بولص آدم: قرية ديري في حياة الفنان لوثر ايشو آدم (ملف/1)

إشارة:
بموازاة عراق ينزف تحت سياط الجلد على يد الظالمين والفاسدين، نَزَفَ زهوراَ عراقية مُرَمّمة، ربط سيقانها المُكتسحة بأربطة المعجزة وأحياها بالعزف اللوني لفرشاة الأمل، فمن ذا الذي غيره آمن بخلاص بلاده بالفن و خَلّد الشهداء بالفن وعلم الأطفال والكبار المحبة بالفن وصبح ومَسّى على النهرين بالفن؟ ومن ذا الذي غيره راسم أغلفة عشرات المؤلفات الأدبية العراقية؟.. بدأ بالتجريد والبحث عن الجوهر وودع بالنص البصري، شاعرا في التخطيط، حالماً في المائية، آثارياً سارداً يستخرج الدهشة من رحم المفاجأة في الزيت..غزيرا كان في محبته وانعكس ذلك في فنه. بدأ يرسم مثل الكبار وأنتهى فناناً عالمياً مغموراً! أرسل للعرض عالمياً، لوحات يتربع أسم العراق على عرشها، إنه الفنان التشكيلي العراقي لوثر إيشو آدم، إبن قرية ديري العراقية (1955-2011) التي ووري الثرى فيها أيضاً تحت شجرة البلوط إلى جوار أبيه (أرسم ياولدي شتلة اليوكالبتوس التي زرعتُها للتو. – نعم يا بابا، سأرسمها عندما كلانا يكبر!) رحل الوالد مع بدء الحرب الثمانية بعمر مبكر مثل أبنه الفنان تماماً. رسام اليوكالبتوس في أواخر سنوات الحصارعلى عراقنا، الشجرة يبست من العطش، سقاها فناننا الراحل لوناً وقال (الفن صناعة المستحيل).. في الذكرى التاسعة لرحيله الصادم بالسكتة، فجر الثامن عشر من حزيران، تقدم أُسرة موقع الناقد العراقي، ملفاً عن فنان عراقي بار وتحيي روحه بتأبين رمزي على يد مبدعينا، مُدوني أسطر التقييم والشكر والعرفان لجهده الأبداعي الخلاق، راهب فن صومعته فضاء العراق، آخر كلماته رحمه الله : هواء.. هواء.. ه…
بولص آدم
13-حزيران-2020

ملاحظة: تشكر أسرة موقع الناقد العراقي الأخ المبدع مروان ياسين الدليمي على مساهمته الكبيرة في إثراء ملفها عن المبدع الكبير لوثر ايشو بالمقالات وبلوحات وصور الراحل.

.. اُحبّ ذلك الذي تكون روحه عميقة حتى وهو جريح
هكذا تكلّمَ زرادشت/ نيتشه

كلنا دفع قسطا من حياته وحياة أحبته ثمن أخطاء جسيمة ارتكبها غيرنا، بالنسبة لشقيقي الفنان الراحل لوثر ايشو آدم (1955-2011) دُمرت حياته على مراحل.. ومع انحدار الواقع تدريجيا بعبث شرير ومن ثم انفلاته الخطر وفي النهاية الطوفانية، لم تنجو اعمال لوثروشُرِدت عائلته، النسبة الكبيرة من اعماله دُمرت، واذا كان يوما وعند فقدان مخطوطة روايتي التي كتبتها كاملة في السجن وكانت حول قريتنا ديري التي التفت ببيوتها مثل ذراعين في شكل قوس ضام حول أديرتها ، قد اخبرني بصوت تخنقه العبرات عبر الهاتف بأنها فُقدت ولايعثرون عليها، فكيف هي حالتي الوجدانية والعقلانية وماهو حجم الألم والحزن على ذلك القسم المهم من أرثه الفني وأرشيفه الشخصي الذي كان دمه الأبداعي.. ماكنت اتمنى بالتاكيد ان اعيش اليوم الذي غدروا فيه بأعماله الفنية في بخديدا والموصل وغيرهما ووضعوا نهاية مأساوية غادرة لها ودمروا حياته وحياة احبته .. عن معرضه الاخير قبل رحيله بأشهر يقول الراحل (هذا المعرض ممكن أن يكون تحت عنوان “خلاصات الألم والأمل” أي أن تكون اللوحات تعبيراً عن ألمي الكبير والهائل وإلى جانبه الأمل الصغير الذي يبرعم داخل أعمالي ربما)
فهل كان للألم جذورا في قرية ديري التي ولد ودُفن فيها؟

لوثر إيشو يرسم في قريته ديري

من يتفحص اعماله بعناية، يجد أن الفنان ليس لديه ميل دائم لنقلنا الى حديقة ربيعية مزهرة، حتى انه، عندما كان يُلون مع طلاب الفن في جولات الرسم الحر في الطبيعة، وكما ذكر بنفسه عدة مرات وواحدة( كانت موثقة في لقاء معه) رسم الطبيعة وانتج نماذج منها بطريقة ما، وعند عودته الى البيت، اشتغلها بطريقة أخرى! فقد أدرك معنى الحضور الطاغي لها لحظة عرفها وتآلف معها.. الحضور الموحش لها ايضا.. وعالج نفس الطبيعة في مرسمه كموضوع في المرتبة الأدنى من التشبيهية! تأليف العمل الفني لديه، أثمر في مرسمه، يمر بمرحلة تمرينية قبل أن ينفذ العمل الذي يحمل في داخله الرعشة.. اي ان الطبيعة في الطبيعة كانت موضوعا مستمرا يعالجه بتحرر وبنضارة لونية نابضة، لكن الأشباح الأنسانية من جهة اخرى تحضر بسرية اكبر في اللوحات التي تبدو لا نهائية وبرؤية وبنضرة مأساوية الى الحياة..الطبيعة سواءا في الموصل أو أربيل أو في ديري وأي مكان آخر، غسلت روحه ومنها تعلم الفرح . فنان يردد بأنه لايتعب من الرسم بقدر تعبه وهو يلهث وراء الفكرة التي من الممكن ان يعدها نافذة لكي يطل بها على متابعيه ومشاهدي فنه . فأذا كان مصدرها الطبيعة فلابأس وأي مصدر آخر ممكن، حتى أنه في لقاء الشاعر شاكر سيفو معه يقول: ( صدقا، اني لاأستدعي شيئا بل الأشياء وأحيانا أكثرها سخف وتفاهة هي التي تستدعيني..).
يأتي لوثر الى ديري هاربا، يجلس تحت ظل شجرة فيها ليرسم ما يأتي الى روحه من موجات الطبيعة الحميمة والعزيزة عليه، هي التي اسمعته سيمفونيات لم تؤلف بل خُلقت خلقا مع خلق الطبيعة ذاتها لنعد ونسمعه ونراه يتحدث من قلب ديري عن ذلك في حلقة خاصة به من برنامج رموز الذي اخرجه الشاعر والمخرج مروان ياسين، لنتصفح ايضا رواية قديسو حدياب لمؤلفها هيثم بردى، فالصياغة الروائية التاريخية نسقتها صياغة بوسيط آخر هو التشكيل المائي رسما فالرواية تحوي اكثر من ستين لوحة ، لا للتوضيح بل للتعبير عن قديسين لهما ديرين متجاورين في قرية ديري ( مار عوديشو ومار قرداغ) .. يقينا، كل من كتب عن لوثر يدرك مغزى مانكتب عنه هنا، وكل من كتب عنه كانت كتابته محل تقدير.
نظرا لأهميتها في حياتنا وحياة فناننا الراحل، قد نعتقد بأن قرية ديري، كانت حاضرة وبأكثر من شكل تعبيري، هذا صحيح، ولكنه لم يرسم القرية نفسها كناقل! بل كمُدون طوبولوجي. فالقرية ديري كانت وحدها المتغيرة التي لا تتغير طبيعة محتوياتها! هذا هو المفهوم ومن هذا المفهوم يمكن فهم اشغال فناننا المفاهيمي، وبعد هذا لن نستغرب نبوغ الفراشي بيديه، كانت هناك مجموعة رسوم بالألوان المائية منفذة بشفافية عالية يطغى البياض فيها وهو واحد من اصعب التحديات التي كان يذهب اليها لكي يجدد ويصنع المستحيل، تلك الرسوم دُمرَت!.. لم يكن لوثر رسام أماكنه فقط، بل أن توفر الأثر في تلك الأماكن وأيحاءات ذلك الأثر وعمق اشارته، هو الذي تمسك به ووظفه بما أمكنه وطوره في مختبره التشكيلي، وخرج في أغلب الأ حيان كأثر يشير الى أثر آخر وهكذا، فالظل المطبوع على الجدار في واحدة من لوحاته، على هيئة حيوان كبير برأس كرأس غزال الى جانب باب صغير أزرق ذا عتبة واحدة، يمكن أن نحدد له مكانا، في الموصل القديمة، غير أن تون الأزرق كلون ، كان نفس التون الأزرق لباب من أبواب بيتنا في محلة المحطة في الموصل! فأختلاط الذاتي بالعام ظهر في لوحاته مشفرا ايضا، وكل شئ دل على مكان .. التصق المنهج الأنثروبولوجي في تحليل الفن أجتماعيا ب(هانز بيلتينغ) وهو الذي استنتج بأن (لاصورة بلامكان).. لو حاولنا استثمار ميزات القراءة السيميوطيقية في فهم تشكيلياته فيمكن الأحاطة بديناميكية المنظومة الفنية في اعمال لوثر ( يمكن تحليل منجزه التشكيلي نظريا بأي منهج ، ابتداءا بالأيكونوغرافي/آبي واربورغ. أو الأيكونولوجي/ آروين بانوفسكي. وحتى المناهج التي تبلورت من خلال المفاهيم السوسيولوجية و السوسيوثقافية التي استفاد منها الباحثون من مؤرخي الفن وعلى خلفية فلسفة الجمال وفلسفات تطبيقية معاصرة ذهبت الى اعتبار العمل الفني (خطابا.. )، أن منظري المفاهيمية ومابعدها عرفوا ذلك الخطاب بأنه (بيان.. ) وبهذه المنهجية آنفة الذكر وبشكل لايقبل الحيرة في قراءة تشكيل لوحاته، نذهب الى ان قرية ديري كانت المكان الذي الهمه قبل غيره لانجاز مجموعة لوحاته التي لخصها بعبارة طيور مهاجرة .
شكلت قرية ديري مجتمعا زراعيا صغيرا، وهي قرية صغيرة بالفعل، الناس كانت تنادي من جهاتها فيسمعون بعضهم بعضا عند الفجر أبتداءا، ينادي الراعي لتبليغ اهل القرية عن الجهة المعينة للرعي، يصرفوا حيواناتهم بذلك الأتجاه، مجتمع ميزته تدارك الشر وصناعة الخير، ونظرا لأن قرية ديري محاصرة من الشمال والشرق والغرب بالجبال، فالصدى هناك له أثر يختلف دراميا، حسب مزاج وحالات مختلفة ، فساعات الأعراس، كانت الجال تهزها ضربات الطبل الكبير ويعمل المزمار عمله في خلق الأثارة والشجن والخ، تتميز كغيرها من قرى العالم بجمال طبيعتها ونقاء جوها وصفاء هوائها و بالطبيعة الجبلية، القاموس اللغوي لسكان القرية ظل محدودا لمحدودية التعامل باللغة، فأهل ديري وبعد مراقبتي لهم عن كثب، لايجيدون الأسترسال في الحديث الا ما ندر! بسبب محدودية التماس التقني والعزلة غالبا بالأضافة الى الجانب الأمني غير المستقر، الا ان الفنان الراحل لوثر خاطبنا بلغة أخرى عناصرها تشكيلية ، نصوصه البصرية ، انسانية لمن يحلو له ذلك .. الثورة الكوردية وطريقة تعامل الحكومة العراقية مع الحقوق والمطالب، ادى الى ان تكون كوردستان ومن ثم قرية ديري، مسرحا لحالة قتال يتصاعد ويهبط خطه البياني، وهكذا عانت القرية كثيرا وخاصة في منتصف ايلول عام 1961 حيث تعرضت الى قصف جوي كثيف واحتراق اديرتها وأغلب بيوتها وتشرد اهلها، حدث القصف عند الظهيرة وهو الوقت الذي يكون فيه أغلب سكان القرية في البساتين او الرعي في الجبل، اما الكارثة الكبيرة الثانية فكانت عند أنفلة القرية نهاية العام1987 حيث تم تفجير كل ما فوقه سقف ومن ضمنها دير مارعوديشو الذي بنوه ورمموه ثانية شباب القرية في بداية الثمانينيات، واذا كانت عدة عوائل قد حاولت الأستقرار ثانية تدريجيا لفترات من الزمن بعد عام تدميرها الأول، فالوضع اصبح غير مشجعا بعد الأنفال سيئة الصيت، هي واحدة من القرى المهجورة واقعيا، لكن حبنا للقرية جعلنا نمكث فيها لفترات متقطعة وقصيرة احيانا وطويلة بشكل اقل، فهل حلَّت في ديري قيمة الأنتماء دون تنازع ! هل وفرت هذه القرية لفناننا الراحل، لحظات مغايرة بعيدا عن أحلام وخطوب المدينة الموحشة؟ أم أنها كانت أمتدادا ملحميا يخفي الأسرار، هل كانت القرية التي ولد ودفن فيها، مُلهمة له في صباه وشبابه ثم أصبحت مقبرة رمزية لكل ما أصبح مفقودا في حياته؟ نحاول الأجابة على سؤال، ربما هو سؤال لا أجابة عليه لو لم يكن الراحل فنانا، ولكن ولأنه الفنان الذي يتمسك بجوهر الأشياء فقد تحولت قرية ديري لديه الى رموز بكل مايميزها من بشاعة مخلفات او جمال طبيعة من أقصاها الى أقاصيها، وتلك المرموزات كانت أبجديته التي تشغلني وهي محور من المحاور التي أبحث فيها منذ بدء دراستي الأكاديمية في تأريخ الفن ولمدة اربع سنوات في النمسا، الفنان حياته درامية وكل ايامه ضغوط وتملص من العشوائية وضيق الأفق نحو التحرر والعمل بأبتكار.. كان مهاجرا منذ اللحظة التي لحق فيها بأمه الهاربة من الجحيم وهي تحتضن رضيعها وحتى عودته الى هناك بعد نصف قرن راحلا الى خلوده ! قرية ديري كانت شقيقة مدينة الموصل من من ناحية الالهام والأختزان البصري، غير أن مكان فناننا المثالي للعيش، لم يكن هناك او في اي مكان آخر، بل أن أفضل مكان عاش فيه، كان السطوح التي مرت فراشيه واصابعه عليها، اللوحة وطن والوطن لوحة، كانت مفتاح نصه البصري!.. آلت القرية كمفهوم مرن يوفر نبعا غنيا للشكل وروحه، نبعا من ضمن ينابيع رمزية مفاهيميته، ياترى، اين؟ هل في أوراق النباتات أم في التقاطات شتى أختزنها من عالم قريته وهو يوازيها ويوازي خراب بلاده خرابا، بخرابه الجسدي وأنتحاره رمزيا من أجل حياة لاتصدق موت أجمل الرموز التي تدل عليها، الورود والزهور، أراد لنا أن لانصدق ما لاحياة في جمالياته، فالفنان وحده يعيد خداع المتلقي بعد ان خدعه الواقع، ويجعل للخوف جماليات تثير في نفس المتلقي، اشمئزازا وتوترا حذرا تجاه كل كمية تكتلية قبيحة، ذلك لايتم عن طريق تقليدي يسيرعليه.. القرار الأصوب الذي أتخذه وساعدته سفرة ايطاليا على تفعيله، كان الخروج من الدائرة المغلقة لآلية (اللاوعي) ، أبعدت لوثر عن السريلة بمنظور أندريه بريتون، وبعد عدة لوحات سريالية في منتصف السبعينيات، وخاصة تلك اللوحة الضخمة الأولى التي رسمها سرياليا، للتعبير عن نجاته في صراعه مع المرض، واتخذ من نكبة سميل قناعا للآلآم (صدر مفتوح على محور مائل) ككتلة مركزية في القاطع المائل من طول اللوحة لم يعد ثانية الى تكرار ذلك.. (تلك اللوحة وللأسف ، حالها كحال العشرات من اللوحات، التي كان يدفنها بيديه عندما يرسم فوقها مزيلا اياها لتحل لوحة أخرى محلها، لسبب واحد فقط، كانت امكانية شراء المواد محدودة جدا!) .. ديري لم تتحول الى هذيان، ظلت ديري سمفونية شعور أزلية.. ديري، ايقونة من ايقوناته التي اخلص لها حتى النهاية وطابق الرمز تأويله فيها عندما التقى الفنان دوما بطفولته في ديري التي تحولت الى أمه في عزلته، وابتعادها عنه بسبب الهجرة الى قارة بعيدة! .. من العبث أن نبحث عن أسلوبية معينة من أساليب المناهج كبَّلَت وأخضعت موهبة لوثر وامكانياته، (على الرغم من أحترامه وتأمله في انجازات الفن العالمي على قدر ماكان في متناول يده وقد كان مثلما أعرف شحيحا وقلما توفرت لوحات مصورة بشكل احترافي) .. بعد العام 1990ظهرت سلسلة لوحات لوثر التعبيرية التجريدية، وهي افضل معبر عن التقرب الشجاع والمغامر فالصبور لتوجه فناننا نحو الكتابة الشعرية بالفرشاه، شئ واحد قرب لوثر الى هذا، هو أعتماده على نفسه في أختيار المسالك التي تَعِدُه بجوهر الأشياء ….

شاهد أيضاً

الدكتور زهير ياسين شليبه: تكريم الكاتب عدنان المبارك (ملف/13)

عجيب أمر هذا الكاتب عدنان المبارك، دخل في عقده السابع لكنه لايزال يتحدث معك بصوت …

قصيــدة وطـن رائية العرب
فكرة القصيدة ومطلعها وخاتمتها الدكتور صالح الطائي
تأليف ونظم مجموعة كبيرة من شعراء الأمة العربية (ملف/15)

إشارة: يسرّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تفتتح هذا الملف عن “قصيدة وطن- رائية العرب” …

سعد جاسم وتحولاته النصّية
قراءة في قبلة بحجم العالم*
حسام كَصاي العاتي (ملف/35)

إشارة: يسرّ أسرة موقع “الناقد العراقي” أن تقدّم لقرّائها الأعزاء هذا الملف الأسبوعي الثر عن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *