تحسين كرمياني: فصل من رواية “ليلة سقوط جلولاء”

الأحد 9 تشرين الثاني 2014
[ لم أجد نعاساً يلقيني في مركب النوم، قمت وهبطت درجات السلّم، وجدت نفسي مرة أخرى تحت الشجرة، كان الليل قد تجاوز ثلثه الثاني، الهدوء شامل، وكل شيء خاضع وخاشع تحت أشعة نجوم كالحة، وغبار النهار ما زال يطغي، دخان الحرائق يشاركه تراجيديا كتم أنفاس ملامح البلدة، فجأة انتفضت مداركي لصوت قادم من أعماقي. يا ترى من هو؟ أين يمكنني أن ألتقي به؟ كان لزاماً عليّ أن أستسلم لمقتضيات عقلي وما يفرضه عليّ، وطائعاً مشيت..] حلمٌ رابض نهض وتحوّل إلى موسيقى، إلى نسمات بدأت تمنحك صحوة، وجدت فرصة نادرة لترحل فيها إلى ممالك الأزل والأبد، لتخوض متاهاتها بحثاً عن شيء قديم برق وفرض حضوره، كان كظلّك يرافقك، تشعر به، لكنك لم تجد في نفسك وازعاً، أو رادعاً، أو دافعاً حماسياً للمكاشفة، كنت تشعر أنه ظلّك، وأنه يرافقك كُلما تشعر بنسمة سعادة تهب من خيالك، لكنك لم ترغب في إثارة أسئلة بحثاً عن شروحات وتوضيحات والولوج معه في نقاشات حول كونية البشر وكيفية دلق أسراره العجيبة، كنت دائماً تشعر بأن الفرصة لم تتح بعد، وروحك لم تكن جاهزة بطبيعة الحال لقبول مثاليات الحياة وثوابتها النادرة.
زوربا اليوناني و زوربا البرازيلي.
معهما ستشكل هرم المحن التي جابهت وستجابه ليس كل الناس بل أصحاب الأحلام الكبيرة، كنت تشعر بانتشاء نادر، وتغدو كائناً مجرداً من الكوابيس وضجر الأيّام وتراكم عراقيل الحلم ومنغصات رغبة الحكي، ظروفك ظلّت تحسسك، تُهيِّئُ أجواءك النفسية لتكون حاضراً مع حلم لابد أن يأتي في لحظة ما.
[ مشيت وعيناي تخترقان السواد والمنازل من حولي تحولت إلى أشباح تتحرك، صوت عميق آت من مكان قريب، صوت يناديني: زوراااااااااو..! صداه يمتد ويتضخم ويتردد ويتكسر في اتجاهات جنائزية لتشتبك بفضاء مغبر داخن نتن، كتشظي الصورة داخل جملة مرايا متناسقة، سلطة قاهرة أجبرتني على التوقف] تشظى صوت عبر الأزقة، يرتفع وينخفض، صوت عجيب لكنه ليس بغريب، وعقلك تأكدت من سلامته، مازال في ذروة وعيه، مداركك، نبضات قلبك، مدى رؤيتك لملامح الأشياء بأحجامها الحقيقية، صوت حقيقة وليس صوت حلم:
’’ زوراااااااب!‘‘
عليّ أن أفترض أنه تقدم منك، هذا ما تجبرني الحكاية على أن أحشيها بنقطة انطلاق، أو وميض البرق الذي يقود المرء في خضم السرد إلى النهاية، أنت وقفت طبعاً بناء على سلطة عقلك، وصافحته بشيء من الحيرة، وشيء من الرغبة، يدٌ لا ناعمة ولا خشنة، يدٌ شعرت أنك في لحظة ما مسكتها في مصافحة عابرة، وتركت فيك بذور رفقة متيقظة في موقفٍ ما، يوم كنّا داخل السوق، ناديته وتحاورنا قبل أن يخضع لنداء زوجته، تركنا، أنت في حيرة وأنا في لحظة مسرّة، سأفترض أنك وقفت لتتأكد من حقيقة الأمر، وأنه سحبك إلى أقرب منعطف ومعه سرت، هو منتشياً، وأنت تتأرجح ما بين فرح وقلق، عقلك يسيّرك وأنت تطيع، وعقلك تعرفه، لن يخذلك، لن يزجك في متاهات الحياة من غير خطوط رجعة، عند مقعد أمام مقهى ألتهمتها نيران قذيفة جلستما، مقعد على ما يبدو، بل يبدو، قذيفة سقطت على هامة المقهى وجرَّاء العصف وتصدع الجدران، أنقذف المقعد مقلوباً إلى مسافة لم تستطع مخالب النار أن تمتد إليه، أنهضه صاحبك وجلستما، أشعل سيجارة، على ما يبدو، بل يبدو، أنّه شعر بحيرتك، وأنّه جاء ليُسليّك كما هو دأبك في ليالي الحكي، لابد أنّه قرأ ورقة صمتك ومشغولية ذهنك:
ـ جئت لأخلّصك من حلمٍ استودعته فيك!
[ دخن سيجارته على عجل، نفث هالة دخانية حامت فوق رأسينا قبل أن تتلاشى، كان عميقاً يسحب النفس أثر النفس، وكان يرفع حنكه ماطاً رقبته إلى الأعلى، غامضاً عينيه كدلافين تلهو في حوض ماء أمام جمهرة ناس، ليطلق الدخان بانتشاء على شكل دفقات مصحوباً بزفير، ومشفوعاً بقهقهته المعتادة، كائن عجيب، في خضم الفوضى يتفجر مرحاً وقهقهة] ـ قد ترشد جمرتها المتوهجة طيّاراً؟ سؤال مفترض، لم يمنحك فرصة لتحريره.
ـ لا تشغل نفسك بأوهام العقل؟ ليس كل ما يقوله العقل صواباً؟ إننا محاطون بمزابل وحرائق مفتعلة، وسيجارتي لا تشكل سوى نملة تائهة في كثبان رمال.. هههههه.
[ نهض ونهضتُ أتبعه ومشينا، بدا عليه أنَّهُ غير خائف، يخترق الليل والمسافات كما لو كان يمشي في النهار، وعند الشارع الرئيس وقف يستطلع كهارب، أو كلص عن يمينه وشماله، قبل أن يختار جهة جسر الوادي، مشى ومعه مشيت..] ـ كيف عبرت كل هذه الحواجز؟
ـ الحالم يمتلك حلولاً كثيرةً، غامرت بما أمتلك من وسائل وحيّل، من أجل نزع قناع الحيرة عن ذاكرتك، لا تنسَ، في حروب الداخل كل البنادق بلا عيون ليلاً ونهاراً، حروب الداخل لا تحتاج إلى ظلام، إنها تجري في وضح النهار.. ههههههه.. لأن الأسلحة عاهرة.. ههههه.. أعني حرّة، يعني بلهجتنا؛ لا تستحي.. هههههه.
ـ وما أدراك بما يشغلني؟
قهقه عالياً، ردد الليل والوادي والمنازل قهقهاته بصدى:
ـ يا زوراو..! مذ التقينا، وجدت في عينيك رغبة كبيرة تنمو، مذ حكيت لك عنه، وجدتك مسكوناً برغبة مغامرة، لم تسمح لنا الظروف أن نلتقي لنستكمل أطر الأشياء المتماثلة، كنت دائماً أنتظر مثول الفرصة الخادمة، ها هي قد جاءت، رغم أنها جاءت في قيامة فوضى وضياعات تتواصل، المهم أنها منحتني الشجاعة الكاملة كي أغامر من أجل تحقيق حلمك الكبير، وتذكر أن الأحلام الكبيرة لا تتحقق إلاّ تحت ظلال الحروب الغبيّة.. هههههه.
ـ ولكن رغباتي كثيرة؟
ـ ستبقى تلك الرغبة، يوم التقينا منتصف السوق في لجّة الازدحام، لحظة أسررت لك، كما أراها، ما تزال رغبة كونيّة تتسيد قافلة رغباتك الأُخر.

[ عند الجسر فوق الوادي الكبير وقف وجلس على حافته الكونكريتية، وقفت أمامه، تلاعبت نفسي، وأردت أن أتأكد إن كنت ساقطاً في لجة حلم، أم إنني في واقع حال مفروض علي، وقائع لا تريد أن تتركني، إنها تأتي مع الليل لأعيشها وأحكيها، مسك زندي وسحبني لأجلس لصقه وأطعت..] ـ زوراب.. أنت ما زلت تبحث عنه! لا تقل غير هذا؟ إنك ما تزال متعطشاً لتلتقيه؟
ـ أبحث عنْ منْ؟ لا أملك وقتاً أبدده وراء فك الألغاز.
ـ ههههههه.. تبحث عنه! أليس هو الذي سكن وشغل فكرك؟ هل نسيت وقفتنا الخاطفة؟ ههههه.. يا ترى عن من ستتصور أنني أحكي؟ لا أحد غيره طبعاً، زوربا.. زوربا.. يا زوراو.. ههههه زووووربااااااا.. هههههههه.
ـ زوربا ؟ هناك زورباوان 1 كما قلت لي وليس زوربا واحد على ما أتذكر.
ـ ههههه.. نعم هناك نسخ كثيرة، اثنان تم اكتشافهما، أمّا الثالث فاكتشفته أنا، إنه أنت يا عزيزي، لا تستغرب، واليوم.. اليوم اكتشفت الـ زوربا الرابع، ها أنا جئت لأخلّصك من ورمٍ يسكنك.. ههههه.
ـ تضعني في حيرة من أمري؟ تقحمني في تشتت ذهني، لا أملك وقتاً كافياً كي ألاحق أيّامي ومفاجآتها، أفصح لي ولا تتلاعب بعقلي؟ لم أعد أمتلك وقتاً للعبث، وقتي كُلّه خاضع لحلمي الأخير.
ـ يا زوراو..؟ زورباي قريب، بصراحة، جئت إليك من أجل أن أتراجع عن كلامي القديم، زوربا ليس زورباوان، اليوم.. هههه.. اليوم اكتشفت الرابع، وربما في الغد تهتدي أنت، أو أنا للخامس ومن يدري. ربما سيجد كل إنسان حالم زورباه، وعندها تتحول الحياة إلى حديقة زورباوات، ههههه..، عفواً، حديقة مسرات. .
ـ ماذا تعني؟ هل هناك أربعون زوربا في العالم؟
ـ ربما أكثر، أكثر بكثير مما نتخيل أو نتوقع، ربما زوربا يشذ عن قاعدة الأربعين شبه، ربما كل إنسان يتكون من شقّين متعادلين، هم يسمونه الخير والشر، وأنا أفسره بطريقتي الخاصة، أقول: شقّان، شق زوربا وشق لا زوربا.. ههههه..، التقاعس والظروف ومتبدلات الحياة السياسية، الفوضى ومجهولية الغد، كلها تدفع المرء نحو التجرد من أحلامه الكبيرة.. ههههه.. لو حاول كل إنسان، لو منح نفسه المحاولة، لربما انسلخ من جلد لا زورباه وعاش بقية عمره في عسل زورباه.. ههههه.
[ تخلَّص من سيجارته، رمى عقبها إلى الوادي، نهض وأنهضني ومشينا، كان الوادي هادئاً، لا أصوات ضفادع، لا طنين بعوض كما كان يحصل من قبل، ورائحة الحرائق تقضي على نسبة الأوكسجين في الفضاء، كان صوتا زفيرينا وشهيقينا يتواصلان بشكلٍ فاضح، كأننا أشباه غرقى في بحر الظلام..] ـ قد يباغتنا محارب خرج ليستطلع الأمور! ماذا نقول له؟
ـ أزِحْ من بالك هذه التوقعات التهويمية؟ وتهيأ لما هو أكبر من ذلك؟ أعمارنا حفنة فرص متناثرة، علينا أن نلهث بحثاً لاغتنامها، ليست لدينا فرص شاغرة كي نتمهل، أو نستقصي نتائجها ومسبباتها، علينا أن نهرول إلى الغد مهما كان بعيداً، كي نحقق في أقل تقدير، ما يسكننا، أو ما يروِّض فينا القلق والشك.
ـ ما زلت تتكلم بالألغاز يا نديمي؟
ـ الكلام ينفلت من اللسان حسب الظرف والحاجة، عندما تواجه طفلاً، لسانك يعمل من غير أن تتدخل طبعاً، يختار النبرة والكلمات التي لا تخرج، أو تتعالى على مستوى عقل الطفل، حالة ذاتيّة فسيولوجية، كذلك عندما تواجه امرأة، أو لنقل فتاة، لسانك يتكفل بدراماتيكية عفوية القضيّة، لأنه يمتلك خاصيّة مبرمجة، ومتلونة أمام التحديات الحياتية المتبدلة.
ـ ما تقوله واقع حال مألوف غير منتبه إليه.
ـ واقع حال لم يهتدِ إليه أحد؟ نعم؛ لم يتكلم فيلسوف بهذا من قبل على ما أعتقد، الفلاسفة انشغلوا بتحويل كل ما يستعصي عليهم فك رموزه إلى كلام غامض، ههههه.. فلسفتهم تفسير أو تأويل أو.. هههههه.. تشريح الغامض بالغامض، الفلسفة هي تجميع مفردات عصيَّة التشريح، ورصها في جمل محيرة.. ههههه..، الفلسفة شرح أشياء روتينية بكلمات غير روتينية.. ههههه.
ـ إنك لم تقرأ كُل كتب الفلاسفة كي تتوصل إلى رتابة أو فرادة فكرتك؟ إنك تستهزئ بهم؟
ـ لساني يشطح بهذا، لقد علّمني كل شيء هذا الكائن الغريب، ومن يراه سيتوقف عن الكلام، سيصطدم بمفاجأة فوق مستوى استيعاب عقله، إنه يمتلك جاذبية مدهشة، ساحر في كل شيء، تعلمت منه فن الكلام الغريب، فن الحياة، عرفت أن السعادة فينا، ونحن عبثاً أو شططاً نتيه في صحارى أوهامنا بحثاً عنها، وبحثنا مُكلف ومنزف، السعادة في جيوبنا الأنفية.. كركركركر.. عفواً؛ أقصد في جيوب معاطفنا، ههههه.. أرجو أن لا تستغرب من كلامي؟ لأن أنوفنا هي من تشم السعادة عندما تكون متعافية.. ههههه.
ـ إنك تزيدني شوقاً إليه؟ أين هو..؟ ما زال يسكنني حقاً كما قلت، لم يهدأ لي بال، وربما حلمي سيبقى عالقاً ما لم أره وأتخلص من ورمه، كي أتفرغ لحلمي الكبير.
[ عند منعطف السوق سلك ممراً ضيقاً، اخترق زقاقاً متعرجاً، وعند زاوية منحرفة باتجاه مجرى وادي البلدة حيث يذهب ليصب ـ ليس الآن طبعاً، بل فيما مضى، عندما كان الشتاء شتاءً والربيع فيضانات وذوبان ثلوج الجبال ـ مجاريف المياه في نهر البلدة، وقف ونقر بأنامل ناعمة على باب قديم، خرج كائن محير، خلته جنّاً، شكله يشع بوميض لازوردي، في عينيه يطغي الفرح متوهجاً، قامته مرنة، يتلولب بدنه كأفعى منتشية بعد تناولها ضحيّة دسمة، قهقه، وقفت أتأمله، كائن مثير للغاية، في شكله، في حركاته، في صوته الطروب، وقهقهته كانت تشبه موسيقى، شعرت بأنني أعرفه منذ زمن بعيد، أخذني الوجوم، وكاد أن يسقطني في لجة نعاس غاصب، قبل أن يتدخل صاحبي، انتشلني من صمتي ودهشتي وحرّكني..]ٍ
ـ أُقدمُ لك أحد أهم مكتشفاتي في هذا العصر البائس، صح لسان من قال: ’’لو خُليت رقصت.. ههههه.. أقصد.. ههههه.. نسيت الكلمة؟‘‘ في الخرائب دائماً تجد الجواهر النفيسة التي دفنتها العقول النحيسة.. ههههه.
[ صافحني بشيء من المرح، ضحك وبادلته الضحك، ومن حولنا بدا الليل ينسلخ من غباره وعاره، البنايات راحت تلفظ رمادها، والظلام يريد أن ينسلخ من جلد الكون. قال لي نديمي:
ـ أقدم لك زوربا الخانقيني، الـ زوربا الثالث، الذي لم تُدوّن حكايته بعد..] سحبكما إلى الداخل رواق طويل، على جانبي الرواق رفوف مرتبة، وعلى الرفوف أشرطة ممغنطة منتظمة وفق أرقام ورموز فسفورية، في نهاية الرواق غرفة مُنارة بضوء وردي يتبدل إلى بنفسجي، ثم إلى أزرق شفّاف وأخضر قبل أن يرتد إلى ورديّته.
قطع زوربا حيرتك:
ـ لدي خلايا شمسية، لا شيء ينفع في بلدة ساقطة، عليك أن تمنح نفسك فرص السعادة، أن تنتزعها من المهملات من حولك، واعلمْ أنما الدنيا رقصة، رقصة واحدة لاغير، ما لم ترقصها، ستغدو قبضة غبار تتلاعب بك أهواء الظروف.. ههههه.
قال نديمك:
ـ صباح هذا اليوم، هربت من جحيم البيت، من الفوضى، من أرق التهجير، من ضياع أحلامي، قادتني أقدامي ـ وكان لزاماً علي أن أطيع ـ أنت تطيع عقلك، وأنا أطيع أقدامي، واللص يطيع يديه، ههههه.. لكل كائن عاقل عضو آمر يقوده، ألم يطع العاشق قبله، والمرأة تطيع (…….) ههههه، عليك أن تعرف ماذا تطيع المرأة الظامئة! ههههه.. لو لم أطع أقدامي، لربما كان اليوم نهاية حتمية لحياتي، حقيقة، خرجت لأموت بأيَّة طريقة كانت، ربما فكرت أن تدهسني مركبة وأنا أتحايل لعبور شارع صاخب بالمركبات، أو أجلس على مقعد، منتظراً من قلبي النابض أن (ينكب).. ههههه.. أعني؛ أن يسكت بصورة مُفاجِئَةٍ، لكنني وجدت نفسي مسحوباً لصوت قديم أنهض فيّ الحنين: ( قومي نرقص يا صبيّة.. واشبكي أيديكِ بإِيديَّ)2
أغنية سحبتني من أذني، ههههه.. وجدت نفسي أمام هذا الـ زوربا، آه يا زوراو لو تعرف، امنحني الحق أن أقول، نعم إنه زوربا الكردي، أو زوربا الخانقيني، نعم هذا أفضل وأرهم، نعم زوربا الخانقيني، وإن لم تعترف بذلك سترى بأم عينيك أنني قلت الحقيقة.
توقف عن الكلام، وكان زوربا كما أسماه يجمع أقراصاً مدمجة راكمها بين يديه، قبل أن يدنو من جهاز التسجيل، كانت سيجارته في طرف فمه ملتصقة، ينفث الدخان كما يلفظ عادم قطار دفقات دخان مبرمجة:
ـ يوم أمس جاءني طبيب من العاصمة، هددوه بالتصفية ما لم يترك العاصمة، شاب ذاع صيته، وجدوا فرصة إبعاده تحقق لهم حلمين في آن واحد، حلم أنه ليس من طائفتهم، وحلم آخر أنهم سيكسبون زبائنه، نسوا أن الزبائن في بلادنا عندما تتعلق أسماء أطباء بأمخاخهم، يعبرون الجحيم ويضحون بالغالي والنفيس للوصول إليهم، حتى لو كانوا في دبر العالم، كان يبحث عن أغنية سمعها من راديو الـ أف أم، وبعد ساعة حوار ومرح، خرج من عندي يحمل درزن أشرطة كاسيتات، فيها عشرات الأغنيات الأجنبية النادرة، تهللت أساريره عانقني ومضى.
قال نديمك:
ـ في هذا الصباح أعاد لي صفاء ذهني، أفرغ رأسي من أفكار الموت والهروب والجنون، أسمعني عشرات الأغنيات القديمة، وأنت تعرف أن أغاني اليوم لا كلمات ولا لحن، أغاني الأمس كانت نابعة من الوجدان، كان الضمير حياً يوم أمس، اليوم أصبح الضمير حديقة أشواك.. ههههه.. كانت أغاني الأمس تخاطب العقول المنيرة واليوم تخاطب عقول المراهقين.
أجلسكما وناولكما عبوتي ماء.. قال:
ـ عليك أن تتعلم الرقص! أصغِ لموسيقى الأغاني! وتخيل حركة أنامل الموسيقي! احتبس أنفاسك وركّز! انظر ـ رفع صوت المسجل، فانساب صوت موسيقى راقصة متغلغلاً، مخترقاً الروح، تراجع قليلا إلى الوراء، الوراء الذي كان يهتز، أو يرقص، الرفوف، الأشرطة منضبطة التصفيف، صور الفنانين والفنانات المعلقة في كل رقعة، المزهريات، وتحركت أجنحة المروحة من ذبذبات الموسيقى الراقصة، تراقص الضوء، وراح يتوهج ويخفت مع ذبذبات الموسيقى، رفع يده اليسار، أتبعها اليمين ـ أرفع يدك اليسار قليلاً أعلى من اليمين، كي تعطي نفسك وهجاً روحياً، احبِسْ نفسك وركّز! تخيّل نفسك في لحظة تحليق كصقرٍ منتشٍ يستعمر الجو؟ ارفع قدمك اليسار قليلاً! لا ترفعها عالياً! إيّاك أن ترفعها عالياً أكثر مما ينبغي، اربط عقلك بقدميك! كما يربط السائق عقله بقدميه، حافظ على توازنك! بعقلك قُد الأمور! تذكر دائماً أن عقلك هو عصا القيادة! قدمك اليسار مرتفعة، لا تجعلها ترتجف! اختر النقطة الملائمة! لا تنظر إلى الأرض في تلك اللحظة! إيّاك.. إيّاك أن تفعل ذلك! لو فعلتها ستقع وتضيع فرصتك، على قفاك ستقع، وقد.. ههههه.. لا.. لا.. لا.. وقد لا تفعلها.. ههههه.. وبعضهم يفعلها ويغرق في الضحك على نفسه، يتوقف ذلك على مدى قوّة أعصابك ومصارين قفاك.. هههه.. دع مخك يوازن لك الأمور! قد تفقد توازنك وتسقط فتضيع فرصتك التاريخية، ركّز بذهنك واضربه على الأرض! واقفز إلى الهواء! حاذر من قفزتك! لا تقفز عالياً! يداك مشرعتان كجناحي صقر، انهما تمنحانك القدرة على أن تحافظ على توازنك، كي تواصل بديناميكية متجددة رقصتك، واعلم أنما لكل إنسان رقصة خالدة، كن حريصاً كي تصلها، واعلم انما الحياة رقصة منضبطة، انما الروح توّاقة للتحليق والجنون، تحليق الروح للعربدة والرقص، حاول أن تصلها بقليل من الاخفاقات، وأن تمارسها بكثير من التلذذ! انظر كيف أفعل هذا؟ لا تفكر انني أمتلك الخبرة وتدربت على ذلك، إنما الإبداع يأتي بطريقة مباغتة، إنما الحياة ساعة مرح، وإن لم تمرحها ستجتاحك أمواج الحزن، بوسعك أن تفعل ذلك من المرة الأولى، يتوقف هذا على مدى امتلاكك الوعي الذهني والإرادة الصلبة على حفظ الأشياء الخالدة أو ممارستها، ضع عينيك على حركاتي! وأذنيك على سحر الموسيقى؟ لا تخجل! إيّاك.. إيّاك أن تتردد. كُن شجاعاً! عليك أن تصغي للموسيقى! رتب حركاتك وفق موازنة عقلية متكافئة! يجب أن تحصل على التناغم! أنظر! أحبس نفسك كي تمسك اللحظة! هنا الذروة ـ قفز قفزة صغيرة قبل أن يحلق في الفضاء بقفزة كبيرة ـ هيلا هوب.. هوووب.. هو..هو..هوهو.. هوب هوب آآآآآ هوووب.
[ نديمي لم يحتمل نفسه، رمى سيجارته وقام، شاركه الرقص ولكن؛ بتعاسة على الرغم من نحافة بدنه، غير مرن، خشن غير متدرب على الرقص، ظلّ يقهقه ويرتجف بعربدة فوضوية صبيانيّ..] ـ هيّا انهض وارقص! بلدة ماتت غيلاً وغدراً، علينا أن ننهضها بالرقص، بلدة ما لم ترقص فيها، ستغدو غابة منسيّة، ستغدو مستنقعاً لإنتاج أجيال فاسدة من المواليد.
توقف نديمك، ضحك وجلس.. قال:
ـ لم أعد أمتلك قدرة على منح نفسي كمية كبيرة من السعادة، السيجارة سلبت نصف إرادتي.. ههههه.. ولكن، لا بأس! سأدرب نفسي على ذلك.. ههههه.. حياتنا حفنة منغصات ورقصات، إن لم نرقصها بمحض إرادتنا.. ههههه.. ساستنا سيرقصوها.. ههههه.. سيرقصوها علينا بألسنتهم الزلقة.
شيء ما أنهضك، جردك من كينوتك البراغماتية، وروحك تسامت، غادرت واقعيتك، وقفا ينظران إليك بسرور ومتعة، سأفترض أنك قلت:
’’ لأجرب رقصتي‘‘
استبدل كاسيت التسجيل، فشاعت الموسيقى، وبدأ محمود أنور3 يغرد:
(والله ومحتاجك يا خَي.. عندي مثل الهوا والمي)
[ تناغمتُ مع فرح كبير مُضاع، فرح بدأ يورق في ليلة مدلهمة في ثنايا بلدة محترقة، رقصتُ بما فيه الكفاية، رقصة جنونيّة غير مهذبة، كنت أتقافز كالملسوع، وأصرخ بهوس كالمجنون، شعرت بتعبٍ سريع، وجلست أضحك وضحكوا معي..] ـ لم أرك من قبل؟
ـ الناس تعرفني.
ـ لم أشعر في يومٍ ما بالراحة، أعني برغبة في الاستقرار في بلدة ما، حين وعيت الأمور رحت أجوب المدن والعالم، كنت عاشقاً للغناء، رحت أحفظ الأغاني، وأراسل الإذاعات طلباً للأغاني التي أحبها، ومع قطار العمر السريع، وجدتُ نفسي أجمع الأشرطة الممغنطة والأقراص المدمجة بهوس، وها أنت ترى المئات المئات منها متراكمة لدي.
قال نديمك:
ـ سأحتفظ بكلامي، سأقول زوربا حكاية لم يكتشفها أحد آن أن نحكيها للناس.
قلت:
ـ ربما سنحكيها معاً!
قال زوربا:
ـ أينما تسقط بلدة أجد لدي رغبة عارمة أن أسكنها، أن أعيد لها هيبتها بالرقص، الرقص هو الحضارة المفقودة للمدن التي تتكاسل وتهرب من فلك السعادة، الرقص مصل كل علّة، لو عرف الطب بهذا الدواء لحولوا كليّة الطب إلى كليّة الرقص.. ههههه.. لقد فشلوا في إنتاج أبدان سليمة بالعقاقير، والرقص هو العقار الوحيد الذي يطرد جراثيم التعاسة، وفايروسات الجنون، ودويبات الترهل من الأبدان، ويصنع قامات ممشوقة أنيقة.. والرقص أكبر مذيب لشحوم البدن.. ههههههه.
ـ أليست آثاماً؟ والأغاني حراماً؟ هذا ما تعلنه ألسنة أئمة الشرع إجماعاً.
ـ ههههه.. بطيخ، شجر4، ههههه.. بصل يابس وأخضر.. تفـ .. تفـ .. تففففـ .. ههههه.. فااااااح .. ههههه، ما لم تناغم حياتك بين أفراحها وأتراحها، بين جدّها وهزلها، بين أكاذيبها ومصداقيتها، لن تتوازن أمورك في الحياة، ولن تجد طريقك نحو الأمل، الحلم موسيقى يا صاح، انظر إلى الطيور أوان التزاوج! انظر إليها! كيف يرقص الذكر من أجل إقناع الأنثى بأنه طائر عصري، يمتلك كامل فنون السعادة، زوج مثالي مثقف حداثي سريالي راديكالي.. هههههه.. غير مُقَنَّعٍ بالرموز، عولمي لا يؤمن بالمثاليات.. ههههه.. واعلم أنّ كل الكائنات ترقص، اللعب هو الرقص، وأنت تداعب زوجتك أليس هذا رقصاً صامتاً؟ وأنت تضاجع زوجتك، هههههه.. قل لي كيف تضاجعها؟ ها.. تكلم..؟ أليس بالرقص؟ بدنك يرقص من فوقها، وهي ترقص من تحتك، خيالك يرقص وخيالها يرقص، وحين تندمج رقصتك ورقصتها، الفوقية والتحتية، ستتناصفان السعادة الراقصة.. هههه.
[ رغم سنّه، رأسه بلا شيب، وأسنانه ناصعة البياض، عيناه لامعتان وصوته صافٍ كنقاء الينابيع، كان صاحبي يواصل حرق السيجارة عقب السيجارة، وإمطار فضاء الغرفة بسحب دخان تلو سحب دخان، نهض واستبدل الكاسيت بآخر، شاعت موسيقى أعرفها، بدأت الكلمات تخرج بصدى من فم فيروز: (كان الزمان وكان….. نجي نلعب عل الماي). تقافز بحركات بهلوانية، وفمه يولول كأنه هندي أحمر تعرضت قبيلته لهجوم البييض، ونديمي واقفاً يقهقه، قبل أن يُخرج هاتفه النقّال ويصوّر المشاهد من الزاويا كلها..] ـ هذه ليلتي! لم أشعر بهذا التسامي من قبل، من أين جئتما؟ من أي مكان؟ لا قيمة لعالم يتقاتل من أجل الفراغ، من أجل أن يثبتوا أنهم لا يعقلون، كل حامل سلاح لو رماه وانشغل برقصته، لوجدنا السعادة متواصلة، على العالم أن يتوقف عن التناهش والتعارك، عليه أن يأتي إلينا ويشاركنا صناعة البسمة، الرقص يا عالم هو علاج العصر، صاعقة على رؤوس كل من يهدم المدن ويشرد ناسها، علقم في فم كل حكومة تتهندم وتتكابر وتكذب على شعبها. صاعقة على من يقتل الناس من أجل العقيدة والمذهب والعرقية، هاهاها.. هوب.. هاهاها.. هوهوهوهو.. هي هي هي.. هوووب.. هاهاها.. هوب هوب هوب.. هي هي هي.. هاااااااااااا.. هووووووب.
[ تفاعلت مع فرح غمرني، قمت وقام نديمي ورحنا نرقص ونرقص، ولم نفلح في مجاراته، كان كصقر يسمو في العلا، وكنّا كطائرين مذبوحين يرفسان على الأرض. توقف ووقفنا، أخرج عبوات ماء جديدة من برّاد الماء وشربنا..] ـ مررت بمواقف محرجة، مرة تهت في بلدة جنوبية، لم أجد سوى حديقة عامة، توسدت العشب ونمت، كنت ذاهباً إلى حضور حفلة لمطرب جنوبي سمعته مرّة في الإذاعة، منتصف الليل شعرت بيد أنهضتني، وجدت امرأة تتلفع بعباءة، لم تمنحني فرصة حيرة ولا فرصة سؤال:
ـ من أنت؟ قالت.
ـ جئت من مكان غريب.
ـ قم وتعال ورائي!
للحق أقول، خفت أن تقحمني في لجة متاهة، أو تزجني في ورطة، شجعتني ومشيت وراءها، كانت ترقص في مشيها، تراقص عمداً عجيزتها، تيب توب.. توب تيب.. هههههه.. هكذا كنت أردد مع نفسي، وكنت مُقلدها، أرقص في مشيي، تيب توب.. توب تيب.. ههههه.. قلبي يرقص، وأقدامها طبل يزيد من ضراوة خفقان رقصي، ههههه.. أقصد خفقان قلبي.. ومن زقاق لزقاق، هي تتهادى رقصاً، وأنا أرقص متهادياً.. ههههه.. وصلنا بيتاً، لم تكن هناك غيرها، خائفاً دخلت وراءها من غير رقص، كاد لبّي أن يتوقف، مسكتني من معصمي وجرّتني إلى الداخل، تمكيجت وتطيبت وتهيأت للرقص.. ههههه.. عفواً ؛ أقصد تهيأت للكلام.. ههههه.. أطعمتني.. قالت:
ـ من أي المدن أتيت؟
طرحت سؤالاً راقصاً.. ههههه.. عفواً ؛ كانت تُراقص رمشيها وكرتي عينيها، تيب توب.. عين تفتح، توب تيب.. عين تغلق، رمشان ينزلان ويصعدان، كانت تفترسني بنظرات راقصة.. ههههه.. عفواً؛ أقصد جائعة وفمها كفم سمكة.. تيب توب.. ترقص، عفواً؛ أقصد تعلك.. طق.. طق.. طاق.
ـ أنا لا أسكن المدن! المدن سجون البشر، أنا جوّاب مدن راقصة.. هههههه.. عفواً؛ أعني مدناً ساقطة.
ـ هذا ما أريده.. كركركركر! حرَّكت رأسها وهي ترقص، عفواً؛ تعلك وتتأوه وتتناوم وترقص.. طق.. طق.. طاق.
وجدت نفسي في حيرة، لكنها بدت خبيرة في معالجة المواقف الأنثويّة المتأزمة:
ـ ماذا تعرف من أعمال؟ قالتها بغنج وميوعة، وثغرها مثل فم سمكة يعضعض الماء.. يطق طق.. طق.. تطقطق.
ـ أنا عاشق للأغاني والرقص.
ـ حسناً.. هذا ما كنت أبحث عنه! شع ثغرها ببسمة سرور.
جلسنا نتحاور، وكان الفجر يقترب:
ـ يجب أن نقترب أكثر كي يتحقق حلمنا! قالت وهي تدنو منّي رقصاً.. هههه.. أقصد زحفاً.
لم أنتبه لغموض كلامها، في عينيها وجدت وهجاً مغرياً، حاولت معي ولم أحاول معها، لم أجد رغبة أو حماوة في هذا ـ أشار إلى أسفل بطنه ـ كنت أعيش البراءة والبساطة والسذاجة أيضاً، امرأة كحيلة العينين، سمراء جنوبية، تريد شيئاً واضحاً.. هههههه.. تريد رقصاً.. أرقص من فوق وهي ترقص من تحت.. ههههه.. آه.. هذا الواضح لم يتشكل فيَّ، بقيت بين الشك واليقين أرقص.. هههه.. أقصد؛ أتأرجح، أيَّ حلم تمتلك كي تندمج مع رقصي.. هههه.. عفواً؛ مع حلمي! لم أكن أعلم ما الحلم، كنت شاباً متهوراً عشق الأغاني وراح يجوب مدن الحروب بحثاً عن منابعها، أينما تقام حفلة حرب، أو حفلة رقص وغناء، أكن ماثلاً. وعند مطلع الشمس خرجت، تصورت أنها ذهبت لتجلب لنا الفطور، بقيت أنتظر عودتها، وبعد ساعة وجدت نفسي أمام مركبة وشرطيين، وفي دائرة صغيرة عرفت ما حاكت من مؤامرة أخلاقية حولي، كانت كعنكبوت مفترسة تبحث عن ضحايا، حاكت حولي خيوطاً مُخاطية، اتهمتني بالبطلان والبهتان، ومن غير مقدمات ولا شروحات، موجز الكلام ألقوني في السجن، لم أشعر بالغربة، أنا كائن مهاجر، كل مكان غريب هو وطن بالنسبة لي. في السجن وجدت كوكبة شبّان اُتُّهموا بالعمل السياسي، تآلفنا من غير رقص ولا دوران.. هههه أعني بلا لف ورقصان.. هههههه.. المعذرة، لساني حين يتكلم يرقص، كنت أعني من غير لف ولا دوران.. هههههه.. علَّمتهم الرقص، اندمجوا سريعاً وتعلموا كل الوصلات التي ابتكرتها، حتى قال أحدهم:
ـ يا جماعة اليوم اكتشفت أنَّ حياتنا أسفار راقصة.. هههههه.
أجاب آخر:
ـ السياسة رقص أيضاً.. ههههههه.
قلت لهم:
ـ كل سياسي هو غجري راقص فاشل في هز البدن، أفلح الرقص بلسانه، وعندما يُقنع ويسعد الشعب برقصات لسانه، يعني أنه راقص عاهر.. ههههه.. اقصد ماهر.
قال أحدهم:
ـ من اليوم أنت عضو بارز في خليتنا.
ـ لكني أكره السياسة ولا أقترب منها، إنها مستنقع الفاسدين.
أجاب آخر:
ـ بوسعك أن تُعلِّم الشعب الرقص، وتجلب لهم السعادة الأبدية، ولو انتميت إلينا سنتخذك كبشنا المفدى، أنت من الآن رئيس جمهورية رقصستان.. هههههه.
بقيت معهم شهراً، قبل أن يأخذوني إلى قاضٍ أصلع، أنفه مدبب يضع على أرنبة أنفه نظارات طبيّة، وكان مخاط أنفه يسيل كينبوع ماء ينز نزيزا، وكل لحظة يخرج منديلاً من جيبه ليزيح مخاط أنفه.. حقاً كان أنفه يرقص مخاطاً.. ههههه. أو يمخط رقصاً، ههههه.. وكل لحظة يمد يده المبللة بالمخاط ليمسحها بوزرته السوداء.. ههههه.. وزرته القانونية.. ههههه، تأملني ملياً وقال:
ـ ما هي مهنتك؟
ـ سيدي أنا مهنة سزّ5!
رقص.. ههههه.. أقصد؛ ضحك.
ـ ماذا تعمل؟
ـ لا مهنة لي.
ـ وماذا تعمل في هذه الديار؟
ـ سيدي جئت لأجمع أغانينا المذبوحة.
لم يضحك.
ـ هل عرفت ما هي تهمتك؟
ـ سيدي لم يُبلِّغْني بها مبلغ.
ـ حسناً.. أنت بريء من التهمة.
ـ أعرف هذا يا سيدي.
ـ وكيف تعرف؟
ـ أنا لم أرتكب رقصة سريرية في حياتي.. ههههه . أقصد يا سيدي حماقة أخلاقيّة.
ـ هذه المرأة اتهمتك بأنك راقص بطنها.. هههههه.. أقصد؛ نافخ رقصها.. هههه.. بطنها.
ـ يا للهول لكني لا أرقصها.. ههههه.. عفواً؛ سيدي الحاكم أعني لا أعرفها.
ـ حللنا إِحليلك ووجدناك ميت الرقص.. ههههه.. عفوا؛ ميّت التخصيب!
لم أغضب ولم أشعر بيأس، ومن يومها قررت أن أعيش السعادة من خلال الرقص والأغاني، ها أنتما ترياني أنني أسكن منازل الرقص والأغاني والحلم، وأعيش حيثما تتوعك المدن وتفقد رقصتها.. هههههه.. أقصد؛ عذريتها كي أمنحها لحظات الأمل.
تدخل نديمك:
ـ وما نفع الأبناء في يومنا هذا؟ إِنهم منفلتون لا يرقصون.. ههههه.. أقصد؛ لا يرتدعون، ولا ينصاعون لأوامرنا، يعيشون بأهواء الغرب، أحسدك لأنك منفرد، وتملك الدنيا كُلّها رقصاً.. ههههه.. عفواً؛ وطناً.. ههههه.
ـ الحياة لم تعد حياةً! قلت.
تدخل زوربا:
ـ كلما تشعر باليأس حاول أن ترقص، لا شيء يُخرجك من ضجرك ما لم تتخذ وصلة راقصة أنت تبتكرها.
[ لّفنا الصمت، وكنت أبحث عن تفسيرٍ لما حصل، رجل، شعرت بأنني أعرفه، صوته وشكله وحركاته، كُل شيء فيه مألوف، رقصاته مرسومة بدقة، ومع كلمات كُل أغنية يباغت بإيماءات ونظرات وحركات رأس غريبة وساحرة، وظلّ هاجس سؤال لحوح يؤرقني، كنت أريد أن أعرف الحقيقة، وعلى ما يبدو، بل يبدو، أنه قرأ ما في ذهني، لذلك تكلم قبل أن أطرح سؤالي..] ـ حسناً.. أَنت تعيش في حيرة، أَنت كثير الأسئلة على ما يبدو، بل يبدو، وأظنك تفتقر إلى الشجاعة كي تنطق بما يسكنك.
ـ ليست حيرة!
ـ حسناً.. أنا أعيش في المدن التي تسقط، أجد نفسي متواجداً، ومعي هذا الركام الهائل من وسائل الرقص، أمتثل من أجل بعث الروح الشفافة في قلوب متسرطنة بالضغائن.
ـ أنت تحتاج إلى مركبة طويلة كي تنقل وسائل سعادتك!
ـ لا تفكر بهذا! هذه الأشياء تحمل نفسها بنفسها، تعلمت أن تعيش الرقص.. ههههه.. أقصد التنقل، من غير عناء منّي، إنها تمتثل حيثما أمتثل، دائماً أصغي إلى أصوات تسكن خيالي، ومع الليل أجد بساط ريح يحملني، ومعي أدوات زراعة الفرح في كل مكان مُصادر، فأنا أحفظ كل الأغاني التي قيلت عبر الأحقاب المنجرفة.
تكلم نديمك:
ـ زوربا هو الفرح الكوني الذي لا ينتهي، زوربا يمتثل في كل مكان فيه حدائق لم تُزرع، أو حدائق يابسة، وحضوره الراقص من أجل إعادة بهجاتها المُصادرة.
قال زوربا:
ـ مررت بهذه البلدة في يومٍ ما، وعشت ليلة لا تنسى، هناك على حافة النهر، حيث تستقيم شجرة شاكر، أو بالأحرى الشجرة التي تطل على صخرة شاكر، هناك حيث أقيم مسرح ـ التنكات6 ـ وكنت شاهداً يوم اعتقلوا الشباب بتهمة بناء مسرح لتهديم العقل، وتأسيس وَكْرٍ للماركسية في البلدة، من قبل رجال الأمن، شاهدتهم كيف هدموا المسرح، وكيف ألقوا الصفائح في النهر وسط زغاريد وتصفيق، هناك في تلك الرقعة أُقيمتْ حفلة صاخبة، كُنت شاهداً على الثورة التي أقامها الشباب لحظة انهالوا على سعدي البابلي7 مطرب الغلمان كما أشيع عنه بوابل الحجر. بالمناسبة أبو خالد8 كان أحد رموز الطرب المحلي، وصاحب أقوى حنجرة غنائية، كان يمثل صوت الفرات الأوسط بكل تجلياته، لكن الأمزجة الغيورة ومافيا إسقاط الرايات الفنيّة الشهيرة، دائماً تتواجد في كل مكان، وفي كل زمان، لوثوه بالنكات الراقصة.. ههههه.. والحكايات الساخرة، وهذا ما جعل قيمته تهبط في بورصة المستقبل، نعم.. شهدت كيف انهالوا عليه بوابل الحجر، لأنه كما أشيع بين أهالي البلدة غمز بعينيه أحد شباب البلدة الحلوين، وتلك هي لحظة من اللحظات الراقصة في حياتي.
تكلم نديمك:
ـ آه.. إنك كنت تشاهدني لحظة بنينا المسرح، وكيف تم اعتقالي من قبل رجال الأمن.
ـ ما إن سمعت بخبر إقامة الحفل، جئت عبر القاطرة إلى البلدة، لأنهل الأغاني رغم علمي أن المطربين يكررون أغانيهم القديمة، أو يتغنون في المناسبات بأغاني بعضهم من بعض، والناس لا يهمها ذلك، يبطش بهم الفضول، وما يهم الناس أن تتسامى وتعيش السعادة مهما كانت رداءة الجوقة الفنيّة، وبؤس كلمات الأغاني، وموحشيّة الصوت، المهم الرقص يا عالم.. الرقص.. الرقص هو الغاية المنشودة للحضور، وليس مهماً أن ينهضوا كما نهضنا، ويتشابكوا كما تشابكنا، بل كانوا جلوساً يرقصون، أبدانهم ترتعش وقلوبهم ترقص طرباً، وأقدامهم تثير الغبار من تحتهم، ورؤوسهم ترقص متناغمة مع ضربات الطبل، وكانت رموش عيونهم تشبه غجريّات سكرانات.. ههههه.
[ في تلك اللحظة توقف الكلام، طائرة من غير طيّار اخترقت سواد الليل، دارت دورات حول البلدة، قبل أن تخترق أحشاءها وتختفي، وبدأ الفجر يبطش بسجف الليل، والتعب بدأ يقفل العيون، تراخت أجسادنا، وكان لزاماً علينا أن نتحايل كي لا ننهار، أو ننهي الحكاية في ذروة توهجها..] ـ يجب أن أغادر! لم أعد أمتلك وقتاً يسمح لي بالبقاء! تكلم نديمك.
ـ قد لا تجداني هنا في المرة القادمة، أوصيكم بالرقص! الرقص ينجيكم من السأم والتمزق، ارقصوا وعلّموا الناس الرقص! الرقص حضارة كونية مهملة في بلدنا، لا تنسوا هذا! لا تحاولا المجيء إلى هنا! قلت لكما إنني جوّاب مدن ساقطة، وربما سنلتقي في بلدة أخرى ستسقط، وحتماً هناك مدن كثيرة مدونة في سجلات القدر، إنه يُخرّب ويمشي، ربما هناك سنلتقي ونبتكر رقصات جديدة.. هههههه.
ختم زوربا كلامه. تعانقتم وخرجتما..
قال نديمك:
ـ لليونان زورباهم، للبرازيل زورباهم، وهذا زوربا الخانقيني.. ههههه.. وأنت.. هههههه .. عرفت نفسك.. زوربا الجلـ .. الجلـ .. حسناً، كما ترغب زوربا الجلبلائي.. ههههه.
ـ وهل كل الزورباوات يجيدون الرقص ومرح الكلام.
ـ لكل زوربا رقصة.. ههههه.. أعني فلتة مرحية!
ـ لكنني خارج التغطيّة.. هههههه.
ـ لك فلتاتك.. إن لم تفلتها واقعياً.. ههههه.. سترقصها.. ههههه.. أقصد يا عزيزي ستدسها في حكاياتك.. ههههه.
ـ أدخلتني في حيز الحيرة وإعادة التفكير بما فكرت به!
ـ يا صديقي.. زوربا اليوناني يمتلك رقصة خالدة، وما زال العقل الموسيقي يفشل في الوصول إلى رقصته استثناء أنطوني كوين9 الذي تحدى وحوّل رقصة كازانتزاكس الكلماتية إلى رقصة بدنية، وزوربا البرازيلي كان عبثياً وساحراً وغريباً حيّر الناس بوقائع حياته ورقصات كلماته، وهذا الـ زوربا رأيته كيف حوّل رماد البلدة إلى ضياء راقص، وأنت عليك أن تبتكر رايتك.. هههههه.. أعني رقصتك.. هههههه.
مشيتما وعند الجسر انفصل عنك، حاولت أن تستبقيه.. قال:
ـ لم أعد أمتلك فرصةً نادرة كي أرقص.. هههههه.. عفواً؛ كي أحلم، كان جواب سؤال عينيك يؤرقني ويدفعني لأغامر.. ههههه.. ها أنذا أنهيت رقصتي معك.. ههههه.. عفواً؛ أعني حكايتي معك.. ههههه.
[ تركني ومضى وهو يضمحل في الدكنة الأخيرة للّيل، حاولت أن أوقفه، أن أمد يدي وأعيده، وجدت جذع شجرة في حضني، استفقت، بدا خيط الفجر يلوح، لا شيء سوى بلدة تواصل رقصتها بالدخان والغبار والحرائق والنتانة والصمت، كنت أحتضن شجرة المشمش بجنون عاشق يحتضن معشوقته، كانت ترقص وأرقص معها، لا أدري أكانت هي ترقصني أم أنا أراقصها، ليس هذا مهماً، بل المهم أننا كنّا نبتكر رقصة خاصة بنا، فككت اشتباك يدي بها، انبساط اجتاحني وأزال تعبي، وانزاح ما تراكم فيَّ من أرق ونعاس، تراجعت وأنا أتلفت خوفاً من عين راقصة.. ههههه.. أقصد؛ ساقطة عليَّ، رغم يقيني أنني منفرداً أرقص.. هههه.. أعني أحلم في بلدة راقصة.. هههه.. يا لمتعة الرقص في هذا الزمن الراقص..] دخلت البيت..
لم تجد بادرة صحو أو رغبة حكي..
منتعشاً، متسامياً، ألقيت بدنك على السرير، سريعاً سافرت إلى صوتٍ يناديك، إلى موسيقى طروب قادمة من أعماقك التي بدأت ترقص وتحكي.
الهوامش :
1 ـ زورباوان : المقصود شخصيّة زوربا اليوناني لـ نيكوس كازانتزاكس . و شخصيّة زوربا البرازيلي لـ جورج أمادو .
2 ـ سامي كلارك : مطرب لبناني اشتهر بأغنيته ( قومي نرقص يا صبيّة..)
3 ـ محمود أنور : مطرب عراقي من أصول كرديّة، اشتهر بأغنيتي ( والله ومحتاجك يا خي و لو تحب لوما تحب هي وحدة من اثنين)
4 ـ تستخدم كمفردات تعبيرية للسخرية ضد الإجابات التي لا تعجب السائل .
5 ـ مهنة سزّ: مأخوذة من سلاح سزّ ، يكنى بها الجندي الذي لا يسمح له بحمل السلاح لأسباب كثيرة قد تكون أخلاقيّة أو خَلقيّة .
6 ـ مسرح التنكات: مسرح بسيط أقامه كوكبة من شباب جلولاء في حقبة السبعينيات من القرن المنصرم من صفائح الزيوت النباتية ، تحت إشراف فيصل المقدادي ، تم تهديمه واعتقالهم من قبل رجال أمن البلدة .
7 ـ سعدي البابلي: سعدي الحلّي : 1922 الحلّة ، أحد أشهر المطربين الشعبيين في العراق ، وكان يسمى بـ صوت الفرات ، صيغت حوله الكثير من الطرف الأخلاقية ، بسبب نوعية أغانيه التي تميل نحو التغني بجمال الفتيان ، أغتيل مع زوجته في باريس على يد مجهولين في العام 2005 لأسباب غامضة .
8 ـ خالد : نجل سعدي الحلّي ، كان مطرباً ، مات قبل مقتل والده .
9 ـ أنطوني كوين: الممثل العالمي الشهير الذي جسّد شخصيّتي عمر المختار وشخصية وزوربا اليوناني .

شاهد أيضاً

رحلة طائر الكاتبة
خلود الشاوي

ذاتَ يومٍ خرجَ طائرٌ عن سربِهِ لأنه كان منزعجا من قوانينِهِ الصارمةِ ،راحَ يُرفرفُ مسرورا …

لوحة ذالك الفلاح الذي اختار التحليق
محمد محجوبي / الجزائر

بين السمرة التي رسمت ملامح الفصول وبين وهج الطين الذي حفظ أنفاس الرجل تشابهت أوراق …

في ذكرى وفاة ميّ زيادة
كم مثلك يا ميّ من تخشى أن تبوح بأسرار قلبها
فراس حج محمد/ فلسطين

{الكلمة التي لا تموت تختبئ في قلوبنا، وكلما حاولنا أن نلفظها تبدلت أصواتنا، كأن الهواء …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *