراب من شخصيات انسانية قريبة من موقف اليسار او تقف داخله، عن ماهية علاقة احمد خلف بشخصياته التي خلقها في روايته هذه، وهو سؤال قد يعيدنا الى الحوار الاشكالي الخصب الذي جرى في ثلاثينيات القرن العشرين بين المفكر الشاب” آنذاك” جان بول سارتر والروائي الفرنسي مورياك حول المسافة التي يتركها الروائي بينه وبين شخوصه ، وكما سبق ان نوهنا الى الروائي ظل بصورة عامة محايداً بين شخصياته، الا في استثناءات محدودة سنأتي على ذكرها، فقد ظل ملتزماً الى حد كبير بالجوهر البوليفوني ( تعددي الاصوات) للرواية، ولم يحاول ان يتدخل في مسار تفكير شخصياته او افعالها وسلوكها والاستثناء الوحيد المهم الذي اود تأشيره هنا يتمثل في الموقف الاخير الذي اعلن عن بطله عبد الله مؤلف القصص والروايات والذي اشار فيه فجاة الى ان بطله في مونولوجه الداخلي الختامي ” لم يتوصل الى قرار حازم بشان كل شيء يدور حوله ، هنا داخل السجن او هناك في مدينة الحرية”303ص” والاشارة هنا واضحة الى المفاضلة بين ثلاثة من اصدقائه المقربين: جواد الحمراني، شيوعي القيادة المركزية الذي شارك في انتفاضة الاهوار وزج به في سجن الحلة ومحمود عبد العال الشاعر الرومانسي ، والماركسي المعتدل، وصديقه الفلسطيني الذي اختار الدراسة في قسم المسرح في اكاديمية الفنون الجميلة ببغداد، وهو غير واضح الانتماء لكنه من السياق العام يبدو قومياً او بعثياً مستقلاً ومعتدلاً في مواقفه وسلوكه وعلاقاته، ولذا فقد فوجئنا نحن قراء الرواية، مثلماً فوجئ نفسه نفسه بالانحياز في السطور الثلاثة الاخيرة من الرواية الى صديقه الفلسطيني.
” وفوجئ في داخله، وقد ارتفعت بعض المصدات والحواجز تمنع دخول الحمراني او عبد العال الى صميم قلبه . كان الفلسطيني وحده يقترب رويداً رويداً من عصب القضية كلها.”(ص303).
لقد شعرت ان موقف البطل صانع الحكايات والروايات مفاجئ تمامً ولا ينسجم مع الاتجاه العام لسلوكه وخياراته ذات الطابع الوجودي وكان حرياً به ان يظل حراً في علاقاته ومنسجماً مع رؤيته الفردانية والوجودية دونما الانحياز الى شخصية معينة ـ لان هذا الانحياز قد يحسب بوصفه انحيازاً أيديولوجياً مقحماً املاه الروائي احمد خلف لانه غير نابع من السياق البوليينوني للشخصيات الروائية ، ومن الحرية التي ظلت تمتلكها قبيل هذا الانحياز المفاجئ.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *