التجاذب بين الرؤيا والرؤية في نصوص الشاعر العراقي نامق سلطان
الإهداء: إلى شهداء انتفاضة التحرير
كتابة: علاء حمد-العراق

إشارة :
أمام هذا النشاط الثر والمُثقل بالأطروحات الجديدة للناقد العراقي المبدع “علاء حمد” لابُدّ من تقديم التحية له على هذه السلسلة من الكتب والدراسات التي تحمل بصمة نقدية مُميّزة وسمة أسلوبية خاصة ، والأهم هو وفاؤها للابداع العراقي ورموزه التي تعاني قلّة الاهتمام من نقّاد وطنها برغم علوّ كعب منجزها. تحيي أسرة موقع الناقد العراقي الناقد علاء حمد وتشكره على ما يخص به الموقع من دراسات وتتمنى له الصحة الدائمة والإبداع المتجدد. كما تحيي روحه العراقي الغيور وهو يهدي دراساته (إلى انتفاضة ساحة التحرير المجيدة).

نميل إلى الرؤيا كدرجة من درجات الكشف عن الأحلام في الشعرية، ويكون عامل الخيال ذا أبعاد تناسلية ليجمع الرؤيا والرؤية، حيث أنّ للبصرية مساحتها وعلاقتها مع رؤى الشاعر عندما تستقيم أمومته الشعرية وتكون لها مؤثراتها من خلال الحدث الشعري الرؤيوي..
الشاعر العراقي نامق سلطان، نستطيع الدخول إلى مجموعته الشعرية ( مثل غيمة بيضاء ) من عدة نوافذ، حيث تعدد الرؤى لديه تجعلنا نتوقف مع نصوصه الشعرية وهي تمتلك مساحة واسعة من المفاهيم المتباينة.. لذلك فإنّ للمتباينات الشعرية التي يطلقها في مستعمرته، لها أبعادها التخييلية في فنّ إيجاد التصوير، لذلك يعتمد الشاعر على مسلكين، الأوّل من خلال الذات المتغيرة وغير المستقرة، والثاني من خلال البصر والبصرية، ومحفظة العين التي لها الأثر والفعالية في جذب الحدث الشعري وتقريبه..
إنّ فعل المتخيل يقودنا إلى الحصول العمل التلقائي في الخلق النصّي، بينما يكون للذات جاذبيتها وعملها المتغير مع المحسوس الداخلي لتوطين الأفكار المتعددة والتي تستعيرها من العوالم الدائرة حولها.. فمساحة الخيال التي يعتمدها الشاعر عادة في النصوص النوعية، تكون بميزة المراقبة الذاتية..
يكون النصّ عادة جزءا من الحلم، ويعتمد على المناطق الكشفية، وهي المناطق التي تكون أكثر تقاربا من الذات من جهة، والأكثر ملامسة لرؤية الشاعر من جهة ثانية، لذلك ومن خلال هذا المنطق نلاحظ أن المبينات وسببيتها هي التي تتآلف مع المعاني، وتقودنا إلى رؤى الشاعر من خلال الصور الفنية التي هي من أساسيات النصّ الشعري، حيث يكمن الثقل الشعري هنا، ومن خلال هذه المكونات هناك سببية مهمة يعتمدها الشاعر عادة، وهي البعد الفلسفي للغة، حيث أن العلاقة مابين الصورة الفنية واللغة علاقة جدلية، ومن خلال هذه العلاقة، تُـلبس اللغة برقع الفلسفة، لتكون المعاني ذات اختلاف وأبعاد غير مطروقة..
عندما نكون مع الرؤيا فنحن مع لغة الأحلام، ولكن ما علاقة الأحلام باللغة؟ قد يتطرق الفهم إلى مفهوم الأحلام التقليدية التي يراها النائم، فالشاعر يخلي سبيله من هذا الاتجاه، فالأحلام وإن كانت أحلام اليقظة، لها اتجاهها الخاص، والمعني خلف هذه اللغة إنها تعتمد الخيال ويكون لفعل المتخيل مساحته الواسعة، فيميل الخلق النصي إلى حالات الدهشة والصور الشعرية المميزة، وهذا الجانب له علاقات مع الرؤية والتي تعتمد على الرؤية الذاتية، ورؤية القلب، ورؤية العين، وثقافات تعددية لها ميزتها في التواصل والتعدد حسب نوعية الشاعر ومايحمله من تفكير، وانفعالات داخلية، لاتظهر إلا في مضامين النصوص ومدى ثروتها في التصورات والاستعارة وشروط تقبل الباث أساسيات التصوير والصور العالقة أو تلك التي تدخل من جديدة، ومن هذه الشروط ، التفاعل الذاتي، والهيمنة التجددية في إيجاد الثقل الشعري في النصّ؛ وكذلك حالتي الهدم والتشييد.
إنّ علاقة العين بالذات، هي علاقة المنظور الحسي عندما يقدر المسافات، لذلك فشعور العين عندما ترى الأشياء فأنها تكون ذات علاقة مع الذات، وهناك تراسلات ضمنية، والعين أيضا تتأثر عندما تلتقط الأشياء الجميلة، ويصيبها العجب عندما ترى الأشياء العجائبية؛ فيستحظر الشاعر الأبعاد التي تخصّه من الخارج، والأشياء التي يقدرها تقديرا بأنها لا تخصه نلاحظ أن العين لاتلتفت إليها، والتفاتة العين نحو الأشياء من خلال التأثيرات الشيئية، فلو شبّ حريق في بيت أو شارع، فسوف نلاحظ أن العين ستنجذب نحو الحريق بسرعة هائلة، وذلك بما تشكله الحرائق من مخاطر عديدة، فيصيبها الانتباه مباشرة..
ومن خلال هذه الحالات والتي من الممكن جدا أن نطلق عليها الحالات التجريبية، نلاحظ تكوين القول المؤدي إلى مضمون الحالة الملتقطة، فالحريق الناشب أمام العين، ينطقه الكلام مباشرة دون الرجوع إلى تفسيرات تذكر، ومن هنا تتبين الحالة الديناميكية في تفسير الأشياء وتفكيكها، وتكون مراسة الحواس فيما بينها التأثير والتفاعل المباشر. إنّ ماتثيره العين للذات، تعكسه الذات على فعل القول، والإثارات التي نتحدث عنها هي التي تشعل مساحة الخيال بالتأمل والتصورات وكذلك حركة المؤشر الهادئ أو المضطرب، فالانفعالات الذاتية لها الأثر على تشييد وبناء النصّ الشعري..
لعلّي لم أتعلّم شيئا.
أنا بحاجة إلى وقت أطولَ
كي أدرك الوردة قبل ذبولها
والشجرة المفردة في سفح الجبل
تلك المشغولة بتأمل وحدتها
..
نافذتي مفتوحة على أشياء كثيرة
بعضها مرّ بسرعة
وبعضها مازال ماكثا في داخلي
منذ قرون
ويتناسل
كالحروبْ

من قصيدة : درسٌ ممل – ص 7 – مثل غيمة بيضاء
تكلمنا حول تشييد النصّ، وليس بناء النصّ، باعتبار النصّ له من الأبنية العديدة ولايستطيع الشاعر التخلي عن هذه الأبنية، ولكن هنا معمارية النصّ الشعري من خلال الرؤى التي يمتلكها الباث عادة، لها الأهمية في الشعرية وخلق النصّ من طراز جديد، ومن هذه الرؤى مثلا؛ الرمزية ومساحة الخيال التي ينسجهما الشاعر عادة، ونحن نبحر مع نصوص الشاعر العراقي نامق سلطان، والذي ينسج نصوصه بخاصية نصية لكي يخرج من المألوف ويقودنا إلى اللامألوف..
لعلّي لم أتعلّم شيئا. + أنا بحاجة إلى وقت أطولَ + كي أدرك الوردة قبل ذبولها + والشجرة المفردة في سفح الجبل + تلك المشغولة بتأمل وحدتها
.. نافذتي مفتوحة على أشياء كثيرة + بعضها مرّ بسرعة + وبعضها مازال ماكثا في داخلي + منذ قرون + ويتناسل + كالحروبْ
من خلال قصيدة ( درس ممل ) للشاعر نامق سلطان والتي اعتمدت التقطيع ( خمسة مقاطع ) هناك القول الموجه والقول الداخلي، حيث يشكل التأويل لدى الشاعر ثلاثة مضامين، ومنها القول الموجه للآخر” المتلقي ” والقول الموجه للداخل، والقول الخارج من التصورات التي يعتقدها الباث، وهو يحيك نصّه، لكي يبين بعض المبينات النصية، والتي تصبح موجهة بعدما كانت سببية في المخزن الذاتي . (( مهما يكن من أمر، فإنّ التأويل هو الذي ينشئ القول. فكلّ قول إمّا أن يكون تفسيرا لقول سبقه أو تفصيلا له أو توسعا فيه أو تكثيفا لكمّه وإيجازا لإطنابه، وما إلى ذلك. وكلّ الظاهر اللغوية هي إنشاءات تأويلية بها تكتسب اللغة قدرتها على الدوران والحركة. – ص 8 – أشكال القول من الإنشاء إلى التأويل – إشراف: د. عبد السلام عيساوي )).. ومن الممكن جدا، إن فعل القول أن يخفي القول فعل القول عن المتكلم، لذلك يجري تأسيس النصّ، من خلال التلقائية والتي تخرج من الشعور المباشر في حالة الخلق النصّي..
في المقطع الأول يضعنا الشاعر نامق سلطان أمام لغة التأمل، فهوه يشير من خلال التنبيه الضمني إلى ماهو عليه، وهي جمل إشارية للبنى المطلقة ونستطيع أن ندعوها إلى أن تتبادل الدلالات من خلال الجمل المتشابهة.. الشاعر نبه نفسه بأنه لم يتعلم شيئا ويحتاج إلى وقت أطول، ولكن أسماء الإشارة هنا لم تظهر، لأنه وظف السياق الضمني لحالة التنبيه.. وعندما أشار إلى الوردة والشجرة المفردة، نلاحظ ظهور ( تلك، والتي يتم استخدامها للمفردة المؤنث البعيدة )، في جميع الأحوال جلّ مايهمنا هو مطلع المقطع وكيفية بدايته واللغة التي وظفها الشاعر..
نقسّم عمل النصّ من خلال جسده إلى لحظات، فالمقطع الأول كانت اللحظة الأولى، ولكي نتواصل مع اللحظة الثانية، رسم الشاعر نامق سلطان البديل الأول من خلال النافذة المفتوحة، وهي الرؤية التي جذبت تلك الأشياء، فأصبح لدينا لحظتان، لحظة الرؤيا الداخلية، ولحظة الرؤية الخارجية المنظورة، حيث أنّ النافذة أيضا تمثل جزءا من الاشياء، ولكنها مفتوحة المنظور..
الغربان التي عبرت سماء المدينة
قبل أعوام بعيدة
كانت تطلق أصواتا غريبة
كثيرون ظنّوا أنها كانت تغنّي
فتجمّعوا في الشوارع والساحات
وأطلقوا أفراحا نارية
من أجل أعياد معبأة بأكياس سود

من قصيدة: الغربان – ص 9 – مثل غيمة بيضاء
الصورة والتصوير الذاتي من المتعلقات في الخلق الشعري، فبداية كلّ عمل نصي، تبدأ ذات جديدة، وتكون مهيأة تماما للدخول إلى الخيال ورسم مساحة واسعة منه، ولن نكتفي بهذا المنظور طالما يرافق الذات، حركة المحسوس وكذلك التصورات التي يميل إليها الباث عادة لخلق بوابة واسعة لفعل المتخيل لكي يستطيع الحركة باتجاهات عديدة…
الغربان التي عبرت سماء المدينة + قبل أعوام بعيدة + كانت تطلق أصواتا غريبة + كثيرون ظنّوا أنها كانت تغنّي + فتجمّعوا في الشوارع والساحات + وأطلقوا أفراحا نارية + من أجل أعياد معبأة بأكياس سود
إنّ الشعرية عالم بذاتها، عالم مختلف عن ذاتها، لذلك فالجملة المنظورة، مقتنصة من قبل الذات من هذا العالم الحاوي على العديد من الاتجاهات، ونعتبر الجملة من الجزئيات التي تتحرك في المنظور النصي، وهي تشكل بنية حركية عند توظيفها مع البنى الأخرى للوصول إلى البنة الكبيرة.
نلاحظ من خلال جزئية النصّ لدى الشاعر العراقي نامق سلطان بأنه أكد على رمزية الألوان، واعتنى باللون الأسود، والذي شكل لديه وسيلة اتصال كبنية متجانسة مع النص المقصود. ومن خلال الفعل القصدي الذي اعتمده الشاعر في الجمل المتواصلة نحصل على :
الغربان = أصوات الغناء
الغربان = كفعل قصدي اتجه نحو الآخرين
الغربان = الأكياس السود.. ومن خلال هذه المعادلة والتي اتجهت نحو ظنون الآخرين، كانت خيبة الأمل هي التي سيطرت عليهم، وقد اعتنى الشاعر باللون الأسود والذي كرره أيضا في قصيدة ( مدرسة الوطن ) كتعريف أولي بين جميع الألوان.
صوت الجرس غائب
ورائحة المقاعد الخشبية
التي كانت تضيق كلما نجحنا
غائبة
ضجيج الأولاد غائب
وصوت المدير
والحديقة الصغيرة غائبة
الألوان غائبة
الأسود هو الحاضر الوحيد

من قصيدة: مدرسة الوطن – ص 11 – مثل غيمة بيضاء
يجب أن نجد علاقة سببية بين سببين يجعل من الشاعر مستمرا بتأجيل المعاني، السبب الأول؛ العلاقة الشخصانية، والسبب الثاني، العلاقة الموضوعية، وإذا ذهبنا إلى سبب ثالث فسوف نكون مع حركة الأشياء التي لن تبقى جامدة حتى إذا أغمضنا عيوننا، فالحركة مستمرة أمام البصرية أو خلف البصرية، وسبب اختيارنا لهذه القصيدة، فذلك لأن الشاعر نامق سلطان، كان على تواصل ذاتي كأنه أجل معاني قصيدة ( الغربان ) لنجد بعضها في قصيدة ( مدرسة الوطن )، وليس هناك تكرار” ربما يظن البعض من تكرار لبعض المعاني ” وإنما هناك مؤجلات في المعنى الأول، لنجده في المعنى الثاني..
صوت الجرس غائب + ورائحة المقاعد الخشبية + التي كانت تضيق كلما نجحنا + غائبة + ضجيج الأولاد غائب + وصوت المدير + والحديقة الصغيرة غائبة + الألوان غائبة + الأسود هو الحاضر الوحيد
هناك واقع موضوعي، وهناك دربة بصرية ( كدربة الأذن ) تسقط عليها الأشياء لكي تستطيع التمييز بينها وبين التصورات التي تطرأ على الذات، إذن نميل إلى هذه العلاقة التي تقودنا إلى المعاني، فماذا يعني لنا بأن: الأسود هو الحاضر الوحيد؟ فعندما تغيب الألوان، وتغيب الأشياء، فالعين حاضرة غير غائبة، واستطاعت تسجيل العناصر الغائبة، وهي الممكنات التي دارت حولها، وممكنات الشاعر في لحظته الأولى للنصّ الشعري، كانت الأشياء الغائبة، لكنه طارد اللون الأسود والذي شكل دلالة توضيحية دلت على الحزن وخيبة الآمال بالنسبة له والمحيط الذي يعيشه.
شكّل اللون في القصيدتين، بنية أساسية تقودنا إلى بقية البنى العالقة معها، مما شكلت لنا وحدة فنية أثرت بالمتلقي كرسالة اعتمدها الشاعر وهو يخوض معجزة المعاني من جهة ومعجزة الألوان والمتمثلة بالحزن، من جهة ثانية. ويعتبر اللون من الرموز الغنية في الصورة الشعرية عند تكوينها، فيتوسع المدى الرؤيوي في النص، وتشكل حالة يقظة ونشاطا إضافيا للذهنية والتي تحتفظ بتأسيس صورها كحالة مقروؤة قبل الكتابة..

إشارات :
جزء من مادة لكتاب عربة الشعر -الجزء الثالث
المادة خاصة بالناقد العراقي
علاء حمد.. عراقي مقيم في الدنمارك

شاهد أيضاً

قراءة في قصيدة: (تراتيلُ مطرٍ يُصَلّي) للشاعر “محمد سعيد العتيق”
د. وليد العرفي

قصيدة ذات نزوع صوفي في انجذاب متناه نحو المطلق ، وهو ما يتبدّى منذ العتبة …

نايف عبوش: نعمات الطراونة.. والتواصل العصري الحي مع التراث

لعل ما يقلق المهتمين بالتراث اليوم، هو الانحسار المستمر، في ثقافة التراث،وخاصة لدى شريحة الجيل …

صباح هرمز: مسرحيات يوسف الصائغ بين الخيانة و الانتماء
أولا: ديزدمونة وجدلية الشرق والغرب (ملف/6)

إشارة: رحل المبدع الكبير “يوسف الصائغ” غريبا في دمشق ودُفن هناك بعد أن قتلته السياسة …

تعليق واحد

  1. محمود سعيد روائي عراقي

    استطاع أن يحيط طيوراً سوداً بشعرات تحلق بغيوم بيض

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *