طلال حسن: عصر الديناصورات (قصص للأطفال) (17)

ديناصور وديناصورة

1
ــــــــــ
ككل صباح ، تأهبا للذهاب إلى المروج لتناول طعامهما من الأعشاب اللذيذة ، الديناصورة ذات الرأس الصغير وصغيرتها الفتية ، التي تبنتها وهي صغيرة ، رغم أن رأسها لم يكن صغيرا .
ووقفت الديناصورة الفتية وسط الوكر تستعرض نفسها ، وقالت : ماما ..
وهمهمت الديناصورة : هم هم مممم .
فقالت الديناصورة الفتية : لقد كبرتُ .
وردت الديناصورة ، دون ان تلقي نظرة إليها : ليس بعد ، يا بنيتي .
وقالت الديناصورة الفتية بشيء من الإصرار : بل كبرتُ ، كبرتُ كفاية .
وقالت الديناصورة : انتظري بعض الوقت ، وسيكون لكِ أن تشقي طريقك وحدك في الحياة .
ومضت تريد الذهاب إلى المروج ، فلحقت بها الديناصورة الفتية ، وقالت : أريد ذلك بموافقتك .
فنظرت الديناصورة إليها ، ثم خرجت من الوكر ، وهي تقول : هيا نذهب ، لقد تأخرنا .

2
ـــــــــ
سارتا ببطء نحو المروج حيث تتناوﻻن طعامهما كل يوم ، الديناصورة ذات الرأس الصغير تسير في المقدمة بخطواتها الثقيلة البطيئة ، تماشيها على مضض الديناصورة الفتية .
وأسرعت الديناصورة الفتية قليلاً حتى اقتربت من الديناصورة ، وقالت : ماما .
وهمهمت الديناصورة ، دون أن تتوقف فتابعت الديناصورة الفتية قائلة : أنت رعيتِ تي ـ ركس .
وتباطأت الديناصورة ذات الرأس الصغير ، وقد شفت ملامحها ، وقالت : انه صغيري العزيز .
فقالت الديناصورة الفتية : لكن تي ـ ركس وحش .
وتوقفت الديناصورة ، وقالت : هذا ما قالوه عنه عندما خرج من البيضة ، ونصحوني أن أتخلص منه ، لكني أخذته إلى صدري ، وقلت انه صغيري ، وسأرعاه حتى النهاية ، مهما كان الثمن .
وصمتت لحظة ، ثم قالت : وجدته بيضة ملقاة بين الأعشاب ، فأخذتها ورعيتها حتى فقست ، وإذا هو تي ـ ركس ، ليكن انه صغير ، صحيح انه انفصل عني مبكرا لكنه ظل لفترة يزورني ، أو يأتي فينظر إليّ من بعيد ثم ينصرف واستأنفت سيرها ، ثم قالت : إنني مشتاقة إليه لقد مرت فترة طويلة منذ أن رأيته آخر مرة .

3
ـــــــــــ
وصلتا صامتتين إلى المرج ، وانصرفت الديناصورة إلى تناول اﻻعشاب اللذيذة ، وتوقفت الديناصورة الفتية على مسافة منها ، تتطلع بين حين وآخر إلى اﻻجمة ذات اﻻشجار الكثيفة الملتفة .
تناولت الديناصورة الفتية بعض اﻻعشاب ، لكن اﻻجمة بأشجارها الكثيفة كانت كأنما تناديها ، أن تعالي ، وكلي العشب من عشبي ، فتسللت إلى اﻻجمة .
وفزت الديناصورة ، حين سمعت صوت استغاثة يأتي من وسط اﻻجمة : ماما .. ماما .
هذه صغيرتها الفتية ، وتلفتت حولها ، ﻻ اثر لصغيرتها ، هذه المجنونة ، ﻻبد أنها تسللت إلى اﻻجمة ، وجاءها صوت اﻻستغاثة ثانية : ماما .. ماما .
وجن جنونها ، وبأسرع ما تستطيع اندفعت نحو اﻻجمة ودخلت أشجارها الكثيفة الملتفة ، وإذا الديناصور تي ـ ركس يحاصر الديناصورة الفتية في إحدى الزوايا ، ويوشك أن يفتك بها ويفترسها .
وصاحت به وهي تحول بينه وبين الديناصورة الفتية : توقف .. توقف .
وتوقف تي ـ ركس مذهولاً ، وتمتم : هذه أنتِ ؟
فقالت الديناصورة : إنها ابنتي .
وقال تي ـ ركس : هذه ليست ابنتك ، فالجميع يعرفون أن بيضك ﻻ يفقس .
وبدا اﻻلم على الديناصورة ، لكنها قالت : لقد رعيتها صغيرة ، قتلت أمها ، كما رعيتك أنت ، منذ أن كنت بيضة ملقاة بين اﻻعشاب .
وزمجر تي ـ ركس ثم استدار ومضى مبتعدا ، حتى غاب بين اﻻشجار .

ملك البحار

1

——–

منذ أن رآها هذا الميجالودون ، قبل أيام عديدة ، وهو يحوم حولها ، ولا يسمح لأحد غيره الاقتراب منها ، صحيح أنه لم يقل لأحد ، لا تقترب منها ، لكن مجرد حومه حولها ، يجعل الآخرين ينسحبون بعيدا ، دون أن يتفوه أحدهم بكلمة .
وخرج الميجالودون اليوم ، وراح يتجول هنا وهناك ، بحجة البحث عن الطعام ، وهو في الحقيقة يريد أن يراها ، وأبصر في طريقه أكثر من خنزير بحر ، وأكثر من فقمة ، وسلحفاة بحرية ضخمة ، وأسماكاً ضخمة لكنه لم يلتفت إلى أيّ منها .
وعند منتصف النهار ، اشتد جوعه ، فطارد فقمة ضخمة ، وبفكيه الواسعين القويين المليئين بأسنان حادة ، أطبق عليها ، ومزقها بسهولة ، وافترسها .
لم يشبع ، وهو يعرف أن ما يحبه حقا ، ويشبعه هو افتراس حوت ضخم ، وليس شيئاً آخر ، ولاحت له سلحفاة ضخمة ، تسبح ببطء على مقربة من قاع البحر ، فانطلق إليها بسرعة وبأسنانه الحادة القوية ، حطم درقتها الصلبة وافترسها .
وواصل تجوله ، لعله يرى الملكة ، رغم أنه لم يشبع بعد ، وهل يمكن أن يشبع ملك البحر هذا ؟

2
ــــــــــ
بعد منتصف النهار ، لمح الأنثى الملكة ، تسبح وحدها ، هادئة ، رقيقة ، جذابة ، هكذا رآها ، واقترب منها ، وقال : طاب يومك .
توقفت مبتسمة ، وقالت : طاب يومك .
وتلفت حوله ، وقال : أراك وحدك .
وابتسمت ثانية ، وهي ترمقه بنظرة سريعة ، وقالت : مادمت تحوم حولي ، فلن يجرئ أحد ، مهما كان ، على الاقتراب مني .
وقال : وهذا ما أريده .
وصمت لحظة ، ثم قال : إنني جائع ، ولابد أنك جائعة أيضاً .
فقالت : أكلتُ سمكة قبل قليل .
وتلفت حوله ثانية ، وقال : سمكة واحدة لا تشبع .
فقالت : تعال لنصطد فقمة .
واندفع يشق الماء ، وهو يقول : تعالي ، سأصطاد لك حوتا ، دخل مياهنا ليلة البارحة .
ولحقت به ، وهي تقول : لا نحتاج إلى حوت ، الحوت كثير جدا .
واستمر يشق الماء ، وهو قال : ليس كثيراً عليك ، تعالي ، وسنشبع معاً .
و أسرعت حتى حاذته ، وقالت : لندع الحوت ، فحيتان الاوركا تسعى إلى اصطيادها لأنفسهم .
ومن بعيد ، لاحت نافورة من الرذاذ فانطلق نحوها ، وهو يقول : ذلك هو الحوت ، سأصطاده ، وهو هدية لك ، أنت تستحقينه .

3
ــــــــــ
لم تحاول إيقافه ، فهي تعرف أنه عنيد ، وإنه إذا قال شيئا ، أو نوى على شيء ، فلا أحد يقف في طريقه ، وسيحققه مهما كان الثمن .
ورغم أنها تعرف شجاعته ، وقوته ، وتعرف أن الجميع هنا في المحيط يخافونه ، ويتجنبونه ، إلا أنها كانت خائفة عليه ، لما سيقدم عليه ، فحيتان الاوركا ، التي جاءت لا تعرف من أين ، قوة خطيرة من الصعب مواجهتها ، خاصة وأنها تقاتل مجموعة .
وتقدم الميجالودون نحو الحوت ، الذي كان يسبح في ماء المحيط ، يغوص مرة إلى الأعماق ، ويخرج مرة إلى سطح الماء ، وهو ينفث نافورة من الرذاذ .
وانتهز الوحش فرصة خروج الحوت إلى سطح الماء ، فعمد إلى مهاجمتها ، وبدأ تحطيم زعانفها ، حتى حطمها جميعا ، ثم أنه غاص تحت الحوت الذي أصيب بجروح كثيرة شلته عن الحركة ، وبحركة مباغتة ، وقوية جدا ، اصطدم بقوة أسفل الحوت ، وراح يعمل فيها فكيه الضخمين القويين حتى أجهز عليها .
وطفا الحوت جثة هامدة على سطح الماء ، فانسحب الميجالودون ، ومضى إلى الأنثى ، التي راقبته طوال فترة مهاجمته للحوت ، حتى صرعها ، وقال لها : المأدبة جاهزة ، تفضلي .

4
ــــــــــ
في اليوم التالي ، خرجا يتجولان في المحيط ، ويلهوان بصيد السمك على أنواعه ، وأكله ، ريثما يصطادان فقمة ، يمكن أن تسكت بعض جوعهما الذي لا يسكت أبدا .
وقبيل منتصف النهار ، والشمس تسطع في السماء، توقفت خائفة ، وقالت : فلنهرب .
وتوقف هو الآخر ، وتساءل : ماذا !
وأشارت إلى حيث تنظر ، وقالت : انظر ، إنهم حيتان الاوركا القاتلة .
ونظر حيث تنظر ، وإذا حوالي عشر من حيتان الاوركا ، تشق الماء نحوهما ، وزعانفها الظهرية تبرز فوق سطح الماء ، وتراجعت خائفة وقالت : إنهم قادمون ، تعال نهرب ، وإلا فتكوا بنا .
وظل في مكانه ، وعيناه الغاضبتان ثابتتان على حيتان الاوركا ، وقال : اذهبي أنت ، هيا ، اذهبي .
وتراجعت أكثر ، وهي ترتعش من الخوف ، وقالت : سيقتلونك ، إنهم كثر ، وأشرار ، ولن يرحموك .
وهز رأسه ، وقال : من العار أن أهرب ، سأواجههم ، وأقاتلهم حتى النفس الأخير .
وصمت لحظة ، ثم التفت إليها ، وقال : اذهبي أنت ، وانتظريني عند المساء قرب الصخور المرجانية .
وعند المساء انتظرته ، وانتظرته طوال اليوم التالي ، لكنه لم يأت ، وكيف يأتي ، وهو نتف ممزقة في أحشاء حيتان الاوركا .

شاهد أيضاً

حوارات مع أديب الأطفال المبدع الكبير “طلال حسن” (6)

إشارة: بين وقت وآخر يتحفنا المبدع الكبير “طلال حسن” بنتاج إبداعي جديد في مجال أدب …

ناطق خلوصي: طيور الفجر

لا تدري بالضبط : أدمدمة رعد أم دوي طائرة مقاتلة اخترقت حاجز الصوت ، ذلك …

حوارات مع أديب الأطفال المبدع الكبير “طلال حسن” (5)

إشارة: بين وقت وآخر يتحفنا المبدع الكبير “طلال حسن” بنتاج إبداعي جديد في مجال أدب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *