شكيب كاظم: جمال عبد الناصر.. من حصار الفالوجة حتى الاستقالة المستحيلة

استعرت عنوان مقالي هذا، من عنوان كتاب كتبه الصحفي الفرنسي ( جاك دومال) والصحفية الفرنسية ( ماري لوروا)ترجمه ريمون نشاطي، وكتب مقدمة ضافية منصفة للكتاب، طيب الذكر السياسي النزيه، كمال جنبلاط، زعيم الحزب الاشتراكي التقدمي- اغتيل يوم الأربعاء ١٦ من آذار/ مارس ١٩٧٧ برصاصات أطلقت على رأسه، اثناء الحرب الأهلية اللبنانية- ونشرت ( دار الآداب) اللبنانية، طبعته الأولى سنة ١٩٦٨، وقد قرأته في ذلك الوقت، ويتحدثان فيه عن حياة الزعيم العربي الراحل جمال عبدالناصر- توفي١٩٧٠- واقفان عند المثابات المهمة في حياته، ولا سيما أثناء الحصار الذي وقعت فيه القوة العسكرية المصرية، في منطقة الفالوجة الفلسطينية، إبان حرب سنة ١٩٤٨ضد الكيان الصهيوني، وصولا إلى كارثة الخامس من حزيران/ يونيو سنة ١٩٦٧، وانتهاء بالهزيمة الساحقة يوم الجمعة الحزينة في التاسع من حزيران ، وما تلاها من إعلان الرئيس جمال عبدالناصر، ، تحمله مسؤولية ما حصل، وإعلان استقالته من الرئاسة، وتسليم مقاليد الحكم إلى نائبه زكريا محيي الدين.
لقد كان خوض تلك الحرب خطأ فادحا قاصما، لم تكن الدول العربية قد استعدت له، لا بل إن إسرائيل بتصعيدها للموقف السياسي، ومن ثم العسكري، قد جرت البلدان العربية إلى معركة تعرف هي نتائجها، واستعدت لها استعداداً كاملا.
إن استعادة سريعة للحوادث التي سبقت كارثة حزيران، تثبت أن الكيان الصهيوني هو الذي اختار وقتها، وزج العرب فيها من غير استعداد، إذ في نهاية شهر مايس/ مايو من تلك السنة، وجهت إسرائيل تهديدات إلى سورية، انها ستتعرض إلى هجمات جوية قاسية، إذا استمرت في السماح للمقاومة الفلسطينية في الانطلاق من أراضيها، واضعين نحن في الحسبان، تأسيس حركة التحرير الوطني الفلسطيني ( فتح) في الأول من كانون الثاني ١٩٦٥، وقد سبق هذا التأزم في نيسان ١٩٦٧،قيام الجيش السوري بقصف أراض زراعية على الحدود مع اسرائيل، قام العدو بالسيطرة عليها وزرعها خلافا للمواثيق الدولية، فضلا عن قيامها في وقت أسبق بضرب القرى الأردنية التي تنطلق منها أعمال المقاومة، وهدمت دور الناس وقتلت خلقا كثيرا، وما الهجوم على قرية (السموع) الأردنية، الواقعة على الحدود مع اسرائيل، في تشرين الثاني ١٩٦٦، بغائب عن أذهان الدارسين المتابعين، وقد أدت هذه الحوادث إلى نشوب حرب إعلامية شديدة، بين الأردن، الذي اتهم سلطات الجمهورية العربية المتحدة (مصر) بالتفرج على العربدة الصهيونية، ولو كانت العربية المتحدة، جادة في هذا الشأن لما ابقت القوات الدولية على الحدود مع الكيان الإسرائيلي، أو حتى تفعيل معاهدة الدفاع العربي المشترك، وردت مصر على التعليقات الأردنية بصيغة أشد واضعين في حسباننا، الكارتل الإعلامي السليط ممثلا بأحمد سعيد والشقيقين علي وأحمد أمين و، و.
إزاء هذه الحالة، أعلن الرئيس ناصر وقوفه إلى جانب سورية، ثم طالب بانسحاب القوات الدولية من الحدود بين مصر وإسرائيل، وهي التي أخذت مواقعها تلك، منذ كانون الثاني ١٩٥٧، بعد انتهاء حرب السويس، وصدور قرار مجلس الأمن الدولي في تشرين الثاني ١٩٥٦، القاضي بسحب القوات الثلاثية المعتدية من الأراضي المصرية، لموقف حازم وقفه الزعيم السوفيتي بولكانين، والرئيس الأمريكي الجنرال دوايت أيزنهاور.
ازاء هذه التطورات الخطيرة، زار الملك حسين، القاهرة، وأعلن وقوفه إلى جانب مصر وسورية، وعقد معاهدة دفاع مشترك، لقد اتسمت السياسة الأردنية بالرصانة والتبصر في الأمور من غير اندفاع غير محسوب النتائج، لكن ازاء هذا التصعيد، أمسى الموقف الأردني بالغ الصعوبة، فإما الاصطفاف إلى جانب الموجة العاطفية الصاخبة، أو النأي بالنفس ومصير المملكة في هذا المعترك الصاخب اللجب، وما قد يجر عليه هذا الموقف من أذى ماحق.
كان القرار المتسرع، الذي اتخذته الجمهورية العربية المتحدة (مصر) في ٢٢ من مايس، بغلق مضايق تيران في وجه الملاحة الإسرائيلية، بمثابة إعلان حرب، أو في أحسن الأحوال، الذهاب إلى الحرب، إذ أن ذلك معناه قطع الهواء عن الرئة الإسرائيلية، وكأن هذا القرار غير المدروس، رد فعل على الاتهامات الأردنية في أشهر خلت، بعدم جدية الموقف المصري تجاه الكيان الصهيوني.
ازاء هذا التأزم الخطير، الناتج عن الطلب الرسمي بسحب القوات الدولية من صحراء سيناء، واحلال القوات المصرية بدلها، وزيادة الحشد العسكري المصري، امست المعركة تلوح في الأفق، ومواكبة لذلك أعلنت إسرائيل تشكيل وزارة حرب، وزارة حرب ائتلافية شاركت فيها الأحزاب الإسرائيلية كافة، واعيد إلى الخدمة العسكرية الجنرال ( موشي ديان) الذي كانت له إسهاماته المؤثرة في حرب سنة ١٩٥٦، أعيد إلى الخدمة وزيرا للدفاع، وأصبحت كولدا مائير وزيرة الخارجية، فيما رأس الوزارة ( ليفي أشكول)المتوفى سنة ١٩٦٩، والذي سيزور مدينة القدس فاتحا مساء الأربعاء السابع من حزيران، وكنا نتابع وقائع دخوله القدس على الهواء مباشرة من خلال اثير دار الإذاعة الإسرائيلية، ونحن غير مصدقين ما يجري، الأمر الذي يذكرني باللقاء التلفازي المهم الذي أجرته الإعلامية المثقفة ( جيزيل الخوري) وبثه القسم العربي بهيئة الإذاعة البريطانيةb.b.c ،مساء الإثنين الأول من حزيران ٢٠٢٠ مع الإعلامي والسياسي الفلسطيني ( نبيل عمرو) من إن الحرب ليست أياما ستة بل ثلاثة أيام، كان الناس فرحون في اليوم الأول لظنهم أن الحرب ستؤدي لتحرير فلسطين، وفي الثاني تحول الفرح إلى قلق وترقب، وفي اليوم الثالث بدت الكارثة تطل على الناس، وهذا ما كنت أحسه ، لقد هزمنا وها هو اشكول يدخل القدس، لا بل يوحدها بقسميها الشرقي العربي، مع القسم الغربي الإسرائيلي، لا بل زيادة في تحطيمنا نفسيا بدأ القسم العربي بدار الإذاعة الإسرائيلية– وكانت مسموعة في العراق حتى بعد حرب تشرين الأول ١٩٧٣، ولا سيما برنامج كان يستقطب الناس عنوانه ( حديث ابن الرافدين)- ، اقول: بدأت تطلق على نفسها اسم ( دار الإذاعة الإسرائيلية من أورشليم/ القدس).
شكلت وزارة الحرب في الثاني من حزيران، واوضحت أنها سترد بالقوة العسكرية، إذا لم ترفع مصر حصارها عن مضايق تيران، رئة إسرائيل البحرية، واعلنت وزيرة الخارجية، ان صبر إسرائيل على الحصار لن يطول، ولن يمتد إلى أيام، بل ربما لأقل من هذا بكثير!
الرئيس الفرنسي المتزن الجنرال (شارل ديكول) طالب الطرفين بضبط النفس، مؤكدا أن بلاده ستقف ضد الدولة البادئة بالحرب، قد بر بوعده، وانفذ وعيده، بأن منع كل سلاح عن إسرائيل، ولا سيما طائرات الميراج، في حين طلب الاتحاد السوفيتي من الجمهورية العربية المتحدة، أن لا تكون البادئة بالحرب، لكن قرار الحرب كان قد اتخذ في الأروقة الصهيونية، وجر العرب إلى حرب ما كانوا مستعدين لها، لكن هي العواطف والمشاعر التي تسيطر على العقل، وتحد من نشاطه لا بل تلغيه، لهذا انطلقت الطائرات الإسرائيلية القاصفة، نحو الأراضي المصرية صباح الإثنين الخامس من حزيران/ يونيو، لتحطم المطارات الحربية المصرية، واوكار الطائرات، وضربت مدارج المطارات ،مما بات من العسير، لابل من المستحيل إقلاع الطائرات، وتركت الجيش المصري في صحراء سيناء من غير غطاء جوي، لتحطم القوات الجوية المصرية، الى جانب مظلة جوية حربية إسرائيلية، وسيادة كاملة على الأجواء المصرية، أجواء المعركة في سيناء وحتى العمق المصري.

شاهد أيضاً

فاسكو غارغالو أجرمَ إذ رسمَ العدلَ وصَوَّرَ الظلمَ
بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

اعتادت الحركة الصهيونية ومن والاها، ومن خافها وخشي منها، وارتبط بها وارتهن لها، والمسيحيون الانجيليون …

حوار الأجيال التربية بين ثقافتين
أولادكم ليسوا لكم، أولادكم ملك الحياة
سليمان كبول

لهيب هائل من الحنين يقض مضجع الإنتماء، يعبر حدود الغربة لجهة وطن يسكن فينا أبدًا، …

لمَ تصلح الفلسفة المعاصرة؟
لوك فيري Luc Ferry
ترجمة الحسين أخدوش

“مؤخراً هناك اعتراف بأنّ الفلسفة أصبحت شكلاً من أشكال الموضة” يقال عادة إنّ الفلسفة ليست …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *