ناطق خلوصي: دفاتر قديمة.. حوار مع التكرلي (ملف/8)

إشارة :
قال المبدع الكبير “فؤاد التكرلي” : (كنتُ أعلمُ بأن استكمال الأقصوصة العراقية لمواصفات فنّية عالية لا يمكن أن يرفعها إلى المستوى العالمي إلّا إذا نبتت على التراب العراقي. لا يكفي أن نكتب اسماً عراقياً على دُمية مستوردة من الخارج أو من الخيال” (الآداب/1973). ومن هذا المنطلق الدرس أسّس التكرلي نصّاً سردياً عراقي الوجه واليد واللسان منذ أول قصة له (العيون الخضر) (كتبها 1950 ونشرها 1953) حتى ملحمته الكبرى “المسرات والأوجاع”. تدعو أسرة موقع الناقد العراقي الكتّاب والقراء إلى إغناء ملفها عنه.

كانت الرغبة تلحّ عليّ لإجراء حوار مع القاص فؤاد التكرلي باعتباره أحد واضعي أسس حركة التجديد في القصة العراقية . كان آنذاك مقيماً في تونس وكنت أتراسل معه . نقلت له هذه الرغبة فوافق . وضعت الأسئلة وأرسلتها إليه ( كان ذلك عام 2005 )فلم يتأخر رده عليها كثيراً وجاءتني حين كان في دمشق ، مكتوبة بخط يده وبالحبر الأزرق الشذري الذي كان قد اعتاد على استعماله ، ننشر هنا جانباً مما جاءفيه:
س : بعد نصف قرن من ريادة التجديد في القصة والرواية العراقية كيف يرى فؤاد التكرلي واقع هذه القصة والرواية الآن ؟ وهل حدث منعطف حاسم آخر في مسارهما بعد منعطف التجديد في خمسينات القرن العشرين ؟
ــ نعم حصل منعطف ولكنه لم يكن حاسماً. لا يمكن أن يتبدل الأدب والفكر والإنتاج خلال عشرين عاماً أو أقل . هناك أحداث سياسية تتواتر وتحدث بسرعة وهو أمر طبيعي . أما الفن على مستوياته كافة فهو يتطور ويتغير ببطء شديد . القصة والرواية في الوقت الحاضر ، وأقصد حتى نهاية النظام السابق ، أخذت تراوح في مكانها . لم يملك الأدباء حريتهم الداخلية ولا انفتح أمامهم أفق للحرية العامة ولا كانت الحياة الثقافية شفافة وسليمة من أمراض التحكم والأيديولوجيا البغيضة . وفي موقف مثل هذا كيف يمكننا أن نتوقع انتعاشاً ونهضة قصصية ؟
س :بدأت بالواقعية ، والواقعية الجديدة على وجه التحديد ، وما تزال محتفظاً بولائك لها على ما أزعم برغم كل السنوات الطويلة التي مارست الابداع خلالها ، وبرغم ما استجد من تيارات حداثوية خلال العقود الأخيرة . ما سر احتفاظك بهذا الولاء ؟ وما سبب عزوفك عن الاتجاهات الحداثوية مع يقيننا بأنك على المام واسع بمعطيات هذه الاتجاهات أو التيارات ؟
ــ لم تكن الواقعية ديدني . كنت أغرف مادتي الخام مما يمكن أن تسميه الحياة العراقية او ما يحدث في الدنيا من حولي أو ما يقع تحت بصري . هل هذا هو الواقع ؟ سمّه ما شئت . أما الحداثة والحداثويون فإن ما قرأته لهم لا يدعو إلى الاحترام ولا إلى التقدير . هناك خلط كبير وسوء فهم لمعنى الأدب وقواعد النص القصصي وحدوده وغاياته . والغالبية العظمى للإنتاج الذي يدّعي هذا النهج ، انتاج مضطرب الرؤيا ومفكك البنيان . ويبدو لي أن فقدان الموهبة الحقيقية للإبداع هو الأسباب الأولى لهذا الانتاج . بالنسبة لي واحتراماً لنفسي ولقرائي وللفن القصصي، ، فإن تمسكي بحدود هذا الفن السامي يجعلني أبقى واضحاً ومستقيما في التعبير حسب المستطاع .
س: للمكان سطوته على المبدع ، وفي أعمالك أمكنة يتواتر حضورها : مقهى حسن عجمي ، بعقوبة ، خانقين (التي هي امتداد مكاني لبعقوبة ). ما الذي جعل هذه الأمكنة على وجه الخصوص تستحوذ على اهتمامك وليس بينها ما يرتبط بذكريات طفولتك ؟
ــ بعقوبة بعد بغداد لها مكانة في نفسي. لقد عيّنت فيها موظفاً مدنياً في المحاكم بعد تخرجي من كلية الحقوق سنة 1949 وفيها قضيت ثلاث سنوات . كنت وأخي نهاد منعزلين عن العالم الخارجي تماناً. نعمل في المحكمة أربع ساعات أو خمساً ثم نعود إلى البيت لنعكف على القراءة والكتابة حتى ساعة متأخرة ليلاً . ان سنوات بعقوبة هي سنوات تكويني الأدبي وفيها كتبت اقصوصة ” العيون الخضر ” كما ان لها مكانة عاطفية كبرى في قلبي أما “حسن عجمي ” فهو المقهى الذي جلس فيه سنة 1956 شخصية ” الوجه الآخر ” محمد جعفر ، والذي عاش مشاكله فيه . لقد أحببتها من الخارج أول مرة حين كنت أمر من أمامها في ذهابي وعودتي إلى الاعدادية المركزية ثم بعد ذلك إلى محل عملي في وزارة العدل . لا أعرف سبباً لمحبتي لهذه المقهى، ولكنني بقيت على حبي لها طويلاً حتى وأنا بعيد عنها في تونس حين كتبت ” المسرات والأوجاع “. لقد عشت فيها ساعات حميمة مع الأصدقاء وخاصة الصديق العزيز المرحوم موسى كريدي الذي كانت وفاته صدمة لي والذي أفتقده دائماً .
س: في رسالة خاصة ذكرت لي بأنك ترى ” خاتم الرمل ” أفضل أعمالك ، وان هذه الرواية وقعت ضحية سوء الفهم والتأويل . ما هي الخصائص التي جعلتها تحظى بالأفضلية لديك، وما هو في رأيك سبب سوء الفهم الذي وقعت ضحية له ؟
ــ “خاتم الرمل “رواية ذات خصوصية لغوية . فقد حاولت أن أضع ” دلالة ” الرواية إن أمكن في لغتها . في الاستعمال الخاص للغة . ويبدو أن اللغة هذه الأيام لم يعد لها المكان المهم والذي تستحقه في الأعمال الروائية . اغلب الروايات المتداولة والتي يقع عليها الاهتمام هي روايات ذات لغة صحفية ، أقل ما يقال عنها أنها لغة عادية لا طعم فيها ولا رائحة . يقولون ــ النقاد والقراء ــ ان المهم أن تحكي لنا وليس مهماً كيف ” !وهذا رأي خطير يضع اللغة الأدبية في آخر القائمة ــ قائمة شروط العمل الأدبي الأصيل . لم يتناول النقاد ” خاتم الرمل ” من حيث كونها رواية موجود سرّها في لغتها إلا ناقد أو ناقدان ، وقد خيّب ذلك ظني بالنقاد .

شاهد أيضاً

ثامر الحاج امين: الإنسانية المنتهكة في رواية (حياة ثقيلة) (ملف/130)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

من رسائل القرّاء والكتّاب الموجّهة إلى الروائي سلام ابراهيم (31) (ملف/129)

إشارة : تجربة رائعة يقوم بها الروائي المبدع “سلام ابراهيم” وهو يؤرشف رسائل قرّائه الكرام …

خبر لوكالة رويتر عن رواية “حياة ثقيلة” للروائي سلام إبراهيم
حياة ثقيلة.. رواية تصوّر كابوس العراق بعد صدام (ملف/128)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

تعليق واحد

  1. محمود سعيد

    لا أدري كيف اشكر استاذي الكبير ناطق خلوصي لشحذ ذاكرتنا بهذه التحف الصغيرة والمهمة، حين يتمعن القارئ بأجوبة المرحوم التكرلي يجده بسيطاً بساطة الماء المنساب من دجلة، صريحاً يكشف نواياه ببساطة. الرحمة الواسعة له، والشكر لاستاذنا العزيز

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *