غانم عزيز العقيدي: دلامـــــة والخائن طوكان (قصص قصــيرة) (1)

دلامة والخائن طوكان
بسبب كبر سنه وتعرضه الى الخسارة في عديد من المرات التي كان يشارك فيها ابو دلامة بسباق الريسسز لولعه الشديد فيه آنذاك قرر التخلص من الحالة غير المجدية التي كان يعيشها فعمد الى التخلص من حصانيه ببيعهما الى احد اقرانه من المربين.
اخذ دلامة عن ابيه فكرة الريسسز وسباق الخيل والمراهنات والارباح والخسائر بقيت عالقة في ذهنه عندما كان ابوه يصطحبه الى بغداد وهو صبي لحضوره المسابقات.
عاد دلامة يوما الى البيت وهو يمتطي حصاناً ادهم وبعد ان ربطه في الاسطبل القديم المجاور لبيتهم دخل على ابيه والبشاشة على وجهه ليخبره بانه اشترى حصانا اصيلا بثمن رخيص وطلب من ابيه ان يذهبا الى الاسطبل لرؤية الحصان.
بخبرته الطويلة نظر الأب الى الحصان بتمعن فقال لدلامة :
– انه ليس بأصيل انه كديش وان اذنيه ليستا صغيرة ومنتصبة وان عينيه ليستا متوقدتين وانه مسن وان كانت قوائمه تشبه قوام الفَرس واعتقد انه حصان عربة.
قال دلامة:
– ان صاحبه تمنّع ان يبيعني حصانه في البداية لكنني الححت عليه الى ان وافق على البيع
قال الأب :
– لماذا اتى به الى السوق اذن؟
قال دلامة :
– انه كان في طريقه الى السوق فمرَّ ليخمن سعره واضاف دلامة قائلاً: انه فكرَّ في شراء الحصان ليشارك فيه بسباقات الخيل التي تقام في بغداد في ايلول.
ضحك الأب قائلاً: لنرى وان كنت تصغي لما اقوله لك فتخلص من الحصان ببيعه بخسارة لأني اظن ان حصانك لن يجاري احصنة السباق هذا اذا سمحت لك اللجنة بضمه الى احصنة السباق. لم تلق نصيحة الاب اذاناً صاغية من دلامة وقد أثر فيه عشق حصانه واصراره على المشاركة بالسباق وحلمه بالفوز.
اهتم دلامة بشغف بحصانه الأدهم واطلق عليه اسم طوكان وكان ياخذه بين يوم وآخرمع الاخوين من ابناء الحارة الفقراء حمد وحمود يساعدانه ليمارس الرياضة والتدريب مع احد جاكي الخيول الى حين موعد افتتاح موسم السباق المعطل في ايلول تجنبا لحر بغداد اللاذع ولراحة الخيول.
عندما يجلس دلامة في المقهى يحدثنا عن طوكان وتدريباته واهتمامه به وانه يأمل ان يحصل به على المركز الاول وقد رصد له 30 دينارا للمراهنة عدا ثمن شرائه وعدا المصاريف التي صرفها وسيصرفها عليه وانه يأمل بعد فوزه وكسب الرهان ان يبيع فرسه كما كان يسميه بمبلغ ثمين ويعود الى الموصل وقد حقق ربحاً عالياً.
قرب موعد السباق واشترى دلامة رداءً محلّى بكرات ملونة منسوجة من القطن يغطي حصانه حتى القوائم عدا رأسه وحامية العيون وهيأ مستلزمات نقل الحصان بسيارة خاصة ولم يشحنه بالقطار مثل البقية واختار الاخوين حمد وحمود لمرافقته مقابل اجر.
في طريقه الى بغداد مرًّ دلامه بالسيارة التي تقله مع الحصان من امام المقهى وهويحيينا و يلوح لنا بيديه وكذلك فعل الاخوان الجالسين على سطح السيارة ووقفنا في موقف استعراضي نحيي ونودع دلامة وهو في طريقه الى مضمار السباق .
وما ان وصل دلامة المنصور اودع حصانه في احدى اسطبلات الخيل القريبة من مضمار السباق في المنصور لدى احد سايسي الخيل العجوز ممن زامن اباه قبل ان يترك ابوه مسابقات الريسسز وهو يسكن الى جانب الاسطبل ويساعده ابنه الشاب سعيد ونقد دلامة السائس بعض النقود .كما رجاه ان يعد مكانا للصبيين في الاسطبل وقد ابدى السائس العجوز استعداده التام لخدمة دلامة اكراما لصداقته وعلاقته مع أبيه لكنه لم يبد رأيه بطوكان مع انه في قرارة نفسه يشك ان يكون الحصان اصيلاً.حجز دلامة له غرفة يبيت فيها في نزل قريب بين الاسطبل والمضمار
كان سباق الخيل يقام في أيام الجمعة والأحد والأربعاء من كل أسبوع .. طبعا أيام الجمع كانت هي الأكثر أزدحاماً, ولهذا السبب كانت أحسن الخيول تتنافس فيه كانت الخيول تصنف حسب درجة أصالتها وفوزها بالسباقات..حيث تتدرج من الميدان للمبتدءآت والمسنات كما كانت للخيول المشكوك بأصالتها وجميعها لم تفز بأي شوط ..
بعد الحاح دلامة على لجنة فحص الخيول تم قبول طلب دلامة دخول طوكان في سباق ال خمسة اثمان ميل للأحصنة المبتدئات والمسنات وحدد له يوم الاربعاء لدخول طوكان المسابقة الاولى وسيتم تحديد الوجبة التي سيشارك فيها طوكان في السباق وقد لاقى دلامة مشكلة في ان يجد جاكي يمتطي حصانه في السباق لكنه استطاع ان يقنع السائس ان يمتطي ابنه سعيد طوكان يوم السباق.
حلَّ صباح يوم الاربعاء الذي كان فيه دلامة بفارغ الصبر ينتظره ولم ينم ليلتها واخرج بصحبة سعيد الحصان من الاسطبل وتوجها الى المضمار، تمَّ تخصيص الرقم 6 لطوكان وتم استلام سعيد لباس الجاكي باللون الاصفر ليميز عن باقي الخيول في ارقامها والوان جاكيها.
راهن دلامة بمبلغ ثلاثين دينار على الفائز الاول الذي سيحصل على عشرين درهم لكل ربع دينار واحتسب دلامة ربحة سيصل الى 360ديناراً في حالة فوز طوكان اي انه سيربح ثلاثمئة دينار صافياً بعد طرح المصاريف عدا ثمن بيع الحصان الذي سيبيعه باضعاف مضاعفة.
امتطى الجاكي سعيد طوكان داخلا الى قفص السباق المسمى بالمشن بانتظار ان يؤشر مراقب السباق المخضرم بعلمه الاحمربدء الانطلاقة مع جرس اذاعة المضمارالذي يعلن بداية السباق ، انطلقت الخيول كل من مكانه بعد تاشير مراقب السباق وقرع جرس الاذاعة معلنا بدء السباق الا ان طوكان بقي واقف في مكانه لاينحرك بالرغم من محاولات الجاكي سعيد المستميته لانطلاق طوكان الا ان جميعها باءت بالفشل.
تم تاجيل المشاركة الثانية لطوكان بعد عدة اشواط لمسافات ابعد وانهمك سعيد بتهدئة طوكان وحسه حتى جاء الدور مرة أخرى وعند انطلاق اشارة بدء السباق بقي طوكان يراوح بمكانه ودلامة يراقب من المدرج ما يحدث وقد شبت النار في جسده وود لو الهب ظهر طوكان بالسوط.
تم تخصيص الشوط الاخير للخيول المسنة الخاسرة وسجل طوكان في الشوط الاخير وكان كل من سعيد ودلامة يأملان ان يستجيب طوكان ولكنه كالعادة بقي واقفا في مكانه وتم اخراجه من السباق وشطبه من قوائم السباق نهائيا وسط خيبة امل دلامة.
عاد سعيد الى الاسطبل وهو يمتطي طوكان وتبعه دلامة الذي لم ينبس ببنت شفة وما ان دخلا الاسطبل اخذ دلامة السوط من يد سعيد وانهال بالضرب بجنون على ظهر طوكان وهو يسب ويشتم مخاطبا طوكان ساردا كل مافعله له من عناية ودلال وما انفقه من مال وهو يتأمل ان يفوزبالسباق وطوكان يصهل من شدة السياط ثم استطاع سعيد ان يخلص الحيوان من يد دلامة بقوة.
اوعز دلامة الى الاخوين بان يأخذا الحصان الى الموصل سيرا على ان يصلا الموصل مهما كان الثمن وحذرهما بعد ان اعطاهما مبلغا محترما ان يعودا الى الموصل بدون الحصان وانه سيبلغ الشرطة عن سرقنهم للحصان في حالة عدم عودتهم به.
غادر دلامة بغداد بعد تسديد ماترتب عليه للسائس ابي سعيد وابنه وغادر النزل الى علاوي الحلة وركب في سيارات الانكرلي المتو جهة الى الموصل.
لم يستطع دلامة ان يخبر اباه عن خيبته واختلق قصة ان حصانه قد تمرض في بغداد ولم يستطع ان يشارك في السباق بسبب ذلك وانه قد ابقاه حتى يتم شحنه مع بقية الخيول العائدة. بعد ان عاد دلامة خائبا حكى لنا قصته مع الالم ونحن نضحك مما جرى له وهو الذي كان يراهن على طوكان ويؤمل نفسه بالفوز والربح الكثير.
يعد رحلة شاقة متعبة عاد الاخوان حمد وحمود بالحصان الذي بان عليه الهزال والتعب.
فلم يدخله دلامة الى الاسطبل وابقاه في الخارج بعد ان ربطه وفي الصباح الباكر اخذه الى السوق وباعه دون ان يتواقف على السعر المدفوع بالرغم من انه قد اشتراه بثلاثة اضعاف الثمن المدفوع به.
في احد الايام ونحن جالسون في المقهى ومعنا دلامة وقفت عربة في الجانب البعيد من الشارع الذي تقع فيه المقهى وتوجه الحوذي الى المقهى في الوقت الذي كان دلامة مشغول بالنظرالى احد الحصانين ثم قام من مكانه وتوجه الى العربة ونحن ننظر اليه وقد وضع فمه في اذن الحصان الادهم الذي بانت عظام جسمه ثمَّ عاد دلامة الينا قائلاً: انه كيطان الكديش الذي توهمت انه فرس فخذلني واخسرني كثيراً من المال.
سأله احدنا: لماذا وضعت فمك في اذنه؟
اجاب دلامة : لقد قلت له لقد دللتك بافراط
ماكنت احسبه بانك الحصان البطلُ ** ولم أدرِ انك فقاعةٌ جوفها ضحلُ
ايها الكديش جر العربة هوما يليق بك وهذا هو مصير الخونة.

*****

هكذا علمتنا الحياة

كان والدي يحب ان يرانا مجتمعين في منزلنا الكبيرايام العطل والمناسبات والاعياد في المزرعة بعد ان غادرناه كل الى حيث يعمل ويسكن. وكانت امي تطير فرحا بمقدم أولادها وبناتها وخاصةً احفادها، وهم مجتمعون في البيت الكبير بشقاواتهم التي لا تنتهي الا بصراخ احدهم ، وكانت امي سريعة البديهية بشكل خارق، وتحب النكتة لتضفي جوا من المرح كل مرة كنا نجتمع فيها ، وأذكر مرّة في أحد الأعياد الذي صادف عيد ميلادها الرابع والسبعين، وباجتماع عائلي بهيج قام به على الخدمة احفادنا اليافعون ، ودار الحديث عن شهر العسل ، فبدأن أخواتي الثلاث يخبرننا عن رحلاتهن مع أزواجهن الى الخارج ، مع التوسع في التفاصيل عما شاهدن وشاركت كل من زوجتي وزوجة اخي الحديث عن سفرهما وعرسهما وما الى ذلك ، ثم تقدمت أحدى الحفيدات التي كانت تستمع الى الحديث بلهفة الى أمي وسالتها:
الى اين ذهبت في شهر عسلك ياجدتي؟ لم تتردد امي لحظة وبابتسامة عريضة قالت أمام ابي:
لقد أخذني جدك الى الطابق العلوي حيث غرفتنا..
كان ابي يحب ضجيج الجماعة والحركة وكميات الطعام الكبيرة التي تحضر لتلك المناسبات ، وكان ينعم برفقة أحفاده وهويلاطفهم ويقيم حلبة مصارعة معهم ويلعب كرة القدم والمضرب وغيرها من الالعاب التي تستهويهم وتستهويه ايضا وكنا نرقب ذلك بنشوى ونحن ننتظر موعد الغداء المميز في ذلك الجمع السعيد ويحرص ابي ان يطوف باحفاده في المزرعة في شاحنة قديمة من نوع فورد اعتاد ان يقودها ،وكانت تكتظ براكبيها الصغار فتدور وتلف مفرقعة ومقرقعة والاولاد فوقها يرتجون ويهتزون، وكانت احلى فقرات الرحلة هو حصاد البيض الذي يقوم بجمعه الاولاد من حضائر البط والدجاج.وبعد ان تجهز مائدة الطعام ويشارك الجميع بنقل الاطباق من الطعام اللذيذ الذي تعده امي بمساعدة اخواتي ، تعلو وجه ابي الابتسامة والسرور وهو يرى عائلته الكبيرة مجتمعة على المائدة التي يحرص دائما ان تكون عامرة، ومن فرحته يسهم ابي بالاكل مجاملة لنا، لانه يعزف عن الشهية من غبطته الشديدة بنا، ويتسابق الاحفاد كل يريد الجلوس الى جانب جدته وقد تضطر امي الى ان تضع احد الصغار في حضنها وهي تطعمه. ونستمتع نحن بالغداء ونحن نحتفل باجتماعنا العائلي، وحين يحين موعد المغادرة يقوم أبي بتغطية وجهه قبيل توديع الجميع وبذلك يخفي وجهه والكآبة التي تجتاح قسماته فيما تقف امي مودعة وعيناها دامعتان عندما تنصرف السيارات الواحدة تلو الأخرى،انه شعور العاطفة المفعم بالحب والطيبة والحنان .اليوم كانت لي ذكرى عن تلك الأيام الخوالي وأنا اقف وحدي وان كانت امي تقف الى جانب ابي ساعة وداعنا انذاك، لم تكن زوجتي التي غادرتني تقف الى جانبي وأنا آمل ان تعود زوجتي مع اولادي واحفادي الى البيت انها دورة الحياة التي لانهاية لها.
*****

البيت الريفي

لم يكن بيت جدي لإبي القديم الذي تسكنه عائلتنا ابي وامي وانا واختي الصغيرة منيرة مناسباً للسكن من الناحية الصحية في مدينتنا الباردة ، لتقادم بنائه ولتبقع جدرانه وتآكلها من الرطوبة العالية التي تتسرب اليه لقربه من النهر وكانت خلافات ابي وامي مستعرة، ولايكاد يمضي يوم من دون ان يحتدم الجدال ويعلو الصياح بينهما قبل ان يذهب الى عمله وبعد ان ياتي الى البيت انا ومنيرة نعيش حالة من الخوف من الذي يجري الامر الذي اثّر بشكل مباشر في نفسيتنا وقد كنت نتيجة لذلك من اكثر المتحمسين للهروب من هذا المنزل التعس والمشاكل التي اعيشها انا ومنيرة يومياً بخلاف لا ينتهي واسعى لرؤية أشعة الشمس الشحيحة وكانت امي تواقة الى ان تترك البيت ايضا وترغب بالعيش قرب اخيها في الريف حيث الهواء الطلق والشمس الدائرة لكن انتظامنا في المدارس عطل برنامجها فقد كنت في الثاني المتوسط وكانت منيرة في الرابع الأبتدائي، وكثيرا ما كان السجال قائما بينها وبين ابي حول انتقال بيتنا وابي يحاول ان يسوف الامر سنةً إثر أخرى ،وكنت بالطبع اوافق امي الرأي لترك البيت،لاني كنت اكثر معاناة من الوضع القائم واقل احتمالاً للبرد والرطوبة، وفي يوم من ايام الشتاء الباردة وكان البرد حالة استثنائية،دخلت وانا عائد من المدرسة واخذت أنقل بصري في ارجاء المنزل بكابة وضجر ثم انفجرت باكيا وانااصيح لماذا نتحمل هذه المشاكل اليومية وهذا البرد وهذه الرطوبة ان مانحتاجه جميعا هوحياة هادئة و اشعة الشمس والهواء النقي والفضاء المفتوح ولماذا نحرم انفسنا وكانه قد حكم علينا ان نتحمل هذه المشاكل و نتانة هذا البيت الهرم ورطوبته العفنة .
تفاجأت امي وغلبت عليها الدهشة بثورتي المفاجئة، فاحتضنتني مطمئنة وواعدة بانها ستترك هذا البيت الى الريف بعد ان نؤدي امتحانات نصف السنة وستعمل على نقل مدارسنا أيضا حيث بيت ومزرعة خالي بلال.
لم يكن لأبي ان يفعل شيئا حيال اصرار امي وتهديدها له بانها ستاخذنا معها الى الريف وتتركه،وربما يكون قد وجدها فرصة للتخلص من الحالة التي يعيش فيها بخلافاته مع امي، وهذا ما جرى بالفعل.
نقلتنا سيارة الأجرة منذ الصباح الباكر بعد ان قضينا ليلتنا بتحضير احتياجاتنا للاعودة بما فيها حاجاتنا المدرسية.
في بيتنا الصغير الذي خصصه لنا خالي والضيافة الكريمة التي حفنا بها ،شعرت باني أحلق في عالم جديد رائع : فقد بدت ساعاتي نابضة بالحياة الممتعة
في كل صباح كنا نستيقظ على رائحة الفحم المنبعثة من المطبخ الصغيروعلى نباح الكلاب ولهاثها وعلى رنين أجراص الأغنام المتوجهة الى المراعي، رنين يثير في النفس شجناً ،اعتدنا على تناول فطورنا في الهواء الطلق في الأيام المشمسة حيث تنساب اشعة الشمس الدافئة فتغمر بيتنا الصغير من جوانبه ومن خلال اشجار اليوكالبتوس والسرووالحمضيات وكنا ونحن نتناول فطورنا فرحين ومبتهجين ،كنت تواقا الى ان استكشف واستطلع ما حولي وانا جديد في المنطقة ضمن برنامج يومي بعد ان تجاوزت مرحلة العداء مع كلب خالي سويدان الذي ناصبني العداء في البداية ثم بدا بالتودد الي ومازالت عطلتي المدرسية ممتدة وعندما كنت اتعجل بتناول فطوري من البيض والخبزالمصنوع على نارالحطب،تتمتم امي بقولها تمهل في الأكل ليس هناك ما يدعو الى العجلة.
كنت اريد جاهدا ان اتعرف الى البلدة وطرقها وبعض من سكانها وانا احس اني قد خلقت من جديد في هذا الفضاء الاخضر الدافئ المحبب للنفس وكم كنت اتمنى لو كان ابي برفقتنا وهو الذي يعاني من مفاصله وانا الذي كنت اطالب بالرحيل عنه وربما تكون مدة غيابنا عنه قد زادته شوقا لرؤيتنا.
في مراحل استكشافاتي الاولى صحبتني امي ومنيرة الى بيت بنت عمها الارملة السمينة هناء،كانت الارملة هناء تسكن بيتا في اعلى التل الذي تناثرت عليه بعض البيوت التي علت ادخنتها القرمدية بمنظر بديع لايكاد يصدق وسط مروج خضراء امتدت مع الافق .
كانت الارملة هناء وهي امراة مرحة تستقبلنا في كل مرة نزورها ببشاشة وترحاب وتابى الا ان تكرمنا بضيافتها وسط ممانعة امي ،اعتادت الارملة هناء تجلس امام مدخل بيتها الصغير وبيديها مغزل تغزل به صوف الخراف الذي تحوله الى خيوط ثخينة خشنه ،ومن الارملة المرحة تعلمت بعض من اغاني البلدة الريفية التي لاتنسى ومازالت باقية في الذهن ومن خلال رعي اغنام خالي الذي صاحبته عدة مرات تعرفت على الراعي مسعود وهو رجل متوسط العمرمتوسط القائمة اسمر جميل وتوثقت معرفتي به وكنت ازوره في بيته الصغيرفوق التل الذي تسكنه الارملة هناء والواقع ان ما جذبني الى مسعود ونحن في المرعى جميل عزفه على المزمار وهو يعزف الحانا ريفية رائعة ويتوقف احيانا ليغني بصوت عذب وكانه سحرمن تلك الاغاني التي كانت ترددها الارملة هناء.
انتهت العطلة الربيعية وابتدأنا انا ومنيرة الدوام في مدرستينا هي في مدرسة ابتدائية للبنات وانا في مدرستي الجديدة الثانوية المختلطه،وكم كنت سعيداخاصة وان المدرسة المشيدة حديثا لم تكن مزدحمة ولم يكن نظامها يحاكي نظام المدينة من ناحية التشديد وكان اغلب الطلبة هم من اهل البلدة والقرى المجاوره لها.
لم يعد بامكاني مواصلة مشاويري في البلدة بعد ان انتظمت بالدراسه لكني استثمر بعضا من وقتي ايام الجمع والعطل لمزيد من التنقل بالبلدة التي احببتها بشغف.
لدى عودتي من المدرسة ظهر احد الايام أخبرتني أمي بان خالي بلال قد وافق على زواج راعي أغنامه مسعود من الارملة هناء بعد ان أخذ موافقتها عندما فاتحه مسعود برغبته بالزواج من هناءعلى أعتباره ولي أمرها وقد أبدت هناء موافقتها على زواجها من مسعود،وقد رأى خالي بلال ان يقيم لهما حفلة عرس إكراما لإبنة عمه هناء، ووفاءً لراعي اغنامه مسعود.
اقيم حفل العرس امام دار خالي بلال وقد حضر الكثير من اهالي البلدة واقيمت الدبكة على انغام المزمار والاغاني الفولكلورية وابى قسم من اهل البلدة الا ان يعزف مسعود لزوجته بالمزمار وهم يرددون سوية الاغاني التي كنت قد سمعتها من العروس هناء وقد دخل خالي الى حلقة الدبكة وهو يمسك بيد زوحته ودخلت انا وامي الى الدبكة بناءً على دعوة خالي وكان شعوري بالغبطة لا يوصف وانا امسك بيد امي ولأول مرة في ذلك الحفل البهيج في ذلك اليوم من الايام التي علقت في ذاكرتي.
لدى عودتنا الى البيت لم تكن امي على مايرام واحسست بتعكر مزاجها نوعا ما وكانت منيره تحتضنها وهي مدمعة العينين وبعد الحاح مني ابدت امي اشتياقها الى ابي قائلة :
لقد احسست بالضعف في الحفل عندما رايت تلك العائلات مجتمعة ومبتهجة، اني افتقده هنا و كم كنت اتمنى ان يعيش معنا .
اثرفيّ موقف امي كثيرا الامر الذي دعاني للذهاب الى خالي والطلب منه الذهاب الى ابي واقناعه بالمجيء للعيش معنا او لزيارتنا لعدة ايام على الأقل.
عاد خالي من زيارة ابي قائلا:
لم اجده في محله وعندما ذهبت الى البيت وقرعت الباب اجابتني امرأة من الداخل بانه مسافرلمشوار يتطلبه عمله، وعندما سألتها عمن تكون ؟ أجابت :انها زوجته.

*****

2019

شاهد أيضاً

حوارات مع أديب الأطفال المبدع الكبير “طلال حسن” (6)

إشارة: بين وقت وآخر يتحفنا المبدع الكبير “طلال حسن” بنتاج إبداعي جديد في مجال أدب …

ناطق خلوصي: طيور الفجر

لا تدري بالضبط : أدمدمة رعد أم دوي طائرة مقاتلة اخترقت حاجز الصوت ، ذلك …

حوارات مع أديب الأطفال المبدع الكبير “طلال حسن” (5)

إشارة: بين وقت وآخر يتحفنا المبدع الكبير “طلال حسن” بنتاج إبداعي جديد في مجال أدب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *