مازن الياسري: آخر حوار مع المبدع الراحل محمد غني حكمت .. ساحر الطين انا استلهم فني من حضارتي وأساطيري وثقافتي

الراحل الكبير والأستاذ مازن الياسري

على الرغم من انه اجتاز الثمانين عاماً.. إلا انه لازال متقد الذاكرة.. عفوي الأجوبة.. حاضر المعلومة، شيخ النحاتين يمارس مهنته الفنية منذ ما يقارب الستة عقود ونصف ولازال مصراً على العمل رغم تحذيرات الأطباء له.. ولا زالت أمنيته أن يملأ ساحات بغداد بالتماثيل.
انه مستلهم الحضارة وساحر الطين بإبداعاته الخالدة.. لقد استلهم أعماله في معظمها من شخصيات ألف ليلة وليلة.. ولازالت نصبه الشاهقة لشهريار وشهرزاد وللقهرمانة والأربعين حرامي وللسندباد البحري تنتصب في ساحات بغداد الغناء بالزينة والخضراء والأعمال الفنية الساحرة.. محمد غني حكمت يستلهم أعماله من السومريين من البابليين من العمارة الكوفية من العمارة البغدادية العباسية.. شخوصه ومنحوتاته تراث ساحر وزاخر.. هو من نحت المتنبي أفحل شعراء العرب، وحمورابي صاحب التشريعات الأولى.. وعشرات من الأعمال الخالدة التي تنتصب في ساحات مدن بغداد وروما وباريس ومدن أخرى كثيرة.
لمحمد غني حكمت سمات أسلوبية خاصة ناتجة عن تأثره بالنحت السومري والأختام الأسطوانية السومرية بما تتركه من تعاقب الأشكال المستطيلة المستدقة في الطين الذي تطبع فيه وهو أمر ظاهر في العديد من أشكاله، لدى محمد غني نبرة تعبيرية تعيدنا للنحت الآشوري والبابلي والأكدي.. ومنذ منتصف الستينيات من القرن الماضي تحول محمد غني في نحته إلى فن العمارة الزخرفية ثم أعتمد على نظام تكراري يتشكل بوحدة نظامية أساسها الحرف العربي واتجه كليا إلى نماذج وتشكيلات وتكوينات جاءت نتيجة متابعة تجريدية لأشكال تشخيصية سبق أن عالجها.
شيخ النحاتين.. قدم تراكم ساحر في الأعمال.. يقول عن ذاته انه يشعر بالحزن أحياناً لأنه بقي وحيداً على قيد الحياة بعد رحيل رفاقه الفنانين الرواد الذين عاصروه.
محمد غني حكمت عاد لبغداد مؤخراً في زيارة بعد انقطاع استمر ستة أعوام قضاها بالعاصمة الأردنية عمان.. وقد شهدت زيارته احتفاءا كبيرا من مجمل الطيف الثقافي العراقي.
وبلا شك فالاحتفاء بحكمت لا ينطلق فقط لكونه شيخ النحاتين.. وصاحب احد اشهر المدارس والأساليب النحتية بالعالم  فحسب.. بل يبتعد كردة فعل ثقافية عراقية تجاه تصاعد منظم للمد المناهض للفن ولمواجهة الداعين لآسلمة المجتمع التي  رعتها بعض الأحزاب السياسية المشاركة بالعملية السياسية العراقية الجارية.. فقد شهدت بغداد في الأشهر الماضية حملة  لآزالة بعض التماثيل والنصب من ساحاتها بحجة تغير الطرق او تبعية هذه الأعمال مرتبطة بثقافات حزب البعث الحاكم الأسبق للعراق.. إلا إن عديدون يؤكدون بأن السبب الحقيقي ليس هذا او ذاك بقدر تعلق الموضوع برؤية مشوهة عن الفنون التشكيلية مع رغبة بتعميم ثقافات اسلمة المجتمع التي تواجه بالرفض من قبل الرأي العام العراقي المتنوع والمنفتح على الثقافات والحريص على الطابع العراقي للعراق.
النحات محمد غني حكمت ساهم بتلك الهالة الفنية الساحرة لتماثيل بغداد.. وهو مسحور ببغداد عاشق لها.. عندما تحدث عنها أفاض بمشاعر حب جارف ولذكريات بعيدة عن ماضيه في هذه المدينة بصوب الكرخ من دجلة منها.. طفولة محمد غني حكمت رسخت في مخيلته عشق الألوان والزخارف.. لقد كان يرافق والده صبياً إلى دكان أبيه الواقع في الكاظمية ببغداد.. حيث يقع ضريح الإمام (موسى الكاظم)، كان محمد غني حكمت (الصبي) مأخوذا بسحر الزخرفة والأبواب التي تحيط بالمرقد والزخارف التي تملا الجدران بألوانها الزاهية.. ويقول حكمت عن ذكريات طفولته: “كنت أرافق والدي الذي كان يعمل في تطريز ((العباءات الرجالية)). وثمة ألوان وأصباغ سحرتني ودفعتني إلى مراقبة عمل والدي. ربما هناك أثر آخر وهو وجود محل والدي المقابل لباب المراد (احد أبواب مرقد الإمام الكاظم)، حيث كنت أشاهد ذلك الباب المزخرف وأرى تلك النقوش العربية الجميلة وتلك الألوان الساحرة “.. وتمضي السنين ويصبح محمد غني حكمت من امهر نحاتي العالم على الحجر والخشب والبرونز.. ويبقى الأستوديو الخاص به في بغداد وبنكهة فنية خاصة.. ذلك الأستوديو الجميل في منطقة المنصور ببغداد (كان هنري زوفوبودا صديقه الهنغاري الأصل قد صمم ونفذ الأستوديو) كأول أستوديو في العراق عام 1964، وكان قد صمم على الطريقة الايطالية.. محمد غني حكمت تاريخ للفن التشكيلي المعاصر وعلى الرغم من إن القراءة في وثائقه تقول انه من مواليد عام 1929 دون ذكر لتفاصيل تاريخ ميلاده لكنه، لا ينسي يوم سفره إلى روما في العشرين من شباط 1955، ويقول فيه: من هنا بدأ التاريخ.. مابين 1958 حتى 2010 أنجز محمد غني أكثر من 50 عملاً نحتيًا ما بين نصب وتمثال وجداريه ونافورة من الخشب والحديد والبرونز والمرمر والحجر.. ولكنه يقول عن نفسه ليس عندي أي مناسبة أحتفل بها، ولا أحضر أي حفل لإزاحة الستار عن أعمالي فأنا أتذرع بألف حجة للهرب من أضواء الإعلام المباشر.. وقد قال احد النقاد حول أعمال حكمت بأن أسلوب محمد غني خاص ميزته التوازن والقوة والصنعة. أخذ الكثير عن القوس، وشواهد القبور، وعباءات النساء ممشوقات القوام..
ولد الفنان محمد غني حكمت في بغداد عام 1929. تخرج من معهد الفنون الجميلة عام 1953. حصل على دبلوم النحت من أكاديمية الفنون الجميلة روما عام 1959، كما حصل على دبلوم الميداليات من روما 1957، وحصل على الاختصاص في صب البرونز من فلورنسا 1961. وهو عضو مؤسس في جماعة الزاوية وتجمع البعد الواحد. عضو في جماعة بغداد للفن الحديث وساهم في معارضها. ساهم في العديد من المعارض الفنية داخل العراق وخارجه. حاز على جائزة أحسن نحات من مؤسسة كولبلكيان 1964. له مجموعة من التماثيل والنصب والجداريات الشهيرة في بغداد.
أقام العديد من المعارض الفنية منها معارض شخصية للنحت في روما، سان ريمو، بيروت، لندن، وبغداد، كما له منذ العام 1951 معارض مشتركة ومتجولة خارج العراق من تلك التي أقيمت لجمعية التشكيليين ونقابة الفنانين داخل وخارج العراق، في روما وبيروت وغيرهما. قام بتدريس النحت في أكاديمية الفنون الجميلة في بغداد منذ العام 1962، ساهم في عضوية جمعية أصدقاء الفن في بغداد عام 1952، وفي عضوية جماعة بغداد للفن الحديث منذ العام 1953، وكذلك جماعة بغداد للفن الحديث عام 1953- 1954 مع رسول علوان، شاكر حسن آل سعيد، نزيهة سليم، جواد سليم.. عضو جماعة الزاوية عام 1967، عضو جمعية الفنانين التشكيليين العراقيين منذ تأسيسها.
التقيت بالنحات محمد غني حكمت في احد حفلات التكريم التي أقيمت للفنان ببغداد.. حيث في ذكرى يوم بغداد الذي احتضنه منزل النائبة البرلمانية السيدة صفية السهيل.. وقد أجريت الحوار التالي مع النحات محمد غني حكمت..
بعيد دخول القوات الأمريكية لبغداد في نيسان 2003 وما رافقه من حالة العشوائية واللا امن جرى تخريب عمدي للعديد من معالم بغداد الفنية والتراثية.. هل بألامكان إعادة ترسيخ الواقع العمراني الفني للمدينة؟
حكمت / أنا اعتقد إن مبادرة أمانة العاصمة ببغداد بإضافة العديد من التماثيل هي بادرة خير لكل الفنانين سيعقبه تكليف فنانين أخريين وهناك العديد من المشاريع الموجودة لصالح الفنانين العراقيين.
في زيارتها لبغداد عام 1972 كتبت غادة السمان حينذاك بأنها وجدت ان الفنان العراقي هو الوحيد الذي يعمل مستلهما من تراثه الحضاري في حين إن مجمل الفنانين العرب كانوا أكثر اهتماما بتيارات الحداثة واقتراباً من المدارس الفنية الأوربية.. فهل استلهام التراث فنياً هو شيء عراقي حصري؟ وهل لازلتم تستلهمون التراث بأعمالكم؟
حكمت / إن استلهامي للحضارة العراقية شخصيا أجده شيء طبيعي بالنسبة لي بكوني ابن لهذه الحضارة، أنا سليل حضارة وادي الرافدين فمن الطبيعي جدا أن استلهم أفكاري ومواضيعي من حضارتي.
بعبارة أخرى هل صدقت السمان فيما ذهبت إليه؟
حكمت / نعم هي صادقة.. فأنا أتعامل مع المدارس الغربية بنظرية لكم دينكم ولي ديني.. وبطبيعة الحال أنا احترم كل المدارس الفنية.
طيب هنالك نقطة.. أليس الفن كما يقال (إنساني) بغض النظر عن مفاهيم الغرب والشرق.. هل تتفق مع هذا الرأي؟
حكمت / أنا أجد إن أفكار العولمة الجديدة تعمل على تدمير البشرية إجمالا.. لماذا لا يتأثر الغرب بنا ويتبعونا لماذا فقط نحن نركض خلفهم فقط.
ولكن هنالك العديد من الفنانين الكبار في الغرب يتأثرون بالفن العربي بل بك شخصيا.. وهناك العديد من الفنانين العالمين يعتبرون محمد غني حكمت مدرسة يتأثرون بها
حكمت / لا اعترض على ذلك.. انا اعترض على فكرة لماذا يريد الغرب منا ان نصبح مثلهم.. انا لا ارغب أن أكون مثلهم، فالفنان الهندي بقا هندياً والفنان الايطالي بقا ايطالياً وكذلك الصيني. اذن اتركني فنانا وادي رافديني لدي أساطيري وثقافتي وحضارتي.. التي تجعل الفنانين الأوربيين يتأثرون بها.. بالتالي أنا أولى بالتأثر بحضارتي.. أنا لا يهمني إتباع العولمة.. فما لدي يكفيني.
ما هي المشاريع الفنية التي تفكر بتقديمها لبغداد قريبا؟
حكمت / هنالك ثلاثة مواضيع تؤكد على محبة بغداد و العراق، وأولها مستوحى من الأساطير (فانوس علاء الدين) ويضم نافورة مائية خط في محيطها شعر الشاعر العراقي الكبير (مصطفى جمال الدين) القائل (بغداد مشتبكت عليكي الاعصر   الا ذو ووريث عمرك اعصر)، أما العمل الثاني فيمثل تمثال لختم اسطواني (على غرار الختم البابلي الشهير) وكأنه يسقط وهنالك خمسة أيادي بسواعدها تمسك بالختم وتحاول إسناده كي لا يقع.. إنها رسالة لآي عراقي بأن ذراعك هو احد هذه الأذرع التي تمسك بالختم رمز الحضارة لتحميه من السقوط.. ولعل الخمسة كرقم يمثل تعددية الواقع القومي والديني في العراق وما يجمعها من رصيد حضاري مشترك.. وقد كتب على الختم عبارة (من هنا بدأت الكتابة) وهذا الموضوع من المواضيع التي اعتز بها وسيرى النور قريبا، الموضوع الثالث هو امرأة تمثل بغداد وتجلس على عمود من الحجر.. العمود الحجري يرتفع لتسعة أمتار وقد نحت عليه كل الأشعار التي تمجد بغداد..
وما هي رسالتكم من هذه الأعمال؟
حكمت / كل هذه الأعمال أسعى من خلالها لتحفيز العراقي على محبة تراثه وماضيه وحضارته.. وهذا ما نحن نفتقده بشكل تدريجي في ضوء من يحاول تعليمنا كل شيء غير عراقي لان من لا يشعر بالحب لبلده سيعيش غريبا فيه.
هل تفكرون بإنشاء مركز ثقافي أكاديمي للفن بالعراق برعايتكم ؟
حكمت / أنا اعمل على عدة لقاءات عامة ومحاضرات ببغداد لتناول واقع الفن بالعراق.. وبالمحصلة هي تقدم زخم ثقافي للباحث عن الفن العراقي.. ولا بد أن ننتبه إن تطور الفن بالعراق الآن بحاجة للقليل من الزمن بسبب الصعوبة التي خلفها خراب السنين السابقة بالإشارة للحروب.
ما هو أهم عمل لمحمد غني حكمت بوجهة نظره؟
حكمت / أنا كل أعمالي مهمة بالنسبة لي.
ليس هنالك من يختلف على أهمية كل أعمالك.. ولكن لنقل العمل الأقرب الى قلبك.
حكمت / تمثال الشاعر المتنبي الذي انتصب أمام المكتبة الوطنية.. في مدخل شارع المتنبي المعقل الثقافي لبغداد.
وما هي اشهر أعمالك خارج العراق؟
حكمت / لقد قمت بنحت جداريه فنية في الباب الرئيسي لمنظمة اليونسكو عام 1986 بباريس.. واليونسكو لم تمنح لآي فنان سواي أن يقوم بعمل فني بأبوابها.. وكذلك قمت بعمل منحوتات فنية لأبواب بعض الكنائس الايطالية الشهيرة.. وهي المرة الأولى التي يقوم بها نحات عراقي مسلم بنحت أبواب كنائس ايطالية وفي روما.
وعلى الرغم من مشكلاته الصحية التي خلفها مجهود سنواته التي تجاوزت الثمانين.. الا ان حكمت لازال مصر على العمل والنحت.. فقد أقام قبل مدة معرضاً بعمان ضم مجموعة من منحوتاته البرونزية.. وفي سؤال حول علاقة الفنان بمنحوتاته.. أجاب حكمت علاقتي طبيعية مع المادة، أو الكتلة التي تشكل المادة الخام لنحتي، إنها علاقة امتنان لهذه المادة التي أشكلها كما أرى، وهي علاقة محبة أيضا، لأنني أحببتها منذ طفولتي ومن الصعب أن استغني عنها حتى آخر يوم في حياتي، لهذا اعتقد أنني سأستمر ورغم كل التحذيرات الصحية.. النحات ينحت الشكل في الفضاء، سواء كانت المادة الخام حجراً أو مرمراً أو برونزاً، فخياله هو التمثال.
وبلا شك فلمدينة روما التي درس بها حكمت الفن بالخمسينات الأثر الكبير على حياته الفنية.. فقد قال فيها في مناسبات مختلفة إنها بداية تاريخه ووصف تجربته بها بالقول “حين ذهبت إلى روما، وقتها كانت كل أوروبا خارجة من الحرب العالمية الثانية. كانت تعبة مهدمة، وكان لا يسكن روما إلا أهل روما، وكانت تقاليد الفنون متمسكين بها، فدرست وتدربت على أيادي أساتذة كبار في العمر والتجربة، تعلمت منهم احترام الطين، واحترام الوقت، وهما المادتان المهمتان في العمل الفني. لم تكن في روما آنذاك – نهاية شهر شباط (فبراير) من العام 1955- لا سيارات كثيرة ولا ازدحام البشر. روما لأهل روما فقط، كانت مدينة رائعة وممتلئة بالفنون، وأهلها فنانون. علمتني روما لا أن اعمل تمثالا لوجه أو تمثالا لجسم، لكنها علمتني كيف احترم عملي”.
الحديث عن فنان بحجم محمد غني حكمت من الصعب اختزاله بمقال او تقرير او دراسة صغيرة.. من الصعب البداية ومن الصعب النهاية مع عطاء لا ينضب.. الا إنني سأختار ان انهي موضوعي المختصر ولقائي القصير مع الفنان الكبير محمد غني حكمت بإيراد وصف لذاته  استخدمه الفنان محمد غني حكمت في مقدمة كتابه المطبوع عام 1994 عندما قال:
 “من المحتمل أن أكون نسخة أخرى لروح نحات سومري، أو بابلي، أو آشوري، أو عباسي، كان يحب بلده”.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| حوار بين الأديبين عبد الله المتقي وحسن سالمي .

بداية ماذا تقول عن حسن سالمي ساردا تونسيّا؟     قبل كلّ شيء أقدّم لك جزيل شكري …

| عباس محمد عمارة : حوار مع الشاعرة الجزائرية الدكتورة  عفراء قمير طالبي .

 شاعرة جزائرية، تكتب قصيدة النثر و الهايكو. أستاذة بمدرسة الفنون الجميلة، دكتوراه في الفلسفة ٠ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.