تشويش
بقلم د ميسون حنا

أمسكت قلمي وتهيأت للكتابة، وأخذت أستعرض أفكاري والقلم بيدي ينتظر، طال انتظاره، فتحفز وقال: ما بالك لا تقودين خطواتي، سئمت من الركود، تحركي. قلت: أنت كنت تسعفني دائما بحلو المعاني، وتسبقني بالمبادرة، قال: كنت أقرأ أفكارك فأتحرك، ولكنك اليوم غامضة، لا أفهم ما يدور في رأسك من عبر، قلت: هي أفكار فقط وليست بالضرورة عبر، فالعبرة هي نتاج عمر عايشناه، وتجارب مرت بنا، وأناس خالطناهم، وكتب قرأناها، ومن كل ما ذكر نستخلص العبر، أما أن يخلو الإنسان مع نفسه لحظات فهي خاطرة وليست عبرة. قال: ليكن، هات … أسكبي خواطرك، أتحفينا بخاطرة واحدة أزين بها صفحتك. قلت: الخاطرة يجب أن تكون جميلة ليقرأها المرء مع فنجان قهوة الصباح، ويروح عن نفسه، ولكن مزاجي اليوم معتل، قال: لماذا أمسكت بي إذن ما دمت عاجزة عن التعبير ؟ قلت: هي عادتي، أمسك بك كل صباح، وينساب الكلام تلقائيا، أما اليوم فأنا أعلن عجزي، وتقصيري. قال: أنت لا تختلفين عمن حولك، أنتم أيها البشر ناكرون للجميل! قلت: وأي جميل أنكرنا لك؟ قال: قدت خطواتك، وأنرت عقلك، إفتحي دفاترك واقرأي … لقد بثثتك حلو المعاني، وألهمتك شتى الأفكار، وبحت لك بلواعجي، وكشفت لك عما يختبيء في شغاف قلبي، وأنت تجلسين ممسكة بي ببرود جسد يخلو من روحه. أين روحك لتعبر عن نفسها؟ وأين قلبك ليشف عن ذاته وأحاسيسه؟ قلت: ها أنت ترى، أصبح الإنسان في عصرنا بلا قلب، فيبتلع الكبير الصغير، والقسوة شعار كل متجبر، فيدوس القوي على الضعيف، والبلاد مُنتهكة ومُستباحة للغرباء والمستعمرين، فأصبحنا مشردين في البقاع والأصقاع، نحمل وطننا في قلبنا وهذا بحد ذاته وهم كبير، ونعيش على وهمنا هذا، ونحلم ونكتب خواطرنا العبثية لنرفه عن أنفسنا وما خفي أعظم. قال: ألهذا أنت صامتة؟ قلت: ربما هي تراكمات طفت اليوم على السطح فكدرتني وشلت تفكيري. قال: التفكير لا يتجمد إلاّ إذا أعلن موته، وأنت إذ تعبرين عن اعتلال مزاجك فهو في حد ذاته تفكير! إذن عبري … فالتعبير يعطيك قوة البوح. قلت: الصمت أبلغ الكلام، دعني وشأني اليوم فقد طفح كيلي وأعلنت صمتي. قال: حسنا سأغادرك اليوم ولكني سأعود غدا، فربما انزاحت غمامتك وحثنذاك سيهطل المطر. قلت: أو الدموع. قال: الدموع هي مداد قلمك، تذكري، سأعود غدا وسيكون لي معك لقاء.
وفي اليوم التالي عاد ووقف أمامي صامتا، قلت: ما بالك حتى لم تلق تحية الصباح؟ قال: أنا اليوم أداة جامدة، فإما أن تنفخي بي الروح فأقول وأبوح، واما تتركيني في حال سبيلي فتتجمد حروفي. قلت: انتقلت عدواي إليك إذن! ولكني اليوم شفيت، وأدركت أن الحياة ستستمر ، لذا قررت أن أعيشها وأيتسم، فالبسمة تعطينا قوة نواجه بها أكبر المصاعب، قد تقول هذا وهم، ليكن فالوهم حقيقة أيضا، هو الحقيقة الوحيدة التي نتسلح بها أمام هجمات الريح العاتية التي تعصف بأوطاننا ونحن الواهمون الحالمون، نتمسك بقيمنا، ومبادئنا، وسيكون يوم نعلن فيه انتصارنا على الطغيان، تجاهلت ضحكته الساخرة، واسترسلت قائلة: نعم برغم استهزاء الكثيرين إلا أن أحلامنا ستستمر وستحيلها إلى حقيقة، كيف ومتى لا أعلم، فقط أدرك أني اليوم قوية، والبسمة هي قوتي، قلت هذا وابتسمت. قال القلم: سعيد أنا إذ أراك متفائلة فلولا فسحة الأمل لمات العالم، ودنا مني وتأهب للكتابة.

شاهد أيضاً

مقداد مسعود: كورنيش شط العرب

وحدي على كورنيش شط العرب. هو الخريف الأحب إلى روحي، والوقت ضحى صقيل، تشهّت روحي …

علي الجنابي: همسةٌ بقلم “الفيلسوف” عنترة بن شداد

تقدمة مني لهمسة عنترة: [ينأى اللسانُ إلّا لِذرفِكَ – ياعنترةَ – أن يتَذَوَّقَ , وينهى …

إياد خزعل: في رحيلك1

سلامٌ عليكِ فيومَ الرحيلِ، تبدَّدَ في الأفقِ صوتُ الغناءْ وغادرتِ الطيرُ أعشاشَها تودّعُ طيفَكِ عندَ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *