دفاتر قديمة
تجارب أولى في الصحافة
ناطق خلوصي

في نهاية العام الدراسي1954/ 1955صرت في الخامس الأدبي في الإعدادية المركزية في بغداد فكافأني أهلي ، هدية نجاحي،بدراجة هوائية كنت أتمنى الحصول عليها آنذاك. كان ذلك في بداية العطلة الصيفية فأخذتها إلى مدينتنا الصغيرة لكنني لم استخدمها مثلما يستخدمها الذين لم يغادروا مراهقتهم تماماً بعد . كانت تأخذني صباح كل يوم عدا الجمعة إلى محطة القطار التي تبعد عن المدينة بضعة كيلومترات ، أركنها في رحبة المحطة في انتظار مجي ء القطار الصاعد إلى الموصل حتى إذا ما توقف كنت أسارع إلى ” الكانتين ” ( عرية الحانوت الملحقة به )وأـشتري جريدة أو جريدتين ونسخة الجريدة أنذاك بعشرة فلوس فقط لا غير .من هناك بدأت علاقتي بالصحافة .
كادت تلك البداية توقعني في مأزق .أذكر أن جاراً لنا كان يعمل في مستوصف المدينة نقل لي حادثاً قال أنه كان شاهداً عليه . قال أن فلاحاً بائساً كان قد جاء بابنته الصغيرة إلى المستوصف تشكو من تسلل ليطة سنبلة ، وكان موسم حصاد ، إلى أذنها . مد طبيب المستوصف ، وهو الوحيد في المدينة آنذاك ، ملقطه واستل الليطة وقرّبها من عين الأب وقال له : “أنظر ، هذه الليطة يمكن أن تتوغل في رأس ابنتك فتصاب بالجنون “، وساومه على مبلغ لم يكن يملكه فأعاد الليطة إلى مكانها بكل هدوء. أثارتني الحكاية ولم أكذّب خبراً .كتبتها ومثل أي مبتدىء أو غشيم ،وضعت ” ألـ ” أمام اسمي (وكأن ذلك سيبعدني عن الشبهات )،وأرسلتها بالبريد على عنوان الجريدة التي كنت أحرص على قراءتها آنذاك وفوجئت بها منشورة بعد اسبوع . شعرت عندها أنني ربما ورطت نفسي فأنا لا املك دليلاً وقد يتنصل جارنا مما كان قد قاله ، فلم أخرج من البيت لبضعة أيام ويبدو أن الطبيب انتهز الفرصة وطلب النقل من مدينة صغيرة ( ناحية ) إلى بغداد تحت ذريعة الخشية من التهديد وظلت المدينة بلا طبيب لبضعة أسابع .
في خريف 1956 كنت طالباً مستجداً في ” العالية ” حين اندلعت تظاهرات الاحتجاج على العدوان الثلاثي على مصر فتم تعطيل الدوام وعدنا إلى مدننا . ساورتني آنذاك رغبة مفاجئة في كتابة جريدة بخط اليد وفعلت . كان أولَ من عرضتها عليه صديقٌ معلم حذّرني من عرضها على الآخرين فقد تقع في يد السلطة فتعاملها مثلما تعامل المنشورات السرية الممنوعة، فمزقتها .
لكن هاجس الرغبة في الصحافة لم يغادرني . وفي العام 1959 ساعدني صدور العديد من الصحف على معاودة الهوس بالصحافة فأتيحت لي فرص النشر في صحف مثل ” البلاد ” و”الرأي العام ” والحضارة ” دون أن أعرف محرراً واحداً فيها . يرجع الفضل للصديق باسم عبد الحميد حمودي في انشدادي إلى العمل الصحفي . كنا آنذاك طالبين في ” العالية ” هو في قسم التاريخ وأنا في قسم اللغات الأجنبية وكان في الوقت نفسه يعمل صحفياً في جريدة ” الاستقلال ” فأتاح لي فرصة تحرير صفحة اسبوعية في الجريدة وأصبحنا عضوين في نقابة الصحفيين آنذاك . كانت ادارة الجريدة تقع في بيت شرقي قديم في مدخل زقاق يقع خلف مقهى الزهاوي التي تقع بدورها في مدخل شارع “حسان بن ثابت “الذي تقع ادارات عدد من الصحف فيه شأنه في ذلك شأن شارع المتنبي.ومن مفارقات ذلك الزمان أن شارع الصحافة( حسان بن ثابت ) الذي يبدأ بمقهى الزهاوي وينتهي ببناية مديرية الشرطة العامة كان يقع قبالة أحد مداخل المبغى العام في الميدان .
في النصف الثاني من ستينات القرن الماضي كنت مدرساً في كربلاء وكانت تصدر هناك آنذاك جريدة اسبوعية بعنوان ” المجتمع ” فاتفقت مع صاحبها على أن أحرر الصفحة الثقافية فيها ( دون مقابل ). وبدأت أنشر فيها عموداً صحفياً بعنوان ” سلام ٌ عليكم “. وكانت نقابة المعلمين هناك تصدر مجلة ثقافية تحمل عنوان ” الرائد “أصبحت عضواً في أسرة تحريرها ودفعني حماسي للعمل الصحفي إلى أن أكرّس جهداً كبيراً للمجلة بدءاً من تصميم الغلاف وخط العناوين والتكليف بالكتابة وإعداد الفهرست وليس انتهاءً بمتابعة عملية الطيع وكان يتم بالتنضيد اليدوي للحروف في سرداب صغير تحت بناية ادارة الجريدة .
في العام ألفين أحلت نفسي إلى التقاعد من عملي الوظيفي وأتاح لي ذلك ، وباقتراح من الصديق الناقد ماجد السامرائي ،فرصة العمل في الصحافة الثقافية الرسمية ، محرراً وسكرتيراً للتحرير في مجلة ” الأقلام ” ثم في مجلة ” الثقافة الأجنبية ” ولكن دون الانتماء إلى نقابة الصحفيين هذه المرة .

شاهد أيضاً

شكيب كاظم: هل كان للهجة تميم أن تسود وتمسي لغة العرب؟

منذ أيام الدرس الجامعي في الجامعة المستنصرية، استرعى انتباهي، ونحن في درس النحو العربي، وتحديداً …

فكر الاختلاف باعتباره فلسفة أخرى: جيل دولوز نموذجا
الحسين أخدوش

تقديم عام حول الموضوع صرّح ريمون بيلور في مقال له حول “دولوز فيلسوف رحّال”: “سوف …

فاسكو غارغالو أجرمَ إذ رسمَ العدلَ وصَوَّرَ الظلمَ
بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

اعتادت الحركة الصهيونية ومن والاها، ومن خافها وخشي منها، وارتبط بها وارتهن لها، والمسيحيون الانجيليون …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *